علي الملاحي
02-12-2006, 10:42 AM
بيوت الشعر ... كانت مساكن عشائر الصقر الطائية
عاشت عشائر عرب الصقر الطائية جل حياتها في بيوت الشعر، وكانت تعزف عن الإستقرار في بيوت الحجر أو اللبن (الطين) ، ولعل ذلك نابع من كونه موروث حضاري عبر مئات السنين، فهم أهل ضرع يعشقون الترحال والتنقل حيث طابت لهم الأرض، ويعزفون من تراكم الأوساخ في المراح، فيرحلون كلما إتسخ المراح، وهم أهل غزو وإغارة، وهذا نقيض للإستقرار والدعة، وهو من طبيعة الجولان والحركة لحياة أفضل.
إمتازت بيوت شعر عربان الصقر بكبر حجمها، وحسن صناعتها وحداثتها واتساعها وارتفاع عمدها، مقارنة ببيوت القبائل الأخرى، فقد بلغ أقصى حد للبيوت ثمانية أعمدة، وقد كانوا يطلقون عليها اسم مثومن، والبيت الذي يرتكز على سبعة يسمونه مسوبع.. وهكذا، وقد كانوا ينصبون بيوتهم حول مدينة بيسان، وفي سهولها الواسعة الخصبة المليئة بأنهر المياه العذبة والينابيع الباردة المتدفقة من تحت الجبال، فتملأ الفضاء، أو ينصبونها في فصل الصيف في طول مرج بن عامر وعرضه منذ أوائل القرن السابع عشر كما ورد في كتب الرحالة الذين زاروهم عام 1630م، وتوالت زياراتهم حتى عام 1930م. يقول شاعر الصقر عبد عبدالله الموالي، واصفا كثافة بيوت الشعر بجوار بيت فضيل العرسان أحد مشايخ الصقر:
لجي ع ابو فواز للعرب دواس --- والعرب حواليه تقول غتامي
ويقول شاعر الصقر محمد البراغلة:
عقب الصهاوي على صفين وسطور --- نجر يصوت للمسايير تلفيه
وبما أن الصقر ليسوا من مقتني الماعز الا ما ندر، فقد كانوا يتبادلون أصواف الغنم التي يقتنونها، وتقدر بعشرات الآلاف، حيث عرفت في بلاد الشام بالخروف الصقري، وهو أفضل سلائل الخراف النعيمية، يتبادلونها بشعر الماعز الذي يقتنيه أهالي القرى، وعلى وجه الخصوص قرى جبال بني عوف (عجلون) فيصنع سكان هذه القرى لحفهم وطراريحهم، ويبيعون ما يزيد عن احتياجاتهم الى تجار الشام (دمشق)، الذين يصنعون منه العبائات العربية والبسط والفجج.
صناعة الشقق:
تبدأ الإستعدادات لتجديد بيوت الشعر سنويا في شهر تموز الى آخر آب، أي بعد موسم القصاص، وجلب شعر الماعز من التجار، حيث تبدأ النسوة في طرق شعر الماعز ثم غزله بالمغازل وفي هذه المرحلة تكون الخيطان سهلة القطع ، ثم برمه بالمبارم فتصبح الخيطان أكثر قوة، ثم تحول الخيطان المبرومة الى كبب تنقع في الماء ليعطيها قوة وصلابة، ثم تبدأ عملية نسج الشقق والتي يسميها الصقر بلسان طيء "النطو" أي "نطو الشقق"، أي مد الخيوط المبرومة على النول مسافة عدة أمتار، وبعرض 80سم لكل شقة، ثم البدء بإنطاء كبب شعر الماعز المبروم من طرف النول الأيمن الى طرفه الأيسر عبر خيوط النول، فتتشكل خيوط النسيج الإعتراضية (بالعرض) وتشد بلوح مصنوع من خشب الزان نسميه "المنساج" ، وترخيها المرأة بآلة معكوفة مصنوعة من الحديد أو من قرن الماعز نسميها (الشصاة).
والشقق هي أهم مكونات البيت، وواحدها شقة، ويتشكل جسم البيت من سبعة شقق مخاطة على رؤوس بعضها عرضيا، ثلاث شقق ظهر البيت الأمامي وواحدة في الوسط وثلاثة في ظهر البيت الخلفي، وهناك نوع من الشقق بعرض 20سم وبطول يساوي عرض السبع شقق مجتمعة تسمى الطرائق (طرايج وواحدها طريجة) وهذه تخاط متعارضة مع الشقق الرئيسة وفي نفس الأماكن التي ترتكر فيه الأعمدة، وجميع هذه الشقق هي سقف البيت. وأخير الرواق، والذي ينطى بضم الياء بنفس نول الشقق لكنه يحلى برقمات وسفايف بيضاء هي عبارة عن خيوط من القطن في وسط الشقة، ويشبك الرواق مع آخر شقة في ظهر البيت الخلفي بواسطة مسامير بطول 15سم مصنوعة من الحديد أو من أعواد الشجر وخصوصا شجيرة الرتم، نسميها "الخلالات" وواحدها "خلال" والرواق هو جدار البيت الخلفي، وليس لبيت الشعر رواق أمامي لأن بيوت العشائر مشرعة للضيوف، إلا أنه يمكن ستر المحرم من الأمام بستائر من قطع الصوف الخاصة لحماية الحريم من الإنكشاف. وفي الرواق قال الشاعر:
إنت عمود البيت والبيت يبني --- والبيت بلا رواق ما يذرنـي
أعمدة بيت الشعر:
والأعمدة المستخدمة في رفع البيت ثلاثة: الأول: عمدان الواسط وهي الأعمدة التي تتوسط البيت وهي الواسط وهو العمود أو الأعمدة المتوسطة للبيت إذا كان البيت يرتكز على أكثر من عمود، والثاني: عمدان الكواسر وواحدها الكاسر وهما آخر عمودين في البيت من جهة المحرم ومن جهة المقعد، والثالث: الشدح بكسر الشين وهي جمع شدحة وهي الأعمدة الأقل جودة ولها في آخرها شعبة لرفع حبال البيت من الأطراف لرفع مقدمته أو مؤخرته بطول مترين، أي أكثر من قامة الرجل.
إلا أن غالبية البيوت كانت بيوت صهوة، وهي المتوسطة الحجم، سهلة الطي والنقل، وفيها تغنت بنات الصقر عندما كن يخرجن للحطب او التروية (يرون) أي يجلبن الماء، أو في الأفراح:
هيلك يا فلانة نازلين الدرب --- حلو الصهاوي يشرحن القلب
وقلن أيضا:
هيلك يا فلانة نازلين فلاحة --- حلو الصهـاوي للغنم ذباحة
والبيوت المكونة من عمود واحد كانت تسمى أيضا بيوت ربعة، فهذا شاعر العدوان الذي زار الصقر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر 1860م، وكانوا يضربون منازلهم في مرج بني عامر ، يقول شعرا بحسين الفياض أحد أمراء الصقر في ذلك الحين:
وداعتك ربعك وما هـم ضعيفين --- يا إرباعهـم من حـول بيتك تبنـي
هذولا أهل الجدعاء مهم ردييـن --- تراهـم هــم سعــوط المجنـي
أما أقسام البيت فهي المقعد (أو الشق) المخصص لقعود الرجال، والمحرم المخصص لقعود الحريم، يفصل بينهما الساحة، وسواء المقعد أو المحرم، ينتهي كل منهما بما يعرف الرفة، والرفاف جمع رفة هي بمثابة الجدار الأيمن والأيسر لبيت الشعر، وإذا كان البيت مرتكزا على أكثر من عمود، فهذا يعني أن فيه أكثر من محرم، إذا كان راعي البيت متزوجا بأكثر من زوجة، وقد يكون المقعد كبيرا أيضا، إذ قد يتوسطه عمودان ليتسع عددا أكبر من الضيوف، وفي المقعد وهو الديوان يلتقي الرجال يتسامرون ويشربون القهوة، ويتبادلون الأحاديث، حيث توقد النار في النقرة التي تتوسط المقعد، وأحيانا تكون جانبية، كما هو الحال في فصل الصيف، إذ لا حاجة للنار.
والخلاصة أن الصقر كانت تفخر ببيوتها إلى درجة إعتبارها قصور الصقر. فهذه إحدى فتيات الصقر أطلت برأسها من نواحي بلدة كوكب الهوى عائدة من جمع الحطب بإتجاه الغرب، فرأت بيت المطلق متراميا في السهول الواسعة تمتد حباله عشرات الأمتار، فلم تتمالك نفسها، عندما رأت البيت المرتكز على أعمدة من خشب الصنوبر الثمين، وتجول به العبيد من كل جانب، فقالت:
يا بيت المطلق من كوكب إنشوفه --- إعمده صنوبر والعبيد تحوفه
وكتبه
علي بن فلاح الملاحي الصقري
مؤرخ عشائر عرب الصقر الطائية
إربد - الأردن
عاشت عشائر عرب الصقر الطائية جل حياتها في بيوت الشعر، وكانت تعزف عن الإستقرار في بيوت الحجر أو اللبن (الطين) ، ولعل ذلك نابع من كونه موروث حضاري عبر مئات السنين، فهم أهل ضرع يعشقون الترحال والتنقل حيث طابت لهم الأرض، ويعزفون من تراكم الأوساخ في المراح، فيرحلون كلما إتسخ المراح، وهم أهل غزو وإغارة، وهذا نقيض للإستقرار والدعة، وهو من طبيعة الجولان والحركة لحياة أفضل.
إمتازت بيوت شعر عربان الصقر بكبر حجمها، وحسن صناعتها وحداثتها واتساعها وارتفاع عمدها، مقارنة ببيوت القبائل الأخرى، فقد بلغ أقصى حد للبيوت ثمانية أعمدة، وقد كانوا يطلقون عليها اسم مثومن، والبيت الذي يرتكز على سبعة يسمونه مسوبع.. وهكذا، وقد كانوا ينصبون بيوتهم حول مدينة بيسان، وفي سهولها الواسعة الخصبة المليئة بأنهر المياه العذبة والينابيع الباردة المتدفقة من تحت الجبال، فتملأ الفضاء، أو ينصبونها في فصل الصيف في طول مرج بن عامر وعرضه منذ أوائل القرن السابع عشر كما ورد في كتب الرحالة الذين زاروهم عام 1630م، وتوالت زياراتهم حتى عام 1930م. يقول شاعر الصقر عبد عبدالله الموالي، واصفا كثافة بيوت الشعر بجوار بيت فضيل العرسان أحد مشايخ الصقر:
لجي ع ابو فواز للعرب دواس --- والعرب حواليه تقول غتامي
ويقول شاعر الصقر محمد البراغلة:
عقب الصهاوي على صفين وسطور --- نجر يصوت للمسايير تلفيه
وبما أن الصقر ليسوا من مقتني الماعز الا ما ندر، فقد كانوا يتبادلون أصواف الغنم التي يقتنونها، وتقدر بعشرات الآلاف، حيث عرفت في بلاد الشام بالخروف الصقري، وهو أفضل سلائل الخراف النعيمية، يتبادلونها بشعر الماعز الذي يقتنيه أهالي القرى، وعلى وجه الخصوص قرى جبال بني عوف (عجلون) فيصنع سكان هذه القرى لحفهم وطراريحهم، ويبيعون ما يزيد عن احتياجاتهم الى تجار الشام (دمشق)، الذين يصنعون منه العبائات العربية والبسط والفجج.
صناعة الشقق:
تبدأ الإستعدادات لتجديد بيوت الشعر سنويا في شهر تموز الى آخر آب، أي بعد موسم القصاص، وجلب شعر الماعز من التجار، حيث تبدأ النسوة في طرق شعر الماعز ثم غزله بالمغازل وفي هذه المرحلة تكون الخيطان سهلة القطع ، ثم برمه بالمبارم فتصبح الخيطان أكثر قوة، ثم تحول الخيطان المبرومة الى كبب تنقع في الماء ليعطيها قوة وصلابة، ثم تبدأ عملية نسج الشقق والتي يسميها الصقر بلسان طيء "النطو" أي "نطو الشقق"، أي مد الخيوط المبرومة على النول مسافة عدة أمتار، وبعرض 80سم لكل شقة، ثم البدء بإنطاء كبب شعر الماعز المبروم من طرف النول الأيمن الى طرفه الأيسر عبر خيوط النول، فتتشكل خيوط النسيج الإعتراضية (بالعرض) وتشد بلوح مصنوع من خشب الزان نسميه "المنساج" ، وترخيها المرأة بآلة معكوفة مصنوعة من الحديد أو من قرن الماعز نسميها (الشصاة).
والشقق هي أهم مكونات البيت، وواحدها شقة، ويتشكل جسم البيت من سبعة شقق مخاطة على رؤوس بعضها عرضيا، ثلاث شقق ظهر البيت الأمامي وواحدة في الوسط وثلاثة في ظهر البيت الخلفي، وهناك نوع من الشقق بعرض 20سم وبطول يساوي عرض السبع شقق مجتمعة تسمى الطرائق (طرايج وواحدها طريجة) وهذه تخاط متعارضة مع الشقق الرئيسة وفي نفس الأماكن التي ترتكر فيه الأعمدة، وجميع هذه الشقق هي سقف البيت. وأخير الرواق، والذي ينطى بضم الياء بنفس نول الشقق لكنه يحلى برقمات وسفايف بيضاء هي عبارة عن خيوط من القطن في وسط الشقة، ويشبك الرواق مع آخر شقة في ظهر البيت الخلفي بواسطة مسامير بطول 15سم مصنوعة من الحديد أو من أعواد الشجر وخصوصا شجيرة الرتم، نسميها "الخلالات" وواحدها "خلال" والرواق هو جدار البيت الخلفي، وليس لبيت الشعر رواق أمامي لأن بيوت العشائر مشرعة للضيوف، إلا أنه يمكن ستر المحرم من الأمام بستائر من قطع الصوف الخاصة لحماية الحريم من الإنكشاف. وفي الرواق قال الشاعر:
إنت عمود البيت والبيت يبني --- والبيت بلا رواق ما يذرنـي
أعمدة بيت الشعر:
والأعمدة المستخدمة في رفع البيت ثلاثة: الأول: عمدان الواسط وهي الأعمدة التي تتوسط البيت وهي الواسط وهو العمود أو الأعمدة المتوسطة للبيت إذا كان البيت يرتكز على أكثر من عمود، والثاني: عمدان الكواسر وواحدها الكاسر وهما آخر عمودين في البيت من جهة المحرم ومن جهة المقعد، والثالث: الشدح بكسر الشين وهي جمع شدحة وهي الأعمدة الأقل جودة ولها في آخرها شعبة لرفع حبال البيت من الأطراف لرفع مقدمته أو مؤخرته بطول مترين، أي أكثر من قامة الرجل.
إلا أن غالبية البيوت كانت بيوت صهوة، وهي المتوسطة الحجم، سهلة الطي والنقل، وفيها تغنت بنات الصقر عندما كن يخرجن للحطب او التروية (يرون) أي يجلبن الماء، أو في الأفراح:
هيلك يا فلانة نازلين الدرب --- حلو الصهاوي يشرحن القلب
وقلن أيضا:
هيلك يا فلانة نازلين فلاحة --- حلو الصهـاوي للغنم ذباحة
والبيوت المكونة من عمود واحد كانت تسمى أيضا بيوت ربعة، فهذا شاعر العدوان الذي زار الصقر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر 1860م، وكانوا يضربون منازلهم في مرج بني عامر ، يقول شعرا بحسين الفياض أحد أمراء الصقر في ذلك الحين:
وداعتك ربعك وما هـم ضعيفين --- يا إرباعهـم من حـول بيتك تبنـي
هذولا أهل الجدعاء مهم ردييـن --- تراهـم هــم سعــوط المجنـي
أما أقسام البيت فهي المقعد (أو الشق) المخصص لقعود الرجال، والمحرم المخصص لقعود الحريم، يفصل بينهما الساحة، وسواء المقعد أو المحرم، ينتهي كل منهما بما يعرف الرفة، والرفاف جمع رفة هي بمثابة الجدار الأيمن والأيسر لبيت الشعر، وإذا كان البيت مرتكزا على أكثر من عمود، فهذا يعني أن فيه أكثر من محرم، إذا كان راعي البيت متزوجا بأكثر من زوجة، وقد يكون المقعد كبيرا أيضا، إذ قد يتوسطه عمودان ليتسع عددا أكبر من الضيوف، وفي المقعد وهو الديوان يلتقي الرجال يتسامرون ويشربون القهوة، ويتبادلون الأحاديث، حيث توقد النار في النقرة التي تتوسط المقعد، وأحيانا تكون جانبية، كما هو الحال في فصل الصيف، إذ لا حاجة للنار.
والخلاصة أن الصقر كانت تفخر ببيوتها إلى درجة إعتبارها قصور الصقر. فهذه إحدى فتيات الصقر أطلت برأسها من نواحي بلدة كوكب الهوى عائدة من جمع الحطب بإتجاه الغرب، فرأت بيت المطلق متراميا في السهول الواسعة تمتد حباله عشرات الأمتار، فلم تتمالك نفسها، عندما رأت البيت المرتكز على أعمدة من خشب الصنوبر الثمين، وتجول به العبيد من كل جانب، فقالت:
يا بيت المطلق من كوكب إنشوفه --- إعمده صنوبر والعبيد تحوفه
وكتبه
علي بن فلاح الملاحي الصقري
مؤرخ عشائر عرب الصقر الطائية
إربد - الأردن