صقر الخوالد
10-28-2006, 12:49 AM
القبائل التي تنقسم عشائرها بين العراق والسعودية قد يثبت أن لها دورا في مؤتمر شيعة وسنة العراق في مكة
الرياض: بدر الخريف جدة: محمد الشمري
لا علاقة للجغرافيا بالنفوذ القبلي ولا ولاء يعلو الولاء للقبيلة. من هذا المنطلق تأتي أجندة أعمال مؤتمر الصلح بين عشائر العراق، في قاعة تطل نوافذها على بيت الله العتيق، وأقدس أقداس الأمة الإسلامية على اختلاف مذاهبها ومعتقداتها.
في مكة المكرمة بدأت منذ الأمس لقاءات لوفود تمثل مختلف العشائر العربية العراقية السنية منها والشيعيشة، على أن يكون اللقاء منسجما مع تاريخ المواثيق القبلية، سواء كانت هذه المواثيق مكتوبة أو مدونة في الذاكرة البشرية، ضمن حيز الأعراف والقيم والتقاليد، التي غالبا ما تفاخر بها العرب العاربة.
وفي هذا الخصوص، أوضح لـ«الشرق الأوسط» ممدوح الرمالي، وهو واحد من أعيان قبيلة «شمر» في السعودية، وهي القبيلة التي يتوزع أفرادها بين السعودية والعراق وسورية وكافة دول الخليج وبعض الأقطار العربية الأخرى، أن هناك أحداثا تاريخية لعبت فيها القبائل العربية أدوارا مهمة، في إشارة منه إلى إمكانية وصول العشائر العراقية إلى توافق على اختلاف مذاهبهم الدينية والطوائف التي ينتمون إليها.
وبين خلال اتصال هاتفي معه البارحة، من مقر أقامته في الخبر ـ شرق السعودية ـ إن الولاء للقبيلة غالبا ما يكون أكثر عمقا من الولاء للحزب السياسي، وهو ما يرشح إمكانية نجاح العشائر في ردم الفجوة بين زعماء السنة والشيعة في العراق.
وذهب الرمالي، وهو باحث في شؤون القبائل، إلى أن الشواهد على ذلك كثيرة، ومنها الصلح الذي قاده الحميدي الدهام الجربا (زعيم من زعماء قبيلة شمر في سورية ويقيم حاليا في قطر)، عندما زار النجف في أعقاب سقوط بغداد عام 2003، مشيرا إلى أنه قوبل بحفاوة منقطعة النظير من أبناء قبيلته، الذين يعتنقون المذهب الشيعي على الرغم من أنه سني.
وروى الرمالي أن الحميدي الجربا، زار حارث الضاري، الذي يعتبر واحدا من أبرز زعماء العشائر في العراق، أوائل عام 2003، ومنه انتقل إلى النجف، حيث استقبله علماء الشيعة بما يليق باستقبال الزعماء أمثال الجربا. وشدد على ان اللقاء اتسم بشكل واضح بذوبان الفروقات المذهبية، على اعتبار أن الانتماء القبلي أكثر تأثيرا. وقال إن «القبائل طالما لعبت دورا مهما في حفظ الأمن على الحدود الدولية في العراق، ومن ذلك الدور الذي قام به صفوق الفارس الجربا، في أوائل القرن الماضي، عندما مثل وعشيرته سدا منيعا على الحدود العراقية الإيرانية، أثناء حكم الشاه في إيران». وبين أن صفوق الجربا عمل على حفظ الأمن من خلال «جيشه الذي كان على ظهور الخيل». وعن مناصرة القبائل لبعضها البعض، قال ممدوح الرمالي، إن عقيل الياور (جد غازي الياور رئيس العراق السابق) تدخل عام 1918 بالسماح لقبائل الجزيرة العربية بدخول الأراضي العراقية، على الرغم من أن الحكم البريطاني كان يمنع ذلك.
وعلى الطرف الآخر، قال المهندس منيف العنقودي، وهو واحد من أعيان فخذ «العناقيد» التابع لقبيلة «الظفير»، ويقيم حاليا في حفر الباطن شمال شرق السعودية، إن عالم القبيلة لا يعطي أهمية كبرى للفوارق المذهبية بين أفراد القبيلة الواحدة. وشدد على أن القبيلة هي المرجع الأعلى لدى أفرادها، وهي غالبا لا ترتبط بحدود جغرافية بقدر ما ترتبط بوجود العناصر والأفراد المنتمين لها وفي أي قطر يعيشون، وغالبا ما تكون لأفراد القبائل سيطرة على بعضهم البعض، منبعها الأساسي مكارم الأخلاق. وقال العنقودي إن القبيلة هي الأساس وما يأتي بعد ذلك يعتبر تفرعا من أصل واحد، وهو ما يعني أن مصلحة القبيلة كانت ولا تزال في بعض الأقطار العربية الهم الأول الذي لا يسبقه هم آخر.
وحول قدرة القبيلة على ردم الفجوة بين زعماء المذاهب المختلفة دينيا، ذهب العنقودي إلى أن ذلك أمر وارد، بل قد يكون بديهيا وسهلا، خاصة في حال حصلت القبيلة على شيء من الصلاحية، كما هو الحال في السعودية، حيث التقدير لزعماء القبائل من قبل أعلى سلطة في البلاد. واعتبر العنقودي، الذي ينتمي لقبيلة يتوزع أفرادها بين السعودية والكويت، أن الولاءات القبلية لا تلغي بحال من الأحوال أهمية الإسلام كدين، لكنها غالبا ما تحل الخلافات المذهبية فقط، مشددا على أن الإسلام ليس هو الذي يأكل أبناءه، بل بعض المسلمين يفعلون، فالإسلام ليس هو ذلك الدين الفظ الذي يعتقد به المتشددون، ولا هو الدين الذي يحيل المخالف كافرا يستحل دمه، بل هو دين الرحمة الذي يقبل التنوع والاختلاف.
من جهة أخرى، يقول عماد الكاصد، وهو كاتب عراقي إنه «لا يختلف اثنان على اختلاف لغات الشعب العراقي وتعدد أديانه ومعتقداته الفكرية والثقافية، على أهمية العشائر العراقية في إدارة الصلح بين المذاهب والديانات المختلفة». وأضاف «هذا الشعب عاش آلاف السنين على خارطة واحدة تحتضنه جداول نهري دجلة والفرات، ولم نقرأ كتاباً في التاريخ أو نسمع قصصا عن حكايات طائفية في أرض العراق، ولم يتصارع أهل العراق يوما ما من أجل السلطة أو على حفنة دنانير. لكن حكومات القرن العشرين التي حكمت العراق، حاولت جاهدة تهميش دور العشيرة العراقية، وزرع مثل هذه الحرب الطائفية التي يحاول البعض الرهان عليها».
وشدد على أنه في «كل هذه السنين عاش شعب العراق موحدا بعشائره، الكردية والعربية والتركمانية والكلدانية وغيرها من الطوائف الأخرى، التي تعيش على أرض وادي الرافدين، موحدة ومتحدة وتربطهم صلة الدم بين الأحفاد، وبقى العراق يحتمي بخيمة أبناء العشيرة العراقية التي أسست دولة العراق وعينت العشائر العراقية». وكان رئيس الحكومة العراقية نورى المالكي قد أكد في افتتاح مؤتمر العشائر العراقية للمصالحة الوطنية الشهر الماضي، أن المصالحة هي باب مفتوح لكل من يريد بناء الوطن وفرصة للاحتكام إلى العقل والمنطق، مشددا على أنه لا فرق بين كردي وعربي، ولا بين شيعي وسني، ولا بين مسلم ومسيحي، وأنه سيقف مع كل جهد طيب في طريق المصالحة.
ويوضح الدكتور سعد الصويان، الأستاذ بجامعة الملك سعود، أن العلاقات التاريخية والاجتماعية بين العراق والجزيرة العربية تعود إلى أكثر من ألفي سنة قبل الميلاد، ويرى أن العراق، من بين البلدان العربية الأخرى، هو الأقرب في تركيبته السكانية وطبيعته العشائرية إلى بلدان الخليج والجزيرة العربية، لقوة نفوذ التنظيم العشائري فيه ووجود لغة ورموز مشتركة بين شعب العراق وشعوب الجزيرة العربية، خصوصا السعودية، مشددا على أن الأمر في أمس الحاجة لتفعيل ذلك والدخول في حوار جاد مع العراقيين، لمد يد العون لهم ومساعدتهم على الخروج من أزمتهم الخانقة، لافتا إلى أنه لا ضير من اللجوء إلى شيوخ العشائر، التي لها امتدادات في العراق ليمارسوا نوعا من التأثير المعنوي والضغط الأدبي على أخوانهم هناك، لتبني سياسات وتوجهات وسطية تصالحية مع الفرقاء الآخرين، وإيجاد مخرج ملائم من حالة الفوضى والمجازر اليومية التي يعيشها العراق.
وقال الدكتور الصويان، في تعليقه على الوضع في العراق وأفاق المصالحة، إن الحديث عن العلاقات التاريخية والاجتماعية بين العراق والجزيرة العربية يعود بنا إلى سنة 2000 قبل الميلاد، حينما جاء إلى الصحراء أقوام من البدو الساميين يدعون العموريين Amorites دحروا السومريين وأنهكوا البلاد بغاراتهم وعاثوا فيها لمدة 200 سنة قبل أن ينجحوا في تأسيس دولة لهم في الشمال، هي الدولة الآشورية وأخرى في الجنوب هي البابلية. ومن البابليين حمورابي المشهور، الذي حكم من عام 1792 حتى عام 1750 قبل الميلاد، واستطاع أن يضع أول قوانين عادلة وتشريع مدني مكتوب وأن يوحد تحت سلطته بلاد سومر، التي أصبحت تسمى بلاد بابل. وكثيرا ما أضطر ملوك الآشوريين والبابليين في عصور ما قبل التاريخ إلى القيام بحملات ضد البدو، كما حدث في عام 691 قبل الميلاد. حينما قام سنحاريب بحملة ضد الملكة العربية Te"elhunu وأجبرها على الفرار من أمامه والالتجاء إلى دومة الجندل. أما الملك البابلي نابونيدوس Nabonidus فقد توغل في حملاته ضد الأعراب، التي استغرقت عشر سنوات (543-552 ق.م) حتى وصل إلى دومة الجندل (أدوماتو)، وتيما والعلا (ديدان) والحائط (فدك) وخيبر ويثرب. وفي التاريخ الحديث وصلت جيوش الدولة السعودية الأولى إلى كربلاء، وكادت جيوش فيصل الدويش والأخوان أن تصل إلى هناك في النصف الأول من القرن العشرين. ومعلوم أن المناذرة الذين حكموا الحيرة يعود أصلهم إلى قبائل من الجزيرة العربية.
وفي بداية الفتح الإسلامي تأسست مدينتا الكوفة والفسطاط لإسكان الجند، الذين يتحدرون في الغالب من أهل الحجاز ونجد وشرق الجزيرة. تمر على الجزيرة العربية دورات من الخصب ومن الجفاف، وفي أعوام الخصب يتكاثر الناس ويحدث ما يشبه الانفجار السكاني. وتتلو ذلك سنين عجاف يهلك فيها الحرث والضرع، فتلفظ الجزيرة سكانها على شكل موجات متتابعة من الغزوات أو الهجرات التي تتدافع من قلب الجزيرة العربية باتجاه الهلال الخصيب، أو ما يسمونه ديرة «الحِبَّان« (أي الحبوب) أو «ديرة الريف والرغيف» أو «دويد العسل» (دويد تصغير ديد أي نهد أو ضرع، أي الضرع الذي يدر العسل).
منذ فجر التاريخ كان العراق يشكل ملاذا لأهل الجزيرة العربية، إذا ضاق بهم العيش أو أنهكتهم الحروب. وآخر الهجرات الجماعية التي سجلها التاريخ هجرة قبيلة شمر بقيادة فارس الجربا، بعد ما قضت الدولة السعودية الأولى على سلطة آل الجربا في شمال الجزيرة. وهناك الآن العديد من القبائل التي تتقسم عشائرها وتفرعاتها بين العراق والمملكة، منها إضافة إلى شمر، المنتفق والظفير وبني خالد والنعيم والعقيدات والجبور. ومن المعروف أن الزبير والبصرة تسكنهما عوائل نجدية اضطرتها ظروف العيش وتقلبات الحياة إلى الهجرة من وسط الجزيرة وشمالها إلى العراق واستطاعت بجدها وكدها أن تكون ثروات، إما عن طريق التجارة أو عن طريق امتلاك الأراضي الزراعية، مثل عوائل البسام والذكير وغيرها الكثير. ومن هؤلاء النجديين تشكلت فرق العقيلات، الذين طالما ساهموا في فرض سلطة الدولة والنظام ولعبوا أدوارا لا يستهان بها في الأحداث السياسية هناك. وفي الآونة الأخيرة برز على الساحة السياسية في العراق العديد من الشخصيات، التي يتضح من أسمائها أنها تنتمي إلى أصول نجدية، مثل المطلك (المطلق) وآخرين.
منقول
الرياض: بدر الخريف جدة: محمد الشمري
لا علاقة للجغرافيا بالنفوذ القبلي ولا ولاء يعلو الولاء للقبيلة. من هذا المنطلق تأتي أجندة أعمال مؤتمر الصلح بين عشائر العراق، في قاعة تطل نوافذها على بيت الله العتيق، وأقدس أقداس الأمة الإسلامية على اختلاف مذاهبها ومعتقداتها.
في مكة المكرمة بدأت منذ الأمس لقاءات لوفود تمثل مختلف العشائر العربية العراقية السنية منها والشيعيشة، على أن يكون اللقاء منسجما مع تاريخ المواثيق القبلية، سواء كانت هذه المواثيق مكتوبة أو مدونة في الذاكرة البشرية، ضمن حيز الأعراف والقيم والتقاليد، التي غالبا ما تفاخر بها العرب العاربة.
وفي هذا الخصوص، أوضح لـ«الشرق الأوسط» ممدوح الرمالي، وهو واحد من أعيان قبيلة «شمر» في السعودية، وهي القبيلة التي يتوزع أفرادها بين السعودية والعراق وسورية وكافة دول الخليج وبعض الأقطار العربية الأخرى، أن هناك أحداثا تاريخية لعبت فيها القبائل العربية أدوارا مهمة، في إشارة منه إلى إمكانية وصول العشائر العراقية إلى توافق على اختلاف مذاهبهم الدينية والطوائف التي ينتمون إليها.
وبين خلال اتصال هاتفي معه البارحة، من مقر أقامته في الخبر ـ شرق السعودية ـ إن الولاء للقبيلة غالبا ما يكون أكثر عمقا من الولاء للحزب السياسي، وهو ما يرشح إمكانية نجاح العشائر في ردم الفجوة بين زعماء السنة والشيعة في العراق.
وذهب الرمالي، وهو باحث في شؤون القبائل، إلى أن الشواهد على ذلك كثيرة، ومنها الصلح الذي قاده الحميدي الدهام الجربا (زعيم من زعماء قبيلة شمر في سورية ويقيم حاليا في قطر)، عندما زار النجف في أعقاب سقوط بغداد عام 2003، مشيرا إلى أنه قوبل بحفاوة منقطعة النظير من أبناء قبيلته، الذين يعتنقون المذهب الشيعي على الرغم من أنه سني.
وروى الرمالي أن الحميدي الجربا، زار حارث الضاري، الذي يعتبر واحدا من أبرز زعماء العشائر في العراق، أوائل عام 2003، ومنه انتقل إلى النجف، حيث استقبله علماء الشيعة بما يليق باستقبال الزعماء أمثال الجربا. وشدد على ان اللقاء اتسم بشكل واضح بذوبان الفروقات المذهبية، على اعتبار أن الانتماء القبلي أكثر تأثيرا. وقال إن «القبائل طالما لعبت دورا مهما في حفظ الأمن على الحدود الدولية في العراق، ومن ذلك الدور الذي قام به صفوق الفارس الجربا، في أوائل القرن الماضي، عندما مثل وعشيرته سدا منيعا على الحدود العراقية الإيرانية، أثناء حكم الشاه في إيران». وبين أن صفوق الجربا عمل على حفظ الأمن من خلال «جيشه الذي كان على ظهور الخيل». وعن مناصرة القبائل لبعضها البعض، قال ممدوح الرمالي، إن عقيل الياور (جد غازي الياور رئيس العراق السابق) تدخل عام 1918 بالسماح لقبائل الجزيرة العربية بدخول الأراضي العراقية، على الرغم من أن الحكم البريطاني كان يمنع ذلك.
وعلى الطرف الآخر، قال المهندس منيف العنقودي، وهو واحد من أعيان فخذ «العناقيد» التابع لقبيلة «الظفير»، ويقيم حاليا في حفر الباطن شمال شرق السعودية، إن عالم القبيلة لا يعطي أهمية كبرى للفوارق المذهبية بين أفراد القبيلة الواحدة. وشدد على أن القبيلة هي المرجع الأعلى لدى أفرادها، وهي غالبا لا ترتبط بحدود جغرافية بقدر ما ترتبط بوجود العناصر والأفراد المنتمين لها وفي أي قطر يعيشون، وغالبا ما تكون لأفراد القبائل سيطرة على بعضهم البعض، منبعها الأساسي مكارم الأخلاق. وقال العنقودي إن القبيلة هي الأساس وما يأتي بعد ذلك يعتبر تفرعا من أصل واحد، وهو ما يعني أن مصلحة القبيلة كانت ولا تزال في بعض الأقطار العربية الهم الأول الذي لا يسبقه هم آخر.
وحول قدرة القبيلة على ردم الفجوة بين زعماء المذاهب المختلفة دينيا، ذهب العنقودي إلى أن ذلك أمر وارد، بل قد يكون بديهيا وسهلا، خاصة في حال حصلت القبيلة على شيء من الصلاحية، كما هو الحال في السعودية، حيث التقدير لزعماء القبائل من قبل أعلى سلطة في البلاد. واعتبر العنقودي، الذي ينتمي لقبيلة يتوزع أفرادها بين السعودية والكويت، أن الولاءات القبلية لا تلغي بحال من الأحوال أهمية الإسلام كدين، لكنها غالبا ما تحل الخلافات المذهبية فقط، مشددا على أن الإسلام ليس هو الذي يأكل أبناءه، بل بعض المسلمين يفعلون، فالإسلام ليس هو ذلك الدين الفظ الذي يعتقد به المتشددون، ولا هو الدين الذي يحيل المخالف كافرا يستحل دمه، بل هو دين الرحمة الذي يقبل التنوع والاختلاف.
من جهة أخرى، يقول عماد الكاصد، وهو كاتب عراقي إنه «لا يختلف اثنان على اختلاف لغات الشعب العراقي وتعدد أديانه ومعتقداته الفكرية والثقافية، على أهمية العشائر العراقية في إدارة الصلح بين المذاهب والديانات المختلفة». وأضاف «هذا الشعب عاش آلاف السنين على خارطة واحدة تحتضنه جداول نهري دجلة والفرات، ولم نقرأ كتاباً في التاريخ أو نسمع قصصا عن حكايات طائفية في أرض العراق، ولم يتصارع أهل العراق يوما ما من أجل السلطة أو على حفنة دنانير. لكن حكومات القرن العشرين التي حكمت العراق، حاولت جاهدة تهميش دور العشيرة العراقية، وزرع مثل هذه الحرب الطائفية التي يحاول البعض الرهان عليها».
وشدد على أنه في «كل هذه السنين عاش شعب العراق موحدا بعشائره، الكردية والعربية والتركمانية والكلدانية وغيرها من الطوائف الأخرى، التي تعيش على أرض وادي الرافدين، موحدة ومتحدة وتربطهم صلة الدم بين الأحفاد، وبقى العراق يحتمي بخيمة أبناء العشيرة العراقية التي أسست دولة العراق وعينت العشائر العراقية». وكان رئيس الحكومة العراقية نورى المالكي قد أكد في افتتاح مؤتمر العشائر العراقية للمصالحة الوطنية الشهر الماضي، أن المصالحة هي باب مفتوح لكل من يريد بناء الوطن وفرصة للاحتكام إلى العقل والمنطق، مشددا على أنه لا فرق بين كردي وعربي، ولا بين شيعي وسني، ولا بين مسلم ومسيحي، وأنه سيقف مع كل جهد طيب في طريق المصالحة.
ويوضح الدكتور سعد الصويان، الأستاذ بجامعة الملك سعود، أن العلاقات التاريخية والاجتماعية بين العراق والجزيرة العربية تعود إلى أكثر من ألفي سنة قبل الميلاد، ويرى أن العراق، من بين البلدان العربية الأخرى، هو الأقرب في تركيبته السكانية وطبيعته العشائرية إلى بلدان الخليج والجزيرة العربية، لقوة نفوذ التنظيم العشائري فيه ووجود لغة ورموز مشتركة بين شعب العراق وشعوب الجزيرة العربية، خصوصا السعودية، مشددا على أن الأمر في أمس الحاجة لتفعيل ذلك والدخول في حوار جاد مع العراقيين، لمد يد العون لهم ومساعدتهم على الخروج من أزمتهم الخانقة، لافتا إلى أنه لا ضير من اللجوء إلى شيوخ العشائر، التي لها امتدادات في العراق ليمارسوا نوعا من التأثير المعنوي والضغط الأدبي على أخوانهم هناك، لتبني سياسات وتوجهات وسطية تصالحية مع الفرقاء الآخرين، وإيجاد مخرج ملائم من حالة الفوضى والمجازر اليومية التي يعيشها العراق.
وقال الدكتور الصويان، في تعليقه على الوضع في العراق وأفاق المصالحة، إن الحديث عن العلاقات التاريخية والاجتماعية بين العراق والجزيرة العربية يعود بنا إلى سنة 2000 قبل الميلاد، حينما جاء إلى الصحراء أقوام من البدو الساميين يدعون العموريين Amorites دحروا السومريين وأنهكوا البلاد بغاراتهم وعاثوا فيها لمدة 200 سنة قبل أن ينجحوا في تأسيس دولة لهم في الشمال، هي الدولة الآشورية وأخرى في الجنوب هي البابلية. ومن البابليين حمورابي المشهور، الذي حكم من عام 1792 حتى عام 1750 قبل الميلاد، واستطاع أن يضع أول قوانين عادلة وتشريع مدني مكتوب وأن يوحد تحت سلطته بلاد سومر، التي أصبحت تسمى بلاد بابل. وكثيرا ما أضطر ملوك الآشوريين والبابليين في عصور ما قبل التاريخ إلى القيام بحملات ضد البدو، كما حدث في عام 691 قبل الميلاد. حينما قام سنحاريب بحملة ضد الملكة العربية Te"elhunu وأجبرها على الفرار من أمامه والالتجاء إلى دومة الجندل. أما الملك البابلي نابونيدوس Nabonidus فقد توغل في حملاته ضد الأعراب، التي استغرقت عشر سنوات (543-552 ق.م) حتى وصل إلى دومة الجندل (أدوماتو)، وتيما والعلا (ديدان) والحائط (فدك) وخيبر ويثرب. وفي التاريخ الحديث وصلت جيوش الدولة السعودية الأولى إلى كربلاء، وكادت جيوش فيصل الدويش والأخوان أن تصل إلى هناك في النصف الأول من القرن العشرين. ومعلوم أن المناذرة الذين حكموا الحيرة يعود أصلهم إلى قبائل من الجزيرة العربية.
وفي بداية الفتح الإسلامي تأسست مدينتا الكوفة والفسطاط لإسكان الجند، الذين يتحدرون في الغالب من أهل الحجاز ونجد وشرق الجزيرة. تمر على الجزيرة العربية دورات من الخصب ومن الجفاف، وفي أعوام الخصب يتكاثر الناس ويحدث ما يشبه الانفجار السكاني. وتتلو ذلك سنين عجاف يهلك فيها الحرث والضرع، فتلفظ الجزيرة سكانها على شكل موجات متتابعة من الغزوات أو الهجرات التي تتدافع من قلب الجزيرة العربية باتجاه الهلال الخصيب، أو ما يسمونه ديرة «الحِبَّان« (أي الحبوب) أو «ديرة الريف والرغيف» أو «دويد العسل» (دويد تصغير ديد أي نهد أو ضرع، أي الضرع الذي يدر العسل).
منذ فجر التاريخ كان العراق يشكل ملاذا لأهل الجزيرة العربية، إذا ضاق بهم العيش أو أنهكتهم الحروب. وآخر الهجرات الجماعية التي سجلها التاريخ هجرة قبيلة شمر بقيادة فارس الجربا، بعد ما قضت الدولة السعودية الأولى على سلطة آل الجربا في شمال الجزيرة. وهناك الآن العديد من القبائل التي تتقسم عشائرها وتفرعاتها بين العراق والمملكة، منها إضافة إلى شمر، المنتفق والظفير وبني خالد والنعيم والعقيدات والجبور. ومن المعروف أن الزبير والبصرة تسكنهما عوائل نجدية اضطرتها ظروف العيش وتقلبات الحياة إلى الهجرة من وسط الجزيرة وشمالها إلى العراق واستطاعت بجدها وكدها أن تكون ثروات، إما عن طريق التجارة أو عن طريق امتلاك الأراضي الزراعية، مثل عوائل البسام والذكير وغيرها الكثير. ومن هؤلاء النجديين تشكلت فرق العقيلات، الذين طالما ساهموا في فرض سلطة الدولة والنظام ولعبوا أدوارا لا يستهان بها في الأحداث السياسية هناك. وفي الآونة الأخيرة برز على الساحة السياسية في العراق العديد من الشخصيات، التي يتضح من أسمائها أنها تنتمي إلى أصول نجدية، مثل المطلك (المطلق) وآخرين.
منقول