صقر الخوالد
02-05-2007, 03:21 PM
يقدم لنا الباحث حسن علي خلف كتابه الجديد “المفصل في تاريخ مدينة الناصرية” وهو الكتاب الثاني بعد كتابه الاول “الاهوار” والكتابان صدرا عن دار المرتضى للطباعة والنشر بغداد عام 2005 . وقد كان لنا مع كتاب الاهوار وقفة نقدية، لما قدمه الباحث من جهد استثنائي في ذلك الكتاب، وفق متطلبات البحث العلمي من جهة، وما تمتلكه الاهوار من قيمة تاريخية وحضارية واجتماعية من جهة اخرى، ويتجدد لقاؤنا ثانية مع كتابه الجديد، وهذه الوقفة لا تتعلق بالبحث او التأليف، كما في الكتاب الاول، ولكنني انظر في هذا المفصل نظرة خاصة على عكس النظرة الشمولية التي امتاز بها الباحث حسن علي خلف للدخول في التوثيق الى مدينة الناصرية.
يبدأ البحث بعنوان يشير الى صلب الموضوع وهو “المفصل في تاريخ مدينة الناصرية”، ولكننا ندخل مع هذا المفصل الى تفاصيل اخرى ليس لها علاقة مباشرة بعنوان الكتاب، حيث ننتقل من الناصرية كمدينة حديثة في التاريخ الى ذي قار.. ذي قارالارض والموقعة والانحدار التاريخي الموغل في الزمن، حيث السومريون بتاريخهم وملوكهم وحروبهم وحضارتهم، والاكديون بصراعهم مع العيلاميين، ثم الرجوع الى ذي قار المعركة الخالدة.
مدينة الناصرية.. مدينة انشئت في الزمن المتأخر من الدولة العثمانية، وعلاقتها بالارض التي توارثتها اقوام كثيرة، وتكونت فوقها حضارات متعددة، لا تعدو كونها امتدادا لها، ولطالما كان تكوين تلك الحضارات بكل تفاصيلها من بناء وحروب وكوارث، مدون وموثق وعلى مدى مراحل متطورة من الزمن، فما هو المبرر لاعادة الاشياء الموثقة منسوخة من مصادرها بشكل تفصيلي، بدلا من الاشارة اليها بتمهيد واحد يفي بالغرض، الا اذا كان قصد الباحث تجميع كل ما له علاقة “بذي قار” الارض والحضارة والمكونات، لتسهيل مهمة الباحثين الآخرين، ممن يسعون الى البحث عن امور تتعلق بتلك الجوانب. وبهذا كان على الباحث تغيير عنوان الكتاب من المفصل في تاريخ الناصرية الى المفصل في تاريخ ذي قار ومع ذلك لا يمكن تجاوز الجهد المبذول في تجميع كل ما له علاقة بمدينة الناصرية منذ تأسيسها وحتى مراحل متأخرة من التاريخ الحديث، حيث تبدأ العلاقة المباشرة بموضوع الكتاب وعنوانه في ص 153 من الفصل الرابع.
وحتى في هذا الفصل وقبل الدخول المباشر الى تفاصيل بناء مدينة الناصرية يعرج الباحث على الامتداد التاريخي لسكان وادي الرافدين وشغفهم بتمصير الامصار وبناء المدن، وكما ويتناول ايضا الخصائص الاولى للمستقرات البشرية في العراق، بعدها ينتقل الباحث الى توضيح الاسباب التي انشئت من اجلها مدينة الناصرية وهي القضاء على امارة المنتفق، كما خطط العثمانيون لذلك.
ويتناول في هذا الجانب الجذور التاريخية لتلك الامارة التي يعود زمنها الى العباسيين، حيث حكمها بنو معروف الذين ينحدرون من عامر بن صعصعة، وصولا الى ال السعدون، وكانت هذه الامارة في العصر العثماني تتبع في اغلب الاحيان الى ولاية البصرة، وفي فترات اخرى الى ولاية بغداد عندما تتمرد البصرة. وكان الولاة العثمانيون يتخوفون من هذه الامارة خصوصاً في ازمان شيوخها الاقوياء امثال سعدون وثامر وحمود الثامر وغيرهم، وقد ازداد تخوفهم عندما امتدت امارة المنتفق الى جهات اكبر من آل بطائح، حيث شملت جميع البصرة وبلغت ما فوق السماوة، وكذلك امتدت الى الكوت وضمت اغلب بادية العراق، واتخذت من سوق الشيوخ مقراً لها بعد الخميسية في اغلب الاحيان، لذا بدأ التخطيط من الباب العالي في استنبول لتقليص نفوذ هذه الامارة والقضاء عليها.
كان الاجدر بالباحث ان يتوسع في الفصول الثلاثة السابقة في موضوعة امارة المنتفق وانحداراتها التاريخية، ومعاركها وانتساب عشائرها، بدلا من الخوض في احداث تاريخية بعيدة عن الموضوع، ومع ذلك استطاع الباحث ان يعطي صورة مختصرة لعلاقة ولاة العثمانيين بشيوخ المنتفق والحد من بسط نفوذهم على مناطق واسعة من العراق، حيث استطاع الوالي محمد رشيد باشا، ان يضع خطة لافراز الاراضي وترسيم الحدود، وضم السماوة الى الحلة، واسند المشيخة فيها الى منصور باشا السعدون لموافقته على ذلك، ثم استمر الوالي في هذا التقسيم للحد من نفوذ المنتفق، الى ان جاء الوالي مدحت باشا الذي ابلغ الشيخ منصور بن راشد آل سعدون، بأن العراق لم يعد يصلح لامارة بدوية وزعامة حضرية في ان واحد وهذا لا ينسجم مع مقتضيات العصر ومستلزمات الاصلاح، ولكن الشيخ منصور رفض اقامة حاضرة لتحل بديلا عن امارته، وادرك المؤامرة واعتبرها ضربة مميتة لامارة المنتفق، وعند ذلك امر مدحت باشا بحجز الشيخ منصور في بغداد ووضعه تحت الاقامة الجبرية. بعدها ارسل في طلب ناصر بن راشد آل سعدون شقيق منصور، فأبلغه بنيته. فطلب ناصر من الباشا ان يلتقي بأخيه منصور، فوافق الباشا الوالي على اللقاء.
وتدارس منصور وناصر الامر وعلموا ما يبيته لهم الوالي، وان لم يباشرا بالبناء والتنفيذ فان حياتهما هي الثمن. سيما وان هنالك العديد ممن يتربص بهم للسطو على رئاسة المشيخة فوافقا، وعاد ناصر آل سعدون الى الوالي ليعلن الموافقة على بناء المدينة. عندها سمح لمنصور بالمغادرة. بعد ان قال ناصر باشا كلمته المشهورة “انني اعرف ما وراء الاكمة”.
وتتوالى الاحداث التاريخية لبناء مدينة الناصرية، يفصلها الباحث بتتابع وتسلسل منطقي، منذ بداية تفكير ناصر باشا باختيار المكان الامثل لبناء المدينة مع المهندس البلجيكي “جولس تيلي” ويعرض الباحث خلالها عدة اماكن مختارة لتشيد المدينة عليها، ولكن ناصر باشا يختار موقع المدينة الحالي في المنخفض المجاور لبحيرة “ابو جداحة” لسبب سياسي وهو ان موقعها في منخفض منبسط اسفل البحيرة يمكنه اذا ما ساءت العلاقة مع الدولة العثمانية او ولاية بغداد، ان يحدث شقوقا في البحيرة لاغراق المدينة ويتحصنون هم في الاماكن الاكثر ارتفاعا، ولكن مدحت باشا المعروف بدهائه، ادرك القصد ووافق على الموضع، ولكنه آمر بتقوية السدود وتمتينها لتفويت الفرصة علي ناصر آل سعدون او ناصر الاشقر الذي سميت الناصرية بأسمه ويشير الباحث الى اسماء اخرى للناصرية مثل “المنتفق والمركز وعروس الفرات وارض التاريخ” وغيرها من المسميات التي تغنى بها الشعراء والادباء.. وهي الان ذي قار نسبة الى الواقعة المعروفة.
ويعزو الباحث اسباب جمال بناء مدينة الناصرية في حينها الى دقة الخرائط التي جرى تخطيط المدينة بموجبها بشكل رائع، فجاءت شوارعها مستقيمة وساحاتها واسعة وحدائقها بديعة، ولقد كان التخطيط الاولي للناصرية في جانب واحد من النهر، هو الجانب الشرقي صوب الجزيرة، ووضع حجر الاساس للمدينة يوم “22 جمادي الاول سنة 1286 هجرية الموافق 1869 ميلادية” حيث باشر المهندس والفنيون بتنفيذ الخرائط على الارض، فيما باشر العمال ببناء سراي الحكومة، ثم خططت البيوت والاسواق وجامع فالح باشا الكبير، وتمت عملية البناء بالاجر واللبن والجص والطين، وتكونت في بداية الامر في الناصرية اربع محلات هي على التوالي “السراي والسويج والجامع والسيف” وقد انشأ حولها سوراً يحيط بها وله اربعة ابواب هي:- “باب الشطرة وباب السديناوية وباب الزيدانية وباب القلعة” التي ظلت اثارها الى العشرينيات من القرن العشرين ولم يبق لها اثر في الوقت الحاضر.
وتطرق الباحث بعد ذلك الى امور كثيرة تتعلق بسكان المدينة وجذورهم التاريخية، وما يجاور المدينة من عشائر ومشايخ، بنزاعاتها مع بعضها من جهة ومع الدولة العثمانية من جهة اخرى، وصولا الى احتلال البصرة من قبل الانكليز في (22 تشرين الثاني عام 1914) وما اعقبها من حملات جهادية ومعارك ضارية ضد الاحتلال الانكليزي من قبل عشائر الجنوب والمجاهدين من رجال الدين ابتداء من معركة الشعيبة الى احتلال الناصرية في (25 تموز 1915) ثم معركتي باهيزة والبطنجة التي ابلت بهما عشائر “آل ازيرج، خفاجة، عبودة، بني زيد واهل الدكة” بلاءاً حسناً ضد القوات الانكليزية ومنعتها من التقدم لاحتلال الشطرة والغراف في حينها.
ويستمر الباحث بشكل موجز وسريع بسرد الاحداث والوقائع التي حدثت في الناصرية في زمن الاحتلال البريطاني وما اعقبها في العهد الملكي، متطرقا الى مواقف شيوخ العشائر كل على حدة، بعدها يشير الى الوضع الاداري في الناصرية بعد الاحتلال الانكليزي، موضحاً التقسيمات الادارية للمحافظة واقضيتها ونواحيها، ومساحتها وتعداد نفوسها، والاماكن الاثرية والسياحية والمزارات الدينية فيها ثم يتطرق الى الاهوار وسحرها.
ويختتم الباحث حسن علي خلف كتابه بالخارطة القبلية في القرن العشرين ويتطرق فيها الى انساب القبائل وانحداراتها العشائرية متناولاً قسماً منها بالاختصار مثل “آل السعدون، بنو اسد، العبودة” التي ينتهي القسم الاول عندها على آمل اكمال القسم الثاني الذي يبتدأ بعشيرة خفاجة، كما نوه اليه الباحث، على الرغم من اختزال الموضوعة الاساسية في الكتاب قيد البحث وهي الناصرية في التاريخ الحديث وذلك لاشتغال الباحث على موضوعات عامة لها علاقة بالتاريخ العراقي والعربي والتاريخ الاسلامي بشكل عام اكثر من علاقته بالموضوع الى ان الكتاب يبقى وثيقة حية وجهداً استثنائياً ارخ لمدينة الناصرية بشكل دقيق كانت الغلبة فيه للبحث العلمي على حساب التأليف
يبدأ البحث بعنوان يشير الى صلب الموضوع وهو “المفصل في تاريخ مدينة الناصرية”، ولكننا ندخل مع هذا المفصل الى تفاصيل اخرى ليس لها علاقة مباشرة بعنوان الكتاب، حيث ننتقل من الناصرية كمدينة حديثة في التاريخ الى ذي قار.. ذي قارالارض والموقعة والانحدار التاريخي الموغل في الزمن، حيث السومريون بتاريخهم وملوكهم وحروبهم وحضارتهم، والاكديون بصراعهم مع العيلاميين، ثم الرجوع الى ذي قار المعركة الخالدة.
مدينة الناصرية.. مدينة انشئت في الزمن المتأخر من الدولة العثمانية، وعلاقتها بالارض التي توارثتها اقوام كثيرة، وتكونت فوقها حضارات متعددة، لا تعدو كونها امتدادا لها، ولطالما كان تكوين تلك الحضارات بكل تفاصيلها من بناء وحروب وكوارث، مدون وموثق وعلى مدى مراحل متطورة من الزمن، فما هو المبرر لاعادة الاشياء الموثقة منسوخة من مصادرها بشكل تفصيلي، بدلا من الاشارة اليها بتمهيد واحد يفي بالغرض، الا اذا كان قصد الباحث تجميع كل ما له علاقة “بذي قار” الارض والحضارة والمكونات، لتسهيل مهمة الباحثين الآخرين، ممن يسعون الى البحث عن امور تتعلق بتلك الجوانب. وبهذا كان على الباحث تغيير عنوان الكتاب من المفصل في تاريخ الناصرية الى المفصل في تاريخ ذي قار ومع ذلك لا يمكن تجاوز الجهد المبذول في تجميع كل ما له علاقة بمدينة الناصرية منذ تأسيسها وحتى مراحل متأخرة من التاريخ الحديث، حيث تبدأ العلاقة المباشرة بموضوع الكتاب وعنوانه في ص 153 من الفصل الرابع.
وحتى في هذا الفصل وقبل الدخول المباشر الى تفاصيل بناء مدينة الناصرية يعرج الباحث على الامتداد التاريخي لسكان وادي الرافدين وشغفهم بتمصير الامصار وبناء المدن، وكما ويتناول ايضا الخصائص الاولى للمستقرات البشرية في العراق، بعدها ينتقل الباحث الى توضيح الاسباب التي انشئت من اجلها مدينة الناصرية وهي القضاء على امارة المنتفق، كما خطط العثمانيون لذلك.
ويتناول في هذا الجانب الجذور التاريخية لتلك الامارة التي يعود زمنها الى العباسيين، حيث حكمها بنو معروف الذين ينحدرون من عامر بن صعصعة، وصولا الى ال السعدون، وكانت هذه الامارة في العصر العثماني تتبع في اغلب الاحيان الى ولاية البصرة، وفي فترات اخرى الى ولاية بغداد عندما تتمرد البصرة. وكان الولاة العثمانيون يتخوفون من هذه الامارة خصوصاً في ازمان شيوخها الاقوياء امثال سعدون وثامر وحمود الثامر وغيرهم، وقد ازداد تخوفهم عندما امتدت امارة المنتفق الى جهات اكبر من آل بطائح، حيث شملت جميع البصرة وبلغت ما فوق السماوة، وكذلك امتدت الى الكوت وضمت اغلب بادية العراق، واتخذت من سوق الشيوخ مقراً لها بعد الخميسية في اغلب الاحيان، لذا بدأ التخطيط من الباب العالي في استنبول لتقليص نفوذ هذه الامارة والقضاء عليها.
كان الاجدر بالباحث ان يتوسع في الفصول الثلاثة السابقة في موضوعة امارة المنتفق وانحداراتها التاريخية، ومعاركها وانتساب عشائرها، بدلا من الخوض في احداث تاريخية بعيدة عن الموضوع، ومع ذلك استطاع الباحث ان يعطي صورة مختصرة لعلاقة ولاة العثمانيين بشيوخ المنتفق والحد من بسط نفوذهم على مناطق واسعة من العراق، حيث استطاع الوالي محمد رشيد باشا، ان يضع خطة لافراز الاراضي وترسيم الحدود، وضم السماوة الى الحلة، واسند المشيخة فيها الى منصور باشا السعدون لموافقته على ذلك، ثم استمر الوالي في هذا التقسيم للحد من نفوذ المنتفق، الى ان جاء الوالي مدحت باشا الذي ابلغ الشيخ منصور بن راشد آل سعدون، بأن العراق لم يعد يصلح لامارة بدوية وزعامة حضرية في ان واحد وهذا لا ينسجم مع مقتضيات العصر ومستلزمات الاصلاح، ولكن الشيخ منصور رفض اقامة حاضرة لتحل بديلا عن امارته، وادرك المؤامرة واعتبرها ضربة مميتة لامارة المنتفق، وعند ذلك امر مدحت باشا بحجز الشيخ منصور في بغداد ووضعه تحت الاقامة الجبرية. بعدها ارسل في طلب ناصر بن راشد آل سعدون شقيق منصور، فأبلغه بنيته. فطلب ناصر من الباشا ان يلتقي بأخيه منصور، فوافق الباشا الوالي على اللقاء.
وتدارس منصور وناصر الامر وعلموا ما يبيته لهم الوالي، وان لم يباشرا بالبناء والتنفيذ فان حياتهما هي الثمن. سيما وان هنالك العديد ممن يتربص بهم للسطو على رئاسة المشيخة فوافقا، وعاد ناصر آل سعدون الى الوالي ليعلن الموافقة على بناء المدينة. عندها سمح لمنصور بالمغادرة. بعد ان قال ناصر باشا كلمته المشهورة “انني اعرف ما وراء الاكمة”.
وتتوالى الاحداث التاريخية لبناء مدينة الناصرية، يفصلها الباحث بتتابع وتسلسل منطقي، منذ بداية تفكير ناصر باشا باختيار المكان الامثل لبناء المدينة مع المهندس البلجيكي “جولس تيلي” ويعرض الباحث خلالها عدة اماكن مختارة لتشيد المدينة عليها، ولكن ناصر باشا يختار موقع المدينة الحالي في المنخفض المجاور لبحيرة “ابو جداحة” لسبب سياسي وهو ان موقعها في منخفض منبسط اسفل البحيرة يمكنه اذا ما ساءت العلاقة مع الدولة العثمانية او ولاية بغداد، ان يحدث شقوقا في البحيرة لاغراق المدينة ويتحصنون هم في الاماكن الاكثر ارتفاعا، ولكن مدحت باشا المعروف بدهائه، ادرك القصد ووافق على الموضع، ولكنه آمر بتقوية السدود وتمتينها لتفويت الفرصة علي ناصر آل سعدون او ناصر الاشقر الذي سميت الناصرية بأسمه ويشير الباحث الى اسماء اخرى للناصرية مثل “المنتفق والمركز وعروس الفرات وارض التاريخ” وغيرها من المسميات التي تغنى بها الشعراء والادباء.. وهي الان ذي قار نسبة الى الواقعة المعروفة.
ويعزو الباحث اسباب جمال بناء مدينة الناصرية في حينها الى دقة الخرائط التي جرى تخطيط المدينة بموجبها بشكل رائع، فجاءت شوارعها مستقيمة وساحاتها واسعة وحدائقها بديعة، ولقد كان التخطيط الاولي للناصرية في جانب واحد من النهر، هو الجانب الشرقي صوب الجزيرة، ووضع حجر الاساس للمدينة يوم “22 جمادي الاول سنة 1286 هجرية الموافق 1869 ميلادية” حيث باشر المهندس والفنيون بتنفيذ الخرائط على الارض، فيما باشر العمال ببناء سراي الحكومة، ثم خططت البيوت والاسواق وجامع فالح باشا الكبير، وتمت عملية البناء بالاجر واللبن والجص والطين، وتكونت في بداية الامر في الناصرية اربع محلات هي على التوالي “السراي والسويج والجامع والسيف” وقد انشأ حولها سوراً يحيط بها وله اربعة ابواب هي:- “باب الشطرة وباب السديناوية وباب الزيدانية وباب القلعة” التي ظلت اثارها الى العشرينيات من القرن العشرين ولم يبق لها اثر في الوقت الحاضر.
وتطرق الباحث بعد ذلك الى امور كثيرة تتعلق بسكان المدينة وجذورهم التاريخية، وما يجاور المدينة من عشائر ومشايخ، بنزاعاتها مع بعضها من جهة ومع الدولة العثمانية من جهة اخرى، وصولا الى احتلال البصرة من قبل الانكليز في (22 تشرين الثاني عام 1914) وما اعقبها من حملات جهادية ومعارك ضارية ضد الاحتلال الانكليزي من قبل عشائر الجنوب والمجاهدين من رجال الدين ابتداء من معركة الشعيبة الى احتلال الناصرية في (25 تموز 1915) ثم معركتي باهيزة والبطنجة التي ابلت بهما عشائر “آل ازيرج، خفاجة، عبودة، بني زيد واهل الدكة” بلاءاً حسناً ضد القوات الانكليزية ومنعتها من التقدم لاحتلال الشطرة والغراف في حينها.
ويستمر الباحث بشكل موجز وسريع بسرد الاحداث والوقائع التي حدثت في الناصرية في زمن الاحتلال البريطاني وما اعقبها في العهد الملكي، متطرقا الى مواقف شيوخ العشائر كل على حدة، بعدها يشير الى الوضع الاداري في الناصرية بعد الاحتلال الانكليزي، موضحاً التقسيمات الادارية للمحافظة واقضيتها ونواحيها، ومساحتها وتعداد نفوسها، والاماكن الاثرية والسياحية والمزارات الدينية فيها ثم يتطرق الى الاهوار وسحرها.
ويختتم الباحث حسن علي خلف كتابه بالخارطة القبلية في القرن العشرين ويتطرق فيها الى انساب القبائل وانحداراتها العشائرية متناولاً قسماً منها بالاختصار مثل “آل السعدون، بنو اسد، العبودة” التي ينتهي القسم الاول عندها على آمل اكمال القسم الثاني الذي يبتدأ بعشيرة خفاجة، كما نوه اليه الباحث، على الرغم من اختزال الموضوعة الاساسية في الكتاب قيد البحث وهي الناصرية في التاريخ الحديث وذلك لاشتغال الباحث على موضوعات عامة لها علاقة بالتاريخ العراقي والعربي والتاريخ الاسلامي بشكل عام اكثر من علاقته بالموضوع الى ان الكتاب يبقى وثيقة حية وجهداً استثنائياً ارخ لمدينة الناصرية بشكل دقيق كانت الغلبة فيه للبحث العلمي على حساب التأليف