المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المسلم والآخر: رؤية تاريخية (د. عماد الدين خليل )


صقر الخوالد
02-07-2007, 02:54 AM
المقدمة
الحوار مع الآخر لن يتحقق بمؤتمرات تعقد أو ندوات تقام بين المسلم والمسيحي أو غيره من أتباع الديانات الأخرى، تتبادل فيها وجهات النظر، وتلقى البحوث، وتحدد التوصيات، ثم ما تلبث أن تترك على الرفوف دون أن يكون لها مردود عملي يذكر. الحوار هو فعل وسلوك ومنظومة من القيم الخلقية في التعامل مع الآخر، ابتداءً بمفردات الحياة اليومية وانتهاء بمنحه الحق الكامل في الحرية، والمواطنة، والحياة، والاستمرار. من هذا المنظور، ليس ثمة كالأمة الإسلامية قدرة على التحقق بمطالب "الحوار" بمفهومه العملي، على مستوى التأسيسات الفقهية، أو الممارسات التاريخية.
وليس من مهمة هذا البحث متابعة المعطيات الفقهية الخصبة والمتميزة بصدد التعامل مع الآخر، وإنما التأشير على بعض الممارسات التاريخية بوصفها شواهد فحسب، من بين سيل من الشهادات لا يكاد يحصيها عدّ، تؤكد فيما لا يدع أي مجال للشك في أن المسيحيين واليهود من أهل الكتاب وغيرهما من الفرق الدينية الأخرى، عاشوا حياتهم، ومارسوا حقوقهم الدينية والمدنية على مداها في ديار الإسلام، فيما لم تشهده ولن تشهده أية تجربة تاريخية في العالم.
وقبل أن ندلف لمتابعة الوقائع الخاصة بالموضوع، لا بد من التذكير مرة أخرى بأن ألف مؤتمر للحوار لن يحمل مصداقيته، أو يقود إلى فعل متحقق كما يحملها ويقود إليها "التاريخ" باعتباره الحكم الفصل في قدرة "المبادئ" على التماس مع الواقع، وتحويل "الكلمة" إلى فعل منظور.
أولاً: ظاهرة التنوع في حياة البشر
ابتداءً، ما الذي أرادت التأسيسات القرآنية أن تقوله في هذا المجال فانعكس في نسيج الفعل التاريخي بين المسلم وغير المسلم؟
إن الوحدة والتعددية قائمتان في صميم العلاقات البشرية، إنهما وجهان لعملة واحدة، إذا صح التعبير. والتوحد في وجوهه كافة لا ينفي التعدد، كما أن هذا بدوره لا ينفي الوحدة. إنهما يتداخلان ويتوازيان، ويؤثر أحدهما في الآخر، بل قد يرفده بعناصر القوة والخصب والنماء. قد تحدث حالات تقاطع تقود أحياناً إلى النفي والتعارض، لكن الخط الأكثر عمقاً وامتداداً هو أن التجربة البشرية منذ لحظات تشكلها الأولى وحتى يقوم الحساب، إنما هي تجربة تتعدد فيها الانتماءات وتتغير العلاقات وتتنوع القناعات، وأن هذا التغاير في حدوده المعقولة، ومن خلال تعامله مع الثوابت التوحيدية، هو الذي يمنح التاريخ البشري، ليس فقط تفرده وخصوصيته وإنما قدرته على الفعل والصيرورة.
في المنظور القرآني يبدو التنوع مستقطباً عبر مجراه الطويل بكلمتي الإيمان والكفر، أو الحق والباطل، ترفده جداول وأنهار متشابكة تجيء من هذا الصواب أو ذاك، ومن خلال هذا التغاير تتحرك مياه التاريخ فلا تركد ولا تأسن وتحفظ بهذا قدرتها على التدفق والنقاء.
إن الإرادة الحرة والاختيار المفتوح اللذيْن منحا للإنسان فرداً وجماعة، للانتماء إلى هذا المذهب أو ذاك، يقودان بالضرورة إلى عدم توحد البشرية وتحولها إلى معسكر واحد، إن قيمة الحياة الدنيا وصيرورتها المبدعة تكمن في هذا التغاير، وإن حكمة الله سبحانه شاءت -حتى بالنسبة للكتلة أو المعسكر الواحد- أن تشهد انقساماً وتغايراً وتنوعاً وصراعاً.
والقرآن الكريم يحدثنا عن هذا التغاير في أكثر من صورة ووفق أشد الصيغ واقعية ووضوحاً: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات (المائدة: 48)، ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم (هود: 118-119)، تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض… ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات، ولكن اختلفوا، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد. (البقرة: 253) بل إن القرآن انطلاقاً من منظوره الواقعي لحركة التاريخ البشري يبين في أكثر من موضع أن"الأكثريات" البشرية تقف دائماً بمواجهة الحق الذي لا تنتمي إليه إلى القلة الطليعية الرائدة، نظراً لما يتطلبه هذا الانتماء من جهد وتضحية وعطاء لا يحتملها الكثيرون: بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون. (المؤمنون: 70) وكثيراً ما يكون اختلاف الألسنة والألوان، الذي يعقبه تغاير الثقافات وتعدد الأعراق، أحد العوامل الأساسية التي تكمن وراء التنوع التاريخي الذي هو بحد ذاته صيغة من صيغ الإبداع الإلهي في العالم: ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم إذا أنتم بشر تنتشرون…ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين. (الروم: 20-22)
أما عن الهدف من وراء هذا التغاير فإن القرآن يجيب: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين (البقرة: 25). (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع صلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز. (الحج: 40) تلك هي الأمور الأساسية، إن هذا التغاير والتدافع المركوز في جبلة بني آدم يقود إلى "تحريك" الحياة نحو الأحسن، وتخطي مواقع السكون والفساد ومنح القدرة للقوى الإنسانية الراشدة كي تشد عزائمها قبالة التحديات، وأن تسعى لتحقيق المجتمع المؤمن الذي ينفذ أمر الله وكلمته في العالم.
وثمة آيات أخرى تبين كيف أن هذا التغاير الذي يعقب تدافعاً وصراعاً إنما هو ميدان حيوي للكشف عن مواقف الجماعة البشرية والتعرف على أصالة المؤمنين. ففي جحيم القتال، وعلى وهجه المضيء يتضح الذهب من التراب، ويتميز الطيب من الخبيث، وتتحول التجربة إلى منخال كبير يُسقِط، وهو يتحرك يميناً وشمالاً، كل الضعفة والمنافقين والعاجزين والمتردّدين في مواصلة الحركة صوب المصير المرسوم: ولنبلونّكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوَ أخباركم (محمد: 31)، ليمِيز اللهُ الخبيثَ من الطيبِ، ويجعلَ الخبيثَ بعضَه على بعض فيركُمَه جميعاً فيجعلَه في جهنم، أولئك هم الخاسرون. (الأنفال: 37)
وما أكثر ما يتساءل الإنسان عن الحكمة من التقاتل، وما أكثر ما تخيل الفلاسفة والمفكرون عالماً لا يشهد قتالاً ولا تسفك في ساحته الدماء، ولكن هيهات ما دامت المسألة مرتبطة في جذورها بالوجود البشري المتغاير المتنوع. وما يزال الصراع أمراً لا مفر منه إذا ما أريد للحياة الإنسانية أن تتحرك وتتقدم وتتجاوز مواقع السكون والفساد: كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌّ لكم، والله يعلم وأنتم تعلمون. (البقرة: 216)
إلا أن القرآن -وهو يتحدث عن الصراع الناجم عن التغاير البشري في المذاهب والأجناس واللغات والمصالح والبيئات الجغرافية- لا يقصر المسألة على التقاتل والتدافع، إنما يمدها إلى ساحة أوسع، ويعطي للتغاير البشري آفاقاً بعيدة المدى، تبدأ بإشهار السلاح وتمتد لكي تصل إلى الموقف الأكثر إيجابية والذي يجعل هذا التغاير سبباً لعلاقات إنسانية متبادلة بين الأمم والأقوام والشعوب للتقارب والتعاون والتعارف، مع بقاء كل منها على مذهبه أو جنسه أو لونه أو لغته أو بيئته الجغرافية: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير. (الحجرات: 13)
ثانياً: المسلمون وأهل الكتاب في عهد الرسالة
وجاء تاريخنا الإسلامي لكي يمنح مساحة واسعة للتغاير، وقبول الآخر، والتحاور معه. والوقائع في هذا السياق كثيفة جداً ولذا سنكتفي بالتأشير على بعضها. فمنذ بدايات مبكرة قدم عصر الرسالة إزاء أهل الذمة يهوداً ونصارى موقفاً منفتحاً رسمت من خلاله تقاليد العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، ووضعت أصولها ونظمت صيغها، وعندما مضت حركة التاريخ صوب العصور التالية مضت معها هذه التقاليد والأصول والصيغ تعمل في مجرى العلاقات الاجتماعية، وما حدث بين الحين والحين من خروج عليها فإنه لم يتجاوز أن يكون شذوذاً على القاعدة ازدادت القاعدة تأكيداً بمرور الأيام.
ما الذي أراد رسول الله  أن يقوله وينفذه إزاء غير المسلمين من أهل الكتاب؟ إن بمقدور القارئ أن يرجع إلى كتب السيرة للعثور على الجواب الشامل بجزيئاته وتفاصيله( ) ولكننا نود أن نشير مجرد إشارة إلى العهد الذي كتبه الرسول  في أعقاب غزوة تبوك عام 9ﻫ لنصارى نجران، ذلك العهد الذي يمثل قمة من قمم العدل والسماحة والحرية، والذي لم يفرض عليهم فيه سوى جزية عينية متواضعة، وقد جاء فيه: "ولنجران وحاشيتهم جوار الله…. ومن سأل منهم حقاً فبينهم النَّصَف غير ظالمين ولا مظلومين…. ولا يواخذ أحد منهم بظلم آخر. وعلى ما فيه هذه الصحيفة جوار الله وذمة النبي  أبداً، حتى يأتي الله بأمره إن نصحوا وأصلحوا فيما عليهم"( )، وقد دخل يهود نجران في هذا الصلح.( )
كما نود أن نشير إلى العهود التي كتبها لعدد من التجمعات اليهودية في شمال الجزيرة، بعد غزوة خيبر (7ﻫ) والسنين التي تلتها، إذ بعث إلى بني جنبة بمقنة القريبة من أيلة على خليج العقبة: "أما بعد فقد نزل علي رسلكم راجعين إلى قريتكم، فإذا جاءكم كتابي هذا فإنكم آمنون لكم ذمة الله وذمة رسوله، وإن رسول الله غافر لكم سيئاتكم وكل ذنوبكم، لا ظلم عليكم ولا عدى، وإن رسول الله جاركم مما منع منه نفسه… وإن عليكم ربع ما أخرجت نخلكم وصادت عروككم (مراكبكم) واغتزل نساؤكم، وإنكم برئتم بعد من كل جزية أو سخرة، فإن سمعتم وأطعتم فإن على رسول الله  أن يكرم كريمكم ويعفو عن مسيئكم وأن ليس عليكم أمير إلا من أنفسكم أو من أهل رسول الله…" وكتب لجماعة أخرى من اليهود تدعى (بني غاديا): "…إن لهم الذمة وعليهم الجزية ولا عداء"، كما كتب لبني عريض كتاباً آخر يحدد فيه ما عليهم أن يدفعوا للمسلمين لقاء حمايتهم لهم وعدم ظلمهم إياهم.( )
وكتب لأهل جرباء وأذرح من اليهود: "إنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان للمسلمين ومن لجأ إليهم من المسلمين."( ) وبذلك تمكن الرسول  من تحويل هذه التجمعات اليهودية إلى جماعات من المواطنين في الدولة الإسلامية يدفعون لها ما تفرضه عليهم من ضرائب نقدية أو عينية، ويحتمون بقوتها وسلطانها، ويتمتعون بعدلها وسماحتها: ولقد ظل اليهود -والنصارى بطبيعة الحال- كمواطنين وليسوا كتلاً سياسية أو عسكرية- يمارسون حقوقهم في إطار الدولة الإسلامية لا يمسهم أحد بسوء، وعاد بعضهم إلى المدينة بدليل ما ورد عن عدد منهم في سيرة ابن هشام وفي مغازي الواقدي. وهناك الكثير من الروايات والنصوص التاريخية التي تدل على أن الرسول  كان يعامل اليهود بعد غزوة خيبر بروح التسامح حتى أنه أوصى عامله معاذ بن جبل: "بأن لا يفتن اليهود عن يهوديتهم"، وعلى هذا النحو عومل يهود البحرين إذ لم يكلفوا إلا بدفع الجزية وبقوا متمسكين بدين آبائهم.( ) وجاء الراشدون لكي يشهد المجتمع الإسلامي تنفيذاً في العلاقات الإنسانية بين المسلمين وغيرهم لا يقل تفرداً وتألقاً عما شهده عصر الرسالة. فلقد كان العصر الجديد عصر الفتوح والامتداد الإسلامي في مشارق الأرض ومغاربها، وكانت مساحات واسعة من الأراضي التي بلغها الإسلام تضم حشوداً كبيرة من اليهود والنصارى والمجوس والطوائف الدينية الأخرى. لقد أصبح المجتمع الإسلامي بحركة الفتح هذه مجتمعاً عالمياً ضم جناحيه على أعداد كبيرة من الأجناس والأديان والأقوام والجماعات والمذاهب والفرق والاتجاهات، ونريد أن نعرف كيف تم التعامل معها عبر عمليات الفتح أولاً، وبعد استقرار الوجود الإسلامي ثانياً، وهل تمكن المسلمون من الاستجابة لتحديات التنوع المذهبي في مجتمعهم العالمي الجديد؟
يقول السير توماس أرنولد الذي سنعتمد على عدد من شهاداته بهذا الصدد في كتابه المعروف: "الدعوة إلى الإسلام" The Preaching to Islam" الذي يتضمن تحليلاً مدعماً بالوثائق والنصوص للصيغ الإنسانية التي اتبعها الإسلام في تعامله مع أبناء المذاهب الأخرى.
"…لما قدم أهل الحيرة المال اتفق عليه ذكروا صراحة أنهم إنما دفعوا هذه الجزية على شريطة (أن يمنعونا وأميرهم البغي من المسلمين وغيرهم)، وكذلك حدث أن سجل خالد في المعاهدة التي أبرمها أهالي المدن المجاورة للحيرة قوله: (فإن منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا). ويمكن الحكم على مدى اعتراف المسلمين الصريح بهذا الشرط من تلك الحادثة التي وقعت في حكم الخليفة عمر: لما حشد الإمبراطور هرقل جيشاً ضخماً لصد قوات المسلمين كان لزاماً على المسلمين نتيجة لما حدث أن يركزوا كل نشاطهم في المعركة التي أحدقت بهم. فلما علم بذلك أبو عبيدة قائد العرب كتب إلى عمال المدن المفتوحة في الشام يأمرهم أن يردوا عليهم ما جبي من الجزية من هذه المدن وكتب إلى الناس يقول: "إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه بلغنا ما جمع لنا من الجموع، وإنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم ونحن لكم على الشرط، وما كتبنا بيننا إن نصرنا الله عليهم"، وبذلك ردت مبالغ طائلة من مال الدولة، فدعا المسيحيون بالبركة لرؤساء المسلمين وقالوا: "ردكم الله علينا ونصركم عليهم- أي على الروم- فلو كانوا هم لم يردوا شيئاً وأخذوا كل شيء بقي لنا."( )
"يكشف تاريخ النساطرة عن نهضة رائعة في الحياة الدينية وعن نواحي نشاطهم منذ أن صاروا رعية للمسلمين. وكان أكاسرة الفرس يدللون هذه الطائفة تارة ويضطهدونها تارة أخرى؛ إذ كان السواد الأعظم من أفرادها يقيمون في ولايات هؤلاء الأكاسرة، بل مروا بحياة أشد من هذه خطورة، وخضعوا لمعاملة خشنة قاسية حين جعلتهم الحرب بين فارس وبيزنطة عرضة لشك الفرس فيهم بأنهم كانوا يمالئون أعداءهم من المسيحيين. ولكن الأمن الذي نعموا به في بلادهم في عهد الخلفاء قد مكنهم من أن يسيروا قدماً في سبيل أعمالهم التبشيرية في الخارج، فأرسلوا البعوث الدينية إلى الصين والهند، وارتقى كل منهم إلى مرتبة المطرانية في القرن الثامن الميلادي. وفي العصر نفسه تقريباً رسخت أقدامهم في مصر، ثم أشاعوا فيما بعد العقيدة المسيحية في آسيا، حتى إذا جاء القرن الحادي عشر كانوا قد جذبوا عدداً كبيراً ممن اعتنقوا المسيحية من بين التتار. وإذا كانت الطوائف المسيحية الأخرى قد أخفقت في إظهار مثل هذا النشاط القوي فليس هذا الإخفاق خطأ المسلمين إذ كانت الحكومة المركزية العليا تتسامح مع جميعهم على السواء، وكانت فضلاً عن ذلك تصدهم عن أن يضطهد بعضهم بعضاً. وفي القرن الخامس الميلادي كان (برصوما) وهو أسقف نسطوري قد أغرى ملك الفرس بأن يدبر اضطهاداً عنيفاً للكنيسة الأرثوذكسية، وذلك بإظهار نسطور بمظهر الصديق للفرس، وإظهار مبادئه بأنها أكثر ميلاً إلى مبادئهم.
ويقال أن عدداً يبلغ (7800) من رجال الكنيسة الأرثوذكسية مع عدد ضخم من العلمانيين قد ذبحوا في هذا الاضطهاد، وقام خسرو الثاني باضطهاد آخر للأرثوذكس بعد أن غزا هرقل بلاد فارس وذلك بتحريض أحد اليعاقبة الذي أقنع الملك بأن الأرثوذكس سوف يظهرون بمظهر العطف والميل إلى البيزنطيين. ولكن مبادئ المسلمين على خلاف غيرهم، إذ يظهر لنا أنهم لم يألوا جهداً في أن يعاملوا كل رعاياهم من المسيحيين بالعدل والقسطاس. مثال ذلك أنه بعد فتح مصر استغل اليعاقبة فرصة إقصاء السلطات البيزنطية ليسلبوا الأرثوذكس كنائسهم، ولكن المسلمين أعادوها أخيراً إلى أصحابها الشرعيين بعد أن دلل الأرثوذكس على ملكيتهم لها."( )
"ومما يدل على أن تحول المسيحيين إلى الإسلام -في مصر- لم يكن راجعاً إلى الاضطهاد، وما وقفنا عليه من الشواهد التاريخية الأصلية وهو أنه في الوقت الذي شغر فيه كرسي البطريركية تمتع المسيحيون بالحرية التامة في إقامة شعائرهم، وسمح لهم بإعادة بناء كنائسهم، بل ببناء كنائس جديدة، وتخلصوا من القيود التي حتمت عليهم أن يركبوا الحمير والبغال، وحوكموا في محاكمهم الخاصة، على حين أعفي الرهبان من دفع الجزية ومنحوا امتيازات معينة."( )
ثالثاً: معاناة أهل الكتاب قبل الإسلام
وما هي إلا لمحات فحسب مما تحدث عنه توماس أرنولد فأطال الحديث، ولن تغن الشواهد هنا عن متابعة هذا الكتاب – الوثيقة- الذي يجيء على يد باحث يحترم العلم بالقدر الذي لم نألفه لدى الغربيين في تعاملهم مع عقيدتنا وتاريخنا إلا نادرا.ً( )
ما الذي كان يحدث في المجتمعات الأخرى بين أبناء الدين الغالب وبين المنتمين للأديان والمذاهب الأقل انتشاراً؟
يقول غوستاف لوبون: "لقد أكرهت مصر على انتحال النصرانية ولكنها هبطت بذلك إلى حضيض الانحطاط الذي لم ينتشلها منه سوى الفتح العربي وكان البؤس والشقاء مما كانت تعانية مصر التي كانت مسرحاً للاختلافات الدينية الكثيرة في ذلك الزمن. وكان أهل مصر يقتتلون ويتلاعنون بفعل تلك الاختلافات، وكانت مصر التي أكلتها الانقسامات الدينية وأنهكها استبداد الحكام تحقد على سادتها الروم وتنتظر ساعة تحريرها من براثن قياصرة القسطنطينية الظالمين."( )
ويقول الندوي: "ثارت حول الديانة النصرانية وفي صميمها مجادلات كلامية شغلت فكر الأمة واستهلكت ذكاءها وتحولت في كثير من الأحيان حروباً دامية، وقتلاً وتدميراً وتعذيباً، وإغارة وانتهاباً واغتيالاً، وحولت المدارس والكنائس والبيوت معسكرات دينية تتنافس، وأقحمت البلاد في حرب أهلية، وكان أشد مظاهر هذا الخلاف الديني ما كان بين نصارى الشام والدولة الرومية، وبين نصارى مصر، أو بين الملكانية والمنوفيسية بلفظ أصح. وقد اشتهد الخلاف بين الحزبين في القرنين السادس والسابع حتى صار كأنه حرب عوان بين دينين متنافسين، أو كأنه خلاف بين اليهود والنصارى، كل طائفة تقول للأخرى إنها ليست على شيء…وشهدت مصر من الفظائع ما تقشعر منه الجلود، فرجال كانوا يعذبون ثم يقتلون إغراقاً، وتوقد المشاعل وتسلط نارها على الأشقياء حتى يسيل الدهن من الجانبين إلى الأرض، ويوضع السجين في كيس مملوء من الرمال ويرمى به في البحر، إلى غير ذلك من الفظائع."( )
وحدث بين اليهود والنصارى ما هو أشد هولاً، ففي السنة الأخيرة من حكم فوكاس (610م) على سبيل المثال، أوقع اليهود بالمسيحيين في أنطاكية فأرسل الإمبراطور قائده أبنوسوس ليقضي على ثورتهم، فذهب وأنفذ عمله بقسوة نادرة، فقتل الناس جميعاً، قتلاً بالسيف، وشنقاً وإغراقاً وتعذيباً ورمياً للوحوش الكاسرة. وحدث ذلك بين اليهود والنصارى مرة بعد مرة. وهذه واحدة من نماذج التعامل بين الطرفين يوردها المؤرخ المصري المقريزي: "في أيام فوقا ملك الروم بعث كسرى ملك فارس جيوشه إلى بلاد الشام ومصر فخربوا كنائس القدس وفلسطين وعامّة بلاد الشام وقتلوا النصارى بأجمعهم، وأتوا إلى مصر في طلبهم، وقتلوا منهم أمة كبيرة وسبوا منهم سبْيَاً لا يدخل تحت حصر، وساعدهم اليهود في محاربة النصارى وتخريب كنائسهم، وأقبلوا نحو الفرس من كل مكان فنالوا من النصارى كل منال، وأعظموا النكاية فيهم، وخربوا لهم كنيستين في القدس وأحرقوا أماكنهم وأسروا بطريك القدس وكثيراً من أصحابه…وكان هرقل قد ملك الروم، وغلب الفرس، ثم سار من قسطنطينة ليمهد ممالك الشام ومصر ويجدد ما خربه الفرس، فخرج إليه اليهود من طبرية وغيرها وقدموا له الهداية الجليلة، وطلبوا منه أن يؤمنهم ويحلف لهم على ذلك، فأمنهم وحلف لهم، ثم دخل القدس وقد تلقاه النصارى بالأناجيل والصلبان، فوجد المدينة وكنائسها خراباً، فساءه ذلك وأعلمه النصارى بما كان من ثورة اليهود مع الفرس وأنهم كانوا أشد كناية لهم من الفرس، وحثوا هرقل على الوقيعة بهم وحسَّنوا له ذلك، فاحتج عليهم بما كان من تأمينه لهم وحلفه، فأفتاه رهبانهم وبطاركتهم وقسيسوهم بأنه لا جرم عليه في قتلهم، فمال إلى قولهم وأوقع باليهود وقيعة شنعاء أبادهم جميعهم فيها، حتى لم يبق في ممالك الروم بمصر والشام منهم إلا من فر واختفى."( )
أما ما فعله النصارى بالمسلمين عندما تمكنوا منهم فيكفي أن نشير إلى ما نفذته السلطة والكنيسة الإسبانيتين عن طريق محاكم التحقيق مع بقايا المسلمين في الأندلس بعد سقوط آخر معاقلهم السياسية: غرناطة مما قصه علينا بالتفصيل العلمي الموثق محمد بن عبدالله عنان في كتابه القيم نهاية الأندلس وتاريخ العرب المنتصّرين،( ) وما فعلته قوى الإستعمار الصليببي في آسيا وأفريقيا مع الشعوب الإسلامية عبر القرون الأخيرة، وما تفعله القيادات الأفريقية النصرانية مع المسلمين.
رابعاً: امتيازات أهل الكتاب في المجتمع المسلم
في العصر الأموي والعصور العباسية التالية، حيث ازداد المجتمع الإسلامي تعقيداً واتساعاً، وحيث أخذت منحنيات الإبداع الحضاري تزداد صعوداً واطراداً، وتزداد معها المؤسسات الإدارية نضجاً ونمواً، أخذ الموقف من غير المسلمين يتألق بالمزيد من صيغ التعامل الإنساني أخذاً وعطاء.
لقد فتح المسلمون، قواعد وسلطة، صدورهم لغير المسلمين يهوداً ونصارى ومجوساً وصابئة، وأتاحوا للعناصر المتميزة من هؤلاء وهؤلاء احتلال مواقعهم الاجتماعية والوظيفية في إطار من مبدأ تكافؤ الفرص، الذي لم تعرفه أمة من الأمم عبر تاريخ البشرية كله. لقد أسهم غير المسلمين في صنع الحضارة الإسلامية وإغنائها، دونما أية عقد أو حساسيات من هذا الجانب أو ذاك، كما فتح الطريق أمامهم للوصول إلى أعلى المناصب بدءاً من الكتابة في الدواوين وانتهاءً بمركز الوزارة الخطير نفسه، وأتيح لأبناء الأديان والمذاهب الأخرى أن يتحركوا في ساحات النشاط الاقتصادي والمالي بحرية تكاد تكون مطلقة، فنمّوا ثرواتهم وارتفعوا بمستوياتهم الاجتماعية بما يوازي قدراتهم على العمل، والنشاط وملؤوا بهذا وذاك مساحة واسعة في ميدان النشاط الاقتصادي والمالي جنباً إلى جنب مع مواطنيهم المسلمين، بل إن بعض الأنشطة المالية والاقتصادية كادت أن تصبح من اختصاص أهل الكتاب، تماماً كما كانت الترجمة في المجال الثقافي من نصيبهم، وكما كانت بعض الوظائف الإدارية والكتابية في المجال الإداري من نصيبهم كذلك.
إنه مجتمع تكافؤ الفرص، والحرية العقيدية، والانفتاح. لقد استجاب المسلمون للتحدي الاجتماعي وكانوا في معظم الأحيان عند حسن ظن رسولهم  بهم وهو يوصيهم قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى أن يكونوا رفقاء بأهل ذمته!
الوقائع كثيرة، تيار من المعطيات التاريخية نفذت في ساحة المجتمع الإسلامي عبر القرون الطوال، نفذت على مختلف الجبهات ووفق سائر الاتجاهات الحضارية والإدارية والاقتصادية، الاجتماعية عموماً، ونلتقي بشهادة فيلب حتى في كتابه تاريخ العرب المطول فهي تحمل دلالتها ولا ريب شاهداً على معطيات هذا التيار الواسع: "تمتع أهل الذمة بقسط من الحرية لقاء تأديتهم الجزية والخراج. وارتبطت بالفعل قضاياهم في الأمور المدنية والجنائية برؤسائهم الروحيين إلا إذا كانت القضية تمس المسلمين …لقد كانت ميسون زوجة معاوية نصرانية، كما كان شاعره نصرانياً، وكذلك كان طبيبه وأمير المال في دولته… " ( )
"وأقام الذميون في مزارعهم ومنازلهم الريفية وتمسكوا بتقاليدهم الثقافية وحافظوا على لغاتهم الأصلية فكانت لهم الآرامية والسريانية لغة في سوريا والعراق، والإيرانية في فارس، والقبطية في مصر… وفي المدن تقلد النصارى واليهود مناصب هامة في دوائر المال والكتابة والمهن الحرة، وتمتعوا في ظل الخلافة بقسط وافر من الحرية ونالوا كثيراً من التساهل والعطف. وشهد بلاط العباسيين مناقشات كتلك التي جرب في بلاط معاوية وعبدالملك، وقد ألقى تيموتاوس بطريك النساطرة في سنة (781م) دفاعاً عن النصرانية أمام المهدي، لا يزال محفوظاً نصه إلى اليوم. كذلك تحدرت إلينا رسالة للكندي تصرح أنها بيان لمناقشة جرت سنة (819م) في حضرة المأمون في مقابلة بين محاسن الإسلام والنصرانية.
"وكان للعهدين القديم والجديد من الكتاب المقدس ترجمات عربية معروفة وهناك أخبار تذكر أن رجلاً يدعى (أحمد بن عبدالله بن سلام) كان قد ترجم التوراة إلى العربية منذ ولاية هارون الرشيد. ولدينا ما يثبت أيضاً أن أقساماً من التوراة كانت قد نقلت إلى العربية في القسم الأخير من القرن السابع.
"ثم إننا نعرف وزراء نصارى قاموا في الشطر الثاني من القرن التاسع منهم عبدون بن صاعد… وكان للمتقي وزير نصراني كما كان لأحد بني بويه وزير آخر. أما المعتضد فقد جعل في المكتب الحربي لجيش المسلمين رئيساً نصرانياً. وقد نال أمثال هؤلاء النصارى من أصحاب المناصب العالية ما ناله زملاؤهم المسلمون من الإكرام والتبجيل… وكانت أكثرية الأطباء من النساطرة، وهي توضح مدى العلاقات الودية بين رجال الإسلام الرسميين وبين رجال النصرانية."
"ومن أعجب الظواهر في حياة النصرانية في ظل الخلفاء أنه كان لها من القوة والنشاط ما دفع بها إلى التوسع فافتتحت لها مراكز تبشيرية في الهند والصين."
"ولقد لقي اليهود من محاسن المسلمين فوق ما لقيه النصارى برغم ما في بعض الآيات القرآنية من تنديد بهم. والسبب أنهم كانوا قليلي العدد فلم يخش أذاهم. وقد وجد المقدسي سنة (985م) أن أكثر الصيارفة وأرباب البنوك في سورية يهوداً، وأكثر الكتبة الأطباء نصارى. ونرى في عهد عدد من الخلفاء وأخصهم المعتضد أنه كان لليهود في الدولة مراكز هامة. وكان لهم في بغداد مستعمرة كبيرة ظلت مزدهرة حتى سقوط المدينة. وقد زار هذه المستعمرة بنيامين التطيلي حوالي سنة (1169م)، فوجد فيها عشر مدارس لحاخامين، وثلاثة وعشرين كنيساً، وأفاض بينيامين في وصف الحفاوة التي لاقاها رئيس اليهود البابيين من المسلمين، بصفته سليل بيت داود النبي عليه السلام ورئيس الملة الإسرائيلية، وقد كان لرئيس الحاخاميين هذا من السلطة التشريعية على أبناء طائفته ما كان للجاثليق على جميع النصارى. وقد روى أنه كانت له ثروة ومكانة وأملاك طائلة فيها الحدائق والبيوت والمزارع الخصبة. وكان إذا خرج إلى المثول في حضرة الخليفة ارتدى الملابس الحريرية المطرزة وأحاط به رهط من الفرسان، وجرى أمامه ساع يصيح بأعلى صوته: "أفسحوا درباً لسيدنا ابن داود."( )
وما يقال عن العصرين الأموي والعباسي يمكن أن يقال عن العصور التي تلتهما: الفاطميون والأيوبيون والمماليك والعثمانيون، لولا بعض ردود الأفعال الغاضبة التي اعتمد فيها العنف لأول مرة بسبب من مواقف عدائية معلنة اتخذتها هذه الفئة أو تلك الفئة من أهل الكتاب. فمالأت خصوم المسلمين ووضعت أيديها بأيدي الغزاة الذي قدموا لإبادتهم وإفنائهم وتآمرت سراً وجهراً لتدمير عقيدتهم وإزالة ملكهم من الأرض. ويمكن أن يذكر المرء -ها هنا- المواقف العدائية العديدة التي اتخذها نصارى الشام والجزيرة والموصل والعراق عامة، خلال محنة الغزو المغولي؛ حيث رحبت جماعات منهم بالغزاة وتآمرت معهم ضد مواطنيهم المسلمين، فاحتضنهم الغزاة واستخدموهم في فرض هيمنتهم واتخذوهم مخالب لتمزيق أجساد المسلمين الذين عاشوا معهم بحرية وإخاء عبر القرون الطوال، ويمكن أن نتذكر كذلك التجارب المرة نفسها التي مارستها جماعات من اليهود والنصارى عبر العصر العثماني، وردود الأفعال العثمانية إزاءها… إلخ. لكن هذه الحالات لم تكن في نهاية التحليل ومن خلال نظرة شمولية لحركة المجتمعات الإسلامية عبر التاريخ، سوى استثناءات أو نقاط سوداء محدودة على صفحة واسعة تشع بياضاً، على العكس تماماً مما شهدته المجتمعات الأخرى؛ حيث كانت حالات الحرية والعدالة وتكافؤ الفرص بين أصحاب الدين الحاكم ومخالفيه نقاطاً استثنائية بيضاء في صفحة تنفث حقداً ودخاناً.
ومن عجب أن مرحلة الحروب الصليبية نفسها، تلك التي دامت حوالي القرنين من الزمن وكان الغزاة فيها يحملون الطائفية والكراهية ضد كل ما هو إسلامي، والتي جاءت لكي تدمر على المجتمع الإسلامي أمنه واستقراره وتفتنه عن دينه لصالح الكنيسة المتعصبة، هذه التجربة المرة لم تسق القيادات والمجتمعات الإسلامية إلى ردود فعل طائفية تقودهم إلى عدم التفرقة وهم يتحركون بسيوفهم، بين الغزاة وبين النصارى المحليين، رغم أن فئات من هؤلاء تعاونت علناً مع الغزاة ووضعت أيديها في أيديهم، وتآمرت معهم على إنزال الدمار بالإسلام والمسلمين.
ولحسن الحظ فإن الغزاة الذين انطلقوا أساساً من نقطة التعصب والمذهبية مارسوا الطائفية نفسها إزاء رفاقهم في العقيدة ممن ينتمون لأجنحة نصرانية أخرى، بدءاً من البيزنطيين الأرثوذوكس، وانتهاء بجل الفئات النصرانية المحلية، ممن لم تدن بالمذهب الكاثوليكي الذي انضوى تحت لوائه معظم الغزاة، ولولا ذلك لامتدت مساحة التعاون بين الطرفين فيما كان أن يؤدي إلى نتائج أكثر وخامة.
المهم إننا لم نشهد عبر مرحلة الحروب الصليبية هذه بثوراً طائفية، في نسيج المجتمع الإسلامي، كرد فعل لغزو هو في أساسه ديني متعصب؛ لم نسمع بمذبحة ارتكبها المسلمون ضد رفاقهم في الأرض، ولا بعمل انتقامي غير منضبط نفذوه ضد مواطنيهم وأهل ذمتهم!
وما من شك في أن هذا الانفتاح الذي شهده المجتمع الإسلامي إزاء العناصر غير الإسلامية، والفرص المفتوحة التي منحها إياهم قاد بعض الفئات -كما رأينا- إلى ما يمكن اعتباره استغلالاً للموقف السمح، ومحاولة لطعن المسلمين في ظهورهم، وتنفيذ محاولات تخريبية على مستوى السلطة حيناً، والعقيدة حيناً، والمجتمع نفسه حيناً ثالثاً، وإننا لنتذكر هنا -على سبيل المثال كذلك- ما فعلته الطوائف اليهودية بدءاً من محاولات السبأية وانتهاء بمؤامرة الدونمة لإسقاط الخلافة العثمانية، وما فعلته بعض الطوائف المجوسية في العصر العباسي فيما يشكل العمود الفقري للحركة الشعوبية، التي استهدفت العرب والمسلمين على السواء.
لكن هذه الخسائر التي لحقت بالمسلمين، من جراء تعاملهم الإنساني، مع مخالفيهم في العقيدة، والمخاطر التي تعرضوا لها عبر تاريخهم الطويل، من قبل هؤلاء الخصوم الذين استغلوا الفرصة، وسعوا إلى ممارسة التخريب والتآمر والالتفاف، لا تبرر البتة، اعتماد صيغ في التعامل، غير تلك التي اعتمدها المسلمون في تاريخهم الاجتماعي الطويل، وتقاليد غير تلك التي منحهم إياها، ورباهم عليها كتاب الله، وسنة رسوله عليه السلام، وتجارب الآباء والأجداد.
إن الخسائر الجزئية -مهما كانت فداحتها- لأهون بكثير من الخسارة الكبرى ذات البعد الإنساني، وإن الإسلام نفسه، قبل غيره من الأديان، كان سيخسر الكثير، لو حاول أن يسعى إلى تحصين نفسه بالحقد والطائفية، والردود المتشنجة التي تجاوز حدودها المعقولة والمبررة. وإن الإنسان نفسه كان سيغدو الضحية، لو أن المجتمع الإسلامي خرج على التقاليد النبيلة المتألقة التي علمه إياها رسول الله ، لأنه -فيما عدا التاريخ الإسلامي- ليس ثمة في تاريخ البشرية، قديماً وحديثاً، مرحلة احتُرِم فيها فكر المخالفين وصينت عقائدهم، وحميت حقوقهم، بل كانوا في غير هذا التاريخ -على العكس تماماً- هدفاً للاستعباد والهوان والضياع، بل التصفية والإفناء.
لم يكن هدف الفتوحات الإسلامية جميعاً، منذ عصر الرسول القائد  وحتى سقوط العثمانيين، فرض العقيدة الإسلامية بالقوة كما يتعمد البعض أن يصور أو يتصور، إنما كان الهدف نشر السيادة والمنهج الإسلامي في العالم. إنها محاولة جادة لتسلم القيادة من الأرباب والطواغيت، وتحويلها إلى أناس يؤمنون بالله واليوم الآخر، ولا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً.
وتحت ظلال هذه القيادة، كان بمقدور الناس، وقد حرروا تماماً من أي ضغط أو تأثير مضاد، أن ينتموا للعقيدة التي يشاؤون، ولما كانت عقيدة الإسلام هي الأرقى والأجدر والأكثر انسجاماً مع مطالب الإنسان بأي مقياس من المقاييس، كان من الطبيعي أن تنتشر بين الناس، وأن ينتمي إليها الأفراد والجماعات بالسرعة التي تبدو للوهلة الأولى أمراً محيراً، ولكن بالتوغل في الأمر يتبين مدى منطقية هذا الإقبال السريع الذي يختزل الحيثيات، انتماءً إلى الإسلام وتحققاً بعقيدته؛ إنه الجذب الفعال الذي تملكه هذه العقيدة، والاستجابة الحيوية لحاجات الإنسان في أشدها اعتدالاً وتوازناً وانسجاماً، تلك التي يحققها هذا الدين.
إن سير توماس أرنولد، وهو رجل من الغرب سبق وأن أشرنا إليه، يتفرغ السنين الطوال لمتابعة هذه المسألة، ثم يعلنها في كتابه المعروف (الدعوة إلى الإسلام) بوضوح لا لبس فيه، واستناد علمي على الحقائق وحدها بعيداً عن التأويلات والتحزبات والميول والأهواء. ونكتفي هنا ببعض الشهادات التي قدمها هذا الباحث كنماذج تؤكد البعد الإنساني للسلوكية التي اعتمدها الإسلام في الانتشار. يقول الرجل: "يمكننا أن نحكم من الصلات الودية التي قامت بين المسيحيين والمسلمين من العرب بأن القوة لم تكن عاملاً حاسماً في تحويل الناس إلى الإسلام. فمحمد نفسه عقد حلفاً مع بعض القبائل المسيحية وأخذ على عاتقه حمايتهم ومنحهم الحرية في إقامة شعائرهم الدينية، كما أتاح لرجال الكنيسة أن ينعموا بحقوقهم ونفوذهم القديم في أمن وطمأنينة."( )
"إن الأخبار الخاصة بزوال المسيحية من بين القبائل العربية النصرانية التي كانت تقيم في بلاد العرب الشمالية لا تزال بحاجة إلى شيء من التفصيل، والظاهر أنهم قد انتهوا إلى الامتزاج بالمجتمع الإسلامي الذي كان يحيط بهم عن طريق ما يسمونه الاندماج السلمي، والذي تم بطريقة لم يحسها أحد منهم، ولو أن المسلمين حاولوا إدخالهم في الإسلام بالقوة عندما انضووا بادئ الأمر تحت الحكم الإسلامي لما كان من الممكن أن يعيش المسيحيون بين ظهرانيهم حتى عصر الخلفاء العباسيين."( ) "ومن هذه الأمثلة التي قدمناها عن ذلك التسامح الذي بسطه المسلمون الظافرون على العرب المسيحيين في القرن الأول من الهجرة، واستمر في الأجيال المتعاقبة، نستطيع أن نستخلص بحق أن هذه القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام إنما فعلت ذلك عن اختيار وإرادة حرة، وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح."( )
"لما بلغ الجيش الإسلامي وادي الأردن وعسكر أبو عبيدة في فحل، كتب الأهالي المسيحيون في هذه البلاد إلى العرب يقولون: "يا معشر العرب أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا وأرأف بنا وأكف عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا. ولكنهم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا"، وأغلق أهل حمص مدينتهم دون جيوش هرقل، وأبلغوا المسلمين أن ولايتهم أحب إليهم من ظلم الإغريق وتعسفهم."( )
"أما ولايات الدولة البيزنطية التي سرعان ما استولى عليها المسلمون ببسالتهم، فقد وجدت أنها تنعم بحالة من التسامح لم تعرفها طوال قرون كثيرة بسبب ما شاع بينهم من الآراء اليعقوبية والنسطورية، فقد سمح لهم أن يؤدوا شعائر دينهم دون أن يتعرض لهم أحد، اللهم إلا إذا استثنينا بعض القيود التي فرضت عليهم منعاً لإثارة أي احتكاك بين أتباع الديانات المتنافسة. ويمكن الحكم على مدى هذا التسامح – الذي يلفت النظر في تاريخ القرن السابع- من هذه العهود التي أعطاها العرب لأهالي المدن التي استولوا عليها وتعهدوا لهم بحماية أرواحهم وممتلكاتهم وإطلاق الحرية الدينية لهم في مقابل الإذعان ودفع الجزية."( )
"وقد زار عمر الأماكن المقدسة يصحبه البطريق، وقيل أنه بينما كانا في كنيسة القيامة وقد حان وقت الصلاة طلب البطريق إلى عمر أن يصلي هناك، ولكنه بعد أن فكر اعتذر وهو يقول: إنه إن فعل ذلك فإن أتباعه قد يدعون فيما بعد أنه محل لعبادة المسلمين."( )
"وكان المسيحيون يؤدون الجزية مع سائر أهل الذمة الذين كانت تحول ديانتهم بينهم وبين الخدمة في الجيش مقابل الحماية التي كفلتها لهم سيوف المسلمين."( )
"ولما كان المسيحيون يعيشون في مجتمعاتهم آمنين على حياتهم ومملتكاتهم ناعمين بمثل هذا التسامح الذي منحهم حرية التفكير الديني، تمتعوا، وخاصة في المدن، بحالة من الرفاهية والرخاء في الأيام الأولى من الخلافة."( )
"زار راهب دومنيكاني من فلورنسا ويدعى (Ricoldos de Monre Crucis) بلاد الشرق حوالي نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر، وتحدث عن روح التسامح التي تمتع بها النساطرة إلى عصره في ظل الحكم الإسلامي، فقال: "قرأت في التاريخ القديم وفي مؤلفات للعرب موثوق بها أن النساطرة أنفسهم كانوا أصدقاء لمحمد وحلفاء له، وأن محمداً نفسه قد أوصى خلفاءه أن يحرصوا على صداقتهم مع النساطرة، التي يرعاها العرب أنفسهم حتى ذلك اليوم بشيء من العناية."( )
"وإذا نظرنا إلى التسامح الذي امتد على هذا النحو إلى رعايا المسلمين من المسيحيين في صدر الحكم الإسلامي، ظهر أن الفكرة التي شاعت بأن السيف كان العامل في تحويل الناس إلى الإسلام بعيدة عن التصديق."( )
"إننا لم نسمع عن أية محاولة مدبرة لإرغام الطوائف من غير المسلمين على قبول الإسلام، أو عن أي اضطهاد منظم قصد منه استئصال الدين المسيحي. ولو اختار الخلفاء تنفيذ إحدى الخطتين لاكتسحوا المسيحية بتلك السهولة التي أقصى بها فرديناند وإيزابيلا دين الإسلام من إسبانيا، أو التي جعل بها لويس الرابع عشر المذهب البروتستانتي مذهباً يعاقب عليه متبعوه في فرنسا، أو بتلك السهولة التي ظل بها اليهود مبعدين عن انجلترا مدة خمسين وثلاثمائة سنة. وكانت الكنائس الشرقية في آسيا قد انعزلت انعزالاً تاماً عن سائر العالم المسيحي، الذي لم يوجد في جميع أنحائه أحد يقف في جانبهم باعتبارهم طوائف خارجة عن الدين. ولهذا فإن مجرد بقاء الكنائس حتى الآن ليحمل في طياته الدليل القوي على ما قامت عليه سياسة الحكومات الإسلامية بوجه عام من تسامح نحوهم."( )
"جلب الفتح الإسلامي إلى الأقباط في مصر حياة تقوم على الحرية الدينية التي لم ينعموا بها قبل ذلك بقرن من الزمان. وقد تركهم عمرو أحراراً على أن يدفعوا الجزية، وكفل لهم الحرية في إقامة شعائرهم الدينية، وخلصهم بذلك؛ من التدخل المستمر الذي أنوا من عبئه الثقيل في ظل الحكم الروماني. وليس هناك شاهد من الشواهد يدل على أن ارتداد الأقباط عن دينهم ودخولهم في الإسلام على نطاق واسع كان راجعاً إلى اضطهاد أو ضغط يقوم على عدم التسامح من جانب حكامهم الحديثين. بل لقد تحول كثير من هؤلاء القبط إلى الإسلام قبل أن يتم الفتح حين كانت الإسكندرية-حاضرة مصر وقتئذ- لا تزال تقاوم الفاتحين، وسار كثير من القبط على نهج إخوانهم بعد ذلك بسنين قليلة."( )
هذه لمحات عن منطقة محدودة فحسب هي العراق والشام ومصر إلى حد ما من العالم الذي امتد إليه الإسلام وتعامل معه، فهنالك بلاد فارس وأواسط آسيا، وأفريقيا، وإسبانيا، وجنوبي أوروبا وشرقيها، والهند والصين، وجنوب آسيا مما تحدث عنه أرنولد فأطال الحديث.
خامساً: محاكم التفتيش في إسبانيا: نموذج لموقف الآخر
ونقارن هذا بما شهده التاريخ البشري في الطرف الآخر من محاولات لا تعد ولا تحصى لتنفيذ القسر العقيدي، تحت تأثير الإغراء أو الإرهاب ابتداء بعصور اليونان والرومان، ثم البيزنطيين والفرس، مروراً بعصور الصراع الديني في أوربا ومحاكم ديوان التحقيق وانتهاء بالعصر الحديث، فنجد الفارق شاسعاً حيث ليس ثمة مجال للمقارنة والقياس.
والبحث في الوقائع التاريخية التي تؤكد هذا الاتجاه يطول الحديث عنه هو الآخر، ومن ثم سنكتفي بالإشارة إلى نموذج واحد فحسب يحمل أهميته في هذا المجال هو ما فعلته السلطة والكنيسة الإسبانيتين مع بقايا مسلمي الأندلس بعد سقوط آخر معاقلهم السياسية غرناطة، مما قصه علينا بالتفصيل العلمي الموثق المرحوم محمد عبد الله عنان في كتابه "نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصّرين"( ) لكي يتبيّن لنا أن ما يجري اليوم من ممارسات القسر الفكري بالاعتماد على معطيات العلم والتكنولوجيا والتطور المذهل في برامج العمل وخططه، كان يتم في الماضي بأشكال وصيغ أخرى، وإن كانت تقود في كثير من الأحيان إلى النتائج نفسها: تدمير الطاقة النفسية للإنسان، وتفريغ عقيدته وقناعاته وأفكاره السابقة ومَلْء عقله ووجدانه بما يراد له لا بما يريد هو أن يكون.
يصف لنا مؤرخ إسباني عاش قريباً من عصر المحنة الإسلامية في الأندلس، نيات الكنيسة نحو المسلمين في قوله: "إنه منذ استولى فرديناند على غرناطة (897ﻫ/1492م) كان الأحبار يطلبون إليه بإلحاح أن يعمل على سحق طائفة محمد في إسبانيا، وأن يطلب إلى المسلمين الذين يودون البقاء إما التنصر، أو بيع أملاكهم والعبور إلى المغرب، وأنه ليس في ذلك خرق للعهود المقطوعة لهم، بل فيه إنقاذ لأرواحهم وحفظ لسلام المملكة، لأنه من المستحيل أن يعيش المسلمون في صفاء وسلام مع النصارى، أو يحافظون على ولائهم للملوك، ما بقوا على الإسلام، وهو يحثهم على مقت النصارى أعداء دينهم."( )
ولم تكن هذه السياسة في الواقع بعيدة عما يخالج ملكي إسبانيا، فرديناند الخامس وزوجته الملكة المتعصبة إيسابيلا الكاثوليكية، من شعور نحو المسلمين، ولم تكن العهود التي قطعت للمسلمين بتأمينهم في أنفسهم وأموالهم، واحترام دينهم وشعائرهم، لتحول دون تحقيق أغراض السياسة القومية. ذلك أن فرديناند لم يحجم قط عن قطع الوعود والمواثيق متى كانت سبيلاً لتحقيق مآربه، وأن يسبغ على سياسته الغادرة ثوب الدين والورع.
وأخذت سياسة الإرهاب تجرف في طريقها كل شيء، ونشط ديوان التحقيق، أو الديوان المقدس، يدعمه وحي الكنيسة وتأييد العرش إلى مزاولة قضائه المدمر. وهكذا فإنه لم تمض بضعة أعوام على تسليم غرناطة حتى بدت نيات السياسة الإسبانية واضحة نحو المسلمين، وكانت الكنيسة خلال ذلك، تعمل لتحقيق غايتها: أعني تنصير المسلمين بالوعظ والإقناع، ومختلف وسائل التأثير المادية. ولكن هذه الجهود لم تسفر عن نتائج تذكر، فجنحت الكنيسة عندئذ إلى سياسة العنف والمصادرة، وأذعنت السياسة الإسبانية لوحي الكنيسة، ولم تذكر ما قطعت من عهود مؤكدة للمسلمين باحترام دينهم وشعائرهم، وكان روح هذه السياسة العنيفة حبران كبيران هما الكردينال خمنيس مطران طليطلة، ورأس الكنيسة الإسبانية، والدون ديجاديسا المحقق العام لديوان التحقيق. فأغلقت المساجد، وحظر على المسلمين إقامة شعائرهم وانتهكت عقائدهم وشريعتهم، واستدعى الكردينال خمنيس إلى غرناطة ليعمل على مهمة تنصير المسلمين. فوفد عليها في شهر تموز سنة (1499م/905ﻫ) ودعا أسقفها الدون (تالافيرا) إلى اتخاذ وسائل فعالة لتنصير المسلمين. وتمركزت حركة التنصير في غرناطة بالأخص في (حي البيازين) حيث حوّل المسجَد في الحال إلى كنيسة سميت سان سلفادور، واحتج بعض أكابر المسلمين على هذه الأعمال دون جدوى. ولم يقف الكردينال خمنيس عند تنظيم الحركة الإرهابية التي انتهت بتوقيع التنصير المغصوب على عشرات الألوف من المسلمين، ولكنه قرنها بارتكاب عمل بربري هو أنه أمر بجمع كل ما يستطاع جمعه من الكتب العربية من أهالي غرناطة وأرباضها، ونظمت أكداساً هائلة في ميدان باب الرملة، أعظم ساحات المدينة، وأضرمت النيران فيها جميعاً، وذهبت ضحية هذا الإجراء الهمجي عشرات الألوف من الكتب العربية هي خلاصة ما بقي من تراث التفكير الإسلامي في الأندلس.( )
وما حدث في غرناطة حدث في باقي البلاد والنواحي الأخرى، فنُصِّر أهل (البشرات) و(المرية) و(بسطة) و(وادي آش) في العام التالي (1500م)، وعم التنصير سائر أنحاء مملكة غرناطة، على أن ذلك لم يقع دون ثورات وحركات مقاومة قدم فيها المسلمون لنا صوراً فذة للبطولة والفدائية في سبيل العقيدة. ولكنهم كانوا عزلاً وكانت جنود النصرانية صارمة شديدة الوطأة فمزقتهم بلا رأفة، وكثر بينهم القتل وسبيت نساؤهم وقضي بالموت على مناطق بأسرها وحول أطفالها إلى النصرانية.( )
وفي العشرين من حزيران عام (1501م) وبتأثير من الكنيسة، أصدر فرديناند وإيسابيلا أمراً خلاصته أنه لما كان الله قد اختارهما لتطهير مملكة غرناطة من الكفرة فإنه يحظر وجود المسلمين فيها، فإذا كان بها بعضهم فإنه يحظر عليهم أن يتصلوا بغيرهم، خوفاً من أن يتأخر تنصيرهم، أو بأولئك الذين نصروا لئلا يفسدوا إيمانهم ويعاقب المخالفون بالموت أو مصادرة الأموال.
ومضت السياسة الإسبانية في اضطهاد المسلمين بمختلف الوسائل. وكان من الإجراءات الشاذة التي اتخذت في هذا السبيل تشريع أصدره فرديناند بإلزام المسلمين في المدن بالسكنى في أحياء خاصة بهم، على نحو ما كان متبعاً عند اليهود في العصور الوسطى. ونفذ هذا التشريع في غرناطة عقب حركة التنصير الشامل. وصدر في نفس الوقت في أيلول سنة (1501م) قانون يحرم على المسلمين إحراز السلاح علناً أو سراً، وينص على معاقبة المخالفين لأول مرة بالحبس والمصادرة ثم بالموت بعد ذلك.
وكانت السياسة الإسبانية تخشى احتشاد الموريكسيين: المسلمين المتنصرين وتجمعاتهم في مملكة غرناطة، ولهذا صدر في شباط سنة (1515م) مرسوم ملكي أعلن في طليطلة، وفيه يحرم بتاتاً على المسلمين المتنصرين حديثاً أن يخترقوا أراضي مملكة غرناطة، ويعاقب المخالفون بالموت والمصادرة. ونص هذا المرسوم أيضاً بأنه يحرم بتاتاً على المتنصرين حديثاً في مملكة غرناطة، أو في أية جهة أخرى من المملكة، أن يبيعوا أملاكهم لأي شخص دون ترخيص سابق، ومن فعل عوقب بالموت والمصادرة، وذلك لأنه تبين -كما ورد في المرسوم- أن كثيراً من المسلمين المتنصرين يبيعون أملاكهم، ويحصلون أثمانها، ثم يعبرون إلى المغرب، وهناك يعودون إلى الإسلام.( )
ويصف أحد المؤرخين المسلمين مأساة الأندلس بهذه الكلمات المؤثّرة "ثم بعد ذلك دعاهم -أي ملك قشتالة- إلى التنصير، وأكرههم عليه وذلك في سنة أربع وتسعمائة، فدخلوا في دينهم كرها، وصارت الأندلس كلها نصرانية، ولم يبق فيها من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، إلا من يقولها في قلبه وفي خفية من الناس وجعلت النواقيس في صوامعها بعد الأذان، وفي مساجدها الصور والصلبان. بعد ذكر الله وتلاوة القرآن. فكم فيها من عين باكية وقلب حزين، وكم فيها من الضعفاء والمعذورين لم يقدروا على الهجرة واللحوق بإخوانهم المسلمين، قلوبهم تشتعل ناراً ودموعهم تسيل سيلاً غزيراً، وينظرون إلى أولادهم وبناتهم يعبدون الصلبان، ويسجدون للأوثان ويأكلون الخنـزير والميتات، ويشربون الخمر التي هي أم الخبائث والمنكرات، فلا يقدرون على منعهم، ومن فعل ذلك عوقب بأشد العقاب، فيالها من فجيعة ما أمَّرها ومصيبة ما أعظمها..." ( )
ويصف المقري كيف أنه من أظهر التنصير من المسلمين كان لا يستطيع أن يمارس عبادته الإسلامية إلا خفية، وكيف "شدد عليهم النصارى بحيث أنهم أحرقوا منهم كثيراً بسبب ذلك، ومنعوهم من حمل السكين الصغير فضلاً عن غيرها من الحديد..." ( )
ونريد الآن أن نعرف شيئاً عن إجراءات ديوان التحقيق، تلك الأداة الرهيبة التي استخدمت لإبادة المسلمين واستئصال شأفة الإسلام في الساحة الأندلسية.
"تبدأ قضايا الديوان، أو محاكماته الفرعية، بالتبليغ أو ما يقوم مقامه، كورود عبارة في قضية منظورة تلقي شبهة على أحد ما. ولا فرق بين أن يكون التبليغ من شخص معين أو يكون غفلاً. ففي الحالة يدعى المبلغ ويذكر أقواله وشهوده ويعتبر ذلك تحقيقاً تمهيدياً، كذلك يمكن التبليغ بواسطة الاعتراف الذي يتلقاه القس، ولهم أن يبلغوا عما يقعون عليه من حالات الاشتباه في العقائد، وذلك بالرغم مما يقتضيه الاعتراف من الكتمان، ويقسم المبلغون الشهود يميناً بالكتمان، ولا توضح لهم الوقائع التي يسألون عنها بل يسألون بصفة عامة إذا كانوا قد رأوا أو سمعوا شيئاً يناقض الدين الكاثوليكي أو حقوق الديوان. ويقوم الديوان في الوقت نفسه بإجراء التحريات السرية المحلية عن المبلغ ضده. ثم تعرض نتيجة التحقيق التمهيدي على الأحبار المقررين ليقروا ما إذا كانت الوقائع المنسوبة إلى المبلغ ضده تجعله مرتكباً لجريمة الكفر، أو تلقى عليه فقط شبهة ارتكابها. وقرارهم يحدد الطريقة التي تتبع في سير القضية. وكان معظم أولئك المقررين من القسس الجهلاء المتعصبين، ومن ثم فقد كانت أخلاقهم وآراؤهم، بل ذمتهم وشرفهم، مثاراً للريب، وكان رأيهم الإدانة دائماً إلا في أحوال نادرة.
"وعلى أثر صدور هذا التقرير، يصدر النائب أمره بالقبض على المبلغ ضده وزجّه إلى سجن الديوان السري. وكانت سجون الديوان المخصصة لاعتقال المتهمين بالكفر أو الزيغ، وهي المعروفة بالسجون السرية، غاية في الشناعة، تتصل مباشرة بغرفة التحقيق والعذاب، عميقة مظلمة رطبة تغص بالحشرات والجرذان، ويصفد المتهمون بالأغلال. يقول لورنتي مؤرخ ديوان التحقيق الإسباني إن أفظع ما في أمر هذه السجون هو أن من يزجّ إليها، يسقط في نظر الرأي العام، وتلحقه وصمة لا تلحقه من أي سجن آخر مدني أو ديني، وفيها يسقط في غمار حزن لا يوصف وعزلة عميقة دائمة، ولا يعرف إلى أي مدى وصلت قضيته، ولا ينعم بتعزية مدافع عنه. ويقول الدكتور لي: كانت أملاك السجين كلها تصادر وتصفى على الفور، وتقطع جميع علائقه بالعالم حتى تنتهي محاكمته، وتستغرق المحاكمة عادة من عام إلى ثلاثة لا يعرف السجين أو أسرته خلالها شيئاً عن مصيره، وتدفع نفقات سجنه من أملاكه المصفاة وكثيراً ما تستغرقها المحاكمة."
"ولا يخطر المتهم بالتهم المنسوبة إليه، ولكنه يمنح عقب القبض عليه ثلاث جلسات في ثلاثة أيام متوالية، تعرف بجلسات الرأي أو الإنذار، وفيها يطلب إليه أن يقرر الحقيقة ويوعد بالرأفة إذا قرر وفق ما ينسب إليه، وينذر بالشدة والنكال إذا كذب أو أنكر؛ لأن الديوان المقدس لا يقبض على أحد دون قيام الأدلة الكافية على إدانته، وهي طريقة غادرة محيرة، فإذا اعترف المتهم بما ينسب إليه ولو كان بريئاً، اختصرت الإجراءات وقضي عليه بعقوبة أخف، ولكنه إذا اعترف بأنه كافر فإنه لا ينجو من عقوبة الموت مهما كانت الوعود التي بذلت له بالرأفة والعفو. فإذا أبى المتهم الاعتراف بعد الجلسات الثلاث، وضع النائب له قرار الاتهام طبقاً لما ورد في التحقيق من الوقائع، وذلك مهما كانت الأدلة المقدمة من الركاكة والضعف. بيد أن أفظع ما يحتويه القرار هو إحالة المتهم على التعذيب، وغالباً ما يطلب النائب هذه الإحالة، وذلك بالرغم من اعتراف المتهم بما ينسب إليه، لأنه يفترض دائماً أنه أخفى أو كذب في اعترافه، وتصدر المحكمة قرار التعذيب مجتمعة بهيئة غرفة المشورة. وقد نوه كثير من المؤرخين بعنف الإجراءات والوسائل التي كانت تلجأ إليها محاكم التحقيق في توقيع العذاب، ويعلق عليها دون لورنتي بقوله: "لست أقف لأصف ضروب التعذيب التي كان يوقعها ديوان التحقيق على المتهمين، فقد رواها بما تستحق من الدقة كثير من المؤرخين. ولكني أصرح أن أحداً منهم لا يمكن أن يتهم بالمبالغة فيما روى. ولقد تلوت كثيراً من القضايا فارتجفت لها اشمئزازاً وروعاً، ولم أر في المحقّقين الذين التجئوا إلى تلك الوسيلة إلا رجالاً بلغ جمودهم حد الوحشية."
"وكانت معظم أنواع التعذيب المعروفة في العصور الوسطى، تستعمل في محاكم التحقيق، ومنها تعذيب الماء، وهو عبارة عن توثيق المتهم فوق أداة تشبه السلم، وربط ساقيه وذراعيه إليها مع خفض رأسه إلى أسفل ثم توضع في فمه من زلعة جرعات كبيرة وهو يكاد يختنق، وقد يصل ما يتجرعه إلى عدة لترات. وتعذيب الجاروكا وهو عبارة عن ربط يدي المتهم وراء ظهره، وربطه بحبل حول راحتيه وبطنه، ورفعه وخفضه معلقاً، سواء بمفرده أو مع أثقال تربط معه. وتعذيب الأسياخ المحمية للقدم. والقوالب المحمية للبطن والعجز، وسحق العظام بآلات ضاغطة. وتمزيق الأرجل وفسخ الفك، وغيرها من الوسائل البربرية المثيرة.
"ولم يك ثمة حدود مرسومة لروعة التعذيب وآلامه. ولا يحضر التعذيب سوى الجلاد والأحبار المحققون والطبيب إذا اقتضى الأمر، ولا يخطر المتهم بأسباب إحالته على التعذيب، ولا يُسأل ليقرر وقائع معينة، بل يعذب ليقرر ما شاء، وقد يأمر الطبيب بوقف التعذيب إذا رأى أن حياة المتهم في خطر، ولكن التعذيب يستأنف متى عاد المتهم إلى رشده أو جف دمه.
فإذا اعترف المتهم واعتبر القضاة اعترافه صحيحاً، بمعنى أنه يتضمن عنصر التوبة، كف عن تعذيبه، وإذا استطاع المتهم احتمال العذاب وأصر على الإنكار، لم يفده ذلك شيئاً، لأن القضاة يتخذون غالباً من الوقائع المنسوبة للمتهم أدلة على الإدانة ويحكم عليه طبقاً لهذا الاعتبار. ويجب أن يؤيد المعترف ما قاله وقت التعذيب، باعتراف حر يقرره في اليوم التالي وذلك حتى يؤكد صحة الاعتراف، فإذا أنكر أو غير شيئاً أعيد إلى التعذيب.
"وبعد انتهاء التعذيب يحمل المتهم ممزقاً دامياً إلى قاعة الجلسة ليجيب عن التهم التي توجه إليه لأول مرة. وبعد المرافعة والاستجواب تحال القضية على المقررين ليبدوا فيها رأيهم تمهيداً للحكم النهائي، وقلما كان قرار الأحبار يختلف عن قرارهم الأول. فإذا ما قضي عليه بالإدانة فإن الحكم لا يبلغ إلى المتهم إلى عند التنفيذ، وهو إجراء من أشنع الإجراءات الجنائية التي عرفت، فيؤخذ المتهم من السجن دون أن يدري مصيره الحقيقي ويجوز الرسوم الدينية التي تسبق التنفيذ. ثم يؤخذ إلى ساحة التنفيذ وهنالك يتلى عليه الحكم لأول مرة، وقد يكون في حالة التهم الخطيرة بالسجن المؤبد والمصادرة أو بالإعدام حرقاً في حالة الكفر الصريح. وكانت أحكام الإعدام هي الغالبة في عصور الديوان الأولى، وكان التنفيذ يقع في ساحات المدن الكبرى الكبيرة وفي احتفال رسمي يشهده الأحبار والكبراء بأثوابهم الرسمية، وقد يشهده الملك. وكان يقع على الأغلب جملة فينفذ حكم الحرق في عدد من المحكوم عليهم قد يبلغ العشرات أحياناً، وينتظم الضحايا في موكب كان يعد على شناعته من الاحتفالات العامة التي تهرع لشهودها جموع الشعب. ومما يذكر في ذلك أن فردناند الكاثوليكي كان من عشاق هذه المواكب الرهيبة، وكان يسره أن يشهد حفلات الإحراق وكان يمتدح الأحبار المحققين كلّما نظمت حفلة منها.
"وكان قضاء محاكم التفتيش بطيئاً يبث اليأس في النفوس. وقد يموت المتهم في سجنه قبل أن يصدر الحكم في قضيته. وكان أثر الأحكام الصادرة بالإدانة يتعدى المحكوم عليه إلى أسرته وولده فيقضى بحرمانهم من تولي الوظائف العامة وامتهان بعض المهن الخاصة، وبهذا يؤخذ الأبرياء بذنب المحكوم عليه."( )
"وكان أعضاء محاكم التحقيق يتمتعون بحصانة خارقة وسلطان مطلق تنحني أمامه أية سلطة. وكان من جراء هذه السلطة المطلقة وهذا التحلل من كل مسؤولية أن ذاع في هذه المحاكم العسف وسوء استعمال السلطة والقبض على الأبرياء دون حرج، بل كثيراً ما وجد بين المحققين رجال من طراز إجرامي، لا يتورعون عن ارتكاب الغصب والرشوة وغيرها لملئ جيوبهم، وكانت أحكام الغرامة والمصادرة أخصب مورد للاختلاس، وكانت الخزينة الملكية ذاتها تضم مئات الألوف من هذا المورد، هذا بينما يموت أصحاب هذه الأموال الطائلة في السجون جوعاً لا بل إنّ بعض المحققين كانوا يمارسون اغتصاب البنات والزوجات دون أن تمسهم يد أو ينالهم عقاب."( )
إن ما جرى في الأندلس الإسلامية مما أتينا على جانب منه، يفسر لنا -أغلب الظن- واحدة من ثلاث حالات انحسر فيها الإسلام عن المناطق التي سبق وأن انتشر فيها: إسبانيا، وأوربا الشرقية، آسيا الوسطى. ففي إسبانيا جرت عملية قسر مذهبي لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، توازيها حملات متتابعة من النفي والتصفية الجسدية لتحقيق الهدف المذكور.
أما في أوربا الشرقية فإن بالإمكان إضافة عوامل أخرى ساعدت على الانحسار ففضلاً عن القسر المذهبي، والنفي، والتصفية الجسدية في يوغسلافيا –مثلاً- قام الحكم الشيوعي بزعامة تيتو، بتصفية مليوني مسلم بحجة تعاونهم مع النازيين، وتعرضت ملايين أخرى من المسلمين في القِرْم للمصير نفسه على يد ستالين، فضلاً عن هذا نستطيع أن نضع أيدينا على عوامل مساعدة أخرى منها: ضيق الفترة الزمنية التي عاشها الإسلام هناك، والصيغ الخاطئة التي اعتمدها العثمانيون أحياناً في سياستهم الدينية. وانعدام الفارق الحضاري المنظور بين الفاتحين وشعوب أوربا الشرقية، وتضاؤل دور اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، قياساً على المناطق الأخرى التي انتشر فيها الإسلام، واعتماد الأوروبيين الشرقيين على القوى الاستعمارية الكبرى والتنظيمات الصهيونية، في تصفية كل ما له علاقة بالإسلام هناك، وأخيراً هيمنة النظم الشيوعية على المنطقة، تلك النظم التي لم تكن في صيغ تعاملها مع الإسلام -على وجه التحديد- أقل عنفاً وضراوة عن المؤسسات الكنسية، وكانت الأساليب التي اعتمدتها شبيهة إلى حد كبير بأساليب محاكم التحقيق.
أما آسيا الوسطى التي خضعت هي الأخرى للنظام الشيوعي، فرغم أنها عانت من الضغوط القاسية نفسها إلا أن الكثرة العددية لمسلمي المنطقة وجذورهم الإسلامية الموغلة في التاريخ والحضارة مكنها من الصمود -إلى حد ما- للمحنة والحفاظ على بعض خصائصها المذهبية، بل إنها في المراحل الأخيرة أرغمت السلطة السوفيتية على الاعتراف ببعض حقوقها ووضعها أمام الأمر الواقع.
إن القنوات التي كانت تنقل غير المسلمين إلى الإسلام في الدولة الإسلامية وتحت ظلال السيادة الإسلامية كثيرة متنوعة منها الاحتكاك الاجتماعي والقدوة، والتأثيرات الثقافية، والحوار اليومي، والدعوة الفردية والجماعية، وأنشطة المؤسسات الرسمية، والروابط الاجتماعية، والمقارنة الذاتية والموضوعية بين المذاهب والأديان... إلى آخره. لكنها ليست جميعها كقناة الجذب الذي يتميز به هذا الدين، والانبهار الذي ينتاب السائرين في رحابه، والإعجاب الذي يأخذ بتلابيب الباحثين في شعابه ومسالكه.
إنه الدين الذي أراده الله عقيدةً أخيرة للبشرية، تقودها عبر الصراط المستقيم وفق أشد الطرائق توافقاً وانسجاماً وعطاء واستجابة وإبداعاً، حتى يأذن الله بانتهاء الأرض ومن عليها. وهو -من ثم- لابد وأن يملك ما لا يملكه أي دين أو عقيدة أو مذهب آخر في العالم كله. ولن يكون انتشاره السريع عبر العصور، وذوبان الجماعات البشرية فيه أمراً محيراً يثير الدهشة بقدر ما هو المصير المفروض في دين كهذا الدين.
سادساً: "الدبلوماسية" وعلاقات السلام في التاريخ الإسلامي
لم تكن العلاقة بين عالم الإسلام والدول المحيطة به أو القريبة منه، ممحضة للحرب، وإنما تخللتها مساحات للسلم اتسعت هنا وضاقت هناك، ولكنها شكلت في نهاية الأمر مدى متطاولاً في الزمان والمكان أرسيت خلاله تقاليد علاقات دولية تحدث عنها العديد من المؤرخين في الماضي والحاضر. ومنذ صلح الحديبية الذي عقده رسول الله  مع قريش في العام السادس للهجرة، والذي أعقبته في السنة التالية مكاتبات الرسول  للعديد من زعماء العالم، والتي عدت واحدة من أهم حلقات الدبلوماسية الإسلامية، مروراً بالعهود التي أبرمها عليه السلام مع العديد من الزعامات القبلية المنتشرة على الشريط الفاصل بين دولة الإسلام والدولة البيزنطية.
منذ تلك الفترات المبكرة من عمر الإسلام، وطيلة القرون التالية، شهد التاريخ الإسلامي شبكة خصبة متنامية من العلاقات الدولية (السلمية)، والاتصالات الدبلوماسية، أسدت لدول الإسلام مغانم شتى وأعانت على تحقيق نوع من التوازن الدولي في تاريخ العالم الوسيط، وجاءت نتائجها -في معظم الأحيان- متوازية ومعززة للجهد العسكري الإسلامي إزاء الخصوم.
ومنذ البدايات المبكرة لقيام دولة الإسلام الأولى في المدينة، وانسياحها التدريجي في شمال جزيرة العرب، قدر الرسول  في صلح الحديبية عام 6ﻫ، أن يضرب مثلاً عملياً على قدرة الاتصال السلمي على تحقيق ما قد لا تتمكن من تحقيقه القوة المسلحة.
لقد سمى القرآن الكريم هذا الإنجاز فتحاً( ) واعتبره ابن هشام -نقلاً عن الزهري- أعظم فتح شهده الإسلام حتى ذلك الوقت فلقد كان القتال يدور "حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضاً، والتقوا فتفاوضوا فلم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه. ولقد دخل في تينك السنتين مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر."( )
وما من شك في أن مجرد دخول قريش في عهد مع المسلمين يمثل اعترافاً منها بالدولة الفتية والدين الجديد بعد حرب الإفناء الطويلة التي شنتها ضدها. ولما كانت قريش هي زعيمة الوثنية وحامية حمى الحرم المقدس، فإن توابعها من القبائل العربية المنتشرة في الجزيرة رأت نفسها في حل من الانتماء لزعامتها والارتباط بمصيرها وأن لها الحرية المطلقة في أن تختار المعسكر الذي تراه مناسباً دخولاً في دينه أو تعاهداً معه. وقد فتح ذلك المجال أمام المسلمين لكي ينشطوا في الآفاق لكسب مزيد من الحلفاء والمنتمين إلى الدين الجديد، مستغلين من جهة أخرى فترة السلم التي أتاحتها شروط الحديبية.
وكان انضمام خزاعة إلى معسكر المسلمين نصراً كبيراً للرسول  ذلك أن جزءاً كبيراً من الأحابيش -الذين كانت قريش تعتمد على قدراتهم القتالية- يعدون من بطونها، وبذلك ضم محمد  جزءاً كبيراً من هذه القوة إلى جانبه، وأضعف بذلك مركز قريش الحربي.( )
ويرى توماس أرنولد أن الحروب المتصلة التي كان الرسول  قد شنها على أهل مكة، قد جعلت -حتى ذلك الحين- القبائل التي تقيم جنوبي هذه المدينة حتى تخوم اليمن بعيدين بعداً يكاد يكون تاماً عن سلطان الدين الجديد. ولكن هدنة الحديبية جعلت الاتصال مع بلاد العرب الجنوبية أمراً ميسوراً في ذلك الحين.( )
وقد كان لانتشار الإسلام في اليمن في الفترة التي أعقبت الحديبية أهمية خاصة من الناحية العسكرية، فقد جعل قريشاً محفوفة بالمسلمين من الشمال والجنوب وبذلك تقرر مصير مكة وقريش نهائياً، هذا في الوقت الذي كانت قريش قد توخت أهدافاً سطحية دفعتها إليها العصبية الجاهلية وهي رد المسلمين عن زيارة البيت الحرام ذلك العام، ورد الذين يسلمون من قريش بدون رضى أوليائهم، وأن ينالوا بهذه الهدنة الاستقرار للتفرغ لتجارتهم.( )
ولم يفت الرسول أن ينتزع من هذه الفرصة الثمينة كل ما يستطيع انتزاعه، فضلاً عن كسب الناس إلى الإسلام وصداقتهم لدولته، صراعاً مع القوى الأخرى المضادة للإسلام، كاليهود الذين تكتلوا في خيبر والمواقع المجاورة لها، والبيزنطيين وحلفائهم العرب الذين ازداد تكالبهم في الجهات الشمالية بازدياد نشاط الإسلام هناك، فضلاً عن التجمعات القبلية البدوية المنتشرة في الصحراء والتي كانت تنتظر الفرصة السانحة لإنزال الضربات باتباعه.( )
ثم جاءت مكاتبات الرسول  لزعماء العالم، والتي ربما تكون إحدى نتائج صلح الحديبية نفسه، مؤكدة رغبته عليه السلام في توظيف الاتصال السلمي لتحقيق أهدافه العالمية، ونقل دعوة الإسلام من بيئتها الجغرافية الضيقة إلى العالم كله. ولقد تم إرسال سفراء الرسول  إلى كل من الحاكم الساساني كسرى (خسرو) والإمبراطور البيزنطي هرقل، والمقوقس حاكم مصر والنجاشي حاكم الحبشة والمنذر الغساني حاكم دمشق،( ) وجاءت تلك المكاتبات حملة إعلامية على النطاق الدولي وأن هذا الدين ليس دين عرب أو جزيرة عربية فحسب، وإنما هو دين الإنسان حيثما كان، كما أنها حملت نداء إلى السلطات الحاكمة للاستجابة للدعوة أو السماح -على الأقل- للدعاة بممارسة نشاطهم بحرية، وللشعوب باختيار العقيدة التي تشاء دون قسر أو إكراه. كما أنها انطوت على إنذار هذه السلطات بفتح الطريق أمام الدين الأخير وإلا فإن القوة ستكون حكماً لتحقيق المطلوب.
وقد كانت هذه السفارات عملاً بديعاً من أعمال الدبلوماسية ولم يكن النبي -على الأرجح- يتوقع أن يلبي أولئك الملوك الأقوياء دعوته وهو ما يزال يكافح في بثها بين قومه وعشيرته، بيد أن إيفاد هذه البعوث يعد عملاً متمماً للرسالة النبوية، وكان العالم القديم الذي يتجه إليه النبي  بدعوته يقوم يومئذ على أسس واهية تنذر بالانهيار من وقت لآخر، وكانت الأديان القديمة قد أدركها الانحلال والوهن، فكانت الدعوة الإسلامية تبدو في جدتها وبساطتها وقوتها ظاهرة تستحق البحث والدرس، ولم يكن عسيراً أن يستشف أولوا النظر ما وراء هذه الدعوة الجديدة من قوى تنذر بالانفجار، وقد كان الانفجار في الواقع سريعاً جداً.
ولم يتح عصر الفتوحات الإسلامية زمن الراشدين رضي الله عنهم مساحة ملحوظة للعلاقات السلمية بسبب من قدرة هذه الظاهرة الفريدة في تاريخ البشرية على تحقيق جل أهدافها في زمن قياسي، وإسقاط أحد الخصمين الدوليين، وهو الدولة الساسانية في بلاد فارس والمشرق، وإخراج الخصم الآخر (الدولة البيزنطية) من معظم البلاد التي كانت قد أخضعتها لسيطرتها المتطاولة في فلسطين والشام والجزيرة الفراتية ومصر وبعض جزر البحر المتوسط، الأمر الذي لم يتح للبيزنطيين أية فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب العلاقات مع الدولة الإسلامية الراشدة فيما يفسح المجال لمساحات من العلاقات السلمية. ومع ذلك فقد شهد عصر الفتح محاولات للاتصال السلمي وتبادل المبعوثين بين الطرفين وبخاصة مع الفرس الساسانيين حيث جرى أكثر من حوار بين القيادات الإسلامية وكسرى ورستم( ) لكنها جميعاً لم تأت بطائل.
ومنذ بدايات العصر الأموي بدأت خيوط العلاقات السلمية تنسج بموازاة صفحات الصراع العسكري المتطاول الذي شهدته نقاط التماس طيلة هذا العصر سواء عند خط الثغور في الجزيرة الفراتية والأناضول وشمالي الشام، أم على طول السواحل الشامية والمصرية والإفريقية، أم في جزر البحر المتوسط، والأندلس، وسواحل أوربا الجنوبية.
وبسبب من المشاغل الداخلية التي أخذت الدول الأموية تعاني منها بشكل متواصل، إلى جانب استعادة الدولة البيزنطية شيئاً من توازنها وقدرتها على أخذ زمام المبادرة، بعد أن قادتها ضربة الفتح زمن الراشدين إلى الترنح وفقدان التوازن.
بسبب من هذا وذاك عادت الدولة البيزنطية إلى سياسة الهجوم واعتمدت القوة المسلحة حكماً بينها وبين الأمويين، لكنها وجدت -أسوة بالأمويين أنفسهم- أن مواصلة الجهد العسكري أمراً يكاد أن يكون مستحيلاً، رغم الترتيب الأموي الذي أسس له معاوية بن أبي سفيان، وسار عليه خلفاؤه من بعده، وهو تدويخ الدولة البيزنطية بسلسلة متواصلة من الغزوات صيفاً وشتاء، فيما عرف باسم الصوائف والشواتي. ورغم تعزيز خط الثغور وتحويله إلى نقطة ارتكاز ليس للدفاع عن حدود الدولة الأموية فحسب وإنما لمواصلة الهجوم على البيزنطيين وفق مبدأ "الهجوم خير وسيلة للدفاع." ورغم اعتماد البيزنطيين من جهتهم، أسلوب الهجوم المتواصل براً وبحراً لمنع الأمويين من التفرغ لتوجيه ضربة حاسمة ولاستعادة بعض المواقع التي فقدتها الدولة البيزنطية زمن الراشدين.
رغم هذا وذاك وبسبب تزايد مشاكلهما الداخلية واستنـزاف الحرب لقدراتهما المادية والبشرية، ورغبتهما في التفرغ لخصومهما الآخرين في الداخل والخارج، والذين أفادوا كثيراً من انهماك الطرفين في صراع متواصل، فإن الأمويين والبيزنطيين كانا مضطرين للبحث عن مكان ما للعلاقات السلمية التي كانت تتدرج بين الهدنة الموقوتة، والصلح طويل المدى، وتبادل الأسرى، والإفادة من الخبرات الثقافية والحضارية عموماً.( )
وعند مجيء العباسيين وعلى مدى عدة قرون ازدادت مساحات العلاقات السلمية اتساعاً وخصباً جنباً إلى جنب مع الصراع المتواصل وبلغتا حد تبادل الوفود وإرسال المبعوثين والسفراء فيما كان العصر الأموي قد شهد بداياته الأولى.( )
كما أن المتغيرات الدولية وتعدد القطبية في آسيا وأفريقيا وأوربا أضافت بعداً جديداً حتم على الطرفين، العباسي والبيزنطي، فضلاً عن الأطراف الأخرى: الأموية في الأندلس، والفرنجية في بلاد الغال (فرنسا) توظيف الجهد السلمي والعلاقات الدبلوماسية لحماية مصالح كل طرف، وحفظ التوازن الدولي الذي كان قد وفر لكل الأطراف مظلة مناسبة لتأمين الحدود وإيجاد الحليف المناسب.
ورغم أن العباسيين نفذوا مع البيزنطيين المبدأ الأموي نفسه وهو أن الهجوم المتواصل في عمق الأناضول هو خير وسلة للدفاع، ورغم أنهم قاموا في العصور العباسية المتقدمة بحملات دورية ضد البيزنطيين تذكرنا بترتيبات الصوائف والشواتي الأموية، فإنهم -أي العباسيّون- وجدوا أنفسهم مضطرين، بسبب الوضع الدولي الجديد لاعتماد العلاقات السلمية وسيلة لحماية أراضيهم وتحقيق مصالحهم.
فإذا كانت الدولة الند في الأندلس قد وجدت في الفرنجة، خصمها المجاور الذي ما فتئ ينتهز أية فرصة لاختراق إسبانيا وتدمير الوجود الأموي. وإذا كانت الدولة العباسية التي عجزت عن إعادة الأندلس إلى حظيرة الخلافة، قد وجدت في الدولة البيزنطية، خصمها المجاور، نداً لم يكفّ لحظة واحدة عن انتهاز الفرص لاختراق الحدود العباسية من الشمال، وإذا كانت دولة الفرنجة الكاثوليكية في حالة خصومة سياسية ومذهبية مع بيزنطة الأرثوذكسية، فإن الأطراف الأربعة وجدتها فرصة مناسبة لتنفيذ محالفات ثنائية كل ضد الطرف الآخر، أو في الأقل تحقيق قدر من التعاون والتفاهم في مواجهة الخصم المشترك.
وهكذا ساقت الظروف كلاً من الأمويين في الأندلس، والبيزنطيين في شرق أوربا إلى التحالف في مواجهة العباسيين والفرنجة، وشهدت المرحلة التاريخية حواراً دبلوماسياً طريفاً قدم حالة مبكرة لسياسات الوفاق والتوازنات الدولية. ورغم أن هذا دفع بعض المؤرخين القدماء والمعاصرين من الطرفين إلى المبالغة في تصور حجم التبادل السلمي بين هذه الأطراف، فيما يخرج عن مصداقيته التاريخية، كما حدث -مثلاً- في المرويات الخاصة بالحوار بين الرشيد وشارلمان،( ) فإن مما هو مؤكد أن علاقات ودية بشكل من الأشكال، قد فرضت نفسها بحكم الضرورة ببين الأطراف الإسلامية والأوروبية وثمة شواهد عديدة في مرويات الطرفين تؤكد هذه الحقيقة بما لا يدع مجالاً للشك.( )
ومنذ منتصف العصر العباسي ظهرت إلى الوجود قوى إسلامية جديدة أحكمت قبضتها على الشام وفلسطين ومصر والشمال الإفريقي وجزر البحر المتوسط كالفاطميين والسلاجقة، والكيانات المحلية المتفرعة عنهم، فضلاً عن الأيوبيين والمماليك. وقد قدّر لهذه القوى بسبب من وقوعها في مناطق المجابهة مع الغرب أن تأخذ حصة الأسد في تحديد صيغ العلاقات الدولية مع أوربا في الحرب والسلم، وقد بلغت العلاقات الحربية ذروتها زمن الحروب الصليبية التي استغرقت قرنين من الزمن والتي لم تخل هي الأخرى من بعض حلقات العلاقات السلمية والتواصل الدبلوماسي وبخاصة في عهد الحملة الصليبية السادسة التي شهدت حواراً سلمياً واسع النطاق بين الأيوبيين والجرمان. بل إنه حتى في عهد الحملة الصليبية الثالثة في أواخر حكم الناصر صلاح الدين وجد الطرفان الصليبي والأيوبي أن مجمل الظروف التاريخية تحتم عليهما الكف عن القتال، ولو لأمد محدود، والعمل على عقد صلح يتيح للجانبين الفرصة لالتقاط الأنفاس والتفرغ لحل المشاكل الداخلية. وهكذا عقد صلح الرملة عام 587ﻫ بين الملك الإنكليزي ريتشارد (قلب الأسد) والسلطان الأيوبي الناصر صلاح الدين.
وعندما تولى العثمانيون قيادة عالم الإسلام زمن قوتهم، كانت أوربا هي الساحة الرئيسية لتنفيذ سياساتهم الحربية والسلمية، على السواء، وقد غطى القتال المساحات الأوسع طيلة العصر العثماني، وعلى مدى يزيد عن القرون الستة (1300– 1914م). وقد اجتاز الجهد العسكري مرحلتين أساسيتين، كانت أولاهما تقوم على الجهاد المتواصل ضد الدول والقوى الأوروبية. ثم ما لبثت الحالة أن انعكست وأرغمت الدولة العثمانية على اتخاذ موقف الدفاع، حيث وجدت نفسها مرغمة -بين الحين والحين- على قبول الدخول في حوار سلمي مع الغرب المتفوق، والتوقيع على معاهدات كانت في معظم الأحيان في غير صالحها، إذ تسللت منها المصالح والامتيازات الأجنبية إلى جسد الدولة العثمانية ونشطت تحت مظلتها القوى الداخلية المعادية للعثمانيين والتي كانت تنتظر الفرصة المواتية للتآمر والانقضاض وإثارة الفتن والاضطرابات التي زادت الدولة ضعفاً على ضعف، ومكنت لخصومها في الداخل والخارج من تدميرها -في نهاية الأمر- وإلغاء مؤسسة الخلافة التي كانت رمزاً للتفوق الإسلامي والروح الجهادية والقدرة العسكرية على مجابهة الغرب.
ومهما يكن من أمر فقد عبر تاريخ الدول الإسلامية، منذ عصر الرسالة وحتى سقوط الدولة العثمانية، عن قدرة هذه الدول على اعتماد صيغ الحرب والسلام في التعامل مع الخصوم، في ضوء ثوابت ومعطيات الشريعة الإسلامية التي تتميز بالحيوية والمرونة، ووفق مطالب اللحظة التاريخية. وكانت القوة في معظم الأحيان، هي التي تجعل الحوار السلمي بين المسلمين وخصومهم أكثر قدرة على تحقيق المصالح الإسلامية العليا. وحيثما غابت القوة، أو تعرضت للضعف والتفكك أصبح الحوار –غالباً- فرصة لتحقيق مصالح الخصم وتمكينه من تنفيذ مشروعه التاريخي المتواصل، وكسر شوكة الإسلام، وتفتيت الأمة الإسلامية.
الخاتمة
ما بين "صراع الحضارات" لصموئيل هنتنجتون الذي يؤكد حضور "التاريخ"، و"نهاية التاريخ" لفرنسيس فوكوياما الذي يلغي "التاريخ"، هوة واسعة وزاوية منفرجة قد تبلغ 180 درجة، وتلك هي إحدى أزمات العقل الغربي سواء في تنظيراته، أم عقائده أم سياساته. إنه على ما يبدو معتقل في حتمية "إما هذا أو ذاك"؛ إما الصراع وإما الحوار، بقدر تعلق الأمر بالموضوع الذي بين أيدينا. بينما يكسر الإسلام هذه المقولة الخاطئة ويقدم بدلاً منهما مبدأ "هذا وذاك": الصراع والحوار معا.ً وها نحن قد رأينا عبر صفحات هذا البحث إمكانية حضور الفعاليتين معا،ً سواء في تأسيساتنا العقدية والتشريعية أم في تاريخنا على امتداده الطويل.
إنها -في بدء التحليل ونهايته- "الوسطية" التي يتميز بها هذا الدين، والتي يمكن أن تعتمد معياراً أو منهجاً نتعامل بموجبه مع سائر الظواهر والخبرات: وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً. (البقرة: 143) والوسطية هنا ليست موقعاً جغرافياً، ولكنها موقف عقدي واستراتيجية عمل، ورؤية نافذة لموقع الإنسان المؤمن في الكون والعالم؛ إنها القدرة الدائمة على التحقق بالتوازن وعدم الجنوح صوب اليمين أو الشمال، ومن خلال هذه القدرة يتحقق مفهوم الشهادة على الناس، لأنها تطلّ عليهم من موقع الإشراف المتوازن الذي لا يميل ولا يجوز. إن الغربيين وهم يحاوروننا أو يصطرعون معنا لن يكون بمقدورهم أن يخرجوا من جلودهم؛ أن يتجاوزوا التأثيرات الدينية والثقافية؛ أن يناقضوا مطالبهم السياسية والاستراتيجية؛ أن يتخلوا عن هيمنتهم ومصالحهم الاقتصادية، بل -وهذا هو الأهم- أن يفتحوا منافذ وثغرات في بنيانهم الحضاري ذي المكونات النصرانية والموجهات اليهودية بموازاة الرؤية العلمانية التي قد تبلغ في كثير من الأحيان حافات المادية التي ترفض الغيب وتتنكر لله.
وأخشى ما يخشاه المرء في ختام بحث كهذا، أن تنـزلق الدعوة إلى (الحوار) بأصحابها صوب إحدى اثنتين، فأما أولاهما فواضحة بيِّنة وهي التنازل بدرجة أو أخرى، عن بعض ثوابتنا وخصوصياتنا التي تميزنا عن أبناء الديانات الأخرى، تحت ذريعة التقريب، وتذويب الحواجز الدينية بين الأمم والشعوب. وأما ثانيتهما، فهي أشد خفاء وأبعد عن التكشف، وهي تذكرنا بتلك المحاولات (المشبوهة) التي أرادت بدعوتها إلى (التسوية) بين الأديان، أو -في الأقل- إضعاف الحواجز القائمة بينها، الإجهاز على الخصوصية الإسلامية من جهة، وإعطاء المبرر والشرعية لاستمرارية الأديان المحرفة، وربما الاعتراف بمعطياتها، أو بجانب منها على الأقل، فيما قد يتناقض ابتداء مع قاعدة هذا الدين القائم على التوحيد المطلق الذي لا تشوبه أية شائبة من شرك أو تعددية أو وثنية.
إن قنوات التواصل مع الآخر كثيرة جداً وأغلب الظن أن العديد من الباحثين قد تحدثوا عن جوانب شتى منها. ومن خلال هذه القنوات يمكن العبور إلى الآخر والحوار معه، والوصول -ربما- إلى نتائج في غاية الأهمية، لكن ذلك كله يتحتم ألا يكون على حساب الثوابت التي لا مهادنة فيها ولا مجاملة.