ابو دريع
02-23-2007, 09:29 AM
من علماء نجد في القرن الحادي عشر الهجري
الشيخ أحمد بن عيسى بن ظاهر الوهيبي التّميمي
http://www.alriyadh.com/2007/02/23/img/222235.jpg
عبدالله بن بسّام البسيمي
بين كل فترة وأخرى يظهر لنا أسماء علماء مجهولين ومغمورين، عفت على أسمائهم السنون، فضلاً عن أخبارهم، وأهملت ذكرهم كتب التراجم، ومع ذلك نجد أسماء بعضهم مرسومة في بطون ما وصلنا من المخطوطات والوثائق، التي هي بدورها تحتاج إلى من يبرزها ويبحث عن المزيد منها، لتكون الصورة العلميّة عن نجد وعلمائها أوضح مما هي عليه الآن، ونؤدي بذلك بعض ما لهؤلاء العلماء من حقوق - رحمهم الله تعالى-، وسأعرض هنا لعلم عاش حياته في القرن الحادي عشر الهجري لم ترد له ترجمة فيما بين أيدينا من كتب التراجم والتاريخ.
نسبه: هو الشيخ أحمد بن عيسى بن ظاهر الوهيبي التّميمي، هكذا كتب اسمه ونسبه بخط يده، فهو من الوهبة ذلك البطن الكبير من بطون بني حنظلة من تميم، وجد الوهبة هو: وُهَيءب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عُقءبة بن سُنَيءع بن نَهءشَل بن شَدَّاد بن زُهَير بن شِهَاب بن رَبِيعة بن أبي سُود بن مالك بن حَنءظَلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم.(1) وأرجح أن المترجم له من آل خرفان ثمّ من آل محمد أحد فرعي الوهبة.
مولده: ولد على الأرجح في بلدة أشيقر إحدى بلدان منطقة الوشم في نجد، فهي البلدة التي اختص بسكناها عشائر الوهبة في عصر المترجم له، ولم أقف على تاريخ مولده.
طلبه للعلم:لم تسعفنا المصادر عن تفاصيل ذلك، إلا أن الأوج العلمي لأشيقر كان في القرن العاشر فما بعده، إذ كثر فيها العلماء من أهلها، وكثر طلاب العلم الواردون إليها، وقد يكون المترجم له ممن رحل في طلب العلم إلى دمشق للقراءة على علمائها، مثله مثل بعض علماء أشيقر في تلك الفترة وقبلها، كالشيخ محمد بن إبراهيم بن أبي حميدان، إذ قرأ على الشيخ موسى الحجاوي (ت 968ه) كتابه (الإقناع) قراءة بحث وتدقيق وتحرير وتحقيق، ونسخته التي قرأها على مصنفها لاتزال موجودة،(2) وقد تداولها وعلق عليها كبار علماء أشيقر.(3) ونَجِد عدداً غيره من أفراد أسرته آل أبي حميدان تتلمذوا على الحجاوي أيضاً، وكذلك الشيخ أحمد بن محمد بن مشرّف الوهيبي التّميمي الأشيقري (ت1012ه) درس على الحجاوي أيضاً.(4)
من آثاره و أعماله: للمترجم له جهود في نسخ الكتب فقد وصل إلينا بخطه سنة 1052ه كتاب: (شرح منظومة الكافية في الفرائض) على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، مما يشير إلى أن له اهتماماً بالفقه الحنبلي عموماً والفرائض خصوصاً، وهذه النسخة محفوظة ضمن مخطوطات المكتبة الظاهرية بدمشق برقم (9789)، قال المترجم له في آخرها: (كان الفراغ من تعليق هذا الشرح بعد الظهر يوم الثلاثاء خامس رجب الأصب الحرام من شهور سنة اثنين وخمسين وألف 1052لنفسه العبد الفقير المعترف بالذنوب والتقصير أحمد بن عيسى بن ظاهر الوهيبي التّميمي الحنبلي، تاب الله عليه، وغفر له ولوالديه، ولمن دعا لهم وله بالمغفرة والأمن يوم الفزع الأكبر، ولجميع المسلمين أجمعين، آمين، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم).
فهل كون هذه المخطوطة التي بخط المترجم له، موجودة في دمشق يعني أنه نسخها هناك؟ أم أنه نسخها في أشيقر ونقلت فيما بعد شأن كثير من المخطوطات النجدية التي تفرقت؟
واطلعتُ على نسخة مخطوطة سنة 989ه من كتاب (التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع) للإمام العلامة علي المرداوي (ت885ه)، محفوظة في مكتبة جامعة أم القرى بمكة المكرمة برقم (1484)، جاء في آخرها قول الناسخ: (كاتبه ومالكه الفقير إلى رحمة ربه المبدي أحمد بن عيسى النجدي وكان الفراغ من تعليقه يوم الخميس ثامن عشر جمادى الآخر من شهور سنة989)، ويلاحظ أنّ خطها يختلف عن خط المترجم له الذي أرّخه سنة 1052ه، فإن بين هذين التاريخين 63عاماً وهذا يمكن أن يكون لشخص واحد، وقد اطلعت على عدة حالات مشابهة لذلك. فهل سبب اختلاف خط المترجم له أنه كتب هذه النسخة في صغره؟ أم أنّ كاتبها شخص آخر يحمل نفس الاسم؟
بعد تأهل المترجم له في العلم، لا يُستبعد أن يكون تولى منصب القضاء، فقد قال الشيخ سليمان بن علي بن مشرّف (ت1079ه) في مسائله المخطوطة، المسألة رقم (164) ما نصه: (أما إذا خاف الشاهد على نفسه أو ماله جاز لقاضٍ أهلٍ لذلك مثل الوهيبي يكتب شهادة الشهود، ويكون ذلك صحيحاً مثل عنوتهم) (5)، فقد يكون المقصود بالقاضي الوهيبي هو مترجمنا الشيخ ابن ظاهر.
وفاته: لا تسعفنا المصادر المتوفرة حتى الآن عن تاريخ وفاة الشيخ ابن ظاهر، ولكن بما أنه أرخ تعليقه لشرح الكافية سنة 1052ه، فتكون وفاته بعد هذا التاريخ، فهي إذاً في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الهجري رحمه الله تعالى وغفر له ولجميع موتى المسلمين.
وصف النسخة المخطوطة من شرح منظومة الكافية:
1- أُشيرَ في صفحة العنوان إلى أن أولها مخروم وكُتب رقمها العام في الأعلى (9789) وفوقه رقم (78). وفي أسفل الصفحة رقم (225)، فقد تكون هذه النسخة ضمن مجموع، وبفقد أولها فُقِد اسم الشارح ومقدمة الشرح.
2- كتب على صفحة العنوان النص التالي: (شرح منظومة بالفرائض تأليف أحمد بن عيسى بن طاهر الوهيبي التّميمي الحنبلي وهو بخطه سنة 1052كما هو محرر بآخره)، والذي كتب هذا أحد المفهرسين، وأُعتمد هذا في فهرس دار الكتب الظاهرية.
3- أشار المفهرس الذي دون المعلومات على صفحة العنوان أن اعتماده في نسبة هذا الشرح لابن ظاهر هي العبارة الواردة في آخر المخطوطة والتي كتبها ابن ظاهر وعبارته هي قوله: (انتهى تعليق هذا الشرح).
4- نوع الخط نسخ واضح مقروء، و تقع هذه النسخة في (46) لوحة، أي (90) صفحة، في كل صفحة 19سطراً، ومن أول المخطوطة إلى منتصف اللوحة رقم ( / 12ب)كُتِبَ بخط جميل يختلف عن خط ابن ظاهر ولم يعرف صاحبه، وثلاثة أرباع المخطوطة تقريبا، من منتصف اللوحة رقم ( 12/ب) إلى آخرها، بخط ابن ظاهر الذي دون اسمه في آخرها.
5- بداية هذه النسخة من المخطوطة هي: (لحديث أبي هريرة في ما رواه ابن حبان في صحيحه وغيره كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع أي ناقص البركة)، وابتداء المخطوطة بشرح البسملة والحمدلة يدل على أن المفقود صفحة أو صفحتان تقريباً. أما نهاية المخطوطة فقد جاء فيها: (سبحانه وتعالى ونعم الوكيل ... ) ولم أستطع قراءة ما بعده لعدم وضوحه، وقدره نصف سطر تقريباً، على أن النسخة المصورة التي وصلتني من هذا الشرح فيها بياض في بعض الصفحات قدره كلمة، وقد يصل أحياناً إلى نصف سطر، ويبدو لي أن مكان البياض مكتوب في الأصل بالحبر الأحمر فلذلك لم يظهر في التصوير.
6- نَسَخَ المترجم له في آخر هذه النسخة بعد أن انتهى من الشرح ثلاثة ألغاز منظومة في الفرائض لعمر البعلي (ت 975ه) مع جوابها نظماً أيضاً تقع في صفحة ونصف، قال الناسخ في آخرها: (كتبه أحمد بن ظاهر التّميمي).
من فوائد هذه النسخة:
1- أن هذا الشرح للكافية لم يطبع بعد.
2- تركيز العلماء النجديين على علم الفقه، فهذا الكتاب شرح على منظومة في الفرائض.
3- اشتراك عدد من النسّاخ في كتابة المخطوطة الواحدة.
4- المترجم له أحد العلماء النجديين المتقدمين الذين أصّلوا نسبهم إلى تميم، كما فعله من سبقه مثل:
@ الشيخ عبد الله بن شفيع بن سعيد بن عمران بن مالك التّميمي، كتب ذلك سنة 799ه في آخر نسخه لكتاب (التوابين) لابن قدامة.(6)
@ الشيخ أحمد بن يحيى بن عطوة بن زيد التّميمي(7)، المتوفى سنة 948ه.
@ الشيخ محمد بن أحمد بن بسّام القاضي كتب نسبه كاملا إلى ما بعد تميم.(8)
@ الشيخ عبد الوهاب بن موسى بن عبد القادر بن راشد بن بريد بن مشرّف التّميمي نسباً ومحتداً، كتب ذلك سنة 988ه في آخر نسخه لكتاب: (نظم الوجيز في الفقه) للتستري.(9)
من هو مؤلف شرح منظومة الكافية؟
سأحاول في هذا المبحث تحقيق صحة نسبة هذا الشرح لابن ظاهر من عدمه، وذلك من خلال العناصر التالية:
1) مؤلف أصل (نظم الكافية في الفرائض) هو الحسين بن يوسف بن أبي السري الدجيلي الحنبلي (ت 732ه)، قال الإمام ابن رجب في ترجمته: (وله قصيدة لامية في الفرائض) (10). وفي آخر المخطوط ترجم الشارح للحسين الدجيلي مؤلف الأصل الذي هو نظم الكافية في الفرائض نقلاً عن طبقات ابن رجب، ولما وصل إلى قول ابن رجب المتقدم، علق الشارح على ذلك بقوله: (يشير ابن رجب إلى هذه المشروحة).
2) مؤلف هذا الشرح أحد تلاميذ العلامة موسى الحجاوي، ففي الصفحات ( 35/ب)، ( 40/أ)، ( 41/أ)، نقل الشارح عن كتاب (الإقناع) للحجاوي وأخبر بأنه شيخه، ووصفه بالمرحوم، ووصف الشارح لشيخه بالمرحوم يدل على أنه لم يؤلِّف هذا الشرح إلا بعد وفاة شيخه، إذاً فالشرح أُلِّف فيما بين وفاة الحجاوي سنة 968ه و نسخ هذا الشرح سنة 1052ه لا يتعداهما بحال.
3) في الصفحة ( 16/ب) أورد الشارح مسألة منظومة في الفرائض ثم قال: (ولقد رُفِعَتء هذه الأبيات إلى شيخ الإسلام ابن عبد الهادي الحنبلي رحمه الله تعالى فأجاب عنها قائلا... )، ثم أورد جواب ابن عبد الهادي نظما أيضاً، ومن المرجح أنه يقصد بذلك الشيخ يوسف بن حسن بن عبد الهادي (ت 909ه) ولا أظن الشارح في هذا إلا ناقلاً عن مصدر قبله، وليس هو الذي رفع الأبيات إلى ابن عبد الهادي، فالشرح لم يؤلف إلا بعد سنة 968ه.
4) الصفحة الأولى من الشرح مفقودة وهي التي فيها اسم الشارح ومقدمة الشرح، كما تقدم. هذا وقد كُتب على صفحة العنوان النص التالي: (شرح منظومة بالفرائض تأليف أحمد بن عيسى بن طاهر الوهيبي التّميمي الحنبلي وهو بخطه سنة 1052كما هو محرر بآخره)، والذي كتب هذا أحد المفهرسين، وأُعتمد هذا في فهرس دار الكتب الظاهرية، والجزم بأن الشرح كله لابن ظاهر غير صحيح، فالشارح من تلاميذ الحجاوي، والشيخ ابن ظاهر نسخ الشرح سنة 1052ه، ولا يمكن أن يكون من تلاميذ الحجاوي المتوفى سنة 968ه، فالفارق بين وفاة الحجاوي وتاريخ هذه النسخة 84عاماً، فعليه يكون ابن ظاهر ناسخاً وليس شارحاً، فمن يكون الشارح إذاً؟
5) أُلحق في آخر هذه النسخة ثلاثة ألغاز منظومة في الفرائض مع جوابها، تقع في صفحة ونصف، جاء في مطلعها قوله: (لكاتبه عمر بن أبي الحسن البعلي في الأكدرية ملغزاً)، وجاء في آخر الألغاز قول الناسخ: (كتبه الفقير أحمد بن ظاهر التّميمي). إذاً ابن ظاهر ماهو إلا ناقل عن خط عمر البعلي. فهل هذا الشرح للبعلي لقوله (لكاتبه) وأتبعه هذه الألغاز المنظومة؟ أم أن الشرح ليس للبعلي وأن الألغاز ألحقها الناسخ؟ ولعل في مواصلة البحث عن نسخ أخرى لهذا الشرح تحسم الخلاف في نسبته إلى مؤلفه، وأرجح أن الشارح هو عمر بن يوسف البعلي المتوفى سنة 975ه، فبالإضافة لما تقدم، وصفه نجم الدين الغزي بقوله: (الحيسوب الفرضي الفقيه العالم مفتي بعلبك).(11)
إلا أن ابن ظاهر قال في آخر المخطوطة: (كان الفراغ من تعليق هذا الشرح ...الخ)، فهل لابن ظاهر تعليقات ضمّنها هذا الشرح؟ فلعل قراءة متأنية لهذه المخطوطة تساعد على الإجابة على هذا السؤال، خاصة لو ظهرت نسخة أخرى للشرح لتتسنى المقارنة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الهوامش:
(1) ينظر كتاب: (نسب الوهبة التّميميين وعشائرهم) للكاتب و أ.د. خالد الوزان، تحت الإعداد.
(2) وهي محفوظة في مكتبة الملك فهد الوطنية ضمن مخطوطات المكتبة السعودية برقم (86354).
(3) (العلماء والكتاب في أشيقر: 2141، 226).
(4) (علماء نجد خلال ثمانية قرون: 5401).
(5) ص ( 13/ب) من نسخة مكتبة الأوقاف بالكويت، ذات الرقم (1377).
(6) (السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة: 11973).
(7) (الفواكه العديدة: 1942،227).
(8) (نسب الوهبة التّميميين وعشائرهم).
(9) هذه النسخة محفوظة في مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض ضمن مخطوطات المكتبة السعودية برقم (86372). وانظر ترجمته ابن مشرّف في صحيفة الجزيرة، العدد (12057)، تاريخ 1426/8/28ه، ص: (39).
(10) (الذيل على طبقات الحنابلة: 325)، لهذه المنظومة نسخة في دار الكتب المصرية برقم ( 39/فرائض).
(11) (الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة: 1973).
--------------------------------------------------------------------------------
الشيخ أحمد بن عيسى بن ظاهر الوهيبي التّميمي
http://www.alriyadh.com/2007/02/23/img/222235.jpg
عبدالله بن بسّام البسيمي
بين كل فترة وأخرى يظهر لنا أسماء علماء مجهولين ومغمورين، عفت على أسمائهم السنون، فضلاً عن أخبارهم، وأهملت ذكرهم كتب التراجم، ومع ذلك نجد أسماء بعضهم مرسومة في بطون ما وصلنا من المخطوطات والوثائق، التي هي بدورها تحتاج إلى من يبرزها ويبحث عن المزيد منها، لتكون الصورة العلميّة عن نجد وعلمائها أوضح مما هي عليه الآن، ونؤدي بذلك بعض ما لهؤلاء العلماء من حقوق - رحمهم الله تعالى-، وسأعرض هنا لعلم عاش حياته في القرن الحادي عشر الهجري لم ترد له ترجمة فيما بين أيدينا من كتب التراجم والتاريخ.
نسبه: هو الشيخ أحمد بن عيسى بن ظاهر الوهيبي التّميمي، هكذا كتب اسمه ونسبه بخط يده، فهو من الوهبة ذلك البطن الكبير من بطون بني حنظلة من تميم، وجد الوهبة هو: وُهَيءب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عُقءبة بن سُنَيءع بن نَهءشَل بن شَدَّاد بن زُهَير بن شِهَاب بن رَبِيعة بن أبي سُود بن مالك بن حَنءظَلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم.(1) وأرجح أن المترجم له من آل خرفان ثمّ من آل محمد أحد فرعي الوهبة.
مولده: ولد على الأرجح في بلدة أشيقر إحدى بلدان منطقة الوشم في نجد، فهي البلدة التي اختص بسكناها عشائر الوهبة في عصر المترجم له، ولم أقف على تاريخ مولده.
طلبه للعلم:لم تسعفنا المصادر عن تفاصيل ذلك، إلا أن الأوج العلمي لأشيقر كان في القرن العاشر فما بعده، إذ كثر فيها العلماء من أهلها، وكثر طلاب العلم الواردون إليها، وقد يكون المترجم له ممن رحل في طلب العلم إلى دمشق للقراءة على علمائها، مثله مثل بعض علماء أشيقر في تلك الفترة وقبلها، كالشيخ محمد بن إبراهيم بن أبي حميدان، إذ قرأ على الشيخ موسى الحجاوي (ت 968ه) كتابه (الإقناع) قراءة بحث وتدقيق وتحرير وتحقيق، ونسخته التي قرأها على مصنفها لاتزال موجودة،(2) وقد تداولها وعلق عليها كبار علماء أشيقر.(3) ونَجِد عدداً غيره من أفراد أسرته آل أبي حميدان تتلمذوا على الحجاوي أيضاً، وكذلك الشيخ أحمد بن محمد بن مشرّف الوهيبي التّميمي الأشيقري (ت1012ه) درس على الحجاوي أيضاً.(4)
من آثاره و أعماله: للمترجم له جهود في نسخ الكتب فقد وصل إلينا بخطه سنة 1052ه كتاب: (شرح منظومة الكافية في الفرائض) على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، مما يشير إلى أن له اهتماماً بالفقه الحنبلي عموماً والفرائض خصوصاً، وهذه النسخة محفوظة ضمن مخطوطات المكتبة الظاهرية بدمشق برقم (9789)، قال المترجم له في آخرها: (كان الفراغ من تعليق هذا الشرح بعد الظهر يوم الثلاثاء خامس رجب الأصب الحرام من شهور سنة اثنين وخمسين وألف 1052لنفسه العبد الفقير المعترف بالذنوب والتقصير أحمد بن عيسى بن ظاهر الوهيبي التّميمي الحنبلي، تاب الله عليه، وغفر له ولوالديه، ولمن دعا لهم وله بالمغفرة والأمن يوم الفزع الأكبر، ولجميع المسلمين أجمعين، آمين، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم).
فهل كون هذه المخطوطة التي بخط المترجم له، موجودة في دمشق يعني أنه نسخها هناك؟ أم أنه نسخها في أشيقر ونقلت فيما بعد شأن كثير من المخطوطات النجدية التي تفرقت؟
واطلعتُ على نسخة مخطوطة سنة 989ه من كتاب (التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع) للإمام العلامة علي المرداوي (ت885ه)، محفوظة في مكتبة جامعة أم القرى بمكة المكرمة برقم (1484)، جاء في آخرها قول الناسخ: (كاتبه ومالكه الفقير إلى رحمة ربه المبدي أحمد بن عيسى النجدي وكان الفراغ من تعليقه يوم الخميس ثامن عشر جمادى الآخر من شهور سنة989)، ويلاحظ أنّ خطها يختلف عن خط المترجم له الذي أرّخه سنة 1052ه، فإن بين هذين التاريخين 63عاماً وهذا يمكن أن يكون لشخص واحد، وقد اطلعت على عدة حالات مشابهة لذلك. فهل سبب اختلاف خط المترجم له أنه كتب هذه النسخة في صغره؟ أم أنّ كاتبها شخص آخر يحمل نفس الاسم؟
بعد تأهل المترجم له في العلم، لا يُستبعد أن يكون تولى منصب القضاء، فقد قال الشيخ سليمان بن علي بن مشرّف (ت1079ه) في مسائله المخطوطة، المسألة رقم (164) ما نصه: (أما إذا خاف الشاهد على نفسه أو ماله جاز لقاضٍ أهلٍ لذلك مثل الوهيبي يكتب شهادة الشهود، ويكون ذلك صحيحاً مثل عنوتهم) (5)، فقد يكون المقصود بالقاضي الوهيبي هو مترجمنا الشيخ ابن ظاهر.
وفاته: لا تسعفنا المصادر المتوفرة حتى الآن عن تاريخ وفاة الشيخ ابن ظاهر، ولكن بما أنه أرخ تعليقه لشرح الكافية سنة 1052ه، فتكون وفاته بعد هذا التاريخ، فهي إذاً في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الهجري رحمه الله تعالى وغفر له ولجميع موتى المسلمين.
وصف النسخة المخطوطة من شرح منظومة الكافية:
1- أُشيرَ في صفحة العنوان إلى أن أولها مخروم وكُتب رقمها العام في الأعلى (9789) وفوقه رقم (78). وفي أسفل الصفحة رقم (225)، فقد تكون هذه النسخة ضمن مجموع، وبفقد أولها فُقِد اسم الشارح ومقدمة الشرح.
2- كتب على صفحة العنوان النص التالي: (شرح منظومة بالفرائض تأليف أحمد بن عيسى بن طاهر الوهيبي التّميمي الحنبلي وهو بخطه سنة 1052كما هو محرر بآخره)، والذي كتب هذا أحد المفهرسين، وأُعتمد هذا في فهرس دار الكتب الظاهرية.
3- أشار المفهرس الذي دون المعلومات على صفحة العنوان أن اعتماده في نسبة هذا الشرح لابن ظاهر هي العبارة الواردة في آخر المخطوطة والتي كتبها ابن ظاهر وعبارته هي قوله: (انتهى تعليق هذا الشرح).
4- نوع الخط نسخ واضح مقروء، و تقع هذه النسخة في (46) لوحة، أي (90) صفحة، في كل صفحة 19سطراً، ومن أول المخطوطة إلى منتصف اللوحة رقم ( / 12ب)كُتِبَ بخط جميل يختلف عن خط ابن ظاهر ولم يعرف صاحبه، وثلاثة أرباع المخطوطة تقريبا، من منتصف اللوحة رقم ( 12/ب) إلى آخرها، بخط ابن ظاهر الذي دون اسمه في آخرها.
5- بداية هذه النسخة من المخطوطة هي: (لحديث أبي هريرة في ما رواه ابن حبان في صحيحه وغيره كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع أي ناقص البركة)، وابتداء المخطوطة بشرح البسملة والحمدلة يدل على أن المفقود صفحة أو صفحتان تقريباً. أما نهاية المخطوطة فقد جاء فيها: (سبحانه وتعالى ونعم الوكيل ... ) ولم أستطع قراءة ما بعده لعدم وضوحه، وقدره نصف سطر تقريباً، على أن النسخة المصورة التي وصلتني من هذا الشرح فيها بياض في بعض الصفحات قدره كلمة، وقد يصل أحياناً إلى نصف سطر، ويبدو لي أن مكان البياض مكتوب في الأصل بالحبر الأحمر فلذلك لم يظهر في التصوير.
6- نَسَخَ المترجم له في آخر هذه النسخة بعد أن انتهى من الشرح ثلاثة ألغاز منظومة في الفرائض لعمر البعلي (ت 975ه) مع جوابها نظماً أيضاً تقع في صفحة ونصف، قال الناسخ في آخرها: (كتبه أحمد بن ظاهر التّميمي).
من فوائد هذه النسخة:
1- أن هذا الشرح للكافية لم يطبع بعد.
2- تركيز العلماء النجديين على علم الفقه، فهذا الكتاب شرح على منظومة في الفرائض.
3- اشتراك عدد من النسّاخ في كتابة المخطوطة الواحدة.
4- المترجم له أحد العلماء النجديين المتقدمين الذين أصّلوا نسبهم إلى تميم، كما فعله من سبقه مثل:
@ الشيخ عبد الله بن شفيع بن سعيد بن عمران بن مالك التّميمي، كتب ذلك سنة 799ه في آخر نسخه لكتاب (التوابين) لابن قدامة.(6)
@ الشيخ أحمد بن يحيى بن عطوة بن زيد التّميمي(7)، المتوفى سنة 948ه.
@ الشيخ محمد بن أحمد بن بسّام القاضي كتب نسبه كاملا إلى ما بعد تميم.(8)
@ الشيخ عبد الوهاب بن موسى بن عبد القادر بن راشد بن بريد بن مشرّف التّميمي نسباً ومحتداً، كتب ذلك سنة 988ه في آخر نسخه لكتاب: (نظم الوجيز في الفقه) للتستري.(9)
من هو مؤلف شرح منظومة الكافية؟
سأحاول في هذا المبحث تحقيق صحة نسبة هذا الشرح لابن ظاهر من عدمه، وذلك من خلال العناصر التالية:
1) مؤلف أصل (نظم الكافية في الفرائض) هو الحسين بن يوسف بن أبي السري الدجيلي الحنبلي (ت 732ه)، قال الإمام ابن رجب في ترجمته: (وله قصيدة لامية في الفرائض) (10). وفي آخر المخطوط ترجم الشارح للحسين الدجيلي مؤلف الأصل الذي هو نظم الكافية في الفرائض نقلاً عن طبقات ابن رجب، ولما وصل إلى قول ابن رجب المتقدم، علق الشارح على ذلك بقوله: (يشير ابن رجب إلى هذه المشروحة).
2) مؤلف هذا الشرح أحد تلاميذ العلامة موسى الحجاوي، ففي الصفحات ( 35/ب)، ( 40/أ)، ( 41/أ)، نقل الشارح عن كتاب (الإقناع) للحجاوي وأخبر بأنه شيخه، ووصفه بالمرحوم، ووصف الشارح لشيخه بالمرحوم يدل على أنه لم يؤلِّف هذا الشرح إلا بعد وفاة شيخه، إذاً فالشرح أُلِّف فيما بين وفاة الحجاوي سنة 968ه و نسخ هذا الشرح سنة 1052ه لا يتعداهما بحال.
3) في الصفحة ( 16/ب) أورد الشارح مسألة منظومة في الفرائض ثم قال: (ولقد رُفِعَتء هذه الأبيات إلى شيخ الإسلام ابن عبد الهادي الحنبلي رحمه الله تعالى فأجاب عنها قائلا... )، ثم أورد جواب ابن عبد الهادي نظما أيضاً، ومن المرجح أنه يقصد بذلك الشيخ يوسف بن حسن بن عبد الهادي (ت 909ه) ولا أظن الشارح في هذا إلا ناقلاً عن مصدر قبله، وليس هو الذي رفع الأبيات إلى ابن عبد الهادي، فالشرح لم يؤلف إلا بعد سنة 968ه.
4) الصفحة الأولى من الشرح مفقودة وهي التي فيها اسم الشارح ومقدمة الشرح، كما تقدم. هذا وقد كُتب على صفحة العنوان النص التالي: (شرح منظومة بالفرائض تأليف أحمد بن عيسى بن طاهر الوهيبي التّميمي الحنبلي وهو بخطه سنة 1052كما هو محرر بآخره)، والذي كتب هذا أحد المفهرسين، وأُعتمد هذا في فهرس دار الكتب الظاهرية، والجزم بأن الشرح كله لابن ظاهر غير صحيح، فالشارح من تلاميذ الحجاوي، والشيخ ابن ظاهر نسخ الشرح سنة 1052ه، ولا يمكن أن يكون من تلاميذ الحجاوي المتوفى سنة 968ه، فالفارق بين وفاة الحجاوي وتاريخ هذه النسخة 84عاماً، فعليه يكون ابن ظاهر ناسخاً وليس شارحاً، فمن يكون الشارح إذاً؟
5) أُلحق في آخر هذه النسخة ثلاثة ألغاز منظومة في الفرائض مع جوابها، تقع في صفحة ونصف، جاء في مطلعها قوله: (لكاتبه عمر بن أبي الحسن البعلي في الأكدرية ملغزاً)، وجاء في آخر الألغاز قول الناسخ: (كتبه الفقير أحمد بن ظاهر التّميمي). إذاً ابن ظاهر ماهو إلا ناقل عن خط عمر البعلي. فهل هذا الشرح للبعلي لقوله (لكاتبه) وأتبعه هذه الألغاز المنظومة؟ أم أن الشرح ليس للبعلي وأن الألغاز ألحقها الناسخ؟ ولعل في مواصلة البحث عن نسخ أخرى لهذا الشرح تحسم الخلاف في نسبته إلى مؤلفه، وأرجح أن الشارح هو عمر بن يوسف البعلي المتوفى سنة 975ه، فبالإضافة لما تقدم، وصفه نجم الدين الغزي بقوله: (الحيسوب الفرضي الفقيه العالم مفتي بعلبك).(11)
إلا أن ابن ظاهر قال في آخر المخطوطة: (كان الفراغ من تعليق هذا الشرح ...الخ)، فهل لابن ظاهر تعليقات ضمّنها هذا الشرح؟ فلعل قراءة متأنية لهذه المخطوطة تساعد على الإجابة على هذا السؤال، خاصة لو ظهرت نسخة أخرى للشرح لتتسنى المقارنة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الهوامش:
(1) ينظر كتاب: (نسب الوهبة التّميميين وعشائرهم) للكاتب و أ.د. خالد الوزان، تحت الإعداد.
(2) وهي محفوظة في مكتبة الملك فهد الوطنية ضمن مخطوطات المكتبة السعودية برقم (86354).
(3) (العلماء والكتاب في أشيقر: 2141، 226).
(4) (علماء نجد خلال ثمانية قرون: 5401).
(5) ص ( 13/ب) من نسخة مكتبة الأوقاف بالكويت، ذات الرقم (1377).
(6) (السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة: 11973).
(7) (الفواكه العديدة: 1942،227).
(8) (نسب الوهبة التّميميين وعشائرهم).
(9) هذه النسخة محفوظة في مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض ضمن مخطوطات المكتبة السعودية برقم (86372). وانظر ترجمته ابن مشرّف في صحيفة الجزيرة، العدد (12057)، تاريخ 1426/8/28ه، ص: (39).
(10) (الذيل على طبقات الحنابلة: 325)، لهذه المنظومة نسخة في دار الكتب المصرية برقم ( 39/فرائض).
(11) (الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة: 1973).
--------------------------------------------------------------------------------