المهلب الرويلي
01-29-2005, 08:45 PM
تمهيد :
الدراسات الأستشراقية والمستشرقين الذين توافدوا على بلادنا في القرنين الماضيين وماقبلهما لا شك أنها انطوت على الكثير من الفوائد لنا حيث حفظ هؤلاء القوم الكثير من تراثنا وتاريخ أجدادنا في تلك الفترة المظلمة من التاريخ والتي لم تدون بشكل كامل ومتسلسل باستثناء بعض الأجتهادات من هنا وهناك ، والحقيقة إن كل باحث يدرك هذا الأمر ويعترف به وهذا لايعني أن نسلم بكل ماكتبوه أو لا نعتقد بوجود أهداف أخرى لديهم دفعتهم للمجيئ إلى بلادنا مدعومين من حكوماتهم ومؤسساتهم الأكاديمة بميزانيات ضخمة ، كما أنهم يتفاوتون في اهدافهم وأساليبهم وحتى في شخصياتهم ، فمنهم من عشق هذه البلاد وقبائلها لدرجة أنه غير اسمه ودينه فأصبح عربيا مسلما وأقام فيها حتى مات ومنهم من رجع وهو يحمل في قلبه أحلى الذكريات وكتب رأيه بكل حيادية وأنصاف ، ومنهم من طغت نزعاته الأستعمارية والدينية عليه فحاول تزوير التاريخ وقلب الحقائق . ولكن لا شك أن العلم والبحث عن الحقيقة وتدوين التاريخ كان أحد أهم أهدافهم .
يقول العلامة حمد الجاسر رحمه الله : [ لست أجهل كثيرا من البواعث والدوافع لأكثر من اتجهوا لدراسة أحوال أمتنا من الغربيين ، منذ محاولاتهم الأولى ارتياد مختلف أنحاء الجزيرة العربية في القرون الثلاثة الماضية ، ولست ممن ينظر إلى ماقاموا به من دراسات وأبحاث ، وماقدموه وما توصلوا إليه من نتائج نظر من لايدرك ماينطوي عليه كل ذلك من مقاصد ماكان يراد بها كلها وجه العلم وحده . ولكني أدرك أن أسس قوة أولئك، بلوغهم أسمى مراتب العلم ، بأحوال هذا الكون ، وتعمقهم بأسرار طبيعته , وماقامت عليه نواميس الحياة .]
وفي موضع آخر يقول : [ إننا إن لم نكن بحاجة إلى مايقدمه هؤلاء الغربيون من آراء وأفكار تتعلق ببلادنا . فنحن في أشد الحاجة لكي نستفيد من تجاربهم ، ونتخذ من مثابرتهم وصبرهم نهجا نسير عليه في حياتنا اليومية .]
والحقيقة أن كثيرا منهم عانا في حياته من شظف العيش فقط ليسجل مايريده كما فعل موزل حين عاش مع الرولة سنوات طويلة من عمره ولكم أن تتصوروا كيف عاش هذا الأروبي المرفه حياة الرولة رغم قسوتها في تلك الفترة ، ولم يصدهم الخوف على حياتهم والموت يلوح في الأفق في كل يوم ومع كل شروق شمس أو غروبها . بل أن بعضهم عاين المعارك معاينة واشترك فيها . والحقيقة أن قبيلة عنزة على وجه الخصوص مدينة لهؤلاء القوم حيث أسهبوا في سرد تاريخها المجيد وهجرتها العظيمة ومعاركها وفرسانها . وفي هذه السلسلة أنشاءلله سأحاول ألقاء الضوء على بعض ماكتبه هؤلاء عن عنزة وقبائلها قدر استطاعتي ولا أزعم أنني أول من كتب ذلك فقد سبقني بعض الأخوة وأنا أسير على خطاهم وأدعو كل من لديه معلومة أو كتاب أن لا يبخل على هذ االمنتدى وأن يدون ماستطاع ولله ولي التوفيق .
نبذه عن المؤلف والكتاب .
البارون ماكس فرايهير فون أوبنهايم . ومساعديه :البوفيسير آرش برونيلش . والبروفيسير فرنر كاسكل . هو صاحب الكتاب أو الموسوع الضخمة وهي : [ البدو ] وما من وصف أدق للكتاب مما قاله المؤلف نفسه في مقدمته عن كتابه . يقول أوبنهايم : [ إن هذا الكتاب حصيلة أربعين عاما من العمل والملاحظات والتسجيلات الشخصية التي قمت بها في عين المكان ] .
ولد أوبنهايم في عام 1860في مدينة كولون بألمانيا . ودرس المرحلة الجامعية في جامعة ستارسبورغ تخصص قانون . وكذلك في جامعة برلين.
ومن ثم حصل على الدكتوراه في القانون من جامعة غونتن وعمره 23 سنة ، يعود اهتمامه بالشرق منذ سني المراققة حيث أهدي له كتاب ألف ليلة وليلة حيث كانت البداية ثم تطور الأمر ودرس العربية على يد مدرسين خاصين وفي عام 1884 قام بأول رحلة استكشافية إلى تركيا ومصر . وفي عام 1886 قام برحلة إلى المغرب ، وفي عام 1893 قام برحلة كبيرة إلى دمشق وعبر الصحراء السورية ثم إلى الفرات والبصرة ومن هناك إلى الهند وأخيرا إلى المستعمرات الألمانية في شرق أفريقيا .وتعددت رحلاته ومهامه الدبلوماسية للشرق بعد ذلك . ومات عام 1946 في لانشت ودفن فيها . وله من المؤلفات حوالي اربعين مؤلف وفيها الكثير عن الشرق وعن البدو .
ويندر أن انشغل بالشرق شخص مثل أوبنهايم . وكل من قرأ الكتاب يدرك مقدار الثقافة والعلم والأطلاع التي يتحلى بها الكاتب خصوصا في التاريخ الإسلامي وماقبل الأسلام وتاريخ العرب والمكتبة على مر القرون والحقيقة أنني أجزم أنه حتى لو حاول احد العرب تأليف مثل هذا الكتاب عن البدو والقبائل العربية لما استطاع أن يفعل ربع مافعله هذ المستشرق الألماني الذي كتب هذه الموسوعة عن كل قبائل العرب والجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق وفلسطين . وهي عبارة عن أربع مجلدات ، وفي المجلد الرابع أضاف مشجرات وخرائط القبائل العربية بدقة متناهية ، وفريده . ويقول أيضا أوبنهايم عن هذا الكتاب : [ سيقدم كتابنا هذا معطيات إلى كل من يبحث عن معلومات حول سائر المسائل المتعلقة بأبناء الصحراء .]
والشكر كل الشكر في الحقيقة لدار الوراق في لندن على ترجمتهم لهذا الكتاب بهذه الحرفية الكبيرة وهذا الجهد الجبار ومن الخسارة الفادحة إن لا يترجم مثل هذا الكتاب العظيم عن البدو . ومن المؤسف وجود الكثير من الكتب حتى الآن لم تترجم ونتمنى من الأخوة في دار الوراق مواصلة هذا العمل الرائع الذين يخدمون فيه تاريخنا المشرق ، ولا شك أن هذه الأعمال أيضا تدر ربحا وفيرا لأقبال الناس على مثل هذا النوع من الكتب . ورحم الله الشيخ حمد الجاسر الذي كان شغوفا وتواقا لترجمة كل كتب الستشرقين عن الجزيرة العربية وبذل جهودا كبيرة في سبيل ذلك . ونتمنى من جميع المؤسسات ودور النشر في بلادنا، والجامعات ، ومن المهتمين ومن شيوخ القبائل و رجال الأعمال القيام بهذا الدور والله ولي التوفيق .
قبيلة عنزة :
أول قبيلة ابتدأ بها المؤلف في كتابه الآنف الذكر هي قبيلة عنزة في المجلد الأول ، وقد كتب عنها إجمالا ثم أفرد كتابات خاصة لقبائل عنزة الكبرى مثل العمارات والرولة والسبعة والفدعان والحسنة وولد علي وسوف نأتي على ذكرها تباعا أنشاءلله .
وإليكم ماقاله عن عنزة :
قبل أكثر من مائتي عام ، غادرت قبيلة بدوية شريطاً أرضياً مجدباً من الجزيرة العربية ، امتد من المدينة عبر منطقة الطفح البركاني حرّة خيبر في اتجاه الشمال الشرقي ، وبلغ أراضي المراعي الغنية ، التي تنبسط فيما وراء صحراء النفود الرملية ، وتقود إلى الأرض المحببة عند البدو : سورية وبلاد الرافدين . ملأ القادمون الجدد ، الذين سمّوا أنفسهم عنزة ، الصحراء السورية خلال بضعة عقود ، وتحولوا خلال فترة قصيرة إلى مصدر رعب بالنسبة إلى سكان الأراضي الزراعية . منذ ذلك الوقت ، شكلت عنزة أكبر قبيلة رحل في الشمال ، ودأبت على الظهور صيفاً في أرجاء سورية وبلاد الرافدين ، بصحبة قطعان جمالها ، والإنسحاب شتاء إلى جوف الصحراء ، بل والعودة – في بعض الأحيان – إلى موطنها القديم . لم تغير الحرب العالمية والمدنية الأوربية حياة عنزة إلا قليلاً .
وإذا كان اسمها قد فقد الكثير من إيحاءات الرعب التي لازمته ، فإن الحكومات ما زالت تعتبر عشائرها الكبيرة : الفدعان والرولة في الغرب ، والعمارات في الشرق ، عاملاً تحسب له ألف حساب .
تنتمي عنزة إلى أقدم قبائل الجزيرة العربية . ويمكن تتبع تاريخها إلى الحقبة الجاهلية . أما أقدم خبر عنها ، فهو حكاية خرافية تروي قصة رجل اختفى بينما كان يبحث عن القرظ ، وهي أوراق طلحية النوع تستخدم في الصباغة ، ولم يظهر له أثر بعد ذاك . هذه الحكاية تركت أصداءها في جميع اللهجات ، حتى صار يقال : " عندما يعود جامع القرظ من عنزة " ، أي عندما يأتي يوم لن يكون أبداً . يعتقد اللغويون العرب أنهم يعرفون من كان جامع القرظ هذا : إنه يَذُكر ، أحد أبناء أب القبيلة الأول . ويزعم المؤرخون أن الحكاية تجري في زمن سحيق محدد : فعندما كانت القبائل العربية تسكن موحدة في منطقة مكة ، شكل اختفاء يذكر ابن عنزة سبباً لحرب فرقتهم بعضهم عن بعض ، ونثرتهم في جزيرة العرب بأسرها . إن السياق الذي تندرج الحكاية فيه ، هو نتاج التفكير الإسلامي ، الذي أراد وضع مكة في موضع مركزي حتى خلال العصر الجاهلي . مع ذلك ، فإن افتراض قدم عنزة لا يمكن أن يستند إلى تعسف صرف ، خاصة وأن علم الأنساب يؤكده .
يدرج علم الأنساب عنزة في عداد عرب الشمال ، وأنهم من ربيعة . تقول شجرة نسب القبيلة : هو عنزة بن أسعد بن ربيعة . وتبين نظرة إلى الجدول الذي وضعه فوستنفيلد أن عنزة أقدم بستة أجيال من بكر وتغلب ، الممثلين الرئيسين لربيعة . هكذا يضفي علماء الأنساب طابعاً مشخصاً على عمر القبيلة .
أقرب معلومات متوفرة لدينا عن القبيلة تعود إلى العصر السابق مباشرة للإسلام . كانت عنزة آنذاك موزعة على منطقتين ، الأولى في الشمال الشرقي على حدود الفرات ،والثانية في اليمامة ، قلب شبه الجزيرة العرب . كانت عنزة الشمال قبائل رحلاً ، أما في وسط جزيرة العرب فكان قسم منها على الأقل مستقراً . ولم يكن للمجموعتين احتكاك سياسي فيما بينهما . كما جرى تاريخهما لاحقاً في دوائر منفصلة أيضاً ، فتحولت عنزة الشمال إلى أسلاف للقبيلة الحديثة ، وذابت عنزة اليمامة في قبائل شرق ووسط جزيرة العرب المستقرين .
كان بنو هزان القبيلة الرئيسة من عنزة في جزيرة العرب ، وكانت منطقتهم تقع جنوب المكان الذي يخترق فيه وادي حنيفة جبل طويق ، بين واحة الخرج الحالية وحريق . فيما بعد ، يرد ذكر عنزة في مناطق أبعد جنوباً ، حيث لا تزال ذكريات حكم قبيلة عنزة حية إلى اليوم في الأفلاج ، بل إن قرى عنزة وجدت إبان العصر الوسيط حتى وراء منطقة طويق ، في عمق الطائف ، وقد اندثرت تلك القرى عام 597 هـ / 1200 م بسبب الطاعون ، عدا اثنتين منها . في حين هاجر الآخرون إلى الشاطئ الشرقي لجزيرة العرب ، وخاصة منهم فرع بني عتبة ( العتوب ) ، الموجود في الكويت وقطر وجزر البحرين ، وينتمي إليه البيتان الحاكمان في الكويت والبحرين . بالمقابل ، بقي بنو هزان تحت اسم الهزازنة في منطقتهم القديمة ، وبالتحديد في واحة حريق ، حيث يتكرر ذكرهم في الصحائف الوهابية التي تقول إنهم قاتلوا حتى عام 1913 م ضد حكام جزيرة العرب الحاليين .
يرتبط تاريخ عنزة الشمال ارتباطاً وثيقاً في الجاهلية وفجر الإسلام بتاريخ أقاربهم من قبيلة بكر . فقد كانتا تعيشان في منطقة واحدة ، إمتدت بين كربلاء الحالية ومصب الفرات في المنطقة الزراعية من العراق ، ووصلت جنوباً إلى المناطق الداخلية من شرق الجزيرة العربية مروراً بالمجرى الأدنى لوادي الرمة . كما تشاركتا سياسياً في اتحاد اللهازم ، الذي ضم عنزة وبعض قبائل بكر . ومع أن المسيحية حققت في القرن السادس تقدماً كبيراً بين قبائل الفرات الأدنى ، غير أن عنزة بقيت حتى ذلك الحين وثنية في غالبيتهم ، يعبدون الإله سعير ( سُعير ) ، ويشاركون قبائل أخرى من ربيعة عبادة المحرَّق ، الذي وجدت صورة له في السلمان ، جنوب ما عرف فيما بعد بالكوفة . لا يخبرنا التاريخ الإسلامي شيئاً عن اعتناق عنزة للإسلام ، وإن كان معروفاً أنهم شاركوا غيرهم من اللهازم في الردة في شرق الجزيرة العربية ، التي حدثت بعد فترة قصيرة من وفاة النبي ، وشكلت إحدى ظواهر الردة الجزئية : تلك الحركة الإنفصالية التي مثلت لبعض الوقت تهديداً جدياً لدولة الإسلام الفتية . إنفصلت عنزة عن بكر ، التي دخلت أفواجاً في الجيش الإسلامي وخسرتها البداوة ، بعد حروب الردة مباشرة ، بينما بقيت عنزة وفية لطريقة حياتها البدوية ، فلم يرحل غير قلة منها إلى رباط مدينة الكوفة ، مركز جيش الشرق ، التي تم تأسيسها سنة 17 هجرية / 638 ميلادية . غير أن الحملة التي اتجهت نحو الشمال مع انطلاق حروب الفتح ، تركت أثرها على عنزة أيضاً ، التي غادرت منطقة انتشارها وقدمت إلى عين التمر ، حيث واحة شثاثة قرب كربلاء ، وإلى الأنبار .
فيما بعد ، إنقطعت أخبار القبيلة طوال قرون عديدة ، قبل أن يذكرها نصر الاسكندري ( المتوفى عام 560 هـ / 1165 م ) من جديد ، فهو يقول إنها تسكن غرب جزيرة العرب في حرّة النار ، أو حرّة خيبر . ولا نعرف لماذا ذهبت القبيلة إلى هناك ، وإنما نظن أن ذهابها كان يرتبط بالهجرات أو الإنزياحات السكانية التي أحدثتها حملات القرامطة منذ عام 900م ، وخاصة منها هجرة العقيل إلى العراق ، التي أوصلت في القرن العاشر واحدة من عشائرها هي الخفاجة ، إلى منطقة انتشار عنزة قرب عين التمر والأنبار .
كانت ظروف حياة عنزة صعبة في موطنها الجديد ، لأن حرّة خيبر منطقة طمي بركاني فقيرة بالغطاء النباتي ، تخلو من أراض زراعية خارج واحة خيبر الخصبة ، حيث توجد ينابيع فجرتها البراكين . هذا الوضع ، جعل مشاركة عنزة في ملكية الواحة والحصول على جزء من محاصيلها مسألة حياة أو موت بالنسبة لها . يخبرنا ياقوت أن هذا حدث في زمنه ( توفي عام 1229م ) . وقد رسخت عنزة حقوقها بعد ذلك ، وإن اقتصرت منذ القرن الثامن عشر على تلك الأجزاء من القبيلة التي لازمت جزيرة العرب . وصف دوتي ، أحد الأوروبيين القلائل الذين زاروا الواحة العلاقة القانونية بين عنزة وفلاحي خيبر ، فقال إن ملكية القبيلة تنصب بالدرجة الأولى على نخيل التمر ، حيث يتقاسم مالكها محصوله مناصفة مع البدوي الذي يشاركه فيها ، دون أن يقدم له أي شيء بالمقابل ، ما لم يتعلق الأمر بغرس أشجار جديدة . يضيف دوتي : أن حقوق الطرفين تقبل التنازل عنها ، شريطة أن يتنازل البدوي عنها لأعضاء في القبيلة ، ويبيعها الفلاح إلى فلاحين دون غيرهم . تعتبر الينابيع ، بدورها ملك القبيلة ، أي ملك عائلات معينة منها ، يقدم أهالي خيبر لها حبوباً مقابل حق الانتفاع بها . أخيراً ، تشارك عنزة في البيوت أيضاً . هذه الظروف السائدة في زماننا أيضاً ، يمكن إرجاعها دون تحفّظ إلى العصر الوسيط ، لأنها لم تتشكل تحت حكم عنزة ، بل ترجع إلى فجر الإسلام : حين احتل النبي محمد خيبراً عام 7 للهجرة ، ألزم سكانها اليهود با عطائه نصف محصولهم .
لم يحدث أي اختلاط بين عنزة وسكان الواحة ، رغم علاقاتهم الوثيقة بهم ، لأنهم ــ وغيرهم من سكان واحات الحجاز ــ كانوا من أخلاط زنجية قوية . وإن كان دوتي يورد حكاية أسطورية تذكر سبباً آخر لانعدام التزاوج بينهما : عندما جاءت عنزة في الماضي إلى مقربة خيبر ، ذهبت ابنة الشيخ إلى المدينة تتعرف على قريناتها ، فرآها شاب ولا حقها واعتدى عليها وكان ذلك الشاب ابن زعيم خيبر . طلبت عنزة ترضية تمحو بها عارها ، فرفض الفلاحون طلبها ، بل ومنعوها من الوصول إلى ينابيع المياه . وفي صبيحة اليوم التالي ، إمتطى شيخ خيبر حصانه وجاء عنزة يدعوها إلى القتال . وعندما نشبت المعركة وقتل الشيخ وكثير من قومه ، إحتل البدو قرى المنطقة ، وأقسموا أن لا يزوجوا بناتهم من رجال خيبر ـــ لم يحم هذا القرار القبيلة من مماهاتها مع الخيبريين ، ولكن ليس مع الخبيرين الحاليين وإنما مع يهود الواحة القدماء ، الذين كانوا قد طردوا عام 20 للهجرة من جزيرة العرب . لكن العرب لا يتعاملون ، كما هو معروف ، بدقة مع الحقيقة ، حين يلصقون العيوب بجارهم العزيز وهكذا فهم يسخرون من عنزة بوصفهم " يهود خيبر " . كما أيد الأوربيون ، من جانبهم ، الأسطورة التي تجعل من العنزة يهوداً ، فزعم نيبور أن هناك ثلاث قبائل يهودية في خيبر هي : بنو مزيد وبنو عنزة وشحان ، وأخبرنا فيستشتاين عام 1865 م بسذاجة : " أن الأمير اليهودي الأخير ، الذي لا تزال أعمال النهب التي قام بها شرق سورية ملء الذاكرة ، يسمى حمدان ، وكان شيخ عشيرة عبدالله ، الذين قدموا قبل حوالي 80 إلى 90 عاماً من الحجاز إلى الصحراء السورية ، واعتبروا فرعاً من الرولة ، وأقاموا مضاربهم معها .
ثم أجبروا في مطالع القرن العشرين على التحول إلى المذهب الوهابي ، شأن جميع قبائل الرولة وولد علي ، لكنهم لم يعودوا إلى الموسوية من جديد ، حين انفصل الجميع عن المذهب من جديد بعد سقوط الدرعية " .
ليس من المعقول أن تكون منطقة انتشار عنزة قد اقتصرت على حرّة خيبر وحدها . يسجل ابن خلدون ، وابن سعد ( منتصف القرن الثالث عشر ) ، الذي يرجع ابن خلدون إليه عادة في ما يتعلق بتواريخ البدو ، أن عنزة عاشت في نجد أيضاً بجوار طي ، أي في القسم الداخلي من البلاد . ونستدل من أحد المصادر القليلة المعروفة حول تاريخ وسط الجزيرة العرب بين عصري القرامطة والوهابيين ، أن عنزة وصلت خلال القرن السادس عشر إلى القصيم . ويعتقد أن انتشارها غدا ممكناً بفضل هجرة قبيلة بني لام ، التي انتقلت آنذاك من شمال جزيرة العرب إلى العراق . بدورهم ، تقدمت عنزة في وقت مبكر إلى الشمال ، مثلما يظهر من اسم جفر عنزة ، النبع الذي ذكره ياقوت ، الواقع شرق العلا . أخيراً ، إحتلت القبيلة حوالي القرن الخامس عشر واحتين قديمتين جداً تقعان على طريق الحج هما واحة العلا
الدراسات الأستشراقية والمستشرقين الذين توافدوا على بلادنا في القرنين الماضيين وماقبلهما لا شك أنها انطوت على الكثير من الفوائد لنا حيث حفظ هؤلاء القوم الكثير من تراثنا وتاريخ أجدادنا في تلك الفترة المظلمة من التاريخ والتي لم تدون بشكل كامل ومتسلسل باستثناء بعض الأجتهادات من هنا وهناك ، والحقيقة إن كل باحث يدرك هذا الأمر ويعترف به وهذا لايعني أن نسلم بكل ماكتبوه أو لا نعتقد بوجود أهداف أخرى لديهم دفعتهم للمجيئ إلى بلادنا مدعومين من حكوماتهم ومؤسساتهم الأكاديمة بميزانيات ضخمة ، كما أنهم يتفاوتون في اهدافهم وأساليبهم وحتى في شخصياتهم ، فمنهم من عشق هذه البلاد وقبائلها لدرجة أنه غير اسمه ودينه فأصبح عربيا مسلما وأقام فيها حتى مات ومنهم من رجع وهو يحمل في قلبه أحلى الذكريات وكتب رأيه بكل حيادية وأنصاف ، ومنهم من طغت نزعاته الأستعمارية والدينية عليه فحاول تزوير التاريخ وقلب الحقائق . ولكن لا شك أن العلم والبحث عن الحقيقة وتدوين التاريخ كان أحد أهم أهدافهم .
يقول العلامة حمد الجاسر رحمه الله : [ لست أجهل كثيرا من البواعث والدوافع لأكثر من اتجهوا لدراسة أحوال أمتنا من الغربيين ، منذ محاولاتهم الأولى ارتياد مختلف أنحاء الجزيرة العربية في القرون الثلاثة الماضية ، ولست ممن ينظر إلى ماقاموا به من دراسات وأبحاث ، وماقدموه وما توصلوا إليه من نتائج نظر من لايدرك ماينطوي عليه كل ذلك من مقاصد ماكان يراد بها كلها وجه العلم وحده . ولكني أدرك أن أسس قوة أولئك، بلوغهم أسمى مراتب العلم ، بأحوال هذا الكون ، وتعمقهم بأسرار طبيعته , وماقامت عليه نواميس الحياة .]
وفي موضع آخر يقول : [ إننا إن لم نكن بحاجة إلى مايقدمه هؤلاء الغربيون من آراء وأفكار تتعلق ببلادنا . فنحن في أشد الحاجة لكي نستفيد من تجاربهم ، ونتخذ من مثابرتهم وصبرهم نهجا نسير عليه في حياتنا اليومية .]
والحقيقة أن كثيرا منهم عانا في حياته من شظف العيش فقط ليسجل مايريده كما فعل موزل حين عاش مع الرولة سنوات طويلة من عمره ولكم أن تتصوروا كيف عاش هذا الأروبي المرفه حياة الرولة رغم قسوتها في تلك الفترة ، ولم يصدهم الخوف على حياتهم والموت يلوح في الأفق في كل يوم ومع كل شروق شمس أو غروبها . بل أن بعضهم عاين المعارك معاينة واشترك فيها . والحقيقة أن قبيلة عنزة على وجه الخصوص مدينة لهؤلاء القوم حيث أسهبوا في سرد تاريخها المجيد وهجرتها العظيمة ومعاركها وفرسانها . وفي هذه السلسلة أنشاءلله سأحاول ألقاء الضوء على بعض ماكتبه هؤلاء عن عنزة وقبائلها قدر استطاعتي ولا أزعم أنني أول من كتب ذلك فقد سبقني بعض الأخوة وأنا أسير على خطاهم وأدعو كل من لديه معلومة أو كتاب أن لا يبخل على هذ االمنتدى وأن يدون ماستطاع ولله ولي التوفيق .
نبذه عن المؤلف والكتاب .
البارون ماكس فرايهير فون أوبنهايم . ومساعديه :البوفيسير آرش برونيلش . والبروفيسير فرنر كاسكل . هو صاحب الكتاب أو الموسوع الضخمة وهي : [ البدو ] وما من وصف أدق للكتاب مما قاله المؤلف نفسه في مقدمته عن كتابه . يقول أوبنهايم : [ إن هذا الكتاب حصيلة أربعين عاما من العمل والملاحظات والتسجيلات الشخصية التي قمت بها في عين المكان ] .
ولد أوبنهايم في عام 1860في مدينة كولون بألمانيا . ودرس المرحلة الجامعية في جامعة ستارسبورغ تخصص قانون . وكذلك في جامعة برلين.
ومن ثم حصل على الدكتوراه في القانون من جامعة غونتن وعمره 23 سنة ، يعود اهتمامه بالشرق منذ سني المراققة حيث أهدي له كتاب ألف ليلة وليلة حيث كانت البداية ثم تطور الأمر ودرس العربية على يد مدرسين خاصين وفي عام 1884 قام بأول رحلة استكشافية إلى تركيا ومصر . وفي عام 1886 قام برحلة إلى المغرب ، وفي عام 1893 قام برحلة كبيرة إلى دمشق وعبر الصحراء السورية ثم إلى الفرات والبصرة ومن هناك إلى الهند وأخيرا إلى المستعمرات الألمانية في شرق أفريقيا .وتعددت رحلاته ومهامه الدبلوماسية للشرق بعد ذلك . ومات عام 1946 في لانشت ودفن فيها . وله من المؤلفات حوالي اربعين مؤلف وفيها الكثير عن الشرق وعن البدو .
ويندر أن انشغل بالشرق شخص مثل أوبنهايم . وكل من قرأ الكتاب يدرك مقدار الثقافة والعلم والأطلاع التي يتحلى بها الكاتب خصوصا في التاريخ الإسلامي وماقبل الأسلام وتاريخ العرب والمكتبة على مر القرون والحقيقة أنني أجزم أنه حتى لو حاول احد العرب تأليف مثل هذا الكتاب عن البدو والقبائل العربية لما استطاع أن يفعل ربع مافعله هذ المستشرق الألماني الذي كتب هذه الموسوعة عن كل قبائل العرب والجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق وفلسطين . وهي عبارة عن أربع مجلدات ، وفي المجلد الرابع أضاف مشجرات وخرائط القبائل العربية بدقة متناهية ، وفريده . ويقول أيضا أوبنهايم عن هذا الكتاب : [ سيقدم كتابنا هذا معطيات إلى كل من يبحث عن معلومات حول سائر المسائل المتعلقة بأبناء الصحراء .]
والشكر كل الشكر في الحقيقة لدار الوراق في لندن على ترجمتهم لهذا الكتاب بهذه الحرفية الكبيرة وهذا الجهد الجبار ومن الخسارة الفادحة إن لا يترجم مثل هذا الكتاب العظيم عن البدو . ومن المؤسف وجود الكثير من الكتب حتى الآن لم تترجم ونتمنى من الأخوة في دار الوراق مواصلة هذا العمل الرائع الذين يخدمون فيه تاريخنا المشرق ، ولا شك أن هذه الأعمال أيضا تدر ربحا وفيرا لأقبال الناس على مثل هذا النوع من الكتب . ورحم الله الشيخ حمد الجاسر الذي كان شغوفا وتواقا لترجمة كل كتب الستشرقين عن الجزيرة العربية وبذل جهودا كبيرة في سبيل ذلك . ونتمنى من جميع المؤسسات ودور النشر في بلادنا، والجامعات ، ومن المهتمين ومن شيوخ القبائل و رجال الأعمال القيام بهذا الدور والله ولي التوفيق .
قبيلة عنزة :
أول قبيلة ابتدأ بها المؤلف في كتابه الآنف الذكر هي قبيلة عنزة في المجلد الأول ، وقد كتب عنها إجمالا ثم أفرد كتابات خاصة لقبائل عنزة الكبرى مثل العمارات والرولة والسبعة والفدعان والحسنة وولد علي وسوف نأتي على ذكرها تباعا أنشاءلله .
وإليكم ماقاله عن عنزة :
قبل أكثر من مائتي عام ، غادرت قبيلة بدوية شريطاً أرضياً مجدباً من الجزيرة العربية ، امتد من المدينة عبر منطقة الطفح البركاني حرّة خيبر في اتجاه الشمال الشرقي ، وبلغ أراضي المراعي الغنية ، التي تنبسط فيما وراء صحراء النفود الرملية ، وتقود إلى الأرض المحببة عند البدو : سورية وبلاد الرافدين . ملأ القادمون الجدد ، الذين سمّوا أنفسهم عنزة ، الصحراء السورية خلال بضعة عقود ، وتحولوا خلال فترة قصيرة إلى مصدر رعب بالنسبة إلى سكان الأراضي الزراعية . منذ ذلك الوقت ، شكلت عنزة أكبر قبيلة رحل في الشمال ، ودأبت على الظهور صيفاً في أرجاء سورية وبلاد الرافدين ، بصحبة قطعان جمالها ، والإنسحاب شتاء إلى جوف الصحراء ، بل والعودة – في بعض الأحيان – إلى موطنها القديم . لم تغير الحرب العالمية والمدنية الأوربية حياة عنزة إلا قليلاً .
وإذا كان اسمها قد فقد الكثير من إيحاءات الرعب التي لازمته ، فإن الحكومات ما زالت تعتبر عشائرها الكبيرة : الفدعان والرولة في الغرب ، والعمارات في الشرق ، عاملاً تحسب له ألف حساب .
تنتمي عنزة إلى أقدم قبائل الجزيرة العربية . ويمكن تتبع تاريخها إلى الحقبة الجاهلية . أما أقدم خبر عنها ، فهو حكاية خرافية تروي قصة رجل اختفى بينما كان يبحث عن القرظ ، وهي أوراق طلحية النوع تستخدم في الصباغة ، ولم يظهر له أثر بعد ذاك . هذه الحكاية تركت أصداءها في جميع اللهجات ، حتى صار يقال : " عندما يعود جامع القرظ من عنزة " ، أي عندما يأتي يوم لن يكون أبداً . يعتقد اللغويون العرب أنهم يعرفون من كان جامع القرظ هذا : إنه يَذُكر ، أحد أبناء أب القبيلة الأول . ويزعم المؤرخون أن الحكاية تجري في زمن سحيق محدد : فعندما كانت القبائل العربية تسكن موحدة في منطقة مكة ، شكل اختفاء يذكر ابن عنزة سبباً لحرب فرقتهم بعضهم عن بعض ، ونثرتهم في جزيرة العرب بأسرها . إن السياق الذي تندرج الحكاية فيه ، هو نتاج التفكير الإسلامي ، الذي أراد وضع مكة في موضع مركزي حتى خلال العصر الجاهلي . مع ذلك ، فإن افتراض قدم عنزة لا يمكن أن يستند إلى تعسف صرف ، خاصة وأن علم الأنساب يؤكده .
يدرج علم الأنساب عنزة في عداد عرب الشمال ، وأنهم من ربيعة . تقول شجرة نسب القبيلة : هو عنزة بن أسعد بن ربيعة . وتبين نظرة إلى الجدول الذي وضعه فوستنفيلد أن عنزة أقدم بستة أجيال من بكر وتغلب ، الممثلين الرئيسين لربيعة . هكذا يضفي علماء الأنساب طابعاً مشخصاً على عمر القبيلة .
أقرب معلومات متوفرة لدينا عن القبيلة تعود إلى العصر السابق مباشرة للإسلام . كانت عنزة آنذاك موزعة على منطقتين ، الأولى في الشمال الشرقي على حدود الفرات ،والثانية في اليمامة ، قلب شبه الجزيرة العرب . كانت عنزة الشمال قبائل رحلاً ، أما في وسط جزيرة العرب فكان قسم منها على الأقل مستقراً . ولم يكن للمجموعتين احتكاك سياسي فيما بينهما . كما جرى تاريخهما لاحقاً في دوائر منفصلة أيضاً ، فتحولت عنزة الشمال إلى أسلاف للقبيلة الحديثة ، وذابت عنزة اليمامة في قبائل شرق ووسط جزيرة العرب المستقرين .
كان بنو هزان القبيلة الرئيسة من عنزة في جزيرة العرب ، وكانت منطقتهم تقع جنوب المكان الذي يخترق فيه وادي حنيفة جبل طويق ، بين واحة الخرج الحالية وحريق . فيما بعد ، يرد ذكر عنزة في مناطق أبعد جنوباً ، حيث لا تزال ذكريات حكم قبيلة عنزة حية إلى اليوم في الأفلاج ، بل إن قرى عنزة وجدت إبان العصر الوسيط حتى وراء منطقة طويق ، في عمق الطائف ، وقد اندثرت تلك القرى عام 597 هـ / 1200 م بسبب الطاعون ، عدا اثنتين منها . في حين هاجر الآخرون إلى الشاطئ الشرقي لجزيرة العرب ، وخاصة منهم فرع بني عتبة ( العتوب ) ، الموجود في الكويت وقطر وجزر البحرين ، وينتمي إليه البيتان الحاكمان في الكويت والبحرين . بالمقابل ، بقي بنو هزان تحت اسم الهزازنة في منطقتهم القديمة ، وبالتحديد في واحة حريق ، حيث يتكرر ذكرهم في الصحائف الوهابية التي تقول إنهم قاتلوا حتى عام 1913 م ضد حكام جزيرة العرب الحاليين .
يرتبط تاريخ عنزة الشمال ارتباطاً وثيقاً في الجاهلية وفجر الإسلام بتاريخ أقاربهم من قبيلة بكر . فقد كانتا تعيشان في منطقة واحدة ، إمتدت بين كربلاء الحالية ومصب الفرات في المنطقة الزراعية من العراق ، ووصلت جنوباً إلى المناطق الداخلية من شرق الجزيرة العربية مروراً بالمجرى الأدنى لوادي الرمة . كما تشاركتا سياسياً في اتحاد اللهازم ، الذي ضم عنزة وبعض قبائل بكر . ومع أن المسيحية حققت في القرن السادس تقدماً كبيراً بين قبائل الفرات الأدنى ، غير أن عنزة بقيت حتى ذلك الحين وثنية في غالبيتهم ، يعبدون الإله سعير ( سُعير ) ، ويشاركون قبائل أخرى من ربيعة عبادة المحرَّق ، الذي وجدت صورة له في السلمان ، جنوب ما عرف فيما بعد بالكوفة . لا يخبرنا التاريخ الإسلامي شيئاً عن اعتناق عنزة للإسلام ، وإن كان معروفاً أنهم شاركوا غيرهم من اللهازم في الردة في شرق الجزيرة العربية ، التي حدثت بعد فترة قصيرة من وفاة النبي ، وشكلت إحدى ظواهر الردة الجزئية : تلك الحركة الإنفصالية التي مثلت لبعض الوقت تهديداً جدياً لدولة الإسلام الفتية . إنفصلت عنزة عن بكر ، التي دخلت أفواجاً في الجيش الإسلامي وخسرتها البداوة ، بعد حروب الردة مباشرة ، بينما بقيت عنزة وفية لطريقة حياتها البدوية ، فلم يرحل غير قلة منها إلى رباط مدينة الكوفة ، مركز جيش الشرق ، التي تم تأسيسها سنة 17 هجرية / 638 ميلادية . غير أن الحملة التي اتجهت نحو الشمال مع انطلاق حروب الفتح ، تركت أثرها على عنزة أيضاً ، التي غادرت منطقة انتشارها وقدمت إلى عين التمر ، حيث واحة شثاثة قرب كربلاء ، وإلى الأنبار .
فيما بعد ، إنقطعت أخبار القبيلة طوال قرون عديدة ، قبل أن يذكرها نصر الاسكندري ( المتوفى عام 560 هـ / 1165 م ) من جديد ، فهو يقول إنها تسكن غرب جزيرة العرب في حرّة النار ، أو حرّة خيبر . ولا نعرف لماذا ذهبت القبيلة إلى هناك ، وإنما نظن أن ذهابها كان يرتبط بالهجرات أو الإنزياحات السكانية التي أحدثتها حملات القرامطة منذ عام 900م ، وخاصة منها هجرة العقيل إلى العراق ، التي أوصلت في القرن العاشر واحدة من عشائرها هي الخفاجة ، إلى منطقة انتشار عنزة قرب عين التمر والأنبار .
كانت ظروف حياة عنزة صعبة في موطنها الجديد ، لأن حرّة خيبر منطقة طمي بركاني فقيرة بالغطاء النباتي ، تخلو من أراض زراعية خارج واحة خيبر الخصبة ، حيث توجد ينابيع فجرتها البراكين . هذا الوضع ، جعل مشاركة عنزة في ملكية الواحة والحصول على جزء من محاصيلها مسألة حياة أو موت بالنسبة لها . يخبرنا ياقوت أن هذا حدث في زمنه ( توفي عام 1229م ) . وقد رسخت عنزة حقوقها بعد ذلك ، وإن اقتصرت منذ القرن الثامن عشر على تلك الأجزاء من القبيلة التي لازمت جزيرة العرب . وصف دوتي ، أحد الأوروبيين القلائل الذين زاروا الواحة العلاقة القانونية بين عنزة وفلاحي خيبر ، فقال إن ملكية القبيلة تنصب بالدرجة الأولى على نخيل التمر ، حيث يتقاسم مالكها محصوله مناصفة مع البدوي الذي يشاركه فيها ، دون أن يقدم له أي شيء بالمقابل ، ما لم يتعلق الأمر بغرس أشجار جديدة . يضيف دوتي : أن حقوق الطرفين تقبل التنازل عنها ، شريطة أن يتنازل البدوي عنها لأعضاء في القبيلة ، ويبيعها الفلاح إلى فلاحين دون غيرهم . تعتبر الينابيع ، بدورها ملك القبيلة ، أي ملك عائلات معينة منها ، يقدم أهالي خيبر لها حبوباً مقابل حق الانتفاع بها . أخيراً ، تشارك عنزة في البيوت أيضاً . هذه الظروف السائدة في زماننا أيضاً ، يمكن إرجاعها دون تحفّظ إلى العصر الوسيط ، لأنها لم تتشكل تحت حكم عنزة ، بل ترجع إلى فجر الإسلام : حين احتل النبي محمد خيبراً عام 7 للهجرة ، ألزم سكانها اليهود با عطائه نصف محصولهم .
لم يحدث أي اختلاط بين عنزة وسكان الواحة ، رغم علاقاتهم الوثيقة بهم ، لأنهم ــ وغيرهم من سكان واحات الحجاز ــ كانوا من أخلاط زنجية قوية . وإن كان دوتي يورد حكاية أسطورية تذكر سبباً آخر لانعدام التزاوج بينهما : عندما جاءت عنزة في الماضي إلى مقربة خيبر ، ذهبت ابنة الشيخ إلى المدينة تتعرف على قريناتها ، فرآها شاب ولا حقها واعتدى عليها وكان ذلك الشاب ابن زعيم خيبر . طلبت عنزة ترضية تمحو بها عارها ، فرفض الفلاحون طلبها ، بل ومنعوها من الوصول إلى ينابيع المياه . وفي صبيحة اليوم التالي ، إمتطى شيخ خيبر حصانه وجاء عنزة يدعوها إلى القتال . وعندما نشبت المعركة وقتل الشيخ وكثير من قومه ، إحتل البدو قرى المنطقة ، وأقسموا أن لا يزوجوا بناتهم من رجال خيبر ـــ لم يحم هذا القرار القبيلة من مماهاتها مع الخيبريين ، ولكن ليس مع الخبيرين الحاليين وإنما مع يهود الواحة القدماء ، الذين كانوا قد طردوا عام 20 للهجرة من جزيرة العرب . لكن العرب لا يتعاملون ، كما هو معروف ، بدقة مع الحقيقة ، حين يلصقون العيوب بجارهم العزيز وهكذا فهم يسخرون من عنزة بوصفهم " يهود خيبر " . كما أيد الأوربيون ، من جانبهم ، الأسطورة التي تجعل من العنزة يهوداً ، فزعم نيبور أن هناك ثلاث قبائل يهودية في خيبر هي : بنو مزيد وبنو عنزة وشحان ، وأخبرنا فيستشتاين عام 1865 م بسذاجة : " أن الأمير اليهودي الأخير ، الذي لا تزال أعمال النهب التي قام بها شرق سورية ملء الذاكرة ، يسمى حمدان ، وكان شيخ عشيرة عبدالله ، الذين قدموا قبل حوالي 80 إلى 90 عاماً من الحجاز إلى الصحراء السورية ، واعتبروا فرعاً من الرولة ، وأقاموا مضاربهم معها .
ثم أجبروا في مطالع القرن العشرين على التحول إلى المذهب الوهابي ، شأن جميع قبائل الرولة وولد علي ، لكنهم لم يعودوا إلى الموسوية من جديد ، حين انفصل الجميع عن المذهب من جديد بعد سقوط الدرعية " .
ليس من المعقول أن تكون منطقة انتشار عنزة قد اقتصرت على حرّة خيبر وحدها . يسجل ابن خلدون ، وابن سعد ( منتصف القرن الثالث عشر ) ، الذي يرجع ابن خلدون إليه عادة في ما يتعلق بتواريخ البدو ، أن عنزة عاشت في نجد أيضاً بجوار طي ، أي في القسم الداخلي من البلاد . ونستدل من أحد المصادر القليلة المعروفة حول تاريخ وسط الجزيرة العرب بين عصري القرامطة والوهابيين ، أن عنزة وصلت خلال القرن السادس عشر إلى القصيم . ويعتقد أن انتشارها غدا ممكناً بفضل هجرة قبيلة بني لام ، التي انتقلت آنذاك من شمال جزيرة العرب إلى العراق . بدورهم ، تقدمت عنزة في وقت مبكر إلى الشمال ، مثلما يظهر من اسم جفر عنزة ، النبع الذي ذكره ياقوت ، الواقع شرق العلا . أخيراً ، إحتلت القبيلة حوالي القرن الخامس عشر واحتين قديمتين جداً تقعان على طريق الحج هما واحة العلا