علي الملاحي
01-24-2008, 02:33 PM
الوزير المصري أبو القاسم يمدح عرب المفارجة الطائية بزعامة حسان بن المفرج الطائي عام 394هـ.
بقلم: علي بن فلاح الملاحي
مؤرخ عشائر عرب الصقر (المفارجة) الطائية العريقة
إربد - الأردن
الوزير المصري الحسين بن علي المغربي (أبو القاسم) المتوفي 418 هـ ، حيكت عليه المؤامرات في البلاط السلطاني في القاهرة ، وصدر الحكم عام 394هـ ، بإلقاء القبض على جميع أفراد أسرته ، وتنفيذ حكم الإعدام بهم ، فقتل أخوي الوزير وولده ، وثلاثة من أهل بيته ، وأما أبو القاسم فاستتر عن الأنظار ، ودبر الأمر ولجأ الى بعض من أبناء العرب (البدو) في مصر، لتهريبه والنجاة به من براثن الفاطميين ، وساروا به الى إمارة المفارجة الطائية ، بزعامة حسان بن المفرج بن دغفل بن الجراح الطائي ، أمير فلسطين والأردن في الرملة ، فاستجار به ، فأجاره الأمير الطائي ، وأمنه على حياته من المصريين ، وكان الوزير المصري شاعرا ، أديبا ، عالما ، متبحرا بعلوم اللغة العربية ، مرموق الجانب ، فأنشد شعرا بحضرة الأمير الطائي ، عند الدخول عليه ، وتعتبر القصيدة التي قالها بحضرة الأمير حسان بن المفرج ، من أبلغ وأفصح القصائد ، ومن أكثر القصائد إستنهاضا ، وتحفيزا ، ومدحا للمفارجة من بني الجراح ، والطائيين بشكل عام.
وبعد إقامته بين المفارجة الطائيين ، معززا مكرما ، استأذن الوزير الأمير حسان بن المفرج بالسفر الى العراق ، فجهزه للسفر ، وأمن وصوله الى العراق ، فقدم بغداد ، وتقلد الوزارة لمشرف الدولة بن بويه ، إلى أن توفي بميافارقين في سنة 418هـ ، وحمل إلى الكوفة ، فدفن فيها.
القصيدة المكونة من 32 بيتا ، تصف الدور المهم الذي كانت تلعبه قبيلة طيء في فلسطين والأردن ، من قوة ، وسطوة ، ورهبة ، وإستتباب أمن ، لمن يعيش في أحضان الطائيين ، وربوعهم. وتصلح أن تكون هذه القصيدة نبراسا لقبيلتي عرب الصقر وعرب السردية تحديدا ، كونهم ورثة وأحفاد المفارجة ، ونبراسا للطائيين عامة.
فهو يخاطب حسان في مطلع القصيدة قائلا: أيها الأمير الطائي !! يا من تضربون خيامكم وسط الأرياف ، دون أن يملك أحد أن يصلها ، لمنعة سواعد رجالكم ، لأن الوصول اليها يتطلب إجتياز عقبات قاسية ، ومرة ، تدور في ثناياها معارك طاحنة ، فديدن الطائيين خوض الحروب الشرسة ، والطائيون يذهبون لخوض معاركهم ، خارج حماهم ، فيسمع المرء قرع الحديد ، وصليل السيوف ، وصول الرماح وجولها ، بعيدة عن مضاربهم (خيامهم لأنهم كانوا أهل بيت شعر ، فعرب الصقر كانت حتى عام 1967م، تسكن بيت الشعر) ، ويخاطب حسانا قائلا: إذا ما ضربت خيمتك على جبل مشرف ، ترى الخيام جميعها تشد نحوك ، فأنت عمود الطائيين.
أمـا وقـد خيمـــت وســـط الغـــاب --- فليقسـون على الزمـان عتابي
يترنـــم الفــــولاذ دون مخيمــــي --- وتزعزع الخرصان دون قبابي
وإذا بنيــت علـى الثنيـــة خيمـــة --- شــدت إلى كسـر القنـا أطنابـي
ويصف فتيان طيء قائلا: إذا ما سمع رجالات طيء نداء الحرب ، هبوا لها ، وكأن النداء نداء جمع الغنائم ، غير عابئين بالحرب ، وما تجلبه من ويل ودماء. فعيونهم محملقة ، تتقادح شررا كالجمر ، عند المنازلة والطعان.
وتقــوم دونــي فتيــة مـن طيـــئ --- لـم تلتبـــس أثوابهــم بالعـــاب
يتناثــرون على الصريـخ كأنهــم --- يدعــون نحــو غنائـم ونهـاب
من كل أهـــرت يرتمــي حملاقــه --- بالجمــر يوم تسايف وضـراب
ثم ينتقل ليصف حسانا ، وهو ببزته العسكرية ، ومع صرامته ، فهو رجل كريم ، وهو صاحب المبادرات التليدة ، حتى أن عيني الوزير تعجب من حسن النظر الى أمير طيء ، ولا تشبع منه ، وهو يخوض الحروب المكشوفة ، ورائحة الموت تنتشر في كل مكان ، وعلى الرغم من بشاشة وجه الأمير ، وبيته المشرع للقاصي والداني من الضيوف ، إلا أنه ينشر الذعر في قلوب أعدائه.
ولقـد نظــرت إليــك يابـن مفــرج --- في منظـر مـلء الزمان عجاب
فرأيت وجهـك مثل سيفك ضاحكا --- والذعــر يلبـس أوجهـا بتـراب
ورأيــت بيتـك للضيــوف ممهــدا --- فسـح الظـلال مرفــع الأبــواب
ثم ينتقل لمدح قبيلة طيء ، وذكر مآثر أبنائها الكرام ، الذين خالطهم وعرفهم على حقيقتهم ، فالخيرات والأمن ، في جنبات الطائيين ، وبيوتهم مشرعة مرفوعة ، تنادي كل من وقع في نوائب الزمان ، هائم على وجهه في الطرقات ، وحتى لو كان الوقت مظلما ، فإن نيران الطائيين لا تنطفيء ، تهدي الضيوف الى منازلهم ، فيقول:
يا طيـــئ الخيـرات بيـــن خلالكـم --- أمــن الشــريد وهمــة الطـلاب
سمكــت خيامكــم بأسنمـة الربــا --- مـرفــوعــة للطــارق المنتــاب
وتــــدل ضيفكــم عليكـــم أنــــور --- شبــت بأجـــذال قهــرن صعاب
ويصف شجاعتهم ، مؤكدا على أن جيوش الطائيين تتنقل دون فرق إستكشاف ، فهم ليسوا بحاجة لمعرفة نقاط ضعف عدوهم ، فهم رجال من معدن لا يلين ، ولا يخشى العدو مهما بلغ عدده ، حتى انهم يتركون حرائرهم خلفهم آمنات في خدورهن ، دون الحاجة حتى الى كلب الحراسة ، لهيبة أعدائهم من بطشهم وجبروتهم ، والطائيون لا يهابون المنازلة ، بل يندفعون بأرواحهم غير عابئين بالموت والهلاك.
فيسيــر جيشكـــم بغيـــر طليعــة --- ويبيــت حيكــم بغيـــر كــلاب
تـتهيبــون وليــس فيكــم هائــب --- وتوثبــون على الــردي الوثـاب
ويبين مقدار الأمن والراحة والإطمئنان الذي حظي به في كنف الطائيين ، لأن مجاورة الطائيين ، أمنت من روعه ، فنام قرير العين ، مطمئن البال ، حاضر القلب ، بعد خوف وجزع ، وتشريد ولوعة.
جاورتكـم فملأتــم عيني الكـــرى --- وجـوانحـي بغرائــب الأطــــراب
كيف لا يترنم الوزير المصري بأبيات صاغها من قلبه؟!! ، مدحا ، وثناء بطي الكرم ، وهو الذي عايشهم ، وأمن روعه بين ظهرانيهم ، ومالحهم ، فهم أهل الطيب والكرم ، وأهل الشومات والنخوات!!
يقول المؤرخون ، لما سمع الأمير حسان بن المفرج هذه الأبيات ، هش لها ، وجد القول له ، بما سكن جاشه ، وأزال استيحاشه. وهذا أبو القاسم الحسين بن علي المغربي ، كان ذا علم وافر ، وأدب ظاهر، وبلاغة ، وذكاء ، وصناعة مشهورة في الكتابة ، ومضاء ، فأقام عنده ما أقام ، محترما ، مكرما ، ثم رحل إلى ناحية العراق.
فيما يلي القصيدة كاملة:
أمـا وقـد خيمـــت وســـط الغـــاب --- فليقسـون على الزمـان عتابي
يترنـــم الفــــولاذ دون مخيمــــي --- وتزعزع الخرصان دون قبابي
وإذا بنيــت علـى الثنيـــة خيمـــة --- شــدت إلى كسـر القنـا أطنابـي
وتقــوم دونــي فتيــة مـن طيـــئ --- لـم تلتبـــس أثوابهــم بالعـــاب
يتناثــرون على الصريـخ كأنهــم --- يدعــون نحــو غنائـم ونهـاب
من كل أهـــرت يرتمــي حملاقــه --- بالجمــر يوم تسايف وضـراب
يهديهـــم حســــان يحمــل بــــزه --- جـــرداء تعليــه جنـاح عقــاب
يجري الحياء على أسـرة وجهـه --- جــري الفرنــد بصـارم قضـاب
كــرم يشــق على التـلاد وعزمـه --- يغتــال بادرها الهزبـر الضابي
ولقـد نظــرت إليــك يابـن مفــرج --- في منظـر مـلء الزمان عجاب
والمــوت ملتــف الذوائـب بالقنـا --- والحــرب سافــرة بغيــر نقـاب
فرأيت وجهـك مثل سيفك ضاحكا --- والذعــر يلبـس أوجهـا بتـراب
ورأيــت بيتـك للضيــوف ممهــدا --- فسـح الظـلال مرفــع الأبــواب
يا طيـــئ الخيـرات بيـــن خلالكـم --- أمــن الشــريد وهمــة الطـلاب
سمكــت خيامكــم بأسنمـة الربــا --- مـرفــوعــة للطــارق المنتــاب
وتــــدل ضيفكــم عليكـــم أنــــور --- شبــت بأجـــذال قهــرن صعاب
متبرجــات باليفــــاع وبعضهـــم --- بالجــزع يكفــر ضــؤه بحجــاب
كلأتكـــم ممــن يعــــادي هيبــــة --- اغتكــم عـــن رقبــة وجنـــاب
فيسيــر جيشكـــم بغيـــر طليعــة --- ويبيــت حيكــم بغيـــر كــلاب
تـتهيبــون وليــس فيكــم هائــب --- وتوثبــون على الــردي الوثـاب
ولكم إذا اختصـم الوشيـج لباقـة --- بالطعــن فـــوق لباقـــة الكتــاب
فالرمـح ما لم ترسلــوه أخطــــل --- والسيــف مـا لـم تعمــلوه نــاب
يا معـن قـد أقررتـم عيـــن العلي --- بـي مـذ وصلـت بحبلكـم أسبابـي
جاورتكـم فملأتــم عيني الكـــرى --- وجـوانحـي بغرائــب الأطــــراب
من بعد ذعـر كان أحفـز أضلعـي --- حتـى لضــاق بــه علــي أهابـــي
ووجدت جار أبي الندى متحكمـا --- حكـم العزيـز على الذليـل الكابـي
فليهنـــه منـــــن على متنـــــــزه --- لسـوى مواهـب ذي المعارج آب
قد كان من حكم الصنائع شامسا --- فاقتــــاده بصنيعــة مــن عــاب
فلأنظمــن لـه عقــود محامـــدي --- تبقـى جواهـرهــا علـى الأحقـاب
لا جاد غيركم الربيـع ولا سـرت --- غــزر اللقـــاح لغيركــم بحـــلاب
أنا ذاكـر الرجــل المنـدد ذكـــره --- كالطـــود حلــي جيـــده بشهــاب
ولقــد رجـــــوت ولليالي دولــة --- إنــي أجازيكـــم بخيـــر ثــــواب
المصدر: تاريخ أبي يعلى لمؤلفه: أبو يعلى ابن القلانسي
بقلم: علي بن فلاح الملاحي
مؤرخ عشائر عرب الصقر (المفارجة) الطائية العريقة
إربد - الأردن
الوزير المصري الحسين بن علي المغربي (أبو القاسم) المتوفي 418 هـ ، حيكت عليه المؤامرات في البلاط السلطاني في القاهرة ، وصدر الحكم عام 394هـ ، بإلقاء القبض على جميع أفراد أسرته ، وتنفيذ حكم الإعدام بهم ، فقتل أخوي الوزير وولده ، وثلاثة من أهل بيته ، وأما أبو القاسم فاستتر عن الأنظار ، ودبر الأمر ولجأ الى بعض من أبناء العرب (البدو) في مصر، لتهريبه والنجاة به من براثن الفاطميين ، وساروا به الى إمارة المفارجة الطائية ، بزعامة حسان بن المفرج بن دغفل بن الجراح الطائي ، أمير فلسطين والأردن في الرملة ، فاستجار به ، فأجاره الأمير الطائي ، وأمنه على حياته من المصريين ، وكان الوزير المصري شاعرا ، أديبا ، عالما ، متبحرا بعلوم اللغة العربية ، مرموق الجانب ، فأنشد شعرا بحضرة الأمير الطائي ، عند الدخول عليه ، وتعتبر القصيدة التي قالها بحضرة الأمير حسان بن المفرج ، من أبلغ وأفصح القصائد ، ومن أكثر القصائد إستنهاضا ، وتحفيزا ، ومدحا للمفارجة من بني الجراح ، والطائيين بشكل عام.
وبعد إقامته بين المفارجة الطائيين ، معززا مكرما ، استأذن الوزير الأمير حسان بن المفرج بالسفر الى العراق ، فجهزه للسفر ، وأمن وصوله الى العراق ، فقدم بغداد ، وتقلد الوزارة لمشرف الدولة بن بويه ، إلى أن توفي بميافارقين في سنة 418هـ ، وحمل إلى الكوفة ، فدفن فيها.
القصيدة المكونة من 32 بيتا ، تصف الدور المهم الذي كانت تلعبه قبيلة طيء في فلسطين والأردن ، من قوة ، وسطوة ، ورهبة ، وإستتباب أمن ، لمن يعيش في أحضان الطائيين ، وربوعهم. وتصلح أن تكون هذه القصيدة نبراسا لقبيلتي عرب الصقر وعرب السردية تحديدا ، كونهم ورثة وأحفاد المفارجة ، ونبراسا للطائيين عامة.
فهو يخاطب حسان في مطلع القصيدة قائلا: أيها الأمير الطائي !! يا من تضربون خيامكم وسط الأرياف ، دون أن يملك أحد أن يصلها ، لمنعة سواعد رجالكم ، لأن الوصول اليها يتطلب إجتياز عقبات قاسية ، ومرة ، تدور في ثناياها معارك طاحنة ، فديدن الطائيين خوض الحروب الشرسة ، والطائيون يذهبون لخوض معاركهم ، خارج حماهم ، فيسمع المرء قرع الحديد ، وصليل السيوف ، وصول الرماح وجولها ، بعيدة عن مضاربهم (خيامهم لأنهم كانوا أهل بيت شعر ، فعرب الصقر كانت حتى عام 1967م، تسكن بيت الشعر) ، ويخاطب حسانا قائلا: إذا ما ضربت خيمتك على جبل مشرف ، ترى الخيام جميعها تشد نحوك ، فأنت عمود الطائيين.
أمـا وقـد خيمـــت وســـط الغـــاب --- فليقسـون على الزمـان عتابي
يترنـــم الفــــولاذ دون مخيمــــي --- وتزعزع الخرصان دون قبابي
وإذا بنيــت علـى الثنيـــة خيمـــة --- شــدت إلى كسـر القنـا أطنابـي
ويصف فتيان طيء قائلا: إذا ما سمع رجالات طيء نداء الحرب ، هبوا لها ، وكأن النداء نداء جمع الغنائم ، غير عابئين بالحرب ، وما تجلبه من ويل ودماء. فعيونهم محملقة ، تتقادح شررا كالجمر ، عند المنازلة والطعان.
وتقــوم دونــي فتيــة مـن طيـــئ --- لـم تلتبـــس أثوابهــم بالعـــاب
يتناثــرون على الصريـخ كأنهــم --- يدعــون نحــو غنائـم ونهـاب
من كل أهـــرت يرتمــي حملاقــه --- بالجمــر يوم تسايف وضـراب
ثم ينتقل ليصف حسانا ، وهو ببزته العسكرية ، ومع صرامته ، فهو رجل كريم ، وهو صاحب المبادرات التليدة ، حتى أن عيني الوزير تعجب من حسن النظر الى أمير طيء ، ولا تشبع منه ، وهو يخوض الحروب المكشوفة ، ورائحة الموت تنتشر في كل مكان ، وعلى الرغم من بشاشة وجه الأمير ، وبيته المشرع للقاصي والداني من الضيوف ، إلا أنه ينشر الذعر في قلوب أعدائه.
ولقـد نظــرت إليــك يابـن مفــرج --- في منظـر مـلء الزمان عجاب
فرأيت وجهـك مثل سيفك ضاحكا --- والذعــر يلبـس أوجهـا بتـراب
ورأيــت بيتـك للضيــوف ممهــدا --- فسـح الظـلال مرفــع الأبــواب
ثم ينتقل لمدح قبيلة طيء ، وذكر مآثر أبنائها الكرام ، الذين خالطهم وعرفهم على حقيقتهم ، فالخيرات والأمن ، في جنبات الطائيين ، وبيوتهم مشرعة مرفوعة ، تنادي كل من وقع في نوائب الزمان ، هائم على وجهه في الطرقات ، وحتى لو كان الوقت مظلما ، فإن نيران الطائيين لا تنطفيء ، تهدي الضيوف الى منازلهم ، فيقول:
يا طيـــئ الخيـرات بيـــن خلالكـم --- أمــن الشــريد وهمــة الطـلاب
سمكــت خيامكــم بأسنمـة الربــا --- مـرفــوعــة للطــارق المنتــاب
وتــــدل ضيفكــم عليكـــم أنــــور --- شبــت بأجـــذال قهــرن صعاب
ويصف شجاعتهم ، مؤكدا على أن جيوش الطائيين تتنقل دون فرق إستكشاف ، فهم ليسوا بحاجة لمعرفة نقاط ضعف عدوهم ، فهم رجال من معدن لا يلين ، ولا يخشى العدو مهما بلغ عدده ، حتى انهم يتركون حرائرهم خلفهم آمنات في خدورهن ، دون الحاجة حتى الى كلب الحراسة ، لهيبة أعدائهم من بطشهم وجبروتهم ، والطائيون لا يهابون المنازلة ، بل يندفعون بأرواحهم غير عابئين بالموت والهلاك.
فيسيــر جيشكـــم بغيـــر طليعــة --- ويبيــت حيكــم بغيـــر كــلاب
تـتهيبــون وليــس فيكــم هائــب --- وتوثبــون على الــردي الوثـاب
ويبين مقدار الأمن والراحة والإطمئنان الذي حظي به في كنف الطائيين ، لأن مجاورة الطائيين ، أمنت من روعه ، فنام قرير العين ، مطمئن البال ، حاضر القلب ، بعد خوف وجزع ، وتشريد ولوعة.
جاورتكـم فملأتــم عيني الكـــرى --- وجـوانحـي بغرائــب الأطــــراب
كيف لا يترنم الوزير المصري بأبيات صاغها من قلبه؟!! ، مدحا ، وثناء بطي الكرم ، وهو الذي عايشهم ، وأمن روعه بين ظهرانيهم ، ومالحهم ، فهم أهل الطيب والكرم ، وأهل الشومات والنخوات!!
يقول المؤرخون ، لما سمع الأمير حسان بن المفرج هذه الأبيات ، هش لها ، وجد القول له ، بما سكن جاشه ، وأزال استيحاشه. وهذا أبو القاسم الحسين بن علي المغربي ، كان ذا علم وافر ، وأدب ظاهر، وبلاغة ، وذكاء ، وصناعة مشهورة في الكتابة ، ومضاء ، فأقام عنده ما أقام ، محترما ، مكرما ، ثم رحل إلى ناحية العراق.
فيما يلي القصيدة كاملة:
أمـا وقـد خيمـــت وســـط الغـــاب --- فليقسـون على الزمـان عتابي
يترنـــم الفــــولاذ دون مخيمــــي --- وتزعزع الخرصان دون قبابي
وإذا بنيــت علـى الثنيـــة خيمـــة --- شــدت إلى كسـر القنـا أطنابـي
وتقــوم دونــي فتيــة مـن طيـــئ --- لـم تلتبـــس أثوابهــم بالعـــاب
يتناثــرون على الصريـخ كأنهــم --- يدعــون نحــو غنائـم ونهـاب
من كل أهـــرت يرتمــي حملاقــه --- بالجمــر يوم تسايف وضـراب
يهديهـــم حســــان يحمــل بــــزه --- جـــرداء تعليــه جنـاح عقــاب
يجري الحياء على أسـرة وجهـه --- جــري الفرنــد بصـارم قضـاب
كــرم يشــق على التـلاد وعزمـه --- يغتــال بادرها الهزبـر الضابي
ولقـد نظــرت إليــك يابـن مفــرج --- في منظـر مـلء الزمان عجاب
والمــوت ملتــف الذوائـب بالقنـا --- والحــرب سافــرة بغيــر نقـاب
فرأيت وجهـك مثل سيفك ضاحكا --- والذعــر يلبـس أوجهـا بتـراب
ورأيــت بيتـك للضيــوف ممهــدا --- فسـح الظـلال مرفــع الأبــواب
يا طيـــئ الخيـرات بيـــن خلالكـم --- أمــن الشــريد وهمــة الطـلاب
سمكــت خيامكــم بأسنمـة الربــا --- مـرفــوعــة للطــارق المنتــاب
وتــــدل ضيفكــم عليكـــم أنــــور --- شبــت بأجـــذال قهــرن صعاب
متبرجــات باليفــــاع وبعضهـــم --- بالجــزع يكفــر ضــؤه بحجــاب
كلأتكـــم ممــن يعــــادي هيبــــة --- اغتكــم عـــن رقبــة وجنـــاب
فيسيــر جيشكـــم بغيـــر طليعــة --- ويبيــت حيكــم بغيـــر كــلاب
تـتهيبــون وليــس فيكــم هائــب --- وتوثبــون على الــردي الوثـاب
ولكم إذا اختصـم الوشيـج لباقـة --- بالطعــن فـــوق لباقـــة الكتــاب
فالرمـح ما لم ترسلــوه أخطــــل --- والسيــف مـا لـم تعمــلوه نــاب
يا معـن قـد أقررتـم عيـــن العلي --- بـي مـذ وصلـت بحبلكـم أسبابـي
جاورتكـم فملأتــم عيني الكـــرى --- وجـوانحـي بغرائــب الأطــــراب
من بعد ذعـر كان أحفـز أضلعـي --- حتـى لضــاق بــه علــي أهابـــي
ووجدت جار أبي الندى متحكمـا --- حكـم العزيـز على الذليـل الكابـي
فليهنـــه منـــــن على متنـــــــزه --- لسـوى مواهـب ذي المعارج آب
قد كان من حكم الصنائع شامسا --- فاقتــــاده بصنيعــة مــن عــاب
فلأنظمــن لـه عقــود محامـــدي --- تبقـى جواهـرهــا علـى الأحقـاب
لا جاد غيركم الربيـع ولا سـرت --- غــزر اللقـــاح لغيركــم بحـــلاب
أنا ذاكـر الرجــل المنـدد ذكـــره --- كالطـــود حلــي جيـــده بشهــاب
ولقــد رجـــــوت ولليالي دولــة --- إنــي أجازيكـــم بخيـــر ثــــواب
المصدر: تاريخ أبي يعلى لمؤلفه: أبو يعلى ابن القلانسي