وآفي الخثعمي
04-09-2008, 04:17 PM
السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــة ،،
أخواني زوار منتدى خثعم الكرام كما وعدتكم بطرح موضوع قصة راس الغول التاريخيه
وها أنا الآن أطرحها لكم نبذه عن الكتاب وعنوانه ومن هو المؤرخ والمكتبه التي نشرت هذا الكتاب
أسم الكتاب ..........................؟
رأس الغول
المؤرخ القصصي الشهير
......................
الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل وصحبه وسلم وبعد هذا الكتاب المعروف (راس الغول) عن الشيخ ابي الحسن رضي الله عنه ونفضا به .
قال : حدثنا محمد بن اسحاق الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح ذات يوم وأسند ظهره الى المحراب ووجهه كالبدر ليلة تمامه والناس حوله يجتمعون وإذا بغبار قد ثار وعلا وسد الاقطار حتى اسود منه ضوء النهار وانكشف بعد ساعه عن عشرة فوارس كأنهم الليوث العوابس وفي مقدمتهم عجوز قد انحلها السير في البر الاقفر ولم يزالو على ماهم عليه من المسير يقطعون الأرض في طولها وعرضها الى أن وصلوا الى مسجدالنبي صلى الله عليه وسلم فأناخوا مطاياهم وحطوا رحالهم وقد نزلت العجوز وسارت الى النبي صلى الله عليه وسلم وأرادت الدخول وإذا قد بان منها أمر عجيب وهي أربعة ذوائب من الشعر الأجعد والثياب التي عليها ملطخه بالدم الاسود ثم ان العجوز تأملت ذات اليمين وذات اليسار فلم تر أحسن ولا أبهى ولا أجمل من النبي الأواب الناطق بالصواب وقالت هل هو سيدهم ام غيره وهي بين الحذر والخوف تقول هذه الابيات :
اهل المكارم والصفا خير الورى === من ساد في الدنيا بفضل محمد
فأيكم المبعوث من آل هاشم === نبي زكي في الورى خير مرشد
قال فلما فرغت العجوز من شعرها تجاسرت وقالت أيكم النبي العظيم والرسول الكريم فقال لها الصحابة رضي الله عنهم أما تنظرين الى البدر الطالع والنور الساطع من قد علا بالسكينة والوقار من ربه الملك الغفار أما تنظرين الى انوار المصطفى وهي طالعة متصلة الى عنان السماء وقد فضله مولاه على جميع الامم فلما سمعت العجوز من الصحابة ذلك الكلام ازداد يقينها واطمأن قلبها وقد التفت اليه وارادت أن تحقق النظر فيه فما استطاعت فخرت الى الارض مغشياً عليها وقد انكشف منها ن تلك الذوائب المشروحة فيها تقدم فلما عاين النبي صلى الله عليه وسلم بكى وبكت الصحابة لبكائه فلما أفاقت العجوز من غشيتها بكت ثم انشدت تقول :
أيا خير مبعوث الى خير أمة === ويا خير من يلقي غداً في موقف الحشر
ويا صادق الألفاظ يا هادي الورى === ويا أيها المبعوث في محكم الذكر
أجرني أغثني ثم بادر لنصرتي === على من ظلمني فقد بليت بالضر
واقتل ذا الباغي الذي عم شره === على جمع اهل الارض في البر والبحر
وذبح اولادي وافنى عشيرتي === وألبسني حزنا على مدة الدهر
فأنت الذي نرجوك عند الملمة === لتأخذ بثأري قبل ان ينقض عمري
فلما فرغت العجوز من شعرها بكى النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان حاضراً ثم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال يا أمة الله أقلي من بكاك واخبريني عمن دهاك ومن بشره رماك فقالت يارسول الله اني امرأة من بني يرعوب يقال لي الوافرة ابنة الصوام اليرعوبي وكان سيد قومه وعشيرته وأمير قبيلته وكنا يا رسول الله نازلين بجوار جبار عنيد وفارس شديد وبطل صنديد يقال له شهاب الخثعمي وكان له ولد يقال له مخارق ويلقب برأس الغول لكبر رأسه وهو جبار عنيد وقد نزع الله تعالى الرحمة من قلبه وهو وقت الحرب يهرق الدماء ويهلك الأبطال ويبيد الاقيال ويشرب دماء الابطال كشرب الماء الزلال ويهجم غلى الحلائل في قصورها ويعارض الملوك في حصونها وذلك أنه لما تولى بالملك بعد أبيه جار على العباد وزاد في الظلم والفساد وضجت العرب من كثرة فساده وظلمه وقساوة قلبه وسكره فرحل عنه العرب فشن عليهم الغارات وقتلهم وسبى جميع نسائهم وشتت شملهم.
واعلم يا رسول الله انه قد كان ابي ملكاً وكنا نازلين على قدر أربعة فراسخ بعيداً منه فاراد ان يقربه هذا الملعون فابى عنه يا رسول الله فقتله وقد اختاروني للملك بعد أبي واطاعوا أمري وحكمت فيهم كما اريد ومكثنا مدة من الزمان واعلم يا رسول الله أنه كان لي اربعة بنات كأنهن الأقمار فائقات في الحسن والجمال والبهاء والكمال فزوجتهن لأمراء قومي وكانوا أحسن العرب وكانوا يوقروني ويرفعوني بأعظم مكان ويخشون سطوتي لما يعلمون من شدة بأسي وقوة مراسي ففي بعض الأيام وصلت الينا اخبارك ومعجزاتك وماظهر لك من الأنوار وما شاع لك من الآيات القرآنية والاسرار الربانية والمعجزات الباهرة والكرامات فلما تحققت ذلك يارسول الله آمنت بك وبرسالتك مع أني ما نظرتك ثم جمعت قومي وأهلي وعشيرتي وعرفتهم بإسلامي وعرضت عليهم الاسلام فاسلموا وأقمت الاسلام بيننا جهراُ وقد وصل الخبر الى عدو الله رأس الغول فغضب علينا وأرسل رجاله الينا وأمرهم أن يأمرونا بعبادة الاصنام والأوثان ودين الشيطان فلما نزلوا علينا يارسول الله وأعلمونا بذلك الهوان غضبت انا من سماع ذلك الهذيان فاغلظت عليهم الكلام فارسلوا وأعلموا ملكهم رأس الغول بذلك الأمر فلما بلغه الخبر ارسل الينا الجيوش تحت الظلام فقتلوا الرجال وذبحوا الاطفال ونهبوا الاموال فكانت الرجال تنادي وامحمداه والبنات تنادي وافضيحتاه وقد وضعونا في السلاسل والأغلال وساقونا الى عدو الله وأوقفونا بين يديه فلما رآنا زعق علينا زعقة عظيمة اذهل بها كل من كان حاضراً من الأبطال ثم وثب من مكانه وخطف بناتي وازواجهن وذبحهم كما يذبح الغنم وانا انظر بعيني ثم انه سجن باقي الرجال ووكل بهم من يعذبهم اناء الليل واطراف النهار ثم قال لي ويحك من اغراك بهذا الدين الذي دخلت فيه وما أغنى عنك شيئاً فارجعني الى دين أبيك وجدودك وانا اطلق لك باقي رجالك واخلي سبيلك فلما سمعت منه ذلك الكلام صار الضيا في وجهي ظلام لأنه حل في قلبي دين الاسلام وعبادة الملك الديان فقلت الويل لك ولأبيك واجدادك الذين يعبدون الأحجار من دون الملك الجبار أتعيدني الى عبادة الأصنام بعد ان هداني رب الانام واقررت لله بالوحدانية وللنبي عليه الصلاة والسلام بالرسالة فكيف ارجع الى دين لايرضى به إلا كل ناقص عقل وأنني وحق نبينا لا أرجع الى دين الاسلام ولا أحيد عنه فأصنع بي ماشئت فاني صابرة على قضاء ربي ولو قطعتني إربا إربا فلما سمع الملعون مني ذلك الكلام امتزج بالغضب وطغى وتجبر وشخر وشتم الشمس وسب القمر ثم امر باخراج من بقي في السجن فذبحهم كما يذبح الأغنام ثم قال وحق اللات والعزى الهبل الكبير إن لم ترجعي الآن عن دين محمد لأقتلك فلما سمع مني ذلك الكلام اطلق سبيلي بعد ان قطع ذوائبي وعلقها في عنقي وعلق بناتي في عنق بعيري وقال لي سيري الى محمد ابن عبد الله وقولي له يأتي بالفوارس والرجال والابطال وإني قد اتيتك يارسول الله وأخبرتك بما قد جرى ونحن حامدون الله تعالى على ما أصابنا ولا نغفل عن ذكر الله ولا عن ذكرك وانا مستجيرة بك فخذ بثأري واكشف عاري ثم أنشدت تقول :
ألا يا رسول الله يا خير البرايا === ويا حاوي الفضائل والغطايا
ادركني اجرنـــي قبل موتــــي === فما تبقى العــــداة لنا بقـــايا
تفانت اهلنا بالسيف جهــــــراً === واولادي البنات عادو سبايا
وبعد السبي ذبحهن ظلمــــــاً === ولم يخشى وقوعاً في رزايــا
فبادر يا رسول الله نحو حيهم === وحكم فيهمو سيف المنايـــا
عليك صلاة من الباري دوما === ماغرد القمري صبحاً أو مسايا
قال ابن عباس رضي الله عنهما فبكى النبي صلى الله عليه وسلم وبكى المسلمون ثم قال لها طيبي نفساً وقري عيناً وانصرفي الى الغد فأنصرفت العجوز الى حالها ثم قال لأصحابه من يعرف هذا الكافر المعروف برأس الغول فقام اليه عمرو بن أمية الضمري وقال يا رسول الله انا اعرفه واعرف بلاده واعرف واديه فقد كنت قبل الاسلام لا أعرف حلالاً ولا حراماً وكنت اغير على العرب وانهب كل جواد سابق منتخب فرحلت من بلادي الى واد متسع يقال له وادي الزهرية فنظرت الى تلك الربوات المخضرة بجميع الأعشاب والفواكه وهي متسعة الجنبات مملوءة بالرجال وهم كأنهم الأسود الضواري ونظرت الى فوق وجمال واناس لا يعلم عددها إلا الذي خلقها فسألت بعض الرعاة لمن تكون هذه الديار فقالوا إنها للملك المشهور شهاب الخثعمي وله ولد يسمى مخارق الملقب برأس الغول وهم سادات بني خثعم وهم أقوى العرب وأشدهم نخوة وأكثرهم ضيفاً ثم قالوا لي من أنت ومن اين اقبلت والى اين تريد فقلت لهم انا من بعض قبائل العرب قد خانني الدهر والزمان ولم يبق لي ملجأ ولا أمان وقد عزمت على بلاد الملك شهاب الخثعمي
فقالوا لي ادخل اليه لعلك تنال منه ما تريد.
عزمت على بلاد الملك شهاب الخثعمي فقالوا لي ادخل اليه لعلك تنال منه ماتريد
فدخلت على الملك وقلت له أيها الملك العظيم اعلم اني رجل غريب وعابر سبيل ولا وجدت لي ملجأ إلا انت وقد اتيتك متوكلاً عليك فبحق اللات والعزى والهبل الكبير الا على ان تعطيني من خيرك ونعمتك وجودك العطاء الجزيل فلما سمع الملك مني هذا الكلام رحب بي واحسن الي وكان ذلك مني خديعة ومكراً وكان ولده مخارق كبير الرأس شديد البأس تهابه الناس وتخاف منه كل الأجناس وتخشاه لكبر هامته وكثرة شرة وأذيته وعظم مكره وسطوته وهو ظالم لا يرحم صغيراً ولا يوقر كبيراً سفاكاً للدماء وقد سخط عليه رب السماء وكان يقول لأبيه يا أبت انت رجل جبان لاتهابك الفرسان فلا بد لي من قتلك وأريح نفسي منك وكان والده يهابه ويخشاه وكان إذا حضر عنده ارباب دولته يقول لهم يا قوم ماذا تشيرون علي في امر ولدي هذا الذي بغى في امره وتكبر على ابناء جنسه فلو وجدت من يقتله ويريحني منه ويكف عني شره وأنا افيض عليه من خزائن نعمتي ويكون احب الناس إلي وقد ذكروا عنه يا رسول الله انه دخل على ابيه وهجم عليه وأراد قتله فانهزم من بين يديه وأقام مدة لا يخرج وقيل ان ارباب دولته دخلوا عليه وقالوا له ايها الملك اعلم ان ولدك زاد في ظلمه وتكبره وأذاه على الرعية من يوم ما نفاك من السلطنة وأخذها منك غصباً ونحن نريد الآن ان نرحل من بلادك ونلتجىء الى ملك غيرك ونكتفي شر هذا الجبار الذي ازداد في الظلم والفساد ( قال الراوي ) فلما سمع الملك منهم هذا الكلام قال ياقوم إني تحيرت في اموري ولكن قد أمرتكم ان كل من استطاع قتله يقتله وإني أبحت لكم دمه لأنه أبغض الخلق على من دون الناس فبينما هم في الكلام وإذا برأس الغول قد دخل عليهم وقد عرف ماهم فيه من المرام فقال لهم ماحالكم ومن أي شيء متعجبون فقال له والده يا ولدي اما تنتهي من مظالم العباد ان الناس قد استغاثوا من ظلمك وشرك وفسادك وعنادك فان كنت تريد الرغبة في المملكة فهي لك ياولدي وما هي لأحد غيرك ولكن اقل من ظلمك وفسادك وعنادك واستعمل العدل في رعيتك تقاد اليك بالمحبة والوداد واعلم ان الظلم قد اهلك من هو اشد منك قسوة واعظم بأساً فلما سمع مخارق ذلك الكلام من ابيه زعق عليه زعقة أرجف بها من كان حوله من الابطال وقال لقد عرفت ما دار بينك وبين قومك علي سأقتلهم ثم لأقتلنك انت من بعدهم ويلك يا عدو الله اما علمت أن الذي لم تحذوه الناس لم يكبر في أعينهم وقال بعض الشعراء
إذا المرء لم يكرم صديقاً ولم يهن === عدواً ولم يبرز لمن جا يحاربه
فهذا الذي ان عاش لايعتني به === وان مات لا تندب عليه اقاربه
فلما سمع والده منه ذلك الكلام خاف منه خوفاً شديداً وقال يا ولدي هذه النعمة التي انا فيها وهبتها لك فانك ولدي وقطعة من كبدي وثمرة فؤادي ولم يزل يستعطف بخاطره الى ان هدأ روعه وجلس بجانبه ودعى بالطعام واطعم ولده ودعى بالخمر فحظر بين يديه فشرب وصار يسقي ولده الى ان غلب عليه النوم فنام فلما عاين والده منه ذلك قام على الأقدام وأوثقه كتاف وقوى سنه السواعد والأطراف والقاه في سجن ضيق مظلم فلما أفاق من غشوته ووجد نفسه على تلك الحالة صاح بملء رأسه ياأبت انت الذي فعلت بي هذا الفعال والقيتني في الذل والخبال وحق الأصنام ان لم تطلق سبيلي في الحال وإلا قتلت نفسي وشربت كاس الوبال قال فلما سمع منه والده هذا الكلام زاد قلبه قسوة عليه وقال له هيهات ان يكون لك خلاص من هذا الشد والوثاق بل انك تقيم فيه الى ان تموت لأنك اذية على خلق الله ونقمة على عباد الله ثم ان أباه امر جماعة من خواص دولته ان يحتفظوا به ليلاً ونهاراً وامرهم ان يعذبوه بأنواع العذاب فأجابوه الى ماقاله لهم من الخطاب وفعلوا ما أمرهم واسقوا مخارق اليم العذاب ولما ان فرغ النهار ودخل الليل ورأس الغول محبوس اذا برجل دخل عليه وهو كأنه الاسد الضاري فلما ان قرب منه تأمله مخارق واذا به صاحبه مهجعوكان بينه وبين مهجع صداقة ومحبة زائدة لأنه كان يوده ويراعيه فلما ان عرفه رأس الغول قال له يا مهجع اما تنظر ما انا فيه من الوثاق وشدة العذاب والشقاق فهل تجد لي خلاصاً من هذا السجن فقال له وحق رأسك لابد ان أعمل لك حيلة عجيبة ما سبقني اليها احد وبها يكون خلاصك فقال له أسرع وإياك ان تغفل عني فاجابه بالسمع والطاعة ثم ان مهجع تركه وسار الى ان وصل الى ابيه ووقف بين يديه وقال أيها الملك....
عزمت على بلاد الملك شهاب الخثعمي فقالوا لي ادخل اليه لعلك تنال منه ماتريد
فدخلت على الملك وقلت له أيها الملك العظيم اعلم اني رجل غريب وعابر سبيل ولا وجدت لي ملجأ إلا انت وقد اتيتك متوكلاً عليك فبحق اللات والعزى والهبل الكبير الا على ان تعطيني من خيرك ونعمتك وجودك العطاء الجزيل فلما سمع الملك مني هذا الكلام رحب بي واحسن الي وكان ذلك مني خديعة ومكراً وكان ولده مخارق كبير الرأس شديد البأس تهابه الناس وتخاف منه كل الأجناس وتخشاه لكبر هامته وكثرة شرة وأذيته وعظم مكره وسطوته وهو ظالم لا يرحم صغيراً ولا يوقر كبيراً سفاكاً للدماء وقد سخط عليه رب السماء وكان يقول لأبيه يا أبت انت رجل جبان لاتهابك الفرسان فلا بد لي من قتلك وأريح نفسي منك وكان والده يهابه ويخشاه وكان إذا حضر عنده ارباب دولته يقول لهم يا قوم ماذا تشيرون علي في امر ولدي هذا الذي بغى في امره وتكبر على ابناء جنسه فلو وجدت من يقتله ويريحني منه ويكف عني شره وأنا افيض عليه من خزائن نعمتي ويكون احب الناس إلي وقد ذكروا عنه يا رسول الله انه دخل على ابيه وهجم عليه وأراد قتله فانهزم من بين يديه وأقام مدة لا يخرج وقيل ان ارباب دولته دخلوا عليه وقالوا له ايها الملك اعلم ان ولدك زاد في ظلمه وتكبره وأذاه على الرعية من يوم ما نفاك من السلطنة وأخذها منك غصباً ونحن نريد الآن ان نرحل من بلادك ونلتجىء الى ملك غيرك ونكتفي شر هذا الجبار الذي ازداد في الظلم والفساد ( قال الراوي ) فلما سمع الملك منهم هذا الكلام قال ياقوم إني تحيرت في اموري ولكن قد أمرتكم ان كل من استطاع قتله يقتله وإني أبحت لكم دمه لأنه أبغض الخلق على من دون الناس فبينما هم في الكلام وإذا برأس الغول قد دخل عليهم وقد عرف ماهم فيه من المرام فقال لهم ماحالكم ومن أي شيء متعجبون فقال له والده يا ولدي اما تنتهي من مظالم العباد ان الناس قد استغاثوا من ظلمك وشرك وفسادك وعنادك فان كنت تريد الرغبة في المملكة فهي لك ياولدي وما هي لأحد غيرك ولكن اقل من ظلمك وفسادك وعنادك واستعمل العدل في رعيتك تقاد اليك بالمحبة والوداد واعلم ان الظلم قد اهلك من هو اشد منك قسوة واعظم بأساً فلما سمع مخارق ذلك الكلام من ابيه زعق عليه زعقة أرجف بها من كان حوله من الابطال وقال لقد عرفت ما دار بينك وبين قومك علي سأقتلهم ثم لأقتلنك انت من بعدهم ويلك يا عدو الله اما علمت أن الذي لم تحذوه الناس لم يكبر في أعينهم وقال بعض الشعراء
إذا المرء لم يكرم صديقاً ولم يهن === عدواً ولم يبرز لمن جا يحاربه
فهذا الذي ان عاش لايعتني به === وان مات لا تندب عليه اقاربه
فلما سمع والده منه ذلك الكلام خاف منه خوفاً شديداً وقال يا ولدي هذه النعمة التي انا فيها وهبتها لك فانك ولدي وقطعة من كبدي وثمرة فؤادي ولم يزل يستعطف بخاطره الى ان هدأ روعه وجلس بجانبه ودعى بالطعام واطعم ولده ودعى بالخمر فحظر بين يديه فشرب وصار يسقي ولده الى ان غلب عليه النوم فنام فلما عاين والده منه ذلك قام على الأقدام وأوثقه كتاف وقوى سنه السواعد والأطراف والقاه في سجن ضيق مظلم فلما أفاق من غشوته ووجد نفسه على تلك الحالة صاح بملء رأسه ياأبت انت الذي فعلت بي هذا الفعال والقيتني في الذل والخبال وحق الأصنام ان لم تطلق سبيلي في الحال وإلا قتلت نفسي وشربت كاس الوبال قال فلما سمع منه والده هذا الكلام زاد قلبه قسوة عليه وقال له هيهات ان يكون لك خلاص من هذا الشد والوثاق بل انك تقيم فيه الى ان تموت لأنك اذية على خلق الله ونقمة على عباد الله ثم ان أباه امر جماعة من خواص دولته ان يحتفظوا به ليلاً ونهاراً وامرهم ان يعذبوه بأنواع العذاب فأجابوه الى ماقاله لهم من الخطاب وفعلوا ما أمرهم واسقوا مخارق اليم العذاب ولما ان فرغ النهار ودخل الليل ورأس الغول محبوس اذا برجل دخل عليه وهو كأنه الاسد الضاري فلما ان قرب منه تأمله مخارق واذا به صاحبه مهجعوكان بينه وبين مهجع صداقة ومحبة زائدة لأنه كان يوده ويراعيه فلما ان عرفه رأس الغول قال له يا مهجع اما تنظر ما انا فيه من الوثاق وشدة العذاب والشقاق فهل تجد لي خلاصاً من هذا السجن فقال له وحق رأسك لابد ان أعمل لك حيلة عجيبة ما سبقني اليها احد وبها يكون خلاصك فقال له أسرع وإياك ان تغفل عني فاجابه بالسمع والطاعة ثم ان مهجع تركه وسار الى ان وصل الى ابيه ووقف بين يديه وقال أيها الملك....
عزمت على بلاد الملك شهاب الخثعمي فقالوا لي ادخل اليه لعلك تنال منه ماتريد
فدخلت على الملك وقلت له أيها الملك العظيم اعلم اني رجل غريب وعابر سبيل ولا وجدت لي ملجأ إلا انت وقد اتيتك متوكلاً عليك فبحق اللات والعزى والهبل الكبير الا على ان تعطيني من خيرك ونعمتك وجودك العطاء الجزيل فلما سمع الملك مني هذا الكلام رحب بي واحسن الي وكان ذلك مني خديعة ومكراً وكان ولده مخارق كبير الرأس شديد البأس تهابه الناس وتخاف منه كل الأجناس وتخشاه لكبر هامته وكثرة شرة وأذيته وعظم مكره وسطوته وهو ظالم لا يرحم صغيراً ولا يوقر كبيراً سفاكاً للدماء وقد سخط عليه رب السماء وكان يقول لأبيه يا أبت انت رجل جبان لاتهابك الفرسان فلا بد لي من قتلك وأريح نفسي منك وكان والده يهابه ويخشاه وكان إذا حضر عنده ارباب دولته يقول لهم يا قوم ماذا تشيرون علي في امر ولدي هذا الذي بغى في امره وتكبر على ابناء جنسه فلو وجدت من يقتله ويريحني منه ويكف عني شره وأنا افيض عليه من خزائن نعمتي ويكون احب الناس إلي وقد ذكروا عنه يا رسول الله انه دخل على ابيه وهجم عليه وأراد قتله فانهزم من بين يديه وأقام مدة لا يخرج وقيل ان ارباب دولته دخلوا عليه وقالوا له ايها الملك اعلم ان ولدك زاد في ظلمه وتكبره وأذاه على الرعية من يوم ما نفاك من السلطنة وأخذها منك غصباً ونحن نريد الآن ان نرحل من بلادك ونلتجىء الى ملك غيرك ونكتفي شر هذا الجبار الذي ازداد في الظلم والفساد ( قال الراوي ) فلما سمع الملك منهم هذا الكلام قال ياقوم إني تحيرت في اموري ولكن قد أمرتكم ان كل من استطاع قتله يقتله وإني أبحت لكم دمه لأنه أبغض الخلق على من دون الناس فبينما هم في الكلام وإذا برأس الغول قد دخل عليهم وقد عرف ماهم فيه من المرام فقال لهم ماحالكم ومن أي شيء متعجبون فقال له والده يا ولدي اما تنتهي من مظالم العباد ان الناس قد استغاثوا من ظلمك وشرك وفسادك وعنادك فان كنت تريد الرغبة في المملكة فهي لك ياولدي وما هي لأحد غيرك ولكن اقل من ظلمك وفسادك وعنادك واستعمل العدل في رعيتك تقاد اليك بالمحبة والوداد واعلم ان الظلم قد اهلك من هو اشد منك قسوة واعظم بأساً فلما سمع مخارق ذلك الكلام من ابيه زعق عليه زعقة أرجف بها من كان حوله من الابطال وقال لقد عرفت ما دار بينك وبين قومك علي سأقتلهم ثم لأقتلنك انت من بعدهم ويلك يا عدو الله اما علمت أن الذي لم تحذوه الناس لم يكبر في أعينهم وقال بعض الشعراء
إذا المرء لم يكرم صديقاً ولم يهن === عدواً ولم يبرز لمن جا يحاربه
فهذا الذي ان عاش لايعتني به === وان مات لا تندب عليه اقاربه
فلما سمع والده منه ذلك الكلام خاف منه خوفاً شديداً وقال يا ولدي هذه النعمة التي انا فيها وهبتها لك فانك ولدي وقطعة من كبدي وثمرة فؤادي ولم يزل يستعطف بخاطره الى ان هدأ روعه وجلس بجانبه ودعى بالطعام واطعم ولده ودعى بالخمر فحظر بين يديه فشرب وصار يسقي ولده الى ان غلب عليه النوم فنام فلما عاين والده منه ذلك قام على الأقدام وأوثقه كتاف وقوى سنه السواعد والأطراف والقاه في سجن ضيق مظلم فلما أفاق من غشوته ووجد نفسه على تلك الحالة صاح بملء رأسه ياأبت انت الذي فعلت بي هذا الفعال والقيتني في الذل والخبال وحق الأصنام ان لم تطلق سبيلي في الحال وإلا قتلت نفسي وشربت كاس الوبال قال فلما سمع منه والده هذا الكلام زاد قلبه قسوة عليه وقال له هيهات ان يكون لك خلاص من هذا الشد والوثاق بل انك تقيم فيه الى ان تموت لأنك اذية على خلق الله ونقمة على عباد الله ثم ان أباه امر جماعة من خواص دولته ان يحتفظوا به ليلاً ونهاراً وامرهم ان يعذبوه بأنواع العذاب فأجابوه الى ماقاله لهم من الخطاب وفعلوا ما أمرهم واسقوا مخارق اليم العذاب ولما ان فرغ النهار ودخل الليل ورأس الغول محبوس اذا برجل دخل عليه وهو كأنه الاسد الضاري فلما ان قرب منه تأمله مخارق واذا به صاحبه مهجعوكان بينه وبين مهجع صداقة ومحبة زائدة لأنه كان يوده ويراعيه فلما ان عرفه رأس الغول قال له يا مهجع اما تنظر ما انا فيه من الوثاق وشدة العذاب والشقاق فهل تجد لي خلاصاً من هذا السجن فقال له وحق رأسك لابد ان أعمل لك حيلة عجيبة ما سبقني اليها احد وبها يكون خلاصك فقال له أسرع وإياك ان تغفل عني فاجابه بالسمع والطاعة ثم ان مهجع تركه وسار الى ان وصل الى ابيه ووقف بين يديه وقال أيها الملك....
فقال له مخارق اسرع وإياك ان تغفل عني فأجابه بالسمع والطاعة ثم ان مهجع تركه وسار الى ان وصل الى ابيه ووقف بين يديه وقال أيها الملك الهمام والبطل الدرغام لقد أحسنت في قبض ولدك وأرحت الناس من شره وتجبره وكفره وعناده فجزيت خيراً كما ارحت رعيتك وامنت قلوبهم ولكنني الآن خائف من شيء خطر ببالي وهو أنه ربما ان بعض الخدام أو الحفظة ينافقون له ويطلقونه مما هو فيه ويرجون بذلك اليد البيضاء عنده فيهجم عليك في مجلسك ويقتلك وانه لايحفظه غيري فلما سمع شهاب ذلك الكلام قال له يامهجع أنت له كفء فأذهب اليه وأرحنا من شره ومكره فرجع مهجع إلى الموكلين به وأخبرهم بأمر الملك وأنه توكل به من دونهم فقالوا له يامهجع لقد ارحتنا من شره فدونك واياه فتقدم مهجع من رأس الغول ولطمه لطمة جبار مهول وصار يوبخه بغليظ الكلام ويقول له ويلك يامخارق فلقد ظلمت العباد واهلكت الأجناد ولكن قد وقعت في عاقبة ظلمك ومكرك ثم زاد في عذابه الى ان انصرف عنه الحجاب الموكلين به وقد اخبروا سيدهم بما عاينوا من مهجع وتعذيبه مخارق هذا ما كان من أمرهم وأما ماكان من امر مهجع فأنه صبر الى ان دخل الليل ونامت العيون وانبسط القمر على الكون فتقدم الى مخارق وحله من الوثاق واخذه الى محل خال من الناس ثم انه قدمّ له طعاماً وشراباً فأكل وشرب ثم ان مهجع قال له امش الى ابيك وافعل ما تريد فعندها وثب عدو الله وثبة الأسد وأخذ بيده سيفاً ومضى إلى ان وصل الى ابيه فوجده نائماً فوكزه برجله وقال له قم فقد جاء وقتك وآن آوانك فعندها وثب من منامه وهو مرعوب فرآى ولده على رأسه فقال من الذي أطلقك فلم يرد عليه جواباً بل ضربه بالسيف أطاح رأسه وأخمد أنفاسه وجلس على كرسي المملكه من وقته ولم يعلم به أحد من العباد لأن ذلك كله كان في ليلة خلاصه فلما أصبح الصباح دخل الخدام على شهاب فوجدوه قتيلاً ووجدوا رأس الغول جالساً على كرسي المملكه فخافوا منه خوفاً شديداً ثم أنه صاح عليهم صيحة مرعبه وقال لهم أدنوا مني ثم أنه قال لهم أتعرفون من هذا فقالوا له أنت ملكنا وقائد زمام أمرنا كما تريد وتشاء فقال لواحد منهم خذ هذا الكتاب وأمضي به إلى الوزير وقل له إن الملك يدعوك فأجابه بالسمع والطاعه ولم يزل يدعوا سيداً بعد سيد وكل من دعاه أجابه حتى أنه أرسل مائة كتاب وكان كل من وصل اليه كتاب يضن أن الملك شهاب يدعوه ليحضر وينظر ما صنع بولده مخارق هذا ما كان من أمرهم وأما ما كان من أمر الخادم الذي سار إلى الوزير فلم يزل سائراً إلى أن وصل إليه فأعطاه الكتاب وقال له أيها الوزير أجب الملك شهاب فأجاب بالسمع والطاعه وركب ولم يزل سائراً حتى دخل على رأس الغول فرأه جالساً على سرير المملكه وكان الوزير من أكبر أعدائه فوثب إليه رأس الغول والسيف في يمينه مسلول وضربه فقطع رأسه من غير أن يكلمه كلمة واحده ثم ألتفت إلى الخادم وقال له أمض إلى الحاجب الكبير وأتني به ولم يزل الملعون يدعوا واحداً بعد واحد وكل من حضر عنده من رؤوس المملكة يقتله حتى قتل مائة وسبعين سيداً في تلك الليله ولما أصبح الله بالصباح طلع سائر أرباب الدولة إلى الديوان وسائر المماليك والخدام وكل منهم لايعلم بتلك الأحكام ولما تكاملوا في الديوان وجدوا رأس الغول جالساً على سرير ملكه والتاج على رأسه كأنه الأسد الضاري من شدة بأسه وكل من صار بين يديه ونظر اليه لا يقدر يتأخر الى ورائه نصف قدم ولا يقدر ان يتقدم ولايتكلم وتموا على مثل هذا الحال حتى تكامل كل الرجال وهم باهتون اليه بالأبصار فلما طال بهم الأمر التفت اليهم رأس الغول وصاح بهم صيحة عظيمة قائلا ويلكم ما الذي ابهتكم ثم انه كشف لهم عن رأس ابيه وقال لهم اتعرفون من هذا فقالوا له هذا أبوك أيها الملك الهمام فمن الذي فعل به هذه الفعال أخبرنا بتحقيق الحال حتى نأخذ بثأره ونجلي عنه عاره ممن تعدى وقتله فلما سمع رأس الغول من الرجال هذه الاقوال ضحك ضحكاً عالياً وقال لهم أما تعلمون من فعل به هذه الفعال قالوا كلا فقال لهم انا الذي فعلت به هذه الفعال ومن يتكلم منكم بكلمة واحدة الحقته به في الحال اتظنون اني أفعل ذلك مع ابي وأرحم غيره فمن اطاعني منكم أعطيته المال والنوال ومن خالف أمري وعصاني أسقيته كاس الوبال بعد ان اعذبه بأنواع العذاب واجعل لحمه طعاماً للنسور والذئاب فعند ذلك تقدم اليه رجال من خواص الدولة وكان من المعظمين عند ابيه ومن اعز الناس اليه وقد صعب عليه وصارت الدنيا ظلاماً في عينيه وقال له :
فعند ذلك تقدم اليه رجل من خواص الدولة وكان من المعظمين عند أبيه ومن اعز الناس اليه وقد صعب عليه وصارت الدنيا ظلاماً في عينيه وقال له :
والله يا عدو الله لقد بغيت على ابيك وتعديت عليه فهل سمعت يا أخس العباد أن احداً قتل اباه وتعدى على اذاه فبئس ما فعلت وانك والله قد طغيت وتجبرت فوعزة ربي إله إبراهيم ورب زمزم والحطيم لو إني أجد من يعينني على قتلك لقتلتك واخذت منك بثأر ابيك وأسقيتك كاس الهلاك فلما سمع عدو الله رأس الغول من ذلك الرجل هذا الكلام صار الضياء في عينه ظلام ونهض قائماً على الأقدام وقد جرد بيده الحسام وقال للرجل هل يقدر مثلك أن يجاوبني وبمثل هذا يخاطبني ثم ضربه بالسيف على عاتقه أخرجه يلمع من علائفه فلما ان رأى ذلك الحاضرون ارتعدت أبدانهم وتغيرت أحوالهم وألوانهم ثم صاحوا عن بكرة أبيهم أيها البطل الهمام اغمد عنا حسامك واجعلنا تحت زمامك وأمرنا كما تريد فهما نحن لك من جملة العبيد فقال لهم أريد أن تكونوا تحت أمري حتى افرغ عليكم نعمتي وتكتفوا شري فاجبوه لما طلب وخافوا من الموت والعطب ففرق عليهم الأموال وخلع عليهم الخلع الغوالي ووسع عليهم بالعطايا فمالت إليه القلوب وصاروا له مطيعين ولأمره سامعين ثم رغب الرجال بجزيل المال فسمعت به العرب الطماعة وأهل الشرك والرقاعة وقد اجتمع عليه يا رسول الله من أرباب الشاعة وأهل القوة والبراعة مايزيد عن مائتين وخمسين ألف فارس ليوث عوابس وغير ذلك من اللصوص والعيارين ما يزيد عن خمسين ألف فارس ولما نظر عدو الله إلى تلك الجيوش والأمم ظلم وطفى وبغى وتكبر وقتل النفوس وتجبر ثم أمر باحضار الصناع بين يديه فأحضروهم وأوقفوهم بين يديه فقال لهم أريد منكم أن تصنعوا لي صنماً كبيراً من الزبرجد الأخضر وعيناه من الياقوت الأحمر وهو من احسن ما يكون من الصناعات فأجابوه بالسمع والطاعة وصنعوا له ذلك الصنم وقدموه بين يديه فلما أن رآه الملعون خر له ساجداً من دون الله واتخذه له إلاهاً وأمر تلك العربان بأجمعهم أن يسجدوا لهذا الصنم وسماه الرب فراش وقد قرب له قرباناً وصار يسجد له في كل ساعة من الزمان وأزداد في كفره وعناده على قطع الطريق وخان كل صديق وقتل كل محب ورفيق ونهب المسافرين وشن الغارات على العرب فنهب الأموال وقتل الرجال وسار إلى ان وصل الى حصن العنبري وأحاط به من كل جانب ومكان فخرج له ستمائة فارس وكانوا هم أهل الحصن ثم ان الملعون التفت الى جماعته وقال لهم من يعرف منكم صاحب هذا الحصن فقالوا له صاحبه الذي لابس الزرد والدرع الأصفر وعليه عمامه خظراء وبين عينيه ياقوته حمراء فلما عرف صاحب الحصن سل حسامه من غمده وخرج من بين عساكره وجنده وقصد الى خصمه وهو في قلب رجاله وضربه بالسيف فقسمه نصفين فلما ان نظرت الرجال إلى ما حل بكبيرهم عظم ذلك عليهم فحملوا عليه بأجمعهم يريدون أخذ الثأر وجلاء العار فاستقبلهم بالحسام وضرب فيهم ذات اليمين وذات اليسار ولم يزل يضرب فيهم بمفرده حتى أهلكهم عن أخرهم ثم فتح الحصن وعمره برجاله ولم يزل يفتح القلاع والحصون حتى شاع ذكره بين العربان وكانت إقامتي بأرض ذلك الملعون هو أني سمعت أن بعض العربان كان عنده فرس شقراء اللون مليحة الكون بحافر كالدرهم ولم يكن في زمانها أحسن منها وأن بعض أكابر العرب أعطاه بها خرج من الذهب فأبى أن يأخذه في ثمنها فذهب إليه رأس الغول وأخذها منه قهراً بعد أن قتله فلما سمعتُ يارسول الله بخبر هذه الفرس سرت إليه ومكثت عنده تسعة أيام وأنا أريد سرقتها وفي الليلة العاشرة قمت إليها وأستغفلت الحراس وسلبتها من قيودها وملكتها وسرت إلى أن إنفجر الصبح فسمعت حس حوافر الخيل وهم لاحقون بي وقتلت منهم عشرة أبطال وتخلصت منهم وكانوا من حراس هذه الفرس ثم أني أخذت الفرس وأتيت بها إلى واديٍ من بعض الوديان وبعتها فيه وغبت عنها مده وأتيت إليها وسرقتها ولم أزل أبيعها وأسرقها حتى أنني بعتها ثمانين مرة من واحدٍ إلى واحد مدة عشرين سنه من أيام ما فارقت رأس الغول وهو مقيم في بلاد اليمن بوادٍ يقال له وادي الزهر من دونه ستة أوديه وكل وادي فيه بلاد وحصون وقلاع وعدو الله في الوادي السابع لايقدر عليه أحد من الناس وجميع العربان تفزع منه وكل القبائل والعشائر تخشى سطوته وقد إسطنع لصنمه قبةً عظيمه من الزمرد الأخضر وجعل أرضها بالرخام المختلف الالوان وأصطنع فوق تلك القبة هيئة صندل من خشب العنبر وقد زين القبة بما يزيد عن ست مائة قنديل من الذهب والفضة وقد زين تلك القبة بالجواهر وفرشها بأنواع المفروشات وجعل عليها أبطالاً وشجعاناً وعبيداً وصار لايفتحها إلا من الهلال إلى الهلال فإذا أراد الدخول إلى تلك القبة يسرجون له الخدام تلك القناديل بأطيب الأدهان ويزينون له تلك القبة فيدخل إلى أن يأتي الصنم
ويزينون له تلك القبة فيدخل الى أن يأتي الى الصنم ويخر له ساجداً من دون الله وكذلك كل من كان معه يأمرهم بالسجود عن بكرة أبيهم فيسجدون فعندها يتحرك الصنم ويميل على اليسار واليمين وينطق فيه الشيطان اللعين لأجل غرورهم ويكون كلام الشيطان على قدر مايريدون ويفعلون فلما يسمع الملعون كلام الشيطان يرفع رأسه من السجود ويجلس على كرسي مقابل الصنم ويجرد سيفه الصمصام وهو سيف صقيل المتن جوهري الحد لأن ذلك السيف كان لعمرو بن معد يكرب الزبيدي وكان يصول به على الشجعان ويجول به على الأقران ويخوض به في الوقائع ويحارب في كل المعامع وكان طوله عشرين شبراً وعرضه سبعة أشبار وكان عدو الله إذا غضب على أحد من عشائره أمر باحضاره بين يديه ثم يضع ذلك السيف على رأسه من غير أن يضربه فيشق ذلك السيف رأسه ويهوي في جسمه الى أن يصل الى بين فخذيه في اسرع من طرفة عين لأن ذلك السيف ثقيل ويد الملعون خفية وهذا كان عمله إذا غضب على احد من رجاله أو من غيرهم ولما كان يجرد سيفه يصغي لما يقول الصنم فيقول له كل ما كان يجري على اهل تلك القرية وإذا حدث حادث أو طرق طارق أو عبر غريب يخبره به ويعلمه من جوف الصنم عن كل الامور وبذلك كانت أمواله محفوظة ودياره معمورة وله سبعة أولاد كبار كل واحد منهم يعد في الحرب بألف فارس كرار وقد بنى له في الوادي السابع قصراً عالياً مشيد الأركان واسع الفضا والبنيان مفروش بالرخام الملون وجعله منقوشاً بأنواع التحائف والذهب وافضة وقد زاد بعد ذلك في كفره وطغيانه فلا يرجع عن أكل الحرام ولا يمتنع عن عبادة الأصنام والأوثان ( قال الراوي ) فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الكلام أطرق رأسه الشريف الى الأرض وقال وهو مطرق كلمة لا يخجل قائلها لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أدفع بها ما أطيق وما لا أطيق ثم قال لأصحابه ما عندكم من الرأي يرحمني الله وإياكم فقالوا له نحن يا رسول الله لك طائعون ولأمرك مجيبون فائمرنا بكل ماتريد من الامور فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الى غداة غداً يكون مايره الله تعالى فلما أصبح الصبح وأضاء الكون بنوره ولاح أمرهم بالخروج الى ظاهر المدينة فخرجوا كما أمرهم وهو معهم يهللون ويكبرون فتجاوبهم الجبال والرمال والأشجار ولم يزالوا سائرين الى ظاهر المدينة فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وأشار لهم بالجلوس فبينما كان النبي صلى الله عليه وسلم منتظراً أمر مولاه إذ هبط جبريل عليه السلام من عند الله وهو في صورته الأصلية وهي ستمائة جناح في كل جناح ستمائة لسان وكل لسان يسبح الله ويقدسه بستمائة ألف لغة رأسه في السماء ورجلاه في الأرض وفي يده راية النصر مكتوب عليها بقلم القدرة نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين فقال جبريل عليه السلام يا محمد ربك يقرؤك السلام ويقول لك لا تخف ولا تحزن فإن الله معك وناصرك ويقول لك أرسل رسولاً من عندك إلى مخارق بن شهاب يحذره من عذاب النار ويرغبه بالاسلام ويشوقه الى الجنة ثم إن جبريل عرج الى السماء فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه رضي الله عنهم وقال لهم أريد ان ارسل رسولاً الى مخارق بن شهاب يدعوه الى الجنة ويحذره من عذاب النار فمن منكم يبيع نفسه في سبيل الله تعالى ويمضي وأنا اضمن له الجنة ( قال الراوي ) فلما سمعت الصحابة ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم اطرقوا جميعاً الى الأرض ولم يجاوبه منهم أحد فاعاد القول عليهم ثانياً وثالثاً فوثب اليه عبد الله بن أنس الجهني رضي الله عنه وقال يا رسول الله أنا له فقال له اجلس مكانك بارك الله فيك ثم أعاد القول وقال من يمضي إلى مخارق ابن شهاب فقال عمرو بن أمية الضمري انا أمضي اليه يا رسول الله فقال له اجلس مكانك بارك الله فيك ثم قال عليه السلام يا أصحابي من منكم ينطلق الى رأس الغول ويحذره من النار وانا أضمن له على الله الجنة وقصراً من لؤلؤة وألف حورية ويكون رفيقي في الجنة قال تعالى (إن الله اشترى من المؤمنين انفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله) وكان الزبير بن العوام حاضراً فخشي ان يقول له اجلس مكانك إذا طلب أن يذهب وقد أراد أن يكون له ذلك القصر فخرج من عندهم وودع اهله وأقاربه وقد اوصى أن لا يعلموا أحداً بخبره ثم إنه سار يقطع البراري والقفار هذا ما كان من أمره وأما ما كان من امر النبي عليه السلام فإنه هبط عليه جبريل وقال يا محمد ربك يقرؤك السلام ويقول لك ان الزبير بن العوام مضى الى بلاد رأس الغول وحده راغباً الجنة وان الله تعالى قد اعطاه ما قلت عليه وهو يقول لك ارسل علياً ابن عمك على اثره وعرج جبريل الى السماء فأخبر النبي عليه السلام الحاضرين بخبر الزبير بن العوام ثم قال لسلمان الفارسي امض الى ابن عمي علي بن ابي طالب فقال السمع والطاعة ثم انطلق رضي الله عنه وأخبر الإمام علياً كرم الله وجهه بما قاله النبي عليه السلام وكان الإمام في تلك الايام مريضاً فقال لسلمان ارجع اليه وأقرئه السلام وأخبره اني مريض فذهب وأخبره بما قال الإمام فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال لاحول ولا قوة إلا بالله ثم نهض قائماً ومعه ابو بكر الصديق رضي الله عنه فسار الى الامام ودخلا عليه فأراد الإمام ان يقوم فلم يقدر ان يتحرك فقال له النبي يا أبا الحسن كيف تجد نفسك قال بخير إن شاءالله تعالى بقدومك يا ابن العم فقال ان أخي جبريل هبط عي وقد امرني ربي ان أرسلك في أثر الزبير بن العوام الى ديار رأس الغول فقم الأن وأخلع ما عليك من الثياب ثم ان النبي صلى الله عليه وسلم دعاء بإناء فيه ماء بارد ووضع اصبعه الشريف فيه وصبه على رأس الإمام علي رضي الله عنه فخرجت الحمى من سائر جسد الإمام علي وعاد اليه عزمه فعندها قال له يا أبا الحسن كيف تجد نفسك الآن فقال الإمام علي لقد ذهب ما بي ببركتك يا رسول الله فأمرني بما تريد فقال له اخرج الآن وجد المسير في طريق اليمن لعلك تلحق الزبير بن العوام فركب الإمام وخرج من المدينة وهو ينشد ويقول :
الا ابشروا بالذل يا آل خثعم == فقد جائكم الليث الحطيم وزمزم
فلا بد من سيري إليكم وهجمتي == عليكم وسيفي يمزج اللحم بالدم
وأهرق دماكم ان اتيتم الصولي == وأسقيكم بالحرب سماً لأرقم
وأسمي علي ابن عم محمد == رسول إله العالمين المعظم
عليه صلاة الله ثم سلامه == يدومان ما دام الورى في تقدم
(قال الراوي) ولم يزل سائراً الليل والنهار الى أن أشرف على قافلة مقبلة نحوه وفيها قوم من الأنصار فوقف الإمام علي الى أن وصلوا اليه...
( قال الراوي ) ولم يزل سائر الليل والنهار الى أن اشرف على قافلة مقبلة نحوه وفيها قوم من الأنصار فوقف الإمام علي الى أن وصلوا اليه ونزلوا عن مطاياهم وسلموا عليه وقبلوا يديه فقال لهم الإمام مرحباً بكم فهل رأيتم الزبير بن العوام فقالوا له نعم رأيناه يا أبا الحسن في وسط المرج ولا تلقاه إلا في بلاد القوم فودعهم الإمام وودعوه وساروا الى سبيلهم هذا ما كان من امر الإمام علي وأما ما كان من أمر الزبير بن العوام فإنه ما زال سائراً الى أن قرب من الوادي فوجده وادياً متسعاً كثير العمارات غزير المياه كثير النبات له رائحه طيبة تفوق المسك والعنبر معتدل الهواء أشجاره باسقة وأنهاره متدفقة وأطياره مغردة كما قال فيه بعض واصفيه
واداً ترنم طيره بغصونه == يشتاقه الولهان في الأسحار
شبهته الفردوس في نفحاته == ظل وفاكهة وماء جار
( قال الراوي ) فوقف الزبير يتأمل ذلك الوادي وأنهاره وهو ينظر الى ملاحته وطيب هوائه وإذا بقافلة أقبلت عليه من صدر الوادي فتلقاهم الزبير بن العوام وأراد ان يسلم عليهم وإذا بهم قد احتاطوا به من كل جانب ومكان وسألوه عن حاله فقال اعلموا إني غريب وعابر سبيل وإني طالب الملك مخارق عسى أن يعطيني شيئاً من المال أنفقه على عيالي وقد أظهر الفقر والمسكنة والذل فقالوا سر بنا وأصحبنا فنحن من أتباع الملك
قال فاروا الى ان أقبلوا على الباب الأول فمنعوه من دون الداخلين وحجزوه عن الدخول فقال لهم الحاضرون معه دعوه فإنه رجل فقير طالب الدخول الى الملك لعله أن يعطيه شيئاً ينفقه على عياله وتركه الحجاب ثم سار بعد ان أطلق الحاجب سبيله وأتى الى وسط الوادي فرآى قباباً مضروبة وخياماً منصوبة وأغناماً كثيرة وفيه حصن منيع ومن حوله خندق عميق بسور عالي البناء وهو ملآن بالرجال والأبطال والعبيد والسادات والغلمان والقادة ومن حولهم بساتين وأشجار وهو يهوج ويموج بأهله فقال الزبير للنجار أنا قصدي من هنا حاجة والحق بكم ثم مضى وقد عرج عن الطريق ودفن سلاحه في الأرض في مكان يعرفه وترك ناقته ترعى في تلك الأزهار ثم أقبل على وادي عدو الله فنظر الى خيام كالنجوم ورجال لا يحصي عددهم إلا الحي القيوم فدخل تلك الأودية وقال في نفسه إذا رجعت الى رسول الله من غير ان تقضى حاجتي فيكون ذلك عاراً علي والقتل أهون من العار ثم جعل يتخطى البيوت والخيام والمضارب وإذا بخادم قد اتى وعليه ثياب من الأطلس وحوله عبيد وغلمان ورجال اشاوس وإذا بعدو الله جالس على كرسي من الذهب الأحمر وعن يمينه خمسمائة مملوك وعن يساره مثل ذلك وبين يديه كاسات الخمر تدور وهو بينهم مثل الأسد الكسور فلما نظر الزبير الى ذلك لم يستطيع العبور عليهم بل صعد على شجرة عالية وجعل ينظر اليهم وإذا بصراخ قد علا حتى ارتج الوادي فقال عدو الله اطلعوا واكشفوا عن الخبر فقالوا أيها الملك العظيم ان إلاهنا غضب علينا غضباً شديداً ما عليه من مزبد وإن النار تخرج من فيه والدخان من مناخيره فقام عدو الله وذهب الى الصنم وخر له ساجداً من دون الله وأطال في السجود ثم رفع رأسه الى الصنم وقال أيها الرب العظيم أعوذ بك من عقوبتك وغضبك علينا فإنك تذل الجبابرة وتخضع لك الملوك الأكاسرة فإن عاقبتنا فمن يرحمنا غيرك ثم إنه سكت ليسمع رد الجواب وإذا ابليس دخل في جوف الصنم وقال للملك ويلكم قد اشتغلتم بالهوى عن العبادة وأتبعتم اللهو واللعب حتى ظهر فيكم محمد الساحر وقد أرسل اليكم الزبير بن العوام جاسوساً ثم يرسل بعده رجالاً وأبطالاً فوعزتي وقدري ان لم تر دعوهم بالرجال والأبطال وتلحقوهم بالفرسان لأحذلنكم وأنصرنهم عليكم وأجعلنكم دهاناً لسيوفهم فنهض عدو الله وجرد سيفه وصاح إن محمداً أرسل الينا الزبير ابن العوام جاسوساً يكشف له الأخبار ويعود يعلمه بحالنا فيرسل لنا الأبطال والرجال فأنهضوا الآن وابصروا هذا الجاسوس فجذبت الرجال سيوفها واستلت حرابها وصاحوا صياحاً عالياً فأرتج الوادي من كثرة الصياح وسار الملعون برجاله وهم شاهروا السلاح وقاصدوا الزبير وهم يقولون لبعضهم هو عند الشجرة فلما سمع الكلام عرف إنه هو المطلوب ثم نزل من على الشجرة وهو يقول يا سابل الستر أسترني فستره الله وما رآه أحد منهم عند نزوله ولم يزل سائر الى أن وصل الى مغارة هناك ودخل فيها وهو ينظر اليهم ويرى أفعالهم الى أن وصلوا الى تلك الشجرة فلم يجدوه عندها قال عدو الله وقد أمتزج وجهه بالغضب إن إلاهنا لا يكذب وإنما الغريم من غير شك دخل المغارة فلما ان سمعوا ذلك قصدوا الى المغارة فخرج منها وضاقت الدنيا في وجهه هذا وقد نظره بعض رجالهم فتصايحوا ملء رؤوسهم وقالوا ها هو الزبير بن العوام فتسارعوا اليه من كل جانب ومكان وأحتاطوا به كما يحتاط الخاتم بالأصبع فأيقن بالهلاك وقال لا حول ولا قوة إلا بالله
ثم ان رجلاً منهم قصد نحوه وأراد أن يمسكه فضربه بالخنجر في نحره فمات فرجعوا عنه لما أن شاهدوا ما فعل مع الرجل ولكنهم صاروا يرمونه بالأحجار وكلما لحقه رجل منهم قتله حتى قتل منهم عشرة فوارس وبعد ذلك تكاثروا عليه وأخذوه أسيراً وفي الحال أوثقوه كتافاً وجعلوا يضربونه الى أن وصلوا به الى خيمة وقيدوه بثلاثة قيود وثلاثة سلاسل وأمرهم عدو الله أن لا يغفلوا عنه ولا يهجعوا عن عذابه ورجع بعد ذلك الى مكانه وزال عنه كربه واعتقد في ربه وشكره وسجد له.
هذا ما كان منه وأما ما كان من الزبير بن العوام فإنه لما نظر الى ما حل به من العذاب والعقاب ( أيقن بشرب كاس الوبال فسلم أمره للواحد المتعال وأنشد وقال :
أيا عين قد خاب الرجا فتهلهلي == وجودي بدمع منك يجري كما الدر
ويا ربي أنقذني بحق محمد == فإني قد أصبحت في شدة الأسر
وما ضرني إلا رموني بشرهم == ولا سمعوا مني مقالي ولاعذري
عسى ياإلهي أن أفوز برحمة == وأنجو من انذال طائفة الكفر
سألتك يا رحمن ياسامع الدعا == تغير أحوالي الى أيسر اليسر
وصل على طه الحبيب محمد == وشفعه فينا رب في موقف الحشر
( قال الراوي ) فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح جلس الملعون على سرير مملكته وراق مجلسه وتكامل جيشه وجنده فأمر بإحضار الزبير بين يديه فأحضروه أمامه فقال له :
فأمر بإحضار الزبير بين يديه فأحضروه أمامه فقال له من أنت وما سبب قدومك الى بلادنا وما الذي جئت بسببه فأخبرني بالصحيح قبل أن أكسر منك كل عضو صحيح فقال له أعلم أيها الملك أن مجيئي الى بلادك هو أن إمراة من قومك أتت الى النبي صلى الله عليه وسلم وشكت من ظلمك عليها وجورك أنت وقومك وذلك بسبب اسلامها هي وقومها فظلمتهم وقتلت رجالهم ونهبت أموالهم وسبيت حريمهم فنظم ذلك الامر على ابن عمى محمد فارسلني اليك فاصحاً وإني أقول لك ان الذي أنت فيه ضلال وزور ومحال فاترك عبادة الأصنام واتبع عبادة الملك العلام الذي خلقك وسواك وكلم موسى ونجاه واصطفى محمد وجعله خير الأنبياء وعرج به السماء ليلة الاسراء فهو خير خلق الله بالاتقان وأجل المرسلين على الاطلاق وقد نصحتك أيها الملك المغرور فأبطل عبادة النفاق وتبرأ من أهل الكفر والشقاق وأعبد الملك الخلاق ثم أنشد يقول :
هو السميع البصير الخالق الباري == وهو العظيم الذي يمفو عن أوزاري
هو الذي رفع السمـــاء بلا عمـــد == أرسى الجبال على الأرض بإقدار
سبحـــانه واحــــد ليس له مثـــــل == ولا له ولــــد أيضـــاً بلا جـــــار
آمن به أيهــــا المغـــرور مبتهجــاً == وأعيـــده حقاً فتنجــــو من النار
فلما سمع عدو الله ذلك الكلام أطرق برأسه الى الأرض ساعة زمانية ثم رفع رأسه وقال كل ما ذكرته عن محمد وعن مدحك في ربك فأنا مالي به شيء وكل كلامك لم يدخل في اذني اما كفى محمد فقره وجوعه وفانته بقتل الرجال وينهب الأموال ويشن الغارات على بلاد العرب وبعد ذلك يأمرني بالرجوع عن ديني والدخول في دينه وينهاني عن عبادة الرب فراش وأنت قد رميت نفسك وأهرقت دمك بفعلك السوء ولا بد لي أن أعذبك عذاباً شديداً حتى يأتي الذي أرسلك ويخلصك مني ثم أمر العبيد أن ينزعوا ما كان عليه من الثياب ويضربوه ففعلوا وهو يقول ياغياث المستغيثين ويا أرحم الراحمين ويلك ياعدو الله ورسوله أتضرب جسداً يقاتل عن دين الاسلام ويجاهد أمثالك الكفرة اللئام ويدعوك الى عبادة الملك العلام وينهاك عن عبادة الأصنام فلما سمع عدو الله هذا الكلام غضب غضباً شديداً وأمر أن يذبحوا ناقته ففعلوا وسلخوا جلدها وألبسوه إياه وأوقفوه في الشمس فيبس الجلد عليه وهو يستغيث فلا يغاث هذا ما كان منه وأما ما كان من أمر الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فإنه جد في السير في أثر الزبير ابن العوام فبينما هو سائر وإذا بالصباح قد علا وقائل من أعلى جبل أبي قيس ينادي بصوت عال مزعج وهو يقول يا معشر أبطال مكة وسلالتها أعلموا أن علي بن أبي طالب قد انفرد بنفسه وهو الآن سائر في البرية فالحقوه وخذوا منه بالثأر واكشفوا عن أنفسكم العار وكان هذا الصباح من أبليس أبو مرة لعنه الله وأضره فلما سمع القوم الصياح هاجت الرجال والأبطال من الكفرة وأهل الضلال الى أن امتلأت الأرض فعند ذلك أقبل عليهم ابو سفيان وقال اما تعلمون من الذي صاح فيكم فقالوا له لانعلم بشيء من هذا فقال لهم هذا رسول الهبل الأعلى قد صاح فيكم ويأمركم أن تنصروه على عدوه وكل منكم له على ابن أبي طالب ثأر فخلوا عنكم الكسل والتقصير وأعزموا على الجد والتشمير واركبوا الآن اليه وانطبقوا عليه فلا بد أن تغلبوه فعند ذلك قام عبد اللات والعزى وقال لهم اريحوا أنفسكم فلما احد يسير اليه غيري وقام معه ابو سفيان وصارم ولم يكن يومئذ أفرس من هؤلاء الثلاثة فقال لهم أبو سفيان يا أبطال مكة ان هذا غنيمة لكم فا كمنوا بنا في هذا الطريق الى أن يأتي الينا فنقتله وقد اتفق رأيهم على مثل ذلك وجدوا في السير الى أن كمنوا في الطريق هذا ما كان من أمر هؤلاء وأما ما كان من أمر العباس فإنه قد بلغه ذلك الخبر فخاف على ولد أخيه أن يغدروه على غفلة فنادى عبده زيدا وقال له ان هؤلاء الثلاثة لا بد إنهم سائرون الى ابن أخي علي رضي الله عنه وإنهم شياطين العرب وإني أخاف عليه منهم ان يقتلوه فقم الآن واركب حصاني الأدهم وأسبقهم والتق به وقل له يأخذ حذره منهم وانت حرّ لوجه الله تعالى فقال العبد حباً وكرامة ثم ركب جواد سيده وجدّ في السير حتى أشرف على واد صعب المسالك كثير السباع فتعب من المسير فعرج عن الطريق وربط الحصان في رجله ونام فتذكر قول العباس رضي الله عنه فخاف على نفسه أن يمر به الفرسان وهو نائم فيغدروه ويلحقوا الإمام قبل وصوله اليه فربما أن يحصل له منهم أذى ويكون ذلك بسبب تهاونه في المشي ثم أنشد يقول :
أسير بدربي والجواد يطيعني == أجوب الفيافي والقفار بصارمي
أروم علياً ابن عــم محمــــــد == احذره افعال أهـــــل الجــــرائم
فقد ســار عبد اللات ثم مقاتل == كذلك ابو سفيـــان شر العــوالم
وكان العبد يحدث نفسه بهذه الأبيات والإمام سامع كلامه لأنه كان قد نزل بذلك الوادي وعرف صوت العبد فأجابه على عروض شعره .
أيا عبد لا تخشى علي من العدا == انا فالق الهامات جهراً بصارمي
ولا تحسبن الله عني غافــــــلا == وإن نمت فالرحمـــن ليس بنائــم
( قال الراوي ) فلما سمع العبد كلام الإمام وثب قائماً على الاقدام وسل سيفه وهجم عليه وهو يقول له من أنت أيها الفارس الهمام والبطل الضرغام السائر في جنح الظلام فقال له الإمام انا علي بن أبي طالب فلما سمع العبد ذلك تقدم إليه وتمثل بين يديه وأثنى عليه فقال له الإمام من أنت فقال انا عبد عمك العباس أرسلني اليك شفقة منه عليك وإني احذرك من الثلاث فوارس القادمين وهم من
فقال له الامام من انت فقال أنا عبد عمك العباس أرسلني اليك شفقة منه عليك وإني احذرك من الثلاث فوارس القادمين وهم من سفهاء مكة فشكره الامام وقال له يا زيد اجلس بنا ههنا فجلسوا لأجل أن يتحدثوا فما استقر بهم الجلوس حتى سمعوا حس حوافر الخيل وهي مقبلة نحو تلك الارض التي هم فيها فقال الامام يا زيد هذا حس حوافر الخيل الذين ذكرتهم وقد سمعتهم يتحدثون بشأني وعبد اللات والعزى يقول لهم أعلموا أن الامام قريب وأن قلبي يحدثني أنه في ذلك الوادي وسوف ترون ما ذكرت لكم وكأنكم به وقد خرج عليكم من ظل هذه الأشجار وان مقاتل لما سمع من اللات ذلك الكلام قال له خابت منك الآمال وسقيت كأس الوبال يا قرنان ولكن عرجوا بتا عن الطريق وانزلوا بنا في هذا الوادي لنأخذ لنا راحة ونريح خيولنا وننام في أول الليل وننظر بعد ذلك ما يحصل من كلام عبد اللات وندبر على قدر ما نعرف فقالوا هذا هو الصواب والأمر الذي لا يعاب فعرجوا عن الطريق الى ان أقبلوا الى صخرة هناك ونزلوا من على خيولهم وتركوها ترعى ثم انهم أخرجوا مأكولاً كان معهم وجلسوا على الطعام فقال الامام يا زيد اجلس ههنا وانظر ما أفعل بهم ولا بد لي من اهلاكهم ببركة سيد الاولين والآخرين ثم ان الامام نزع ما كان عليه من الثياب وأخذ سيفه بيده وأسرع نحوهم فلما نظروا اليه أوقع الله الرعب في قلوبهم وظنوا أنه غول أتى اليهم ثم ان الامام صار يأخذ الحصا ويرميهم به ويعفرهم بالرمال فقال عبد اللات قوموا الى هذا الغول وقطعوه بالسيوف لأنه قد اشغلنا عن الزاد فقال صارم انا أقوم اليه وفي الحال نهض قائماً وسار اليه فزاد رعبه وطار عقله وارتعدت فرائصه وتأخر الى الوراء وولى هارباً الى قومه وقال لهم ياقوم تعلمون اني ما خرجت معكم من مكة لقتال السباع والغيلان بل خرجت طالباً الامام علي فقالوا له اجلس مكانك فها نحن نمضي اليه ونريحك من شره ثم نهض ابو سفيان الى ان أقبل على الامام وقد امتشق سيفه بيده ورفعها حتى بان سواد إبطه وأراد ان يضرب الامام فعندها وثب الامام وثبة الأسد الهمام وقبض عليه من منكبيه ورفعه بكلتا يديه حتى ظن انه لحق بالسماء من سرعة ما خطفه وجلد به الأرض فرض عظامه بعضها عن بعض وتكسرت أظلاعه وانقطع نخاعه ومات في الحال .
هذا ما كان من أمر الامام علي وخصمه وأما ما كان من امر عبد اللات فانه التفت الى صارم وقال أتدري ما فعل الغول بصاحبك ؟ فقال لا , فقال لقد قتله وان لم تأتني برأس هذا الغول وإلا قتلتك ثم صاح فيه صيحة عظيمة فقام مرغماً وقد عرف انه طريد الاثنين . وسار الى ان أقبل على الامام فما تحرك الامام من مكانه بل صبر عليه حتى قرب منه وأراد ان يجذب سيفه وإذا به قبض على مراق بطنه ورضه على قائم زنده فصار على يده اضعف من النملة فتحقق الأمر عنده أن هذا الليث الغالب علي بن ابي طالب فصرخ صرخةً عظيمةً وقال لا تقتلني فإني اشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فلما سمع الامام شهادته اطلق سبيله وقد عرف أنه أسلم إسلاماً صادقاً ثم رجع صارم إلى عبد اللات وهو ساكت فقال له عبد اللات أين رأس الغول ياصارم فإني اراك قد رجعت عنه وهو سالم فقال له اعلم اني رأيته اقوى مني عزماً واشد مني بأساً فخضت بين يديه وذكرت له حسبي ونسبي واهلي وعربي فعفى عني وتركني وإن الرأي عندي ان تذهب اليه انت الآخر وتسأله العفوعنا وإنه يخلي سبيلنا ويكون لنا عوناً على الامام علي ونقتله لأنه قتل رجالنا وأباد أبطالنا ونهب أموالنا وسى حريمنا فلما سمع عبد اللات ذلك الكلام دبت النخوة في رأسه وسار قاصداً نحو الغول حتى بقي بينه وبين الامام قدر ميل فصرخ عليه الامام صرخة عظيمة أرعبه بها وأزعجه ووقع مغشياً عليه في الأرض وصار كالميت من صرخة الامام فعندها قام اليه ورفعه على زنده وصبر عليه حتى آفاق من غشوته وهو لا يدري في أي مكان هو فناداه الامام علي وقال له ويلك جئت تقتل الغيلان فوقعت في اشراكهم ويلك يا عدو الله أما تعرفني أما تعلم إني أنا غريمك وقاتل أهلك وناهب حريمك أما تعلم إني انا الليث الغالب والأسد الضارب علي بن أبي طالب فلا تخف وطمن قلبك فإني قاتلك لا محالة فلما سمع الملعون من الامام ذلك الكلام أراد أن يخلّص نفسه منه في حيلة ثم يقتله وإذا بالامام قبض عليه من ساقيه وجعل رأسه الى اسفل ورجليه الى أعلا ورماه الى اسفل الجبل فصار منه كل عضو على ناحية وما بقي منه باقية ثم ان الامام علي رجع إلى زيد عبد العباس وقال له أرجع يا زيد إلى عمي العباس وأقرئه مني السلام وأعلمه عن كل ما جرى ورأيته بالعيان فأجابه بالسمع واطاعة ثم التفت الامام الى صارم وقال له ارجع الى مكة مع زيد فودعا الامام وسارا وهما متعجبان من فعله بالفرسان الى ان وصلا الى الديار وقد انضحت الأخبار هذا ما كان من امر هؤلاء وأما ما كان من أمر الامام فإنه استراح بقية يومه وليلته وسار طالباً وادي الزهر .
قال ابن عباس رضي الله عنه إن جبريل هبط على النبي عليه السلام وأعلمه بأمر الزبير بن العوام وبالثلاثة الذين خرجوا على الامام من ارض مكة وأعلمه أيضاً بعبد العباس وهو زيد ثم عرج الى السماء وقد امر النبي عليه السلام بلال بن حمامة أن ينادي ويجمع الناس فأجاب بلال إلى ذلك ونادى وكان له صوت رخيم يشفى كل مريض وسقيم وقال في ندائه يا معشر المسلمين وعباد رب العالمين إن الرسول يدعوكم اليه ويطلب منكم الحضور بين يديه لأجل سؤال قد بدا اليه فأمتلأ المسجد بالمسلمين فنهض النبي عليه السلام وصعد المنبر فبدأ بالحمد أولا والصلاة عليه ثانياً وشكر الله وأثنى عليه ثم قال يا معشر المسلمين اعلموا أن أخاكم الزبير بن العوام مأسور عند الأعداء في قيود الردي وإني أرسلت اليه الامام علياً بأمر العظيم العلي وقد جرى له مع أعداء الله في الطريق ما هو كذا وأنتم الآن حاضرون ولهذا الأمر مستمعون فماذا أنتم قائلون ( قال الراوي ) :
( قال الراوي ) فقام اليه سعيد بن عمار وقال هل تأذن لي أن اتكلم بشيء من المقال فاذن له النبي صلى الله عليه وسلم في المقال فقال يا رسول الله أرسل إذا شئت الفضل بن العباس بألف فارس من فرسان المسلمين وابطال الموحدين في اثر الامام علي رضي الله عنه فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم من سعيد ذلك قال له نعم الرأي يا سعيد ثم ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر الفضل بن العباس أن يسير ويأخذ معه ألفاً من الناس فأمتثلوا أمره وساروا مع الفضل وهم فرحون بذلك الأمر وطلبوا اليه الأذن لهم وقال أخرجوا على اثر ابن عمي علي ثم قال : على بعمرو بن أمية الضمري فأجابه بالتلبية في عاجل الحال فقال : انت وعبدالله بن أنس الجهني تخرجان أمام القوم وتسبقان القوم الى ابن عمي علي بن أبي طالب وأقرئاه مني السلام وجاهدا معه في سبيل الله حق الجهاد فأجاباه بالسمع والطاعة وخرجا من عنده وهما مثل الهبوب أو الماء إذا تدفق من ضيق الأنبوب فلم يكن آخر النهار حتى أدركا الفارس الكرار فلما نظرهما الامام قال ما الخبر فقالا له ان النبي صلى الله عليه وسلم أرسلنا اليك وهو يقرئك السلام ويثني عليه بالا كرام وان جبريل عليه السلام أخبره بما صار من الأحكام وبخبر الزبير بن العوام وانه مأسور في يد اللئام وقد وقع له شيء من الآلام واعلمه بما جرى من عبد اللات وجماعته وخروجهم من مكة واسلام صارم وموت رفقته وان النبي عليه السلام ارسل لك الفضل بن العباس في ألف فارس من فرسان المسلمين وأبطال الموحدين وهم بنا لاحقون فلما سمع الامام منهم ذلك الكلام شكرهم على ذلك الاهتمام وأكثر من الصلاة على سيد الأنام ثم قال لهم ان شاء الملك العلام نرحل غداً من هنا الى مرج أفيح ومحل ابرك فقالوا له شأنك وما تريد فها نحن لك عبيد ثم ان الامام جلس يتحدث معهم الى ان ارتحل الظلام ولاح نور الفجر بالابتسام ركب الامام علي كرم الله وجهه وسار بهما الى ان تضاحى النهار وقرب الزوال وحمي الهجير وإذا بهم أشرفوا على مرج افيح كثير المياه وحوله بساتين وأشجار وغصون وأنهار وأطيار فنزل الامام علي كرم الله وجهه على العين وأستراح مع رفيقيه ( قال الراوي ) ولما اصبح ركب الامام وتأمل ذات اليمين وذات الشمال فوجد طريقين فقال له عمرو إن هذا الطريق ينتهي الى بلاد رأس الغول وهي أوائل بلاد اليمن لكنها صعبة المسالك كثيرة الجبال والتلال قليلة المياه والغدران فبينما الامام علي مع عمرو في الكلام وإذا بغبار ثار وغلا وسد الأقطار وانعقد الجو من الغبرة كالدخان فقال الامام اجلسا مكانكما حتى أكشف لكما هذا الغبار فرأى فارساً طويلاً على جواد أدهم عال ململم وعليه ثياب حمر وفي وسطه منطقة مرصعة بالدر متقلد بسيف صقيل وفي يده رمح طويل وله سنان يلوح منه الموت لكل انسان ومعه عبد اسود راكب على جواد اجرد وفي يده كبش مذبوح ويقود بعيراً احمر وعلى ظهر ذلك البعير هودج مكلل بالدر والجوهر فنزل ذلك الفارس عن جواده وأنشد يقول :
هبوب الريح ينشقه حصاني == وكأس الموت يسقى من سناني
وذكري شائع في كل أرض == على ضرب المثالث والمثاني
أجوز مواضعاً لو جاز فيها == سليمان لهاب من المكــــــــان
وكل الناس تخشى من هجومي == ويخشوا سطوتي ويخافوا شأني
فلما فرع من انشاده اناخ بعيره بعد ان نزل عن جواده ورمى الكبش الى الأرض وعمد الى شجرة عالية وجذبها فاقتلعها بأصولها وجذورها ورماها الى الأرض وأمر العبد أن يكسرها فقال له العبد السمع والطاعة ونهض الى حجر كبير لا يقدر عليه إلا عشرة رجال ومسك الشجرة بيده اليسر والحجر باليمنى وجعل يضربها حتى تكسرت كل هذا والامام علي ينظر ويرى ثم ان العبد سلخ الكبش وأضرم النار وطرحه عليها وصار يقلبه حتى استوى ونادى الى الجارية التي في الهودج فخرجت له فأجلسها على ذلك الحجر الذي كان يكسر به وقدم للفارس الطعام وصار يقطع من اللحم ويرمي الى الجارية وهما يأكلان حتى اكتفيا فلما فرغوا من الأكل قامت الجارية ودخلت الهودج ثم ان العبد أتى له بعد الأكل بزق من الخمر كان معه فمسكه الفارس وكرعه قال عمرو فسمعنا له دوياً كدوي السيل اذا انحدر من رؤوس الجبال وهو نازل في جوف الفارس مثل الناعورة فجئنا على صوت ذلك الدوي حتى انتهينا الى الامام وجعلنا ننظر اليهم ونتفرج عليهم ثم ان الفارس لما شرب الخمر اخرج سيفاً صقيلاً وقال للعبد خذ هذا السيف وائتني بخبر هؤلاء فقال العبد السمع والطاعة ثم ان العبد اخذ السيف وأتى الينا وقال من أنتم ومن أي القبائل وإلى اين تريدون أن تمضوا فقال له عمرو بن امية الضمري نحن النجوم الطوالع والسيوف القواطع نحن من اصحاب فخر الايمان محمد سيد ولد عدنان ( قال الراوي ) فبينما ذلك العبد مع عمرو في الكلام وإذا بغبار قد علا وسد الأقطار وانكشف الغبار وبان عن الجيوش
( قال الراوي ) فبينما ذلك العبد مع عمرو في الكلام وإذا بغبار قد علا وسد الأقطار وانكشف الغبار وبان عن الجيوش المحمدية العازمين على الحرب بكل نية اصحاب العزائم القوية والسيوف المشرفية وفي اوائل ذلك الجيش الفضل ابن العباس وهم ينادون بالتهليل والتكبير والصلاة والسلام على البشير النذير فلما نظر العبد الى تلك الاحوال وسمع تلك الضجة والابتهال رجع في الحال وأخبر سيده بتلك الأمور والأحوال وقال له هذا جيش المسلمين وعساكر الموحدين وأتباع سيد الأولين والأخرين فلما سمع ذلك الجبار بذكر النبي المختار شخر وكفر وعبد الشمس والقمر وصاح في عبده ويلك يا عبد السوء تأتي بغير فائدة ولكن اذهب الآن واتني برؤوس عساكر المسلمين وأرني فعلك وعزمك إئت برؤوس الجميع ولا تبق لا رفيع ولا وضيع وإن لم تفعل ذلك أسقيتك كاس المهالك فعندها قال له العبد السمع والطاعة ثم سار الى أن قرب من عساكر المسلمين وطلب البراز وسأل الانجاز وقال دونكم والقتال فبرز له فارس يقال له عنان بن زيد وانطبق عليه طبقة جبار عنيد واخفقا في الطراد والابعاد وإذا بالعبد ضرب الفارس بالحسام فجاء على يده اليمنى ابراها كما يبري الكاتب القلم ثم ان العبد طلب البراز وسأل الانجاز فبرز اليه فارس يقال له نوفل وانطبق الاثنان كأنهما جبلان وافترقا كأنهما بحران متلاطمان وأخذا في الكر والفر والضرب والطعن الى أن تحكمت الشمس في الزوال وعلا عليهما الغبار والمسلمون يقولون صاحبنا هو الغالب وإذا بجواد خرج من قلب المعمعه وهو خال من راكبه فتأمله المسلمون وإذا به جواد صاحبهم نوفل فأرادوا الهجوم على هذا العبد الميشوم وإذا به خارج من المعمعه وعلى يده نوفل أسيراً وسار به الى أن أوصله الى سيده وقال له حذ هذا عندك في قيود الذل والتعتير فقال ويلك ياعبد السوء انا ما اعرف الأس ثم انه نهض من مكانه وقبض على ذلك الأسير قبضة جبار عنيد فكسر اضلاعه في جوفه ثم انه صاح في عبده ارجع اليهم وأهلك شجعانهم وأفي اقرانهم ولا تأسر احداً فعاد العبد اليهم وطلب البراز بعد ان توسط الميدان فبرز اليه سعيد بن عامر فاستقبله العبد بضربة بحسامه اطاح رأسه قدامه وطلب البراز وسأل الانجاز وصار كل من نزل اليه من المسلمين اطاح به الى ان قتل من المسلمين عشرة فرسان ثم طلب النزال والطعان فتأخرت عنه الشجعان وهابته الأقران فلما عاين العبد ذلك من الاسلام تمايل عجباً واوسع في الميدان دلالاً وطرباً وأعجبته نفسه وقال لهم ان لم تبرزوا لي الآن وإلا اهجم عليكم في الخيام وانزل بكم الهوان وآخذ رؤوسكم بحد الحسام.
( قال الراوي ) بينما كان العبد يتكلم بهذا الهذيان برز اليه بطل من الشجعان يقال له النعمان وكان فارساً شديداً وبطلاً صنديداً وفي الحرب معروف وبالشجاعة موصوف وقد انطبق النعمان على هذا العبد في الميدان وقال له ليس مثلي يقاتل مثلك ولم يكن لك قمة وأنا لا اشتهي اخضب بدمك حسامي فأذهب وارسل سيدك وأرح نفسك فقال له العبد لا تطل كلامك إذا لم تحم نفسك في هذا المقام ضربتك بالحسام فسبقه النعمان وضربه بحد حسامه اطاح رأسه قدامه فوقع الى الأرض صريعاً يمج علقماً ونجيعاً وعجل الله بروحه الى النار وبئس القرار قال فلما نظر الفارس الى عبده وهو قتيل صعب عليه وكبر لديه وركب على جواده وحمل على النعمان وقال له يا زير العرب والجلة والحطب تقتل عبدي وتحرق كبدي ولكن ابشر بالهلاك وسوء الارتباك ثم هجم عليه ومد يده اليه من غير حربة ولا سيف ومسكه بيده الواحدة واقتلعه من على سرجه ورفعه على زنده حتى بان سواد ابطه ثم انه حذفه على قومه وجنده فوقع على عبدالله ابن النعيم فماتا بعد ان نطقا بالشهادتين فلما نظر المسلمون الى هذه الفعال زاد بهم البلبال وخافوا من هذا الفارس الريبال هذا وقد عاين الملعون ذلك فهجم يريد أن يحل بهم المهالك فأنهزموا من بين يديه فلما نظر ذلك الفضل بن العباس قال للامام علي يا أمير المؤمنين ابرز لهذا الفارس وأقتله وان لم تفعل ذلك اورث بالمسلمين كأس المهالك فأجابه الامام الى طلبه وحمل على عدو الله حملة الأسد الهجام فلما نظر الفارس الى الامام قال له من انت الذي دنا اجله وآن مرتحله فقال له الامام دونك والقتال والحرب والنزال وان كنت لم تعرفني انا اعرفك بنفسي انا الليث الغالب علي بن أبي طالب ثم حملا على بعضهما والتحما وأفترقا وتجاولا وتحاربا وتقاتلا قتالاً شديداً الى وقت الزوال أحس الفارس من جواده بالتقصير فقال يا ابن أبي طالب أمهلني ساعة زمنية حتى أغير حصاني وإلا اشرب كأس المنية فأجابه الامام الى ما طلب وقال له شأنك وما نريد فرجع الفارس وهو متعجب من الامام ومن ذلك الاهتمام وغير جواده وعاد الى الميدان وصال وجال وقد زال همه ونادى بأعلى صوته ان كنت انت ابن أبي طالب فأنا صاحب العجائب والغرائب انا خائض الاهوال وقاتل الرجال أنا مبيد الأبطال وصاحب الوقائع المشهورة والقواطع المذكورة فلما سمع منه ذلك
ونادى باعلى صوته ان كنت ابن ابي طالب فأنا صاحب العجائب والغرائب انا خائض الأهوال وقاتل الرجال أنا مبيد الأبطال وصاحب الوقائع المشهورة والقواطع المذكورة فلما سمع منه ذلك الكلام قال له انت المادح بنفسك المتكبر على ابناء جنسك فمن تكون وما اسمك بين عربك فقال له أنا زهير العامري المعروف بين الفرسان في حومة الميدان أنا قاتل الشجعان فلما سمع الامام منه ذلك الكلام انطلق عليه وصرخ عليه صرخة عظيمة دوت لها الجبال واراد الامام بتلك الصرخة أن يذهل خصمه وقد تأمله بعد الصرخة فرآه ثابتاً قدامه ولا انزعج من صرخته بل قال يا علي على مهلك فإن مثلي لا ينزعج من فعلك ولا ينطلي عليه سحرك فمن انت وما هي صرختك ثم حملا على بعضهما البعض حملات منكرات وصرخا صرخات مكدرات وطال بينهما القتال الى ان عزم النهار على الارتحال وثب اليه الامام وقبض عليه واقتلعه من سرجه ورفعه على زنده فصار كأنه العصفور على يد الباشق ثم ان الامام صاح يا أبا الفضل خذ هذا الاسير اوثقه بالكتاف وقومنه السواعد والاطراف فأخذه المسلمون اسيراً وقادوه ذليلاً حقيراً .
( قال الراوي ) هذا ما كان من أمر هؤلاء وأما ما كان من امر الجارية لما ان نظرت الى الغلام وهو اسير في قيود الذل والتعتير كشفت عن وجها اللثام وارمت نفسها من هودجها واخذت سيفاً كان معها وركبت جواد سيدها وهجمت على الأبطال فقتلت رجلاً وطلبت البراز فلم يبرز لها أحد فحملت على المسلمين وقتلت اربع رجال ونادت يا اصحاب محمد من فيكم يبرز لي في حومة الميدان فاني اريد ان آخذ بالثار واجلي عن نفسي العار واقتل شجعانكم وابيد اقرانكم فلما سمع الامام منها ذلك الكلام عظم عليه وكبر لديه وأراد ان يبرز اليها فعاد الى نفسه وقال هذه امرأة ضعيفة فلا ابرز اليها ثم انه رجع وأمر فارساً بالنزل لها وكان يقال له الصفواني فأمتثل امر الامام وبرز لها واراد ان ينازلها في البراز وإذا بها بادرته بضربة من يدها فوقع الحسام على رأسه فمازال يهوي الى دكة لباسه ونزل اليها ثاني فقتلته بلا تواني وقد عظمت في اعين المسلمين فلما شاهد الامام ذلك خرج الى الميدان وهو على غير خاطر فلما قرب منها وكزها بعقب الرمح ارماها على الارض واراد ان يأمر بأسرها واذا بها تقول ايها الفارس الهمام اطلق سبيلي واعف عني فاني قائلة على يدك اشهد ان لا إله إلا الله وإشهد ان محمد رسول الله وفي الوقت لمعت الانوار على جبينها واستنارت طلعتها فانشدت تقول :
ان الزمان رمـــاني منـــه بالمحن === وذلنـي بفراق الأهل والوطـــــن
وفاض دمعي على الخدين منهملاً === ياليت شعري لذلك البين لم يكن
يا وبح باكية تبكي على بطــــــــل === قد كان يسعفها في سالف الزمن
فاليوم افجعني فيـــــه ابو الحسن === فجد علي (ببلبلي) يا أبا الحسن
وامنن علي به يا سيد العـــــرب === حماك رب الورى من سائر المنحن
اني اصلي على المختار من مضر === أباد بالحق أهل الزيغ والفتن
عليه مني سلام دائمـــــــــــاً ابداً === ماهب ريح الصبا في سائر الزمن
( قال الراوي ) فلما سمع الامام علي من الجارية ذلك الكلام والشعر والنظام نادى يا زهير انظر الى زوجتك فإنها قد اسلمت فأن اسلمت انت الآخر فهي لك وان لم تسلم انت الآن زوّجتها لغيرك وهي طالقة منك الآن لأنها مسلمة واني قد اعلمتك بما فيه الخير والصلاح فلما سمع زهير من الامام ذلك الكلام قال له يا أبا الحسن لآن لان قلبي وهداني ربي وأنا قائل على يديك أشهد أن لا إله الا الله وأشهد أن محمد رسول الله فعند ذلك تقدم الامام وحله من وثاقه وضمه الى صدره وفرح المسلمون فرحاً شديداً ثم ان زهيراً قال سيروا بنا الى ما تريدون فها أنا لكم رفيق في كل امر مضيق فقال الامام علي يا زهير إننا سائرون الى بلاد اليمن قاصدين الى مخارق بن شهاب الملقب برأس الغول وقد امرني بذلك الرسول فلما سمع زهير من الامام هذا الكلام تبسم ضاحكاً وقال والله يا إمام ما مشيت في هذه الاودية الا قاصداً هذا الجبار وهذا كان لسبب عجيب اريد ان اعلمك به وهو ان هذه الجاريه كان لها اخ من خيرة الشباب وكان يركب الخيل ويشن الغارات على المسافرين وكان له ذكر عظيم فسمع بخبره ذلك الملعون فاكمن له في الطريق ما يزيد عن ألف فارس فلما مر عليهم قبضوه والى رأس الغول وجهوه وهو الى الآن في بلاد رأس الغول مأسور وإني يا سيدي لما سمعت بهذا الخبر اخذت جاريتي هذه وعبدي وسرت قاصداً تلك الارض والبلاد بعد ان امرت رجالي بالالتحاق بي ولم ازل سائراً الى ان وصلت الى هذا المكان وجرى ما جرى من الأحكام والحمد لله الذي هدانا للإسلام نعبد الملك الديان فقال له الامام نحن معك الى ما تريد ولا بد ان نخلص لزوجتك أخاها ونهلك اعداك وأعداها ثم انهم بقوا تلك الليلة على مثل هذا الكلام وهم في الذّ عيش وأعظم طعام ولما أصبح الصباح صلى بهم صلاة الافتتاح وامرهم بالسير فساروا ولو كان لهم اجنحة لطاروا ولم يزالوا سائرين مدة اربعة ايام وفي خامس يوم فرغت المياه التي كانت معهم فشكوا من العطش الى الامام فقال الامام يا عمرو ما يقال لهذه الارض المدهشة فقال يا أمير المؤمنين مدهشة معطشة وذلك الوادي واسع الجنبات كثير الاقطار وهو سكن الوحوش فلما سمع الامام من عمرو هل تعرف في ذلك المكان انهاراً وغدراناً فنسقي منها الماء وإلا عدمنا القوى والحياة فقال اعلم ان بهذه الأرض فحيرة ولكن لا أعلم إن كان بها ماء أو ناشفة والآن إن امرتني أسير اليها وآتيك بالخبر فقال له الامام شأنك وما تريد ثم ان عمراً تركهم وسار في طلب الماء ( قال الراوي ) هذا ما كان من أمر هؤلاء أما ما كان من أمر الجيش فأنه جد في المسير إلى أن تضاحى النهار وأتسعت بين أيديهم الأقطار لأنهم وقفوا بأرض موحشة ما فيها حشيش الراعية ولا فيها من الماء ما يبل به الانسان الريق وقد أخذهم القلق وضاع منهم الرأي قال الفضل بن العباس للإمام فماذا تصنع من الرأي فقال نسير كلنا في طريق واحد ونطلب النصر من القادر الماجد فان كان لنا نجاة أدركناه وإن كانت الآجال فرغت قضاياها ثم إنهم ساروا كما أمرهم الامام على طريق واحد وما زالوا سائرين الى أن حكمت الشمس في قبة الفلك وأوهج البر وتحرك ومن شدة الظمأ التجأوا الى بعض الشعاب ونزلوا على الارض وقد قل نشاط الخيل وعدم من الخيالة الجلد والخيل وقد فتح الجميع انوفهم وأفواههم الى الهواء وجعلوا يستنشقون الريح وكل هذا بقضاء الله تعالى وقدره واماؤ منازلهم عنده ولم يزالوا كذلك الى أن جاء وقت العصر وجدوا في المسير على برد الهوى من وقت العصر الى أن طلع الفجر وهم في مشيتهم لأجل أن يخرجوا من تلك البرية التي جاءهم منها كل أذية ولما أصبح الصباح وجدوا البر قد أتسع عليهم فجدّوا في مسيرهم وزادوا في نشاطهم وكان الذي في ظنهم أن ينتهوا الى آخر الوادي هذا وقد حميت عليهم الشمس وزاد الحر وتضاحى النهار وتوقدت الاقطار وزادت على القوم النار وقصرت الخيل من شدة العطش والظمأ وأيقنوا بالهلاك والفناء ولا عاد يلتفت الرفيق الى رفيقه ولا الصديق الى صديقه وقد نزل الجميع من على ظهر خيولهم وارتموا على الارض كالموتى وكل منهم يقول لا حول ولا قوة إلا بالله .
( قال الراوي ) فلما عاين علي رضي الله عنه ذلك رفع رأسه الى السماء وقال اللهم يا من عن خلقه قد احتجب فلا يرى يا من أخرج النبات وللرعى ويا من أخرج من ظلمة الاحشا نسمة تسعى ويا من قهر الجبابرة المتمردين قهراً أسألك بحرمة نبيك المصون وأسمك المكنون الذي فضلت به فواضل التفضيل يا أحكم الحاكمين أختلفت اللغات وظهرت الأسماء وتقابلت الأفعال وتصرفت الأملاك فلك من سمائك ملائكة يسبحون أسألك اللهم بحق حبيبك محمد الذي فضلته على جميع الامم أن ترسل لنا فرجاً من عندك يالله يا الله يا رب العالمين وتنجينا من هذا الضيق وتجعل لنا منه مخرجاً ودليلاً على الطريق الحميد مولانا قد حارت منا الخواطر وأنت أعلم بالسرائر والضمائر أسألك باللوح وما حوى من الأسماء أن ترزقنا من السماء ماء تبرد به أكبادنا من العطش والظمأ فما أتم الامام دعاءه حتى هطلت الأمطار على الارض وعلى الجبال مطراً كأفواه القرب وفي أقل من ساعة سمع للأودية خريراً كخرير النيل وفرح الاسلام بما قد منّ عليهم الملك العلام لكنهم قد التجأوا الى الشعاب خوفاً من الغرق وتعجبوا في هذه القدرة التي لا يقدر عليها إلا الذي خلق الانسان من علق وقد رووا خيولهم وبردوا أكبادهم وقلوبهم وبعد ذلك صفا الجو وصحا وقد كان لهم الماء ذلك اليوم نجاة وفرحاً وأنكشفت الطرقات وسار الماء في تلك الارض ورواها وقد لاح لهم وجه السلام والحمد لله الملك العلام الذي أرسل لهم هذا الغمام وتيقنوا أن لهم النصر من الملك العلام ذي الجلال والاكرام .
( قال الراوي ) هذا ما كان من أمر هؤلاء وأما ما كان من الامام فأنه أقام لأجل راحة الرجال ثلاثة أيام حتى ذهب ما كان قد أعترى الأبطال من العطش والخيال وقد زاد قلق الامام علي على عمرو وقد علم إنه انعاق في طريقه فقال ابن عبدالله ابن انس الجهني فقال له لبيك يا أمير المؤمنين فقال لا شك ان عمر بن أمية انعاق في الطريق من حين أرسلته إنه يكشف لنا خبر الماء فما ظهر له خبر وأريد ان تذهب اليه وتنظر ماذا جرى عليه واحذر من الاعداء وكن في امرك على عجل فقال له السمع والطاعة ثم ان عبدالله انطلق من تلك الساعة واعطى رجليه للريح وسار وسار الامام ينتظر الاثنين طول ذلك اليوم وتلك الليلة فلم يأت منهما احد الى ان طلع الصباح بنوره ولاح وقد تعالت الشمس وتضاحى النهار وإذا بالغبار قد علا وسد الأقطار وانكشف بعد ساعة وبان عن البطلين الشجاعين وهما عمرو بن امية وعبد الله بن انس الجهني فلما تحقق ذلك الامام علي والمسلمون هللوا وكبروا وحمدوا الله على سلامتهما وقاموا لهما على الأقدام واستقبلوهما بالترحيب والاكرام ثم جعل الامام يسألهم عن اخبارهما فتقدم اليه عبد الله بن انس وقال اما انا فقد جرى لي امر عجيب وهو اني يا أمير المؤمنين سرت في ذلك البر والآكام الى أن جاء وقت العصر فبينما أنا سائر وإذا بغبار قد طلع وبان وعلا حتى التحقق بعنان السماء وضربته الرياح فتمزق وكان ذلك عند البئر وارض الغدير الذي كان قاصدها عمرو ابن امية الضمري فتأملت الى ذلك الغبار وإذا هم أبطال وشجعان يزيدون عن الف فارس كرار فرأيتهم قاصدين نحوي فعند ذلك حدثني قلبي أنهم أعداء أهل الايمان وانهم قد قبضوا على عمرو بن امية فأردت أن التجيء الى الغدير أو الى البئر فلم أر بهما ماء ثم اني خفت أن يلحقوني من تعبي فنزعت ما كان علي من الثياب وحفرت حفرة وضمتها فيها وغطيت عليها با لأحجار وغطيت الأحجار بالتراب فبقي ذلك مثل القبر ثم اني أخذت حجراً محرفاً وضربت به رأسي فسال الدم وأيضاً جرحت ساقي فسال الدم على سائر جسدي فتلطخت بالدم وتوشحت بقطعة رداء كنت أدخرها لمثل هذا ثم اني جلست على ذلك القبر وجعلت ابكي وأنوح من كبد عليل مجروح وصرت أحثو التراب على رأسي وأنادي هل من مجير هل من نصير ولم أزل على هذا الكلام الى أن وصل الفرسان وسألوني عن حالي وما الذي جرى علي من الأهوال ومن أي العرب أنا والى أين سائر فقلت لهم مسرعاً في جوابي اعلموا ياقوم أنا رجل من أشراف بني هذيل وكان لي مال جزيل وخدم وعبيد وفي تلك الأيام قل مالي وعسر حالي فخرجت أنا وأخي هذا نقصد قبائل عرب بني رباح نطلب منهم الاحسان فأعطونا خمسة رؤوس وعشرة من الابل فشكرنا هم على فعالهم وسرنا في تلك الآكام الى أن وصلنا الى هذا المكان فبينما نحن سائرون وإذا بالإمام علي قد طلع علينا في جملة من رجاله فأخذوا ما كان معنا وجردونا من ثيابنا فتقدم أخي لهم وقال لهم لا تبغوا علينا ياسادات العرب فها أنتم أهل الجود والارب ونحن رعاياكم فلأي شيء تظلموننا وبأي وجه تتعدوا ببغيكم علينا فلما سمعوا من أخي ذلك الكلام قتلوه وعلى وجه الارض جندلوه وكان أخي هو الأصغر وأنا الأكبر وقد هجموا علي ليقتلوني فاستغثت بهم فما قتلوني وما رجموني بل جرحوني هذه الجروح كما ترى ومضوا عني وتركوني ثم إني يا سادات العرب دفنت أخي هنا وصرت أبكي وأنوح من كبد مجروح وهذه حكايتي يا أمير المؤمنين ارددت في البكاء والانتحاب حتى انهم رحموني وتقدم لي كبيرهم وقال لي يا شيخ طب نفساً وقر عيناً فها نحن نعطيك من المال أكثر ما ذهب منك ونأخذ لك بثأر اخيك ونخلص حقك من أعاديك فسر معنا الآن الى خيامنا فقمت يا أمير المؤمنين وأنا أمشي وأقع على وجهي ودموعي على خدي تجري ولم أزل معهم الى أن وصلنا الى الخيام وإذا أنا بعمرو بن امية في شدة الهوان وهو مربوط في القيود والأغلال فجعلت أرمقه بعيني وإذا بكبارهم التفتوا الي وقالوا لي يا شيخ أما تدري من هذا قلت لا قالوا عمرو بن امية الضمري ساعي ركاب محمد فلما سمعت ذلك تحسرت وزاد كربي وجعلت اضربه بالاحجار ثم أقبلت عليه وقلت وحق اللات والعزى والهبل والكبير الأعلى لابد أن أقطع لك يديك ورجليك وأخرق عينيك وأقطع رأسك وأخمد أنفاسك وآكل لحمك وأشرب دمك يا مقطوع النخاع ياشيخ السوء وما كفاك انت ومحمد هذه الاسحار والحيل والخداع ثم اني يا أمير المؤمنين نظرت عن يميني وإذا أنا برجل من المتوكلين بعمرو وفي يده سوط فجذبت منه السوط وجعلت أضرب به عمرو حتى اوجعته ضرباً ثم إني جعلت اعضه من أذنيه وفي يديه وهو يستجير فلا يجار ثم انهم يا أمير المؤمنين لما عاينوا ذلك مني صدقوني في كل اموري وقالوا لي ياهذا تسلم هذا المكار وتوكل بعذابه في الليل والنهار وخذ منه بالثأر وأجل عن أخيك العار ولا تغفل عنه ولا تهمله لئلا يقتلك بمكره ويعود علينا بشره فقلت السمع والطاعة .
وتسلمت عمراً من المتوكلين به وجعلت اعاقبه ثم انهم قالوا لي غداً نعطيك قيمة ما اخذه منك علي ابن ابي طالب من الخيل والجمال ونزيدك مثلهم ثم امر لي كبيرهم بمائتي دينار في الحال اعطوهم لي وقالوا لي احفظ هذا الشيخ واحرص ان يهرب منك فقلت سمعاً وطاعة ثم اني جعلت اضرب عمراً الى انكاد ان بغشى عليه وصار يستغيث فلا يغاث وأنا لا ارحمه وهم يتعجبون مني ولم ازل على ذلك الى ان انتصف الليل وغلب على القوم المنام فوثبت قائماً على اقدامي وحللت عمراً من وثاقه وقلت له اتبعني يا عمرو فتبعني فخرجنا من الحي الى ظاهر الخيام واسرعنا في الهرب ثم التفتنا ورائنا فرأيناهم قد ركبوا خيولهم وجدوا في طلبنا ونحن مشاة ونحن خيالة فما لحقوا منا غير الغبار فمادوا على انفسهم بالملامة ورجعوا بالخيبة والندامة ولم نزل نجد في سيرنا الى ان وصلنا الى المكان الذي في الطريق فأخذت حوائجي واتينا ثم التفت الامام الى عمرو وقال له اخبرنا عما جرى معك وكيف قبضوا عليك فقال عمرو يا أمير المؤمنين اني لما سرت انظر بئر ماء العيرة ووصلت اليه والى الغدير الذي هناك فلم اجد بهما ماء فأردت ان اعود اليكم وايقنت انكم في انتظاري فبينما انا على تلك الحالة واذا بفارس من صدر البرية قد اقبل علي وقال لي ياشيخ من انت ومن اين اقبلت والى اين تريد وكيف حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم فقلت له وقد ظننت انه من احباب رسول رب العالمين وإمام المتقين اما من خصوص محمد فهو في خير وتمام عافية شاملة وأما سؤالك عني فانا من اصحاب محمد الذي ذكرته انا البطل القوي والريح الجري انا عمرو بن امية الضمري ساعي ركاب النبي واني سائر في طلب الماء وقد أخبرته يا أمير المؤمنين بما كنا فيه من أمر العطش والظمأ ثم اني أنا الآخر سألته وقلت له وأنت من تكون أيها البطل الهمام المحب لسيد الأنام فقال أنا كبير بني غطفان وجميع قومنا من أهل الايمان واني قد سمعت بذكرك يا عمرو وعملت انك ساعي مثل الجمر ولكن أبشر بما يسر خاطرك ويزل همك وضررك وكن واقفاً مكانك حتى تأتيك من عندنا بما تبلي به رمق قومك الى أن تصلوا الى الغدران ثم أنتهى يا أمير المؤمنين الى قومه وقال لهم بأعلى صوته ويلكم يابني عمي انتم تقيمون في الهنا وتتركون احبابكم في شدة العنا وإني اعلمكم ان عمرو بن امية الضمري يفتش على الماء وفي صحبته الامام علي بن ابي طالب وهو الآن خلف الجبل فأدركوه وكنت انا اسمع ذلك النداء فحسبت انهم يدركوني بالماء فبينما انا كذلك وإذا بالخيل من الأربع جهات نحوي تبادرت وعلي اقبلت وانا ثابت مكاني لا أتحرك الى ان وصلوا عندي وقبضوا علي وربطو يدي ورجلي وسحبوني وقالوا لي يا ابن العاهرة أتظن ان احداً لا يقدر على مكركم ودهاكم ها نحن قبضنا عليك ولا بقي لك خلاص من الاغلال وانت الآن اسير وأنا لا أرد لهم جواباً ولا أبدي لهم خطاباً ثم صاروا يضربونني بالسياط وأنا أصيح وهم يسحبوني على وجهي حتى انتهوا بي الى خيامهم واجتمع علي كبارهم وصغارهم وصاروا يضربونني ويضحكون علي وكان اول من تقدم يضربني الذي كان قابلني وقد أتاني بجنزير من الحديد والبسني إياه وله جنازير من ذات اليسار وذات اليمين فوضعوه في عنقي فتأسفت على هذه الحال وقلت لا حول ولا قوة إلا بالله ثم إني اقمت على تلك الحالة المشئومة الى ان خرجوا الى الصيد والقنص وعادوا آخر النهار ومعهم أخي عبد الله وقد فعل ما فعل وما زال يتحيل بكل الحيل حتى خلصني من أيديهم ولكنه يا أمير المؤمنين أوجعني الضرب والعذاب الأليم ولما خلصني وخرجنا من الخيام دروا بنا فسرنا مجدين وهم خلفنا فلم يلحقوا منا أثراً الى ان وصلنا .
قال فلما سمع الامام ذلك الكلام تعجب غاية العجب وقال والله لولا اني اخشى طول الغياب لسرت نحوهم وقتلتهم عن آخرهم ولم ابق منهم بقية وعلى كل حال سأفي قضاء حاجة ابن عمي محمد صلى الله عليه وسلم فلم أتوان عنها ثم امر الامام بالمسير فسرنا يوماً وليلة حتى اشرفنا على جبال العقيق فنزلنا فيها وارحنا انفسنا نهارها وهي ارض ذات اشجار وانهار فبينما نحن مقيمون وإذا بصرخة عظيمة ارتج منها الوادي واظلم منها الجو فدهشنا وفزعنا فقال الامام لا تخافوا ولا تفزعوا وانا اكشف لكم الخبر اظن ان هذه الصرخة من الجن ولكن كونوا على حالكم ثم ان الامام تركهم ومضى الى الجبل وإذا هو بشيخ يتوكا على عصا في يده ولم يزل سائر الى ان وصل الى الامام وقبل يديه وقال اهلاً ومرحباً بالامام أمير المؤمنين لقد أضاءت بنور وجهك بلادنا ثم ان الشيخ يمدح الامام بهذه الأبيات :
أهلاً وسهلاً بالإمام حيدر === صهر النبي الطاهر المطّهر
صاحب القدر العلي الأكبر === قاطع الأعـــدا بحــــد الأبتر
ابن عم المصطفى المظفر === صاحب الحظ الجزيل الأوفر
الف السلام الباهر المكرر === أهديه للمبعوث خير البشر
أرجو به من الكريم الغافر === شفاعة عظمى بيوم المحشر
فلما سمع الامام علي كلامه وحسن نظامه قال من تكون أيها الشيخ من الجان ولمن هذا الصراخ في الوديان فقال له أنا شمروخ بن أرضما وأنا أسألك بحق النبي صلى الله عليه وسلم أن تشرفنا هذه الليلة وتقيم عندنا ليحصل لنا ببركتك الهنا ويبعد عنا بفضلك العنا فقال الامام أيها الشيخ أعلم إني ليس لي مقدرة على ذلك وليس لي إلى الاقامة سبيل لأني سائر في حاجة رسول رب جليل.
فبينما الامام يتحدث مع شمروخ وإذا بالأسمطة قد امتدت وعلى وجه الأرض فرشت والصواني من فوقها وضعت والأواني فوقها امتدت والفواكه قد أقبلت والمياه قد تبردت ورجال من الجن في الخدمة وقفت ثم إن شمروخ قال يا أمير المؤمنينسألتك بالله العظيم والرسول الكريم ان تجبر بخاطري أنت ورجالك جميعهم لأن قصدي أتشرف بكم وتأكلون زادي فنزل الامام علي وحضر كل الرجال واصطفوا وأكلوا حسب الكفاية ثم ارتفعت تلك المائدة وغسلت الايادي وأقاموا ذكر النبي الهادي ...
إنتـظـروا بـقيـت قصـة رأس الغـول الشـهيـر يـتبـع هـذا المـوضـوع بنفـس إسـم الموضـوع وشكـراً ..
منـقـوـوـول منـ منتديـآت قبيـلة خثعم بقـلم الكـآتـب شـهـآب الغـول ..
دمتم بـود
أخواني زوار منتدى خثعم الكرام كما وعدتكم بطرح موضوع قصة راس الغول التاريخيه
وها أنا الآن أطرحها لكم نبذه عن الكتاب وعنوانه ومن هو المؤرخ والمكتبه التي نشرت هذا الكتاب
أسم الكتاب ..........................؟
رأس الغول
المؤرخ القصصي الشهير
......................
الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل وصحبه وسلم وبعد هذا الكتاب المعروف (راس الغول) عن الشيخ ابي الحسن رضي الله عنه ونفضا به .
قال : حدثنا محمد بن اسحاق الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح ذات يوم وأسند ظهره الى المحراب ووجهه كالبدر ليلة تمامه والناس حوله يجتمعون وإذا بغبار قد ثار وعلا وسد الاقطار حتى اسود منه ضوء النهار وانكشف بعد ساعه عن عشرة فوارس كأنهم الليوث العوابس وفي مقدمتهم عجوز قد انحلها السير في البر الاقفر ولم يزالو على ماهم عليه من المسير يقطعون الأرض في طولها وعرضها الى أن وصلوا الى مسجدالنبي صلى الله عليه وسلم فأناخوا مطاياهم وحطوا رحالهم وقد نزلت العجوز وسارت الى النبي صلى الله عليه وسلم وأرادت الدخول وإذا قد بان منها أمر عجيب وهي أربعة ذوائب من الشعر الأجعد والثياب التي عليها ملطخه بالدم الاسود ثم ان العجوز تأملت ذات اليمين وذات اليسار فلم تر أحسن ولا أبهى ولا أجمل من النبي الأواب الناطق بالصواب وقالت هل هو سيدهم ام غيره وهي بين الحذر والخوف تقول هذه الابيات :
اهل المكارم والصفا خير الورى === من ساد في الدنيا بفضل محمد
فأيكم المبعوث من آل هاشم === نبي زكي في الورى خير مرشد
قال فلما فرغت العجوز من شعرها تجاسرت وقالت أيكم النبي العظيم والرسول الكريم فقال لها الصحابة رضي الله عنهم أما تنظرين الى البدر الطالع والنور الساطع من قد علا بالسكينة والوقار من ربه الملك الغفار أما تنظرين الى انوار المصطفى وهي طالعة متصلة الى عنان السماء وقد فضله مولاه على جميع الامم فلما سمعت العجوز من الصحابة ذلك الكلام ازداد يقينها واطمأن قلبها وقد التفت اليه وارادت أن تحقق النظر فيه فما استطاعت فخرت الى الارض مغشياً عليها وقد انكشف منها ن تلك الذوائب المشروحة فيها تقدم فلما عاين النبي صلى الله عليه وسلم بكى وبكت الصحابة لبكائه فلما أفاقت العجوز من غشيتها بكت ثم انشدت تقول :
أيا خير مبعوث الى خير أمة === ويا خير من يلقي غداً في موقف الحشر
ويا صادق الألفاظ يا هادي الورى === ويا أيها المبعوث في محكم الذكر
أجرني أغثني ثم بادر لنصرتي === على من ظلمني فقد بليت بالضر
واقتل ذا الباغي الذي عم شره === على جمع اهل الارض في البر والبحر
وذبح اولادي وافنى عشيرتي === وألبسني حزنا على مدة الدهر
فأنت الذي نرجوك عند الملمة === لتأخذ بثأري قبل ان ينقض عمري
فلما فرغت العجوز من شعرها بكى النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان حاضراً ثم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال يا أمة الله أقلي من بكاك واخبريني عمن دهاك ومن بشره رماك فقالت يارسول الله اني امرأة من بني يرعوب يقال لي الوافرة ابنة الصوام اليرعوبي وكان سيد قومه وعشيرته وأمير قبيلته وكنا يا رسول الله نازلين بجوار جبار عنيد وفارس شديد وبطل صنديد يقال له شهاب الخثعمي وكان له ولد يقال له مخارق ويلقب برأس الغول لكبر رأسه وهو جبار عنيد وقد نزع الله تعالى الرحمة من قلبه وهو وقت الحرب يهرق الدماء ويهلك الأبطال ويبيد الاقيال ويشرب دماء الابطال كشرب الماء الزلال ويهجم غلى الحلائل في قصورها ويعارض الملوك في حصونها وذلك أنه لما تولى بالملك بعد أبيه جار على العباد وزاد في الظلم والفساد وضجت العرب من كثرة فساده وظلمه وقساوة قلبه وسكره فرحل عنه العرب فشن عليهم الغارات وقتلهم وسبى جميع نسائهم وشتت شملهم.
واعلم يا رسول الله انه قد كان ابي ملكاً وكنا نازلين على قدر أربعة فراسخ بعيداً منه فاراد ان يقربه هذا الملعون فابى عنه يا رسول الله فقتله وقد اختاروني للملك بعد أبي واطاعوا أمري وحكمت فيهم كما اريد ومكثنا مدة من الزمان واعلم يا رسول الله أنه كان لي اربعة بنات كأنهن الأقمار فائقات في الحسن والجمال والبهاء والكمال فزوجتهن لأمراء قومي وكانوا أحسن العرب وكانوا يوقروني ويرفعوني بأعظم مكان ويخشون سطوتي لما يعلمون من شدة بأسي وقوة مراسي ففي بعض الأيام وصلت الينا اخبارك ومعجزاتك وماظهر لك من الأنوار وما شاع لك من الآيات القرآنية والاسرار الربانية والمعجزات الباهرة والكرامات فلما تحققت ذلك يارسول الله آمنت بك وبرسالتك مع أني ما نظرتك ثم جمعت قومي وأهلي وعشيرتي وعرفتهم بإسلامي وعرضت عليهم الاسلام فاسلموا وأقمت الاسلام بيننا جهراُ وقد وصل الخبر الى عدو الله رأس الغول فغضب علينا وأرسل رجاله الينا وأمرهم أن يأمرونا بعبادة الاصنام والأوثان ودين الشيطان فلما نزلوا علينا يارسول الله وأعلمونا بذلك الهوان غضبت انا من سماع ذلك الهذيان فاغلظت عليهم الكلام فارسلوا وأعلموا ملكهم رأس الغول بذلك الأمر فلما بلغه الخبر ارسل الينا الجيوش تحت الظلام فقتلوا الرجال وذبحوا الاطفال ونهبوا الاموال فكانت الرجال تنادي وامحمداه والبنات تنادي وافضيحتاه وقد وضعونا في السلاسل والأغلال وساقونا الى عدو الله وأوقفونا بين يديه فلما رآنا زعق علينا زعقة عظيمة اذهل بها كل من كان حاضراً من الأبطال ثم وثب من مكانه وخطف بناتي وازواجهن وذبحهم كما يذبح الغنم وانا انظر بعيني ثم انه سجن باقي الرجال ووكل بهم من يعذبهم اناء الليل واطراف النهار ثم قال لي ويحك من اغراك بهذا الدين الذي دخلت فيه وما أغنى عنك شيئاً فارجعني الى دين أبيك وجدودك وانا اطلق لك باقي رجالك واخلي سبيلك فلما سمعت منه ذلك الكلام صار الضيا في وجهي ظلام لأنه حل في قلبي دين الاسلام وعبادة الملك الديان فقلت الويل لك ولأبيك واجدادك الذين يعبدون الأحجار من دون الملك الجبار أتعيدني الى عبادة الأصنام بعد ان هداني رب الانام واقررت لله بالوحدانية وللنبي عليه الصلاة والسلام بالرسالة فكيف ارجع الى دين لايرضى به إلا كل ناقص عقل وأنني وحق نبينا لا أرجع الى دين الاسلام ولا أحيد عنه فأصنع بي ماشئت فاني صابرة على قضاء ربي ولو قطعتني إربا إربا فلما سمع الملعون مني ذلك الكلام امتزج بالغضب وطغى وتجبر وشخر وشتم الشمس وسب القمر ثم امر باخراج من بقي في السجن فذبحهم كما يذبح الأغنام ثم قال وحق اللات والعزى الهبل الكبير إن لم ترجعي الآن عن دين محمد لأقتلك فلما سمع مني ذلك الكلام اطلق سبيلي بعد ان قطع ذوائبي وعلقها في عنقي وعلق بناتي في عنق بعيري وقال لي سيري الى محمد ابن عبد الله وقولي له يأتي بالفوارس والرجال والابطال وإني قد اتيتك يارسول الله وأخبرتك بما قد جرى ونحن حامدون الله تعالى على ما أصابنا ولا نغفل عن ذكر الله ولا عن ذكرك وانا مستجيرة بك فخذ بثأري واكشف عاري ثم أنشدت تقول :
ألا يا رسول الله يا خير البرايا === ويا حاوي الفضائل والغطايا
ادركني اجرنـــي قبل موتــــي === فما تبقى العــــداة لنا بقـــايا
تفانت اهلنا بالسيف جهــــــراً === واولادي البنات عادو سبايا
وبعد السبي ذبحهن ظلمــــــاً === ولم يخشى وقوعاً في رزايــا
فبادر يا رسول الله نحو حيهم === وحكم فيهمو سيف المنايـــا
عليك صلاة من الباري دوما === ماغرد القمري صبحاً أو مسايا
قال ابن عباس رضي الله عنهما فبكى النبي صلى الله عليه وسلم وبكى المسلمون ثم قال لها طيبي نفساً وقري عيناً وانصرفي الى الغد فأنصرفت العجوز الى حالها ثم قال لأصحابه من يعرف هذا الكافر المعروف برأس الغول فقام اليه عمرو بن أمية الضمري وقال يا رسول الله انا اعرفه واعرف بلاده واعرف واديه فقد كنت قبل الاسلام لا أعرف حلالاً ولا حراماً وكنت اغير على العرب وانهب كل جواد سابق منتخب فرحلت من بلادي الى واد متسع يقال له وادي الزهرية فنظرت الى تلك الربوات المخضرة بجميع الأعشاب والفواكه وهي متسعة الجنبات مملوءة بالرجال وهم كأنهم الأسود الضواري ونظرت الى فوق وجمال واناس لا يعلم عددها إلا الذي خلقها فسألت بعض الرعاة لمن تكون هذه الديار فقالوا إنها للملك المشهور شهاب الخثعمي وله ولد يسمى مخارق الملقب برأس الغول وهم سادات بني خثعم وهم أقوى العرب وأشدهم نخوة وأكثرهم ضيفاً ثم قالوا لي من أنت ومن اين اقبلت والى اين تريد فقلت لهم انا من بعض قبائل العرب قد خانني الدهر والزمان ولم يبق لي ملجأ ولا أمان وقد عزمت على بلاد الملك شهاب الخثعمي
فقالوا لي ادخل اليه لعلك تنال منه ما تريد.
عزمت على بلاد الملك شهاب الخثعمي فقالوا لي ادخل اليه لعلك تنال منه ماتريد
فدخلت على الملك وقلت له أيها الملك العظيم اعلم اني رجل غريب وعابر سبيل ولا وجدت لي ملجأ إلا انت وقد اتيتك متوكلاً عليك فبحق اللات والعزى والهبل الكبير الا على ان تعطيني من خيرك ونعمتك وجودك العطاء الجزيل فلما سمع الملك مني هذا الكلام رحب بي واحسن الي وكان ذلك مني خديعة ومكراً وكان ولده مخارق كبير الرأس شديد البأس تهابه الناس وتخاف منه كل الأجناس وتخشاه لكبر هامته وكثرة شرة وأذيته وعظم مكره وسطوته وهو ظالم لا يرحم صغيراً ولا يوقر كبيراً سفاكاً للدماء وقد سخط عليه رب السماء وكان يقول لأبيه يا أبت انت رجل جبان لاتهابك الفرسان فلا بد لي من قتلك وأريح نفسي منك وكان والده يهابه ويخشاه وكان إذا حضر عنده ارباب دولته يقول لهم يا قوم ماذا تشيرون علي في امر ولدي هذا الذي بغى في امره وتكبر على ابناء جنسه فلو وجدت من يقتله ويريحني منه ويكف عني شره وأنا افيض عليه من خزائن نعمتي ويكون احب الناس إلي وقد ذكروا عنه يا رسول الله انه دخل على ابيه وهجم عليه وأراد قتله فانهزم من بين يديه وأقام مدة لا يخرج وقيل ان ارباب دولته دخلوا عليه وقالوا له ايها الملك اعلم ان ولدك زاد في ظلمه وتكبره وأذاه على الرعية من يوم ما نفاك من السلطنة وأخذها منك غصباً ونحن نريد الآن ان نرحل من بلادك ونلتجىء الى ملك غيرك ونكتفي شر هذا الجبار الذي ازداد في الظلم والفساد ( قال الراوي ) فلما سمع الملك منهم هذا الكلام قال ياقوم إني تحيرت في اموري ولكن قد أمرتكم ان كل من استطاع قتله يقتله وإني أبحت لكم دمه لأنه أبغض الخلق على من دون الناس فبينما هم في الكلام وإذا برأس الغول قد دخل عليهم وقد عرف ماهم فيه من المرام فقال لهم ماحالكم ومن أي شيء متعجبون فقال له والده يا ولدي اما تنتهي من مظالم العباد ان الناس قد استغاثوا من ظلمك وشرك وفسادك وعنادك فان كنت تريد الرغبة في المملكة فهي لك ياولدي وما هي لأحد غيرك ولكن اقل من ظلمك وفسادك وعنادك واستعمل العدل في رعيتك تقاد اليك بالمحبة والوداد واعلم ان الظلم قد اهلك من هو اشد منك قسوة واعظم بأساً فلما سمع مخارق ذلك الكلام من ابيه زعق عليه زعقة أرجف بها من كان حوله من الابطال وقال لقد عرفت ما دار بينك وبين قومك علي سأقتلهم ثم لأقتلنك انت من بعدهم ويلك يا عدو الله اما علمت أن الذي لم تحذوه الناس لم يكبر في أعينهم وقال بعض الشعراء
إذا المرء لم يكرم صديقاً ولم يهن === عدواً ولم يبرز لمن جا يحاربه
فهذا الذي ان عاش لايعتني به === وان مات لا تندب عليه اقاربه
فلما سمع والده منه ذلك الكلام خاف منه خوفاً شديداً وقال يا ولدي هذه النعمة التي انا فيها وهبتها لك فانك ولدي وقطعة من كبدي وثمرة فؤادي ولم يزل يستعطف بخاطره الى ان هدأ روعه وجلس بجانبه ودعى بالطعام واطعم ولده ودعى بالخمر فحظر بين يديه فشرب وصار يسقي ولده الى ان غلب عليه النوم فنام فلما عاين والده منه ذلك قام على الأقدام وأوثقه كتاف وقوى سنه السواعد والأطراف والقاه في سجن ضيق مظلم فلما أفاق من غشوته ووجد نفسه على تلك الحالة صاح بملء رأسه ياأبت انت الذي فعلت بي هذا الفعال والقيتني في الذل والخبال وحق الأصنام ان لم تطلق سبيلي في الحال وإلا قتلت نفسي وشربت كاس الوبال قال فلما سمع منه والده هذا الكلام زاد قلبه قسوة عليه وقال له هيهات ان يكون لك خلاص من هذا الشد والوثاق بل انك تقيم فيه الى ان تموت لأنك اذية على خلق الله ونقمة على عباد الله ثم ان أباه امر جماعة من خواص دولته ان يحتفظوا به ليلاً ونهاراً وامرهم ان يعذبوه بأنواع العذاب فأجابوه الى ماقاله لهم من الخطاب وفعلوا ما أمرهم واسقوا مخارق اليم العذاب ولما ان فرغ النهار ودخل الليل ورأس الغول محبوس اذا برجل دخل عليه وهو كأنه الاسد الضاري فلما ان قرب منه تأمله مخارق واذا به صاحبه مهجعوكان بينه وبين مهجع صداقة ومحبة زائدة لأنه كان يوده ويراعيه فلما ان عرفه رأس الغول قال له يا مهجع اما تنظر ما انا فيه من الوثاق وشدة العذاب والشقاق فهل تجد لي خلاصاً من هذا السجن فقال له وحق رأسك لابد ان أعمل لك حيلة عجيبة ما سبقني اليها احد وبها يكون خلاصك فقال له أسرع وإياك ان تغفل عني فاجابه بالسمع والطاعة ثم ان مهجع تركه وسار الى ان وصل الى ابيه ووقف بين يديه وقال أيها الملك....
عزمت على بلاد الملك شهاب الخثعمي فقالوا لي ادخل اليه لعلك تنال منه ماتريد
فدخلت على الملك وقلت له أيها الملك العظيم اعلم اني رجل غريب وعابر سبيل ولا وجدت لي ملجأ إلا انت وقد اتيتك متوكلاً عليك فبحق اللات والعزى والهبل الكبير الا على ان تعطيني من خيرك ونعمتك وجودك العطاء الجزيل فلما سمع الملك مني هذا الكلام رحب بي واحسن الي وكان ذلك مني خديعة ومكراً وكان ولده مخارق كبير الرأس شديد البأس تهابه الناس وتخاف منه كل الأجناس وتخشاه لكبر هامته وكثرة شرة وأذيته وعظم مكره وسطوته وهو ظالم لا يرحم صغيراً ولا يوقر كبيراً سفاكاً للدماء وقد سخط عليه رب السماء وكان يقول لأبيه يا أبت انت رجل جبان لاتهابك الفرسان فلا بد لي من قتلك وأريح نفسي منك وكان والده يهابه ويخشاه وكان إذا حضر عنده ارباب دولته يقول لهم يا قوم ماذا تشيرون علي في امر ولدي هذا الذي بغى في امره وتكبر على ابناء جنسه فلو وجدت من يقتله ويريحني منه ويكف عني شره وأنا افيض عليه من خزائن نعمتي ويكون احب الناس إلي وقد ذكروا عنه يا رسول الله انه دخل على ابيه وهجم عليه وأراد قتله فانهزم من بين يديه وأقام مدة لا يخرج وقيل ان ارباب دولته دخلوا عليه وقالوا له ايها الملك اعلم ان ولدك زاد في ظلمه وتكبره وأذاه على الرعية من يوم ما نفاك من السلطنة وأخذها منك غصباً ونحن نريد الآن ان نرحل من بلادك ونلتجىء الى ملك غيرك ونكتفي شر هذا الجبار الذي ازداد في الظلم والفساد ( قال الراوي ) فلما سمع الملك منهم هذا الكلام قال ياقوم إني تحيرت في اموري ولكن قد أمرتكم ان كل من استطاع قتله يقتله وإني أبحت لكم دمه لأنه أبغض الخلق على من دون الناس فبينما هم في الكلام وإذا برأس الغول قد دخل عليهم وقد عرف ماهم فيه من المرام فقال لهم ماحالكم ومن أي شيء متعجبون فقال له والده يا ولدي اما تنتهي من مظالم العباد ان الناس قد استغاثوا من ظلمك وشرك وفسادك وعنادك فان كنت تريد الرغبة في المملكة فهي لك ياولدي وما هي لأحد غيرك ولكن اقل من ظلمك وفسادك وعنادك واستعمل العدل في رعيتك تقاد اليك بالمحبة والوداد واعلم ان الظلم قد اهلك من هو اشد منك قسوة واعظم بأساً فلما سمع مخارق ذلك الكلام من ابيه زعق عليه زعقة أرجف بها من كان حوله من الابطال وقال لقد عرفت ما دار بينك وبين قومك علي سأقتلهم ثم لأقتلنك انت من بعدهم ويلك يا عدو الله اما علمت أن الذي لم تحذوه الناس لم يكبر في أعينهم وقال بعض الشعراء
إذا المرء لم يكرم صديقاً ولم يهن === عدواً ولم يبرز لمن جا يحاربه
فهذا الذي ان عاش لايعتني به === وان مات لا تندب عليه اقاربه
فلما سمع والده منه ذلك الكلام خاف منه خوفاً شديداً وقال يا ولدي هذه النعمة التي انا فيها وهبتها لك فانك ولدي وقطعة من كبدي وثمرة فؤادي ولم يزل يستعطف بخاطره الى ان هدأ روعه وجلس بجانبه ودعى بالطعام واطعم ولده ودعى بالخمر فحظر بين يديه فشرب وصار يسقي ولده الى ان غلب عليه النوم فنام فلما عاين والده منه ذلك قام على الأقدام وأوثقه كتاف وقوى سنه السواعد والأطراف والقاه في سجن ضيق مظلم فلما أفاق من غشوته ووجد نفسه على تلك الحالة صاح بملء رأسه ياأبت انت الذي فعلت بي هذا الفعال والقيتني في الذل والخبال وحق الأصنام ان لم تطلق سبيلي في الحال وإلا قتلت نفسي وشربت كاس الوبال قال فلما سمع منه والده هذا الكلام زاد قلبه قسوة عليه وقال له هيهات ان يكون لك خلاص من هذا الشد والوثاق بل انك تقيم فيه الى ان تموت لأنك اذية على خلق الله ونقمة على عباد الله ثم ان أباه امر جماعة من خواص دولته ان يحتفظوا به ليلاً ونهاراً وامرهم ان يعذبوه بأنواع العذاب فأجابوه الى ماقاله لهم من الخطاب وفعلوا ما أمرهم واسقوا مخارق اليم العذاب ولما ان فرغ النهار ودخل الليل ورأس الغول محبوس اذا برجل دخل عليه وهو كأنه الاسد الضاري فلما ان قرب منه تأمله مخارق واذا به صاحبه مهجعوكان بينه وبين مهجع صداقة ومحبة زائدة لأنه كان يوده ويراعيه فلما ان عرفه رأس الغول قال له يا مهجع اما تنظر ما انا فيه من الوثاق وشدة العذاب والشقاق فهل تجد لي خلاصاً من هذا السجن فقال له وحق رأسك لابد ان أعمل لك حيلة عجيبة ما سبقني اليها احد وبها يكون خلاصك فقال له أسرع وإياك ان تغفل عني فاجابه بالسمع والطاعة ثم ان مهجع تركه وسار الى ان وصل الى ابيه ووقف بين يديه وقال أيها الملك....
عزمت على بلاد الملك شهاب الخثعمي فقالوا لي ادخل اليه لعلك تنال منه ماتريد
فدخلت على الملك وقلت له أيها الملك العظيم اعلم اني رجل غريب وعابر سبيل ولا وجدت لي ملجأ إلا انت وقد اتيتك متوكلاً عليك فبحق اللات والعزى والهبل الكبير الا على ان تعطيني من خيرك ونعمتك وجودك العطاء الجزيل فلما سمع الملك مني هذا الكلام رحب بي واحسن الي وكان ذلك مني خديعة ومكراً وكان ولده مخارق كبير الرأس شديد البأس تهابه الناس وتخاف منه كل الأجناس وتخشاه لكبر هامته وكثرة شرة وأذيته وعظم مكره وسطوته وهو ظالم لا يرحم صغيراً ولا يوقر كبيراً سفاكاً للدماء وقد سخط عليه رب السماء وكان يقول لأبيه يا أبت انت رجل جبان لاتهابك الفرسان فلا بد لي من قتلك وأريح نفسي منك وكان والده يهابه ويخشاه وكان إذا حضر عنده ارباب دولته يقول لهم يا قوم ماذا تشيرون علي في امر ولدي هذا الذي بغى في امره وتكبر على ابناء جنسه فلو وجدت من يقتله ويريحني منه ويكف عني شره وأنا افيض عليه من خزائن نعمتي ويكون احب الناس إلي وقد ذكروا عنه يا رسول الله انه دخل على ابيه وهجم عليه وأراد قتله فانهزم من بين يديه وأقام مدة لا يخرج وقيل ان ارباب دولته دخلوا عليه وقالوا له ايها الملك اعلم ان ولدك زاد في ظلمه وتكبره وأذاه على الرعية من يوم ما نفاك من السلطنة وأخذها منك غصباً ونحن نريد الآن ان نرحل من بلادك ونلتجىء الى ملك غيرك ونكتفي شر هذا الجبار الذي ازداد في الظلم والفساد ( قال الراوي ) فلما سمع الملك منهم هذا الكلام قال ياقوم إني تحيرت في اموري ولكن قد أمرتكم ان كل من استطاع قتله يقتله وإني أبحت لكم دمه لأنه أبغض الخلق على من دون الناس فبينما هم في الكلام وإذا برأس الغول قد دخل عليهم وقد عرف ماهم فيه من المرام فقال لهم ماحالكم ومن أي شيء متعجبون فقال له والده يا ولدي اما تنتهي من مظالم العباد ان الناس قد استغاثوا من ظلمك وشرك وفسادك وعنادك فان كنت تريد الرغبة في المملكة فهي لك ياولدي وما هي لأحد غيرك ولكن اقل من ظلمك وفسادك وعنادك واستعمل العدل في رعيتك تقاد اليك بالمحبة والوداد واعلم ان الظلم قد اهلك من هو اشد منك قسوة واعظم بأساً فلما سمع مخارق ذلك الكلام من ابيه زعق عليه زعقة أرجف بها من كان حوله من الابطال وقال لقد عرفت ما دار بينك وبين قومك علي سأقتلهم ثم لأقتلنك انت من بعدهم ويلك يا عدو الله اما علمت أن الذي لم تحذوه الناس لم يكبر في أعينهم وقال بعض الشعراء
إذا المرء لم يكرم صديقاً ولم يهن === عدواً ولم يبرز لمن جا يحاربه
فهذا الذي ان عاش لايعتني به === وان مات لا تندب عليه اقاربه
فلما سمع والده منه ذلك الكلام خاف منه خوفاً شديداً وقال يا ولدي هذه النعمة التي انا فيها وهبتها لك فانك ولدي وقطعة من كبدي وثمرة فؤادي ولم يزل يستعطف بخاطره الى ان هدأ روعه وجلس بجانبه ودعى بالطعام واطعم ولده ودعى بالخمر فحظر بين يديه فشرب وصار يسقي ولده الى ان غلب عليه النوم فنام فلما عاين والده منه ذلك قام على الأقدام وأوثقه كتاف وقوى سنه السواعد والأطراف والقاه في سجن ضيق مظلم فلما أفاق من غشوته ووجد نفسه على تلك الحالة صاح بملء رأسه ياأبت انت الذي فعلت بي هذا الفعال والقيتني في الذل والخبال وحق الأصنام ان لم تطلق سبيلي في الحال وإلا قتلت نفسي وشربت كاس الوبال قال فلما سمع منه والده هذا الكلام زاد قلبه قسوة عليه وقال له هيهات ان يكون لك خلاص من هذا الشد والوثاق بل انك تقيم فيه الى ان تموت لأنك اذية على خلق الله ونقمة على عباد الله ثم ان أباه امر جماعة من خواص دولته ان يحتفظوا به ليلاً ونهاراً وامرهم ان يعذبوه بأنواع العذاب فأجابوه الى ماقاله لهم من الخطاب وفعلوا ما أمرهم واسقوا مخارق اليم العذاب ولما ان فرغ النهار ودخل الليل ورأس الغول محبوس اذا برجل دخل عليه وهو كأنه الاسد الضاري فلما ان قرب منه تأمله مخارق واذا به صاحبه مهجعوكان بينه وبين مهجع صداقة ومحبة زائدة لأنه كان يوده ويراعيه فلما ان عرفه رأس الغول قال له يا مهجع اما تنظر ما انا فيه من الوثاق وشدة العذاب والشقاق فهل تجد لي خلاصاً من هذا السجن فقال له وحق رأسك لابد ان أعمل لك حيلة عجيبة ما سبقني اليها احد وبها يكون خلاصك فقال له أسرع وإياك ان تغفل عني فاجابه بالسمع والطاعة ثم ان مهجع تركه وسار الى ان وصل الى ابيه ووقف بين يديه وقال أيها الملك....
فقال له مخارق اسرع وإياك ان تغفل عني فأجابه بالسمع والطاعة ثم ان مهجع تركه وسار الى ان وصل الى ابيه ووقف بين يديه وقال أيها الملك الهمام والبطل الدرغام لقد أحسنت في قبض ولدك وأرحت الناس من شره وتجبره وكفره وعناده فجزيت خيراً كما ارحت رعيتك وامنت قلوبهم ولكنني الآن خائف من شيء خطر ببالي وهو أنه ربما ان بعض الخدام أو الحفظة ينافقون له ويطلقونه مما هو فيه ويرجون بذلك اليد البيضاء عنده فيهجم عليك في مجلسك ويقتلك وانه لايحفظه غيري فلما سمع شهاب ذلك الكلام قال له يامهجع أنت له كفء فأذهب اليه وأرحنا من شره ومكره فرجع مهجع إلى الموكلين به وأخبرهم بأمر الملك وأنه توكل به من دونهم فقالوا له يامهجع لقد ارحتنا من شره فدونك واياه فتقدم مهجع من رأس الغول ولطمه لطمة جبار مهول وصار يوبخه بغليظ الكلام ويقول له ويلك يامخارق فلقد ظلمت العباد واهلكت الأجناد ولكن قد وقعت في عاقبة ظلمك ومكرك ثم زاد في عذابه الى ان انصرف عنه الحجاب الموكلين به وقد اخبروا سيدهم بما عاينوا من مهجع وتعذيبه مخارق هذا ما كان من أمرهم وأما ماكان من امر مهجع فأنه صبر الى ان دخل الليل ونامت العيون وانبسط القمر على الكون فتقدم الى مخارق وحله من الوثاق واخذه الى محل خال من الناس ثم انه قدمّ له طعاماً وشراباً فأكل وشرب ثم ان مهجع قال له امش الى ابيك وافعل ما تريد فعندها وثب عدو الله وثبة الأسد وأخذ بيده سيفاً ومضى إلى ان وصل الى ابيه فوجده نائماً فوكزه برجله وقال له قم فقد جاء وقتك وآن آوانك فعندها وثب من منامه وهو مرعوب فرآى ولده على رأسه فقال من الذي أطلقك فلم يرد عليه جواباً بل ضربه بالسيف أطاح رأسه وأخمد أنفاسه وجلس على كرسي المملكه من وقته ولم يعلم به أحد من العباد لأن ذلك كله كان في ليلة خلاصه فلما أصبح الصباح دخل الخدام على شهاب فوجدوه قتيلاً ووجدوا رأس الغول جالساً على كرسي المملكه فخافوا منه خوفاً شديداً ثم أنه صاح عليهم صيحة مرعبه وقال لهم أدنوا مني ثم أنه قال لهم أتعرفون من هذا فقالوا له أنت ملكنا وقائد زمام أمرنا كما تريد وتشاء فقال لواحد منهم خذ هذا الكتاب وأمضي به إلى الوزير وقل له إن الملك يدعوك فأجابه بالسمع والطاعه ولم يزل يدعوا سيداً بعد سيد وكل من دعاه أجابه حتى أنه أرسل مائة كتاب وكان كل من وصل اليه كتاب يضن أن الملك شهاب يدعوه ليحضر وينظر ما صنع بولده مخارق هذا ما كان من أمرهم وأما ما كان من أمر الخادم الذي سار إلى الوزير فلم يزل سائراً إلى أن وصل إليه فأعطاه الكتاب وقال له أيها الوزير أجب الملك شهاب فأجاب بالسمع والطاعه وركب ولم يزل سائراً حتى دخل على رأس الغول فرأه جالساً على سرير المملكه وكان الوزير من أكبر أعدائه فوثب إليه رأس الغول والسيف في يمينه مسلول وضربه فقطع رأسه من غير أن يكلمه كلمة واحده ثم ألتفت إلى الخادم وقال له أمض إلى الحاجب الكبير وأتني به ولم يزل الملعون يدعوا واحداً بعد واحد وكل من حضر عنده من رؤوس المملكة يقتله حتى قتل مائة وسبعين سيداً في تلك الليله ولما أصبح الله بالصباح طلع سائر أرباب الدولة إلى الديوان وسائر المماليك والخدام وكل منهم لايعلم بتلك الأحكام ولما تكاملوا في الديوان وجدوا رأس الغول جالساً على سرير ملكه والتاج على رأسه كأنه الأسد الضاري من شدة بأسه وكل من صار بين يديه ونظر اليه لا يقدر يتأخر الى ورائه نصف قدم ولا يقدر ان يتقدم ولايتكلم وتموا على مثل هذا الحال حتى تكامل كل الرجال وهم باهتون اليه بالأبصار فلما طال بهم الأمر التفت اليهم رأس الغول وصاح بهم صيحة عظيمة قائلا ويلكم ما الذي ابهتكم ثم انه كشف لهم عن رأس ابيه وقال لهم اتعرفون من هذا فقالوا له هذا أبوك أيها الملك الهمام فمن الذي فعل به هذه الفعال أخبرنا بتحقيق الحال حتى نأخذ بثأره ونجلي عنه عاره ممن تعدى وقتله فلما سمع رأس الغول من الرجال هذه الاقوال ضحك ضحكاً عالياً وقال لهم أما تعلمون من فعل به هذه الفعال قالوا كلا فقال لهم انا الذي فعلت به هذه الفعال ومن يتكلم منكم بكلمة واحدة الحقته به في الحال اتظنون اني أفعل ذلك مع ابي وأرحم غيره فمن اطاعني منكم أعطيته المال والنوال ومن خالف أمري وعصاني أسقيته كاس الوبال بعد ان اعذبه بأنواع العذاب واجعل لحمه طعاماً للنسور والذئاب فعند ذلك تقدم اليه رجال من خواص الدولة وكان من المعظمين عند ابيه ومن اعز الناس اليه وقد صعب عليه وصارت الدنيا ظلاماً في عينيه وقال له :
فعند ذلك تقدم اليه رجل من خواص الدولة وكان من المعظمين عند أبيه ومن اعز الناس اليه وقد صعب عليه وصارت الدنيا ظلاماً في عينيه وقال له :
والله يا عدو الله لقد بغيت على ابيك وتعديت عليه فهل سمعت يا أخس العباد أن احداً قتل اباه وتعدى على اذاه فبئس ما فعلت وانك والله قد طغيت وتجبرت فوعزة ربي إله إبراهيم ورب زمزم والحطيم لو إني أجد من يعينني على قتلك لقتلتك واخذت منك بثأر ابيك وأسقيتك كاس الهلاك فلما سمع عدو الله رأس الغول من ذلك الرجل هذا الكلام صار الضياء في عينه ظلام ونهض قائماً على الأقدام وقد جرد بيده الحسام وقال للرجل هل يقدر مثلك أن يجاوبني وبمثل هذا يخاطبني ثم ضربه بالسيف على عاتقه أخرجه يلمع من علائفه فلما ان رأى ذلك الحاضرون ارتعدت أبدانهم وتغيرت أحوالهم وألوانهم ثم صاحوا عن بكرة أبيهم أيها البطل الهمام اغمد عنا حسامك واجعلنا تحت زمامك وأمرنا كما تريد فهما نحن لك من جملة العبيد فقال لهم أريد أن تكونوا تحت أمري حتى افرغ عليكم نعمتي وتكتفوا شري فاجبوه لما طلب وخافوا من الموت والعطب ففرق عليهم الأموال وخلع عليهم الخلع الغوالي ووسع عليهم بالعطايا فمالت إليه القلوب وصاروا له مطيعين ولأمره سامعين ثم رغب الرجال بجزيل المال فسمعت به العرب الطماعة وأهل الشرك والرقاعة وقد اجتمع عليه يا رسول الله من أرباب الشاعة وأهل القوة والبراعة مايزيد عن مائتين وخمسين ألف فارس ليوث عوابس وغير ذلك من اللصوص والعيارين ما يزيد عن خمسين ألف فارس ولما نظر عدو الله إلى تلك الجيوش والأمم ظلم وطفى وبغى وتكبر وقتل النفوس وتجبر ثم أمر باحضار الصناع بين يديه فأحضروهم وأوقفوهم بين يديه فقال لهم أريد منكم أن تصنعوا لي صنماً كبيراً من الزبرجد الأخضر وعيناه من الياقوت الأحمر وهو من احسن ما يكون من الصناعات فأجابوه بالسمع والطاعة وصنعوا له ذلك الصنم وقدموه بين يديه فلما أن رآه الملعون خر له ساجداً من دون الله واتخذه له إلاهاً وأمر تلك العربان بأجمعهم أن يسجدوا لهذا الصنم وسماه الرب فراش وقد قرب له قرباناً وصار يسجد له في كل ساعة من الزمان وأزداد في كفره وعناده على قطع الطريق وخان كل صديق وقتل كل محب ورفيق ونهب المسافرين وشن الغارات على العرب فنهب الأموال وقتل الرجال وسار إلى ان وصل الى حصن العنبري وأحاط به من كل جانب ومكان فخرج له ستمائة فارس وكانوا هم أهل الحصن ثم ان الملعون التفت الى جماعته وقال لهم من يعرف منكم صاحب هذا الحصن فقالوا له صاحبه الذي لابس الزرد والدرع الأصفر وعليه عمامه خظراء وبين عينيه ياقوته حمراء فلما عرف صاحب الحصن سل حسامه من غمده وخرج من بين عساكره وجنده وقصد الى خصمه وهو في قلب رجاله وضربه بالسيف فقسمه نصفين فلما ان نظرت الرجال إلى ما حل بكبيرهم عظم ذلك عليهم فحملوا عليه بأجمعهم يريدون أخذ الثأر وجلاء العار فاستقبلهم بالحسام وضرب فيهم ذات اليمين وذات اليسار ولم يزل يضرب فيهم بمفرده حتى أهلكهم عن أخرهم ثم فتح الحصن وعمره برجاله ولم يزل يفتح القلاع والحصون حتى شاع ذكره بين العربان وكانت إقامتي بأرض ذلك الملعون هو أني سمعت أن بعض العربان كان عنده فرس شقراء اللون مليحة الكون بحافر كالدرهم ولم يكن في زمانها أحسن منها وأن بعض أكابر العرب أعطاه بها خرج من الذهب فأبى أن يأخذه في ثمنها فذهب إليه رأس الغول وأخذها منه قهراً بعد أن قتله فلما سمعتُ يارسول الله بخبر هذه الفرس سرت إليه ومكثت عنده تسعة أيام وأنا أريد سرقتها وفي الليلة العاشرة قمت إليها وأستغفلت الحراس وسلبتها من قيودها وملكتها وسرت إلى أن إنفجر الصبح فسمعت حس حوافر الخيل وهم لاحقون بي وقتلت منهم عشرة أبطال وتخلصت منهم وكانوا من حراس هذه الفرس ثم أني أخذت الفرس وأتيت بها إلى واديٍ من بعض الوديان وبعتها فيه وغبت عنها مده وأتيت إليها وسرقتها ولم أزل أبيعها وأسرقها حتى أنني بعتها ثمانين مرة من واحدٍ إلى واحد مدة عشرين سنه من أيام ما فارقت رأس الغول وهو مقيم في بلاد اليمن بوادٍ يقال له وادي الزهر من دونه ستة أوديه وكل وادي فيه بلاد وحصون وقلاع وعدو الله في الوادي السابع لايقدر عليه أحد من الناس وجميع العربان تفزع منه وكل القبائل والعشائر تخشى سطوته وقد إسطنع لصنمه قبةً عظيمه من الزمرد الأخضر وجعل أرضها بالرخام المختلف الالوان وأصطنع فوق تلك القبة هيئة صندل من خشب العنبر وقد زين القبة بما يزيد عن ست مائة قنديل من الذهب والفضة وقد زين تلك القبة بالجواهر وفرشها بأنواع المفروشات وجعل عليها أبطالاً وشجعاناً وعبيداً وصار لايفتحها إلا من الهلال إلى الهلال فإذا أراد الدخول إلى تلك القبة يسرجون له الخدام تلك القناديل بأطيب الأدهان ويزينون له تلك القبة فيدخل إلى أن يأتي الصنم
ويزينون له تلك القبة فيدخل الى أن يأتي الى الصنم ويخر له ساجداً من دون الله وكذلك كل من كان معه يأمرهم بالسجود عن بكرة أبيهم فيسجدون فعندها يتحرك الصنم ويميل على اليسار واليمين وينطق فيه الشيطان اللعين لأجل غرورهم ويكون كلام الشيطان على قدر مايريدون ويفعلون فلما يسمع الملعون كلام الشيطان يرفع رأسه من السجود ويجلس على كرسي مقابل الصنم ويجرد سيفه الصمصام وهو سيف صقيل المتن جوهري الحد لأن ذلك السيف كان لعمرو بن معد يكرب الزبيدي وكان يصول به على الشجعان ويجول به على الأقران ويخوض به في الوقائع ويحارب في كل المعامع وكان طوله عشرين شبراً وعرضه سبعة أشبار وكان عدو الله إذا غضب على أحد من عشائره أمر باحضاره بين يديه ثم يضع ذلك السيف على رأسه من غير أن يضربه فيشق ذلك السيف رأسه ويهوي في جسمه الى أن يصل الى بين فخذيه في اسرع من طرفة عين لأن ذلك السيف ثقيل ويد الملعون خفية وهذا كان عمله إذا غضب على احد من رجاله أو من غيرهم ولما كان يجرد سيفه يصغي لما يقول الصنم فيقول له كل ما كان يجري على اهل تلك القرية وإذا حدث حادث أو طرق طارق أو عبر غريب يخبره به ويعلمه من جوف الصنم عن كل الامور وبذلك كانت أمواله محفوظة ودياره معمورة وله سبعة أولاد كبار كل واحد منهم يعد في الحرب بألف فارس كرار وقد بنى له في الوادي السابع قصراً عالياً مشيد الأركان واسع الفضا والبنيان مفروش بالرخام الملون وجعله منقوشاً بأنواع التحائف والذهب وافضة وقد زاد بعد ذلك في كفره وطغيانه فلا يرجع عن أكل الحرام ولا يمتنع عن عبادة الأصنام والأوثان ( قال الراوي ) فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الكلام أطرق رأسه الشريف الى الأرض وقال وهو مطرق كلمة لا يخجل قائلها لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أدفع بها ما أطيق وما لا أطيق ثم قال لأصحابه ما عندكم من الرأي يرحمني الله وإياكم فقالوا له نحن يا رسول الله لك طائعون ولأمرك مجيبون فائمرنا بكل ماتريد من الامور فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الى غداة غداً يكون مايره الله تعالى فلما أصبح الصبح وأضاء الكون بنوره ولاح أمرهم بالخروج الى ظاهر المدينة فخرجوا كما أمرهم وهو معهم يهللون ويكبرون فتجاوبهم الجبال والرمال والأشجار ولم يزالوا سائرين الى ظاهر المدينة فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وأشار لهم بالجلوس فبينما كان النبي صلى الله عليه وسلم منتظراً أمر مولاه إذ هبط جبريل عليه السلام من عند الله وهو في صورته الأصلية وهي ستمائة جناح في كل جناح ستمائة لسان وكل لسان يسبح الله ويقدسه بستمائة ألف لغة رأسه في السماء ورجلاه في الأرض وفي يده راية النصر مكتوب عليها بقلم القدرة نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين فقال جبريل عليه السلام يا محمد ربك يقرؤك السلام ويقول لك لا تخف ولا تحزن فإن الله معك وناصرك ويقول لك أرسل رسولاً من عندك إلى مخارق بن شهاب يحذره من عذاب النار ويرغبه بالاسلام ويشوقه الى الجنة ثم إن جبريل عرج الى السماء فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه رضي الله عنهم وقال لهم أريد ان ارسل رسولاً الى مخارق بن شهاب يدعوه الى الجنة ويحذره من عذاب النار فمن منكم يبيع نفسه في سبيل الله تعالى ويمضي وأنا اضمن له الجنة ( قال الراوي ) فلما سمعت الصحابة ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم اطرقوا جميعاً الى الأرض ولم يجاوبه منهم أحد فاعاد القول عليهم ثانياً وثالثاً فوثب اليه عبد الله بن أنس الجهني رضي الله عنه وقال يا رسول الله أنا له فقال له اجلس مكانك بارك الله فيك ثم أعاد القول وقال من يمضي إلى مخارق ابن شهاب فقال عمرو بن أمية الضمري انا أمضي اليه يا رسول الله فقال له اجلس مكانك بارك الله فيك ثم قال عليه السلام يا أصحابي من منكم ينطلق الى رأس الغول ويحذره من النار وانا أضمن له على الله الجنة وقصراً من لؤلؤة وألف حورية ويكون رفيقي في الجنة قال تعالى (إن الله اشترى من المؤمنين انفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله) وكان الزبير بن العوام حاضراً فخشي ان يقول له اجلس مكانك إذا طلب أن يذهب وقد أراد أن يكون له ذلك القصر فخرج من عندهم وودع اهله وأقاربه وقد اوصى أن لا يعلموا أحداً بخبره ثم إنه سار يقطع البراري والقفار هذا ما كان من أمره وأما ما كان من امر النبي عليه السلام فإنه هبط عليه جبريل وقال يا محمد ربك يقرؤك السلام ويقول لك ان الزبير بن العوام مضى الى بلاد رأس الغول وحده راغباً الجنة وان الله تعالى قد اعطاه ما قلت عليه وهو يقول لك ارسل علياً ابن عمك على اثره وعرج جبريل الى السماء فأخبر النبي عليه السلام الحاضرين بخبر الزبير بن العوام ثم قال لسلمان الفارسي امض الى ابن عمي علي بن ابي طالب فقال السمع والطاعة ثم انطلق رضي الله عنه وأخبر الإمام علياً كرم الله وجهه بما قاله النبي عليه السلام وكان الإمام في تلك الايام مريضاً فقال لسلمان ارجع اليه وأقرئه السلام وأخبره اني مريض فذهب وأخبره بما قال الإمام فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال لاحول ولا قوة إلا بالله ثم نهض قائماً ومعه ابو بكر الصديق رضي الله عنه فسار الى الامام ودخلا عليه فأراد الإمام ان يقوم فلم يقدر ان يتحرك فقال له النبي يا أبا الحسن كيف تجد نفسك قال بخير إن شاءالله تعالى بقدومك يا ابن العم فقال ان أخي جبريل هبط عي وقد امرني ربي ان أرسلك في أثر الزبير بن العوام الى ديار رأس الغول فقم الأن وأخلع ما عليك من الثياب ثم ان النبي صلى الله عليه وسلم دعاء بإناء فيه ماء بارد ووضع اصبعه الشريف فيه وصبه على رأس الإمام علي رضي الله عنه فخرجت الحمى من سائر جسد الإمام علي وعاد اليه عزمه فعندها قال له يا أبا الحسن كيف تجد نفسك الآن فقال الإمام علي لقد ذهب ما بي ببركتك يا رسول الله فأمرني بما تريد فقال له اخرج الآن وجد المسير في طريق اليمن لعلك تلحق الزبير بن العوام فركب الإمام وخرج من المدينة وهو ينشد ويقول :
الا ابشروا بالذل يا آل خثعم == فقد جائكم الليث الحطيم وزمزم
فلا بد من سيري إليكم وهجمتي == عليكم وسيفي يمزج اللحم بالدم
وأهرق دماكم ان اتيتم الصولي == وأسقيكم بالحرب سماً لأرقم
وأسمي علي ابن عم محمد == رسول إله العالمين المعظم
عليه صلاة الله ثم سلامه == يدومان ما دام الورى في تقدم
(قال الراوي) ولم يزل سائراً الليل والنهار الى أن أشرف على قافلة مقبلة نحوه وفيها قوم من الأنصار فوقف الإمام علي الى أن وصلوا اليه...
( قال الراوي ) ولم يزل سائر الليل والنهار الى أن اشرف على قافلة مقبلة نحوه وفيها قوم من الأنصار فوقف الإمام علي الى أن وصلوا اليه ونزلوا عن مطاياهم وسلموا عليه وقبلوا يديه فقال لهم الإمام مرحباً بكم فهل رأيتم الزبير بن العوام فقالوا له نعم رأيناه يا أبا الحسن في وسط المرج ولا تلقاه إلا في بلاد القوم فودعهم الإمام وودعوه وساروا الى سبيلهم هذا ما كان من امر الإمام علي وأما ما كان من أمر الزبير بن العوام فإنه ما زال سائراً الى أن قرب من الوادي فوجده وادياً متسعاً كثير العمارات غزير المياه كثير النبات له رائحه طيبة تفوق المسك والعنبر معتدل الهواء أشجاره باسقة وأنهاره متدفقة وأطياره مغردة كما قال فيه بعض واصفيه
واداً ترنم طيره بغصونه == يشتاقه الولهان في الأسحار
شبهته الفردوس في نفحاته == ظل وفاكهة وماء جار
( قال الراوي ) فوقف الزبير يتأمل ذلك الوادي وأنهاره وهو ينظر الى ملاحته وطيب هوائه وإذا بقافلة أقبلت عليه من صدر الوادي فتلقاهم الزبير بن العوام وأراد ان يسلم عليهم وإذا بهم قد احتاطوا به من كل جانب ومكان وسألوه عن حاله فقال اعلموا إني غريب وعابر سبيل وإني طالب الملك مخارق عسى أن يعطيني شيئاً من المال أنفقه على عيالي وقد أظهر الفقر والمسكنة والذل فقالوا سر بنا وأصحبنا فنحن من أتباع الملك
قال فاروا الى ان أقبلوا على الباب الأول فمنعوه من دون الداخلين وحجزوه عن الدخول فقال لهم الحاضرون معه دعوه فإنه رجل فقير طالب الدخول الى الملك لعله أن يعطيه شيئاً ينفقه على عياله وتركه الحجاب ثم سار بعد ان أطلق الحاجب سبيله وأتى الى وسط الوادي فرآى قباباً مضروبة وخياماً منصوبة وأغناماً كثيرة وفيه حصن منيع ومن حوله خندق عميق بسور عالي البناء وهو ملآن بالرجال والأبطال والعبيد والسادات والغلمان والقادة ومن حولهم بساتين وأشجار وهو يهوج ويموج بأهله فقال الزبير للنجار أنا قصدي من هنا حاجة والحق بكم ثم مضى وقد عرج عن الطريق ودفن سلاحه في الأرض في مكان يعرفه وترك ناقته ترعى في تلك الأزهار ثم أقبل على وادي عدو الله فنظر الى خيام كالنجوم ورجال لا يحصي عددهم إلا الحي القيوم فدخل تلك الأودية وقال في نفسه إذا رجعت الى رسول الله من غير ان تقضى حاجتي فيكون ذلك عاراً علي والقتل أهون من العار ثم جعل يتخطى البيوت والخيام والمضارب وإذا بخادم قد اتى وعليه ثياب من الأطلس وحوله عبيد وغلمان ورجال اشاوس وإذا بعدو الله جالس على كرسي من الذهب الأحمر وعن يمينه خمسمائة مملوك وعن يساره مثل ذلك وبين يديه كاسات الخمر تدور وهو بينهم مثل الأسد الكسور فلما نظر الزبير الى ذلك لم يستطيع العبور عليهم بل صعد على شجرة عالية وجعل ينظر اليهم وإذا بصراخ قد علا حتى ارتج الوادي فقال عدو الله اطلعوا واكشفوا عن الخبر فقالوا أيها الملك العظيم ان إلاهنا غضب علينا غضباً شديداً ما عليه من مزبد وإن النار تخرج من فيه والدخان من مناخيره فقام عدو الله وذهب الى الصنم وخر له ساجداً من دون الله وأطال في السجود ثم رفع رأسه الى الصنم وقال أيها الرب العظيم أعوذ بك من عقوبتك وغضبك علينا فإنك تذل الجبابرة وتخضع لك الملوك الأكاسرة فإن عاقبتنا فمن يرحمنا غيرك ثم إنه سكت ليسمع رد الجواب وإذا ابليس دخل في جوف الصنم وقال للملك ويلكم قد اشتغلتم بالهوى عن العبادة وأتبعتم اللهو واللعب حتى ظهر فيكم محمد الساحر وقد أرسل اليكم الزبير بن العوام جاسوساً ثم يرسل بعده رجالاً وأبطالاً فوعزتي وقدري ان لم تر دعوهم بالرجال والأبطال وتلحقوهم بالفرسان لأحذلنكم وأنصرنهم عليكم وأجعلنكم دهاناً لسيوفهم فنهض عدو الله وجرد سيفه وصاح إن محمداً أرسل الينا الزبير ابن العوام جاسوساً يكشف له الأخبار ويعود يعلمه بحالنا فيرسل لنا الأبطال والرجال فأنهضوا الآن وابصروا هذا الجاسوس فجذبت الرجال سيوفها واستلت حرابها وصاحوا صياحاً عالياً فأرتج الوادي من كثرة الصياح وسار الملعون برجاله وهم شاهروا السلاح وقاصدوا الزبير وهم يقولون لبعضهم هو عند الشجرة فلما سمع الكلام عرف إنه هو المطلوب ثم نزل من على الشجرة وهو يقول يا سابل الستر أسترني فستره الله وما رآه أحد منهم عند نزوله ولم يزل سائر الى أن وصل الى مغارة هناك ودخل فيها وهو ينظر اليهم ويرى أفعالهم الى أن وصلوا الى تلك الشجرة فلم يجدوه عندها قال عدو الله وقد أمتزج وجهه بالغضب إن إلاهنا لا يكذب وإنما الغريم من غير شك دخل المغارة فلما ان سمعوا ذلك قصدوا الى المغارة فخرج منها وضاقت الدنيا في وجهه هذا وقد نظره بعض رجالهم فتصايحوا ملء رؤوسهم وقالوا ها هو الزبير بن العوام فتسارعوا اليه من كل جانب ومكان وأحتاطوا به كما يحتاط الخاتم بالأصبع فأيقن بالهلاك وقال لا حول ولا قوة إلا بالله
ثم ان رجلاً منهم قصد نحوه وأراد أن يمسكه فضربه بالخنجر في نحره فمات فرجعوا عنه لما أن شاهدوا ما فعل مع الرجل ولكنهم صاروا يرمونه بالأحجار وكلما لحقه رجل منهم قتله حتى قتل منهم عشرة فوارس وبعد ذلك تكاثروا عليه وأخذوه أسيراً وفي الحال أوثقوه كتافاً وجعلوا يضربونه الى أن وصلوا به الى خيمة وقيدوه بثلاثة قيود وثلاثة سلاسل وأمرهم عدو الله أن لا يغفلوا عنه ولا يهجعوا عن عذابه ورجع بعد ذلك الى مكانه وزال عنه كربه واعتقد في ربه وشكره وسجد له.
هذا ما كان منه وأما ما كان من الزبير بن العوام فإنه لما نظر الى ما حل به من العذاب والعقاب ( أيقن بشرب كاس الوبال فسلم أمره للواحد المتعال وأنشد وقال :
أيا عين قد خاب الرجا فتهلهلي == وجودي بدمع منك يجري كما الدر
ويا ربي أنقذني بحق محمد == فإني قد أصبحت في شدة الأسر
وما ضرني إلا رموني بشرهم == ولا سمعوا مني مقالي ولاعذري
عسى ياإلهي أن أفوز برحمة == وأنجو من انذال طائفة الكفر
سألتك يا رحمن ياسامع الدعا == تغير أحوالي الى أيسر اليسر
وصل على طه الحبيب محمد == وشفعه فينا رب في موقف الحشر
( قال الراوي ) فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح جلس الملعون على سرير مملكته وراق مجلسه وتكامل جيشه وجنده فأمر بإحضار الزبير بين يديه فأحضروه أمامه فقال له :
فأمر بإحضار الزبير بين يديه فأحضروه أمامه فقال له من أنت وما سبب قدومك الى بلادنا وما الذي جئت بسببه فأخبرني بالصحيح قبل أن أكسر منك كل عضو صحيح فقال له أعلم أيها الملك أن مجيئي الى بلادك هو أن إمراة من قومك أتت الى النبي صلى الله عليه وسلم وشكت من ظلمك عليها وجورك أنت وقومك وذلك بسبب اسلامها هي وقومها فظلمتهم وقتلت رجالهم ونهبت أموالهم وسبيت حريمهم فنظم ذلك الامر على ابن عمى محمد فارسلني اليك فاصحاً وإني أقول لك ان الذي أنت فيه ضلال وزور ومحال فاترك عبادة الأصنام واتبع عبادة الملك العلام الذي خلقك وسواك وكلم موسى ونجاه واصطفى محمد وجعله خير الأنبياء وعرج به السماء ليلة الاسراء فهو خير خلق الله بالاتقان وأجل المرسلين على الاطلاق وقد نصحتك أيها الملك المغرور فأبطل عبادة النفاق وتبرأ من أهل الكفر والشقاق وأعبد الملك الخلاق ثم أنشد يقول :
هو السميع البصير الخالق الباري == وهو العظيم الذي يمفو عن أوزاري
هو الذي رفع السمـــاء بلا عمـــد == أرسى الجبال على الأرض بإقدار
سبحـــانه واحــــد ليس له مثـــــل == ولا له ولــــد أيضـــاً بلا جـــــار
آمن به أيهــــا المغـــرور مبتهجــاً == وأعيـــده حقاً فتنجــــو من النار
فلما سمع عدو الله ذلك الكلام أطرق برأسه الى الأرض ساعة زمانية ثم رفع رأسه وقال كل ما ذكرته عن محمد وعن مدحك في ربك فأنا مالي به شيء وكل كلامك لم يدخل في اذني اما كفى محمد فقره وجوعه وفانته بقتل الرجال وينهب الأموال ويشن الغارات على بلاد العرب وبعد ذلك يأمرني بالرجوع عن ديني والدخول في دينه وينهاني عن عبادة الرب فراش وأنت قد رميت نفسك وأهرقت دمك بفعلك السوء ولا بد لي أن أعذبك عذاباً شديداً حتى يأتي الذي أرسلك ويخلصك مني ثم أمر العبيد أن ينزعوا ما كان عليه من الثياب ويضربوه ففعلوا وهو يقول ياغياث المستغيثين ويا أرحم الراحمين ويلك ياعدو الله ورسوله أتضرب جسداً يقاتل عن دين الاسلام ويجاهد أمثالك الكفرة اللئام ويدعوك الى عبادة الملك العلام وينهاك عن عبادة الأصنام فلما سمع عدو الله هذا الكلام غضب غضباً شديداً وأمر أن يذبحوا ناقته ففعلوا وسلخوا جلدها وألبسوه إياه وأوقفوه في الشمس فيبس الجلد عليه وهو يستغيث فلا يغاث هذا ما كان منه وأما ما كان من أمر الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فإنه جد في السير في أثر الزبير ابن العوام فبينما هو سائر وإذا بالصباح قد علا وقائل من أعلى جبل أبي قيس ينادي بصوت عال مزعج وهو يقول يا معشر أبطال مكة وسلالتها أعلموا أن علي بن أبي طالب قد انفرد بنفسه وهو الآن سائر في البرية فالحقوه وخذوا منه بالثأر واكشفوا عن أنفسكم العار وكان هذا الصباح من أبليس أبو مرة لعنه الله وأضره فلما سمع القوم الصياح هاجت الرجال والأبطال من الكفرة وأهل الضلال الى أن امتلأت الأرض فعند ذلك أقبل عليهم ابو سفيان وقال اما تعلمون من الذي صاح فيكم فقالوا له لانعلم بشيء من هذا فقال لهم هذا رسول الهبل الأعلى قد صاح فيكم ويأمركم أن تنصروه على عدوه وكل منكم له على ابن أبي طالب ثأر فخلوا عنكم الكسل والتقصير وأعزموا على الجد والتشمير واركبوا الآن اليه وانطبقوا عليه فلا بد أن تغلبوه فعند ذلك قام عبد اللات والعزى وقال لهم اريحوا أنفسكم فلما احد يسير اليه غيري وقام معه ابو سفيان وصارم ولم يكن يومئذ أفرس من هؤلاء الثلاثة فقال لهم أبو سفيان يا أبطال مكة ان هذا غنيمة لكم فا كمنوا بنا في هذا الطريق الى أن يأتي الينا فنقتله وقد اتفق رأيهم على مثل ذلك وجدوا في السير الى أن كمنوا في الطريق هذا ما كان من أمر هؤلاء وأما ما كان من أمر العباس فإنه قد بلغه ذلك الخبر فخاف على ولد أخيه أن يغدروه على غفلة فنادى عبده زيدا وقال له ان هؤلاء الثلاثة لا بد إنهم سائرون الى ابن أخي علي رضي الله عنه وإنهم شياطين العرب وإني أخاف عليه منهم ان يقتلوه فقم الآن واركب حصاني الأدهم وأسبقهم والتق به وقل له يأخذ حذره منهم وانت حرّ لوجه الله تعالى فقال العبد حباً وكرامة ثم ركب جواد سيده وجدّ في السير حتى أشرف على واد صعب المسالك كثير السباع فتعب من المسير فعرج عن الطريق وربط الحصان في رجله ونام فتذكر قول العباس رضي الله عنه فخاف على نفسه أن يمر به الفرسان وهو نائم فيغدروه ويلحقوا الإمام قبل وصوله اليه فربما أن يحصل له منهم أذى ويكون ذلك بسبب تهاونه في المشي ثم أنشد يقول :
أسير بدربي والجواد يطيعني == أجوب الفيافي والقفار بصارمي
أروم علياً ابن عــم محمــــــد == احذره افعال أهـــــل الجــــرائم
فقد ســار عبد اللات ثم مقاتل == كذلك ابو سفيـــان شر العــوالم
وكان العبد يحدث نفسه بهذه الأبيات والإمام سامع كلامه لأنه كان قد نزل بذلك الوادي وعرف صوت العبد فأجابه على عروض شعره .
أيا عبد لا تخشى علي من العدا == انا فالق الهامات جهراً بصارمي
ولا تحسبن الله عني غافــــــلا == وإن نمت فالرحمـــن ليس بنائــم
( قال الراوي ) فلما سمع العبد كلام الإمام وثب قائماً على الاقدام وسل سيفه وهجم عليه وهو يقول له من أنت أيها الفارس الهمام والبطل الضرغام السائر في جنح الظلام فقال له الإمام انا علي بن أبي طالب فلما سمع العبد ذلك تقدم إليه وتمثل بين يديه وأثنى عليه فقال له الإمام من أنت فقال انا عبد عمك العباس أرسلني اليك شفقة منه عليك وإني احذرك من الثلاث فوارس القادمين وهم من
فقال له الامام من انت فقال أنا عبد عمك العباس أرسلني اليك شفقة منه عليك وإني احذرك من الثلاث فوارس القادمين وهم من سفهاء مكة فشكره الامام وقال له يا زيد اجلس بنا ههنا فجلسوا لأجل أن يتحدثوا فما استقر بهم الجلوس حتى سمعوا حس حوافر الخيل وهي مقبلة نحو تلك الارض التي هم فيها فقال الامام يا زيد هذا حس حوافر الخيل الذين ذكرتهم وقد سمعتهم يتحدثون بشأني وعبد اللات والعزى يقول لهم أعلموا أن الامام قريب وأن قلبي يحدثني أنه في ذلك الوادي وسوف ترون ما ذكرت لكم وكأنكم به وقد خرج عليكم من ظل هذه الأشجار وان مقاتل لما سمع من اللات ذلك الكلام قال له خابت منك الآمال وسقيت كأس الوبال يا قرنان ولكن عرجوا بتا عن الطريق وانزلوا بنا في هذا الوادي لنأخذ لنا راحة ونريح خيولنا وننام في أول الليل وننظر بعد ذلك ما يحصل من كلام عبد اللات وندبر على قدر ما نعرف فقالوا هذا هو الصواب والأمر الذي لا يعاب فعرجوا عن الطريق الى ان أقبلوا الى صخرة هناك ونزلوا من على خيولهم وتركوها ترعى ثم انهم أخرجوا مأكولاً كان معهم وجلسوا على الطعام فقال الامام يا زيد اجلس ههنا وانظر ما أفعل بهم ولا بد لي من اهلاكهم ببركة سيد الاولين والآخرين ثم ان الامام نزع ما كان عليه من الثياب وأخذ سيفه بيده وأسرع نحوهم فلما نظروا اليه أوقع الله الرعب في قلوبهم وظنوا أنه غول أتى اليهم ثم ان الامام صار يأخذ الحصا ويرميهم به ويعفرهم بالرمال فقال عبد اللات قوموا الى هذا الغول وقطعوه بالسيوف لأنه قد اشغلنا عن الزاد فقال صارم انا أقوم اليه وفي الحال نهض قائماً وسار اليه فزاد رعبه وطار عقله وارتعدت فرائصه وتأخر الى الوراء وولى هارباً الى قومه وقال لهم ياقوم تعلمون اني ما خرجت معكم من مكة لقتال السباع والغيلان بل خرجت طالباً الامام علي فقالوا له اجلس مكانك فها نحن نمضي اليه ونريحك من شره ثم نهض ابو سفيان الى ان أقبل على الامام وقد امتشق سيفه بيده ورفعها حتى بان سواد إبطه وأراد ان يضرب الامام فعندها وثب الامام وثبة الأسد الهمام وقبض عليه من منكبيه ورفعه بكلتا يديه حتى ظن انه لحق بالسماء من سرعة ما خطفه وجلد به الأرض فرض عظامه بعضها عن بعض وتكسرت أظلاعه وانقطع نخاعه ومات في الحال .
هذا ما كان من أمر الامام علي وخصمه وأما ما كان من امر عبد اللات فانه التفت الى صارم وقال أتدري ما فعل الغول بصاحبك ؟ فقال لا , فقال لقد قتله وان لم تأتني برأس هذا الغول وإلا قتلتك ثم صاح فيه صيحة عظيمة فقام مرغماً وقد عرف انه طريد الاثنين . وسار الى ان أقبل على الامام فما تحرك الامام من مكانه بل صبر عليه حتى قرب منه وأراد ان يجذب سيفه وإذا به قبض على مراق بطنه ورضه على قائم زنده فصار على يده اضعف من النملة فتحقق الأمر عنده أن هذا الليث الغالب علي بن ابي طالب فصرخ صرخةً عظيمةً وقال لا تقتلني فإني اشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فلما سمع الامام شهادته اطلق سبيله وقد عرف أنه أسلم إسلاماً صادقاً ثم رجع صارم إلى عبد اللات وهو ساكت فقال له عبد اللات أين رأس الغول ياصارم فإني اراك قد رجعت عنه وهو سالم فقال له اعلم اني رأيته اقوى مني عزماً واشد مني بأساً فخضت بين يديه وذكرت له حسبي ونسبي واهلي وعربي فعفى عني وتركني وإن الرأي عندي ان تذهب اليه انت الآخر وتسأله العفوعنا وإنه يخلي سبيلنا ويكون لنا عوناً على الامام علي ونقتله لأنه قتل رجالنا وأباد أبطالنا ونهب أموالنا وسى حريمنا فلما سمع عبد اللات ذلك الكلام دبت النخوة في رأسه وسار قاصداً نحو الغول حتى بقي بينه وبين الامام قدر ميل فصرخ عليه الامام صرخة عظيمة أرعبه بها وأزعجه ووقع مغشياً عليه في الأرض وصار كالميت من صرخة الامام فعندها قام اليه ورفعه على زنده وصبر عليه حتى آفاق من غشوته وهو لا يدري في أي مكان هو فناداه الامام علي وقال له ويلك جئت تقتل الغيلان فوقعت في اشراكهم ويلك يا عدو الله أما تعرفني أما تعلم إني أنا غريمك وقاتل أهلك وناهب حريمك أما تعلم إني انا الليث الغالب والأسد الضارب علي بن أبي طالب فلا تخف وطمن قلبك فإني قاتلك لا محالة فلما سمع الملعون من الامام ذلك الكلام أراد أن يخلّص نفسه منه في حيلة ثم يقتله وإذا بالامام قبض عليه من ساقيه وجعل رأسه الى اسفل ورجليه الى أعلا ورماه الى اسفل الجبل فصار منه كل عضو على ناحية وما بقي منه باقية ثم ان الامام علي رجع إلى زيد عبد العباس وقال له أرجع يا زيد إلى عمي العباس وأقرئه مني السلام وأعلمه عن كل ما جرى ورأيته بالعيان فأجابه بالسمع واطاعة ثم التفت الامام الى صارم وقال له ارجع الى مكة مع زيد فودعا الامام وسارا وهما متعجبان من فعله بالفرسان الى ان وصلا الى الديار وقد انضحت الأخبار هذا ما كان من امر هؤلاء وأما ما كان من أمر الامام فإنه استراح بقية يومه وليلته وسار طالباً وادي الزهر .
قال ابن عباس رضي الله عنه إن جبريل هبط على النبي عليه السلام وأعلمه بأمر الزبير بن العوام وبالثلاثة الذين خرجوا على الامام من ارض مكة وأعلمه أيضاً بعبد العباس وهو زيد ثم عرج الى السماء وقد امر النبي عليه السلام بلال بن حمامة أن ينادي ويجمع الناس فأجاب بلال إلى ذلك ونادى وكان له صوت رخيم يشفى كل مريض وسقيم وقال في ندائه يا معشر المسلمين وعباد رب العالمين إن الرسول يدعوكم اليه ويطلب منكم الحضور بين يديه لأجل سؤال قد بدا اليه فأمتلأ المسجد بالمسلمين فنهض النبي عليه السلام وصعد المنبر فبدأ بالحمد أولا والصلاة عليه ثانياً وشكر الله وأثنى عليه ثم قال يا معشر المسلمين اعلموا أن أخاكم الزبير بن العوام مأسور عند الأعداء في قيود الردي وإني أرسلت اليه الامام علياً بأمر العظيم العلي وقد جرى له مع أعداء الله في الطريق ما هو كذا وأنتم الآن حاضرون ولهذا الأمر مستمعون فماذا أنتم قائلون ( قال الراوي ) :
( قال الراوي ) فقام اليه سعيد بن عمار وقال هل تأذن لي أن اتكلم بشيء من المقال فاذن له النبي صلى الله عليه وسلم في المقال فقال يا رسول الله أرسل إذا شئت الفضل بن العباس بألف فارس من فرسان المسلمين وابطال الموحدين في اثر الامام علي رضي الله عنه فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم من سعيد ذلك قال له نعم الرأي يا سعيد ثم ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر الفضل بن العباس أن يسير ويأخذ معه ألفاً من الناس فأمتثلوا أمره وساروا مع الفضل وهم فرحون بذلك الأمر وطلبوا اليه الأذن لهم وقال أخرجوا على اثر ابن عمي علي ثم قال : على بعمرو بن أمية الضمري فأجابه بالتلبية في عاجل الحال فقال : انت وعبدالله بن أنس الجهني تخرجان أمام القوم وتسبقان القوم الى ابن عمي علي بن أبي طالب وأقرئاه مني السلام وجاهدا معه في سبيل الله حق الجهاد فأجاباه بالسمع والطاعة وخرجا من عنده وهما مثل الهبوب أو الماء إذا تدفق من ضيق الأنبوب فلم يكن آخر النهار حتى أدركا الفارس الكرار فلما نظرهما الامام قال ما الخبر فقالا له ان النبي صلى الله عليه وسلم أرسلنا اليك وهو يقرئك السلام ويثني عليه بالا كرام وان جبريل عليه السلام أخبره بما صار من الأحكام وبخبر الزبير بن العوام وانه مأسور في يد اللئام وقد وقع له شيء من الآلام واعلمه بما جرى من عبد اللات وجماعته وخروجهم من مكة واسلام صارم وموت رفقته وان النبي عليه السلام ارسل لك الفضل بن العباس في ألف فارس من فرسان المسلمين وأبطال الموحدين وهم بنا لاحقون فلما سمع الامام منهم ذلك الكلام شكرهم على ذلك الاهتمام وأكثر من الصلاة على سيد الأنام ثم قال لهم ان شاء الملك العلام نرحل غداً من هنا الى مرج أفيح ومحل ابرك فقالوا له شأنك وما تريد فها نحن لك عبيد ثم ان الامام جلس يتحدث معهم الى ان ارتحل الظلام ولاح نور الفجر بالابتسام ركب الامام علي كرم الله وجهه وسار بهما الى ان تضاحى النهار وقرب الزوال وحمي الهجير وإذا بهم أشرفوا على مرج افيح كثير المياه وحوله بساتين وأشجار وغصون وأنهار وأطيار فنزل الامام علي كرم الله وجهه على العين وأستراح مع رفيقيه ( قال الراوي ) ولما اصبح ركب الامام وتأمل ذات اليمين وذات الشمال فوجد طريقين فقال له عمرو إن هذا الطريق ينتهي الى بلاد رأس الغول وهي أوائل بلاد اليمن لكنها صعبة المسالك كثيرة الجبال والتلال قليلة المياه والغدران فبينما الامام علي مع عمرو في الكلام وإذا بغبار ثار وغلا وسد الأقطار وانعقد الجو من الغبرة كالدخان فقال الامام اجلسا مكانكما حتى أكشف لكما هذا الغبار فرأى فارساً طويلاً على جواد أدهم عال ململم وعليه ثياب حمر وفي وسطه منطقة مرصعة بالدر متقلد بسيف صقيل وفي يده رمح طويل وله سنان يلوح منه الموت لكل انسان ومعه عبد اسود راكب على جواد اجرد وفي يده كبش مذبوح ويقود بعيراً احمر وعلى ظهر ذلك البعير هودج مكلل بالدر والجوهر فنزل ذلك الفارس عن جواده وأنشد يقول :
هبوب الريح ينشقه حصاني == وكأس الموت يسقى من سناني
وذكري شائع في كل أرض == على ضرب المثالث والمثاني
أجوز مواضعاً لو جاز فيها == سليمان لهاب من المكــــــــان
وكل الناس تخشى من هجومي == ويخشوا سطوتي ويخافوا شأني
فلما فرع من انشاده اناخ بعيره بعد ان نزل عن جواده ورمى الكبش الى الأرض وعمد الى شجرة عالية وجذبها فاقتلعها بأصولها وجذورها ورماها الى الأرض وأمر العبد أن يكسرها فقال له العبد السمع والطاعة ونهض الى حجر كبير لا يقدر عليه إلا عشرة رجال ومسك الشجرة بيده اليسر والحجر باليمنى وجعل يضربها حتى تكسرت كل هذا والامام علي ينظر ويرى ثم ان العبد سلخ الكبش وأضرم النار وطرحه عليها وصار يقلبه حتى استوى ونادى الى الجارية التي في الهودج فخرجت له فأجلسها على ذلك الحجر الذي كان يكسر به وقدم للفارس الطعام وصار يقطع من اللحم ويرمي الى الجارية وهما يأكلان حتى اكتفيا فلما فرغوا من الأكل قامت الجارية ودخلت الهودج ثم ان العبد أتى له بعد الأكل بزق من الخمر كان معه فمسكه الفارس وكرعه قال عمرو فسمعنا له دوياً كدوي السيل اذا انحدر من رؤوس الجبال وهو نازل في جوف الفارس مثل الناعورة فجئنا على صوت ذلك الدوي حتى انتهينا الى الامام وجعلنا ننظر اليهم ونتفرج عليهم ثم ان الفارس لما شرب الخمر اخرج سيفاً صقيلاً وقال للعبد خذ هذا السيف وائتني بخبر هؤلاء فقال العبد السمع والطاعة ثم ان العبد اخذ السيف وأتى الينا وقال من أنتم ومن أي القبائل وإلى اين تريدون أن تمضوا فقال له عمرو بن امية الضمري نحن النجوم الطوالع والسيوف القواطع نحن من اصحاب فخر الايمان محمد سيد ولد عدنان ( قال الراوي ) فبينما ذلك العبد مع عمرو في الكلام وإذا بغبار قد علا وسد الأقطار وانكشف الغبار وبان عن الجيوش
( قال الراوي ) فبينما ذلك العبد مع عمرو في الكلام وإذا بغبار قد علا وسد الأقطار وانكشف الغبار وبان عن الجيوش المحمدية العازمين على الحرب بكل نية اصحاب العزائم القوية والسيوف المشرفية وفي اوائل ذلك الجيش الفضل ابن العباس وهم ينادون بالتهليل والتكبير والصلاة والسلام على البشير النذير فلما نظر العبد الى تلك الاحوال وسمع تلك الضجة والابتهال رجع في الحال وأخبر سيده بتلك الأمور والأحوال وقال له هذا جيش المسلمين وعساكر الموحدين وأتباع سيد الأولين والأخرين فلما سمع ذلك الجبار بذكر النبي المختار شخر وكفر وعبد الشمس والقمر وصاح في عبده ويلك يا عبد السوء تأتي بغير فائدة ولكن اذهب الآن واتني برؤوس عساكر المسلمين وأرني فعلك وعزمك إئت برؤوس الجميع ولا تبق لا رفيع ولا وضيع وإن لم تفعل ذلك أسقيتك كاس المهالك فعندها قال له العبد السمع والطاعة ثم سار الى أن قرب من عساكر المسلمين وطلب البراز وسأل الانجاز وقال دونكم والقتال فبرز له فارس يقال له عنان بن زيد وانطبق عليه طبقة جبار عنيد واخفقا في الطراد والابعاد وإذا بالعبد ضرب الفارس بالحسام فجاء على يده اليمنى ابراها كما يبري الكاتب القلم ثم ان العبد طلب البراز وسأل الانجاز فبرز اليه فارس يقال له نوفل وانطبق الاثنان كأنهما جبلان وافترقا كأنهما بحران متلاطمان وأخذا في الكر والفر والضرب والطعن الى أن تحكمت الشمس في الزوال وعلا عليهما الغبار والمسلمون يقولون صاحبنا هو الغالب وإذا بجواد خرج من قلب المعمعه وهو خال من راكبه فتأمله المسلمون وإذا به جواد صاحبهم نوفل فأرادوا الهجوم على هذا العبد الميشوم وإذا به خارج من المعمعه وعلى يده نوفل أسيراً وسار به الى أن أوصله الى سيده وقال له حذ هذا عندك في قيود الذل والتعتير فقال ويلك ياعبد السوء انا ما اعرف الأس ثم انه نهض من مكانه وقبض على ذلك الأسير قبضة جبار عنيد فكسر اضلاعه في جوفه ثم انه صاح في عبده ارجع اليهم وأهلك شجعانهم وأفي اقرانهم ولا تأسر احداً فعاد العبد اليهم وطلب البراز بعد ان توسط الميدان فبرز اليه سعيد بن عامر فاستقبله العبد بضربة بحسامه اطاح رأسه قدامه وطلب البراز وسأل الانجاز وصار كل من نزل اليه من المسلمين اطاح به الى ان قتل من المسلمين عشرة فرسان ثم طلب النزال والطعان فتأخرت عنه الشجعان وهابته الأقران فلما عاين العبد ذلك من الاسلام تمايل عجباً واوسع في الميدان دلالاً وطرباً وأعجبته نفسه وقال لهم ان لم تبرزوا لي الآن وإلا اهجم عليكم في الخيام وانزل بكم الهوان وآخذ رؤوسكم بحد الحسام.
( قال الراوي ) بينما كان العبد يتكلم بهذا الهذيان برز اليه بطل من الشجعان يقال له النعمان وكان فارساً شديداً وبطلاً صنديداً وفي الحرب معروف وبالشجاعة موصوف وقد انطبق النعمان على هذا العبد في الميدان وقال له ليس مثلي يقاتل مثلك ولم يكن لك قمة وأنا لا اشتهي اخضب بدمك حسامي فأذهب وارسل سيدك وأرح نفسك فقال له العبد لا تطل كلامك إذا لم تحم نفسك في هذا المقام ضربتك بالحسام فسبقه النعمان وضربه بحد حسامه اطاح رأسه قدامه فوقع الى الأرض صريعاً يمج علقماً ونجيعاً وعجل الله بروحه الى النار وبئس القرار قال فلما نظر الفارس الى عبده وهو قتيل صعب عليه وكبر لديه وركب على جواده وحمل على النعمان وقال له يا زير العرب والجلة والحطب تقتل عبدي وتحرق كبدي ولكن ابشر بالهلاك وسوء الارتباك ثم هجم عليه ومد يده اليه من غير حربة ولا سيف ومسكه بيده الواحدة واقتلعه من على سرجه ورفعه على زنده حتى بان سواد ابطه ثم انه حذفه على قومه وجنده فوقع على عبدالله ابن النعيم فماتا بعد ان نطقا بالشهادتين فلما نظر المسلمون الى هذه الفعال زاد بهم البلبال وخافوا من هذا الفارس الريبال هذا وقد عاين الملعون ذلك فهجم يريد أن يحل بهم المهالك فأنهزموا من بين يديه فلما نظر ذلك الفضل بن العباس قال للامام علي يا أمير المؤمنين ابرز لهذا الفارس وأقتله وان لم تفعل ذلك اورث بالمسلمين كأس المهالك فأجابه الامام الى طلبه وحمل على عدو الله حملة الأسد الهجام فلما نظر الفارس الى الامام قال له من انت الذي دنا اجله وآن مرتحله فقال له الامام دونك والقتال والحرب والنزال وان كنت لم تعرفني انا اعرفك بنفسي انا الليث الغالب علي بن أبي طالب ثم حملا على بعضهما والتحما وأفترقا وتجاولا وتحاربا وتقاتلا قتالاً شديداً الى وقت الزوال أحس الفارس من جواده بالتقصير فقال يا ابن أبي طالب أمهلني ساعة زمنية حتى أغير حصاني وإلا اشرب كأس المنية فأجابه الامام الى ما طلب وقال له شأنك وما نريد فرجع الفارس وهو متعجب من الامام ومن ذلك الاهتمام وغير جواده وعاد الى الميدان وصال وجال وقد زال همه ونادى بأعلى صوته ان كنت انت ابن أبي طالب فأنا صاحب العجائب والغرائب انا خائض الاهوال وقاتل الرجال أنا مبيد الأبطال وصاحب الوقائع المشهورة والقواطع المذكورة فلما سمع منه ذلك
ونادى باعلى صوته ان كنت ابن ابي طالب فأنا صاحب العجائب والغرائب انا خائض الأهوال وقاتل الرجال أنا مبيد الأبطال وصاحب الوقائع المشهورة والقواطع المذكورة فلما سمع منه ذلك الكلام قال له انت المادح بنفسك المتكبر على ابناء جنسك فمن تكون وما اسمك بين عربك فقال له أنا زهير العامري المعروف بين الفرسان في حومة الميدان أنا قاتل الشجعان فلما سمع الامام منه ذلك الكلام انطلق عليه وصرخ عليه صرخة عظيمة دوت لها الجبال واراد الامام بتلك الصرخة أن يذهل خصمه وقد تأمله بعد الصرخة فرآه ثابتاً قدامه ولا انزعج من صرخته بل قال يا علي على مهلك فإن مثلي لا ينزعج من فعلك ولا ينطلي عليه سحرك فمن انت وما هي صرختك ثم حملا على بعضهما البعض حملات منكرات وصرخا صرخات مكدرات وطال بينهما القتال الى ان عزم النهار على الارتحال وثب اليه الامام وقبض عليه واقتلعه من سرجه ورفعه على زنده فصار كأنه العصفور على يد الباشق ثم ان الامام صاح يا أبا الفضل خذ هذا الاسير اوثقه بالكتاف وقومنه السواعد والاطراف فأخذه المسلمون اسيراً وقادوه ذليلاً حقيراً .
( قال الراوي ) هذا ما كان من أمر هؤلاء وأما ما كان من امر الجارية لما ان نظرت الى الغلام وهو اسير في قيود الذل والتعتير كشفت عن وجها اللثام وارمت نفسها من هودجها واخذت سيفاً كان معها وركبت جواد سيدها وهجمت على الأبطال فقتلت رجلاً وطلبت البراز فلم يبرز لها أحد فحملت على المسلمين وقتلت اربع رجال ونادت يا اصحاب محمد من فيكم يبرز لي في حومة الميدان فاني اريد ان آخذ بالثار واجلي عن نفسي العار واقتل شجعانكم وابيد اقرانكم فلما سمع الامام منها ذلك الكلام عظم عليه وكبر لديه وأراد ان يبرز اليها فعاد الى نفسه وقال هذه امرأة ضعيفة فلا ابرز اليها ثم انه رجع وأمر فارساً بالنزل لها وكان يقال له الصفواني فأمتثل امر الامام وبرز لها واراد ان ينازلها في البراز وإذا بها بادرته بضربة من يدها فوقع الحسام على رأسه فمازال يهوي الى دكة لباسه ونزل اليها ثاني فقتلته بلا تواني وقد عظمت في اعين المسلمين فلما شاهد الامام ذلك خرج الى الميدان وهو على غير خاطر فلما قرب منها وكزها بعقب الرمح ارماها على الارض واراد ان يأمر بأسرها واذا بها تقول ايها الفارس الهمام اطلق سبيلي واعف عني فاني قائلة على يدك اشهد ان لا إله إلا الله وإشهد ان محمد رسول الله وفي الوقت لمعت الانوار على جبينها واستنارت طلعتها فانشدت تقول :
ان الزمان رمـــاني منـــه بالمحن === وذلنـي بفراق الأهل والوطـــــن
وفاض دمعي على الخدين منهملاً === ياليت شعري لذلك البين لم يكن
يا وبح باكية تبكي على بطــــــــل === قد كان يسعفها في سالف الزمن
فاليوم افجعني فيـــــه ابو الحسن === فجد علي (ببلبلي) يا أبا الحسن
وامنن علي به يا سيد العـــــرب === حماك رب الورى من سائر المنحن
اني اصلي على المختار من مضر === أباد بالحق أهل الزيغ والفتن
عليه مني سلام دائمـــــــــــاً ابداً === ماهب ريح الصبا في سائر الزمن
( قال الراوي ) فلما سمع الامام علي من الجارية ذلك الكلام والشعر والنظام نادى يا زهير انظر الى زوجتك فإنها قد اسلمت فأن اسلمت انت الآخر فهي لك وان لم تسلم انت الآن زوّجتها لغيرك وهي طالقة منك الآن لأنها مسلمة واني قد اعلمتك بما فيه الخير والصلاح فلما سمع زهير من الامام ذلك الكلام قال له يا أبا الحسن لآن لان قلبي وهداني ربي وأنا قائل على يديك أشهد أن لا إله الا الله وأشهد أن محمد رسول الله فعند ذلك تقدم الامام وحله من وثاقه وضمه الى صدره وفرح المسلمون فرحاً شديداً ثم ان زهيراً قال سيروا بنا الى ما تريدون فها أنا لكم رفيق في كل امر مضيق فقال الامام علي يا زهير إننا سائرون الى بلاد اليمن قاصدين الى مخارق بن شهاب الملقب برأس الغول وقد امرني بذلك الرسول فلما سمع زهير من الامام هذا الكلام تبسم ضاحكاً وقال والله يا إمام ما مشيت في هذه الاودية الا قاصداً هذا الجبار وهذا كان لسبب عجيب اريد ان اعلمك به وهو ان هذه الجاريه كان لها اخ من خيرة الشباب وكان يركب الخيل ويشن الغارات على المسافرين وكان له ذكر عظيم فسمع بخبره ذلك الملعون فاكمن له في الطريق ما يزيد عن ألف فارس فلما مر عليهم قبضوه والى رأس الغول وجهوه وهو الى الآن في بلاد رأس الغول مأسور وإني يا سيدي لما سمعت بهذا الخبر اخذت جاريتي هذه وعبدي وسرت قاصداً تلك الارض والبلاد بعد ان امرت رجالي بالالتحاق بي ولم ازل سائراً الى ان وصلت الى هذا المكان وجرى ما جرى من الأحكام والحمد لله الذي هدانا للإسلام نعبد الملك الديان فقال له الامام نحن معك الى ما تريد ولا بد ان نخلص لزوجتك أخاها ونهلك اعداك وأعداها ثم انهم بقوا تلك الليلة على مثل هذا الكلام وهم في الذّ عيش وأعظم طعام ولما أصبح الصباح صلى بهم صلاة الافتتاح وامرهم بالسير فساروا ولو كان لهم اجنحة لطاروا ولم يزالوا سائرين مدة اربعة ايام وفي خامس يوم فرغت المياه التي كانت معهم فشكوا من العطش الى الامام فقال الامام يا عمرو ما يقال لهذه الارض المدهشة فقال يا أمير المؤمنين مدهشة معطشة وذلك الوادي واسع الجنبات كثير الاقطار وهو سكن الوحوش فلما سمع الامام من عمرو هل تعرف في ذلك المكان انهاراً وغدراناً فنسقي منها الماء وإلا عدمنا القوى والحياة فقال اعلم ان بهذه الأرض فحيرة ولكن لا أعلم إن كان بها ماء أو ناشفة والآن إن امرتني أسير اليها وآتيك بالخبر فقال له الامام شأنك وما تريد ثم ان عمراً تركهم وسار في طلب الماء ( قال الراوي ) هذا ما كان من أمر هؤلاء أما ما كان من أمر الجيش فأنه جد في المسير إلى أن تضاحى النهار وأتسعت بين أيديهم الأقطار لأنهم وقفوا بأرض موحشة ما فيها حشيش الراعية ولا فيها من الماء ما يبل به الانسان الريق وقد أخذهم القلق وضاع منهم الرأي قال الفضل بن العباس للإمام فماذا تصنع من الرأي فقال نسير كلنا في طريق واحد ونطلب النصر من القادر الماجد فان كان لنا نجاة أدركناه وإن كانت الآجال فرغت قضاياها ثم إنهم ساروا كما أمرهم الامام على طريق واحد وما زالوا سائرين الى أن حكمت الشمس في قبة الفلك وأوهج البر وتحرك ومن شدة الظمأ التجأوا الى بعض الشعاب ونزلوا على الارض وقد قل نشاط الخيل وعدم من الخيالة الجلد والخيل وقد فتح الجميع انوفهم وأفواههم الى الهواء وجعلوا يستنشقون الريح وكل هذا بقضاء الله تعالى وقدره واماؤ منازلهم عنده ولم يزالوا كذلك الى أن جاء وقت العصر وجدوا في المسير على برد الهوى من وقت العصر الى أن طلع الفجر وهم في مشيتهم لأجل أن يخرجوا من تلك البرية التي جاءهم منها كل أذية ولما أصبح الصباح وجدوا البر قد أتسع عليهم فجدّوا في مسيرهم وزادوا في نشاطهم وكان الذي في ظنهم أن ينتهوا الى آخر الوادي هذا وقد حميت عليهم الشمس وزاد الحر وتضاحى النهار وتوقدت الاقطار وزادت على القوم النار وقصرت الخيل من شدة العطش والظمأ وأيقنوا بالهلاك والفناء ولا عاد يلتفت الرفيق الى رفيقه ولا الصديق الى صديقه وقد نزل الجميع من على ظهر خيولهم وارتموا على الارض كالموتى وكل منهم يقول لا حول ولا قوة إلا بالله .
( قال الراوي ) فلما عاين علي رضي الله عنه ذلك رفع رأسه الى السماء وقال اللهم يا من عن خلقه قد احتجب فلا يرى يا من أخرج النبات وللرعى ويا من أخرج من ظلمة الاحشا نسمة تسعى ويا من قهر الجبابرة المتمردين قهراً أسألك بحرمة نبيك المصون وأسمك المكنون الذي فضلت به فواضل التفضيل يا أحكم الحاكمين أختلفت اللغات وظهرت الأسماء وتقابلت الأفعال وتصرفت الأملاك فلك من سمائك ملائكة يسبحون أسألك اللهم بحق حبيبك محمد الذي فضلته على جميع الامم أن ترسل لنا فرجاً من عندك يالله يا الله يا رب العالمين وتنجينا من هذا الضيق وتجعل لنا منه مخرجاً ودليلاً على الطريق الحميد مولانا قد حارت منا الخواطر وأنت أعلم بالسرائر والضمائر أسألك باللوح وما حوى من الأسماء أن ترزقنا من السماء ماء تبرد به أكبادنا من العطش والظمأ فما أتم الامام دعاءه حتى هطلت الأمطار على الارض وعلى الجبال مطراً كأفواه القرب وفي أقل من ساعة سمع للأودية خريراً كخرير النيل وفرح الاسلام بما قد منّ عليهم الملك العلام لكنهم قد التجأوا الى الشعاب خوفاً من الغرق وتعجبوا في هذه القدرة التي لا يقدر عليها إلا الذي خلق الانسان من علق وقد رووا خيولهم وبردوا أكبادهم وقلوبهم وبعد ذلك صفا الجو وصحا وقد كان لهم الماء ذلك اليوم نجاة وفرحاً وأنكشفت الطرقات وسار الماء في تلك الارض ورواها وقد لاح لهم وجه السلام والحمد لله الملك العلام الذي أرسل لهم هذا الغمام وتيقنوا أن لهم النصر من الملك العلام ذي الجلال والاكرام .
( قال الراوي ) هذا ما كان من أمر هؤلاء وأما ما كان من الامام فأنه أقام لأجل راحة الرجال ثلاثة أيام حتى ذهب ما كان قد أعترى الأبطال من العطش والخيال وقد زاد قلق الامام علي على عمرو وقد علم إنه انعاق في طريقه فقال ابن عبدالله ابن انس الجهني فقال له لبيك يا أمير المؤمنين فقال لا شك ان عمر بن أمية انعاق في الطريق من حين أرسلته إنه يكشف لنا خبر الماء فما ظهر له خبر وأريد ان تذهب اليه وتنظر ماذا جرى عليه واحذر من الاعداء وكن في امرك على عجل فقال له السمع والطاعة ثم ان عبدالله انطلق من تلك الساعة واعطى رجليه للريح وسار وسار الامام ينتظر الاثنين طول ذلك اليوم وتلك الليلة فلم يأت منهما احد الى ان طلع الصباح بنوره ولاح وقد تعالت الشمس وتضاحى النهار وإذا بالغبار قد علا وسد الأقطار وانكشف بعد ساعة وبان عن البطلين الشجاعين وهما عمرو بن امية وعبد الله بن انس الجهني فلما تحقق ذلك الامام علي والمسلمون هللوا وكبروا وحمدوا الله على سلامتهما وقاموا لهما على الأقدام واستقبلوهما بالترحيب والاكرام ثم جعل الامام يسألهم عن اخبارهما فتقدم اليه عبد الله بن انس وقال اما انا فقد جرى لي امر عجيب وهو اني يا أمير المؤمنين سرت في ذلك البر والآكام الى أن جاء وقت العصر فبينما أنا سائر وإذا بغبار قد طلع وبان وعلا حتى التحقق بعنان السماء وضربته الرياح فتمزق وكان ذلك عند البئر وارض الغدير الذي كان قاصدها عمرو ابن امية الضمري فتأملت الى ذلك الغبار وإذا هم أبطال وشجعان يزيدون عن الف فارس كرار فرأيتهم قاصدين نحوي فعند ذلك حدثني قلبي أنهم أعداء أهل الايمان وانهم قد قبضوا على عمرو بن امية فأردت أن التجيء الى الغدير أو الى البئر فلم أر بهما ماء ثم اني خفت أن يلحقوني من تعبي فنزعت ما كان علي من الثياب وحفرت حفرة وضمتها فيها وغطيت عليها با لأحجار وغطيت الأحجار بالتراب فبقي ذلك مثل القبر ثم اني أخذت حجراً محرفاً وضربت به رأسي فسال الدم وأيضاً جرحت ساقي فسال الدم على سائر جسدي فتلطخت بالدم وتوشحت بقطعة رداء كنت أدخرها لمثل هذا ثم اني جلست على ذلك القبر وجعلت ابكي وأنوح من كبد عليل مجروح وصرت أحثو التراب على رأسي وأنادي هل من مجير هل من نصير ولم أزل على هذا الكلام الى أن وصل الفرسان وسألوني عن حالي وما الذي جرى علي من الأهوال ومن أي العرب أنا والى أين سائر فقلت لهم مسرعاً في جوابي اعلموا ياقوم أنا رجل من أشراف بني هذيل وكان لي مال جزيل وخدم وعبيد وفي تلك الأيام قل مالي وعسر حالي فخرجت أنا وأخي هذا نقصد قبائل عرب بني رباح نطلب منهم الاحسان فأعطونا خمسة رؤوس وعشرة من الابل فشكرنا هم على فعالهم وسرنا في تلك الآكام الى أن وصلنا الى هذا المكان فبينما نحن سائرون وإذا بالإمام علي قد طلع علينا في جملة من رجاله فأخذوا ما كان معنا وجردونا من ثيابنا فتقدم أخي لهم وقال لهم لا تبغوا علينا ياسادات العرب فها أنتم أهل الجود والارب ونحن رعاياكم فلأي شيء تظلموننا وبأي وجه تتعدوا ببغيكم علينا فلما سمعوا من أخي ذلك الكلام قتلوه وعلى وجه الارض جندلوه وكان أخي هو الأصغر وأنا الأكبر وقد هجموا علي ليقتلوني فاستغثت بهم فما قتلوني وما رجموني بل جرحوني هذه الجروح كما ترى ومضوا عني وتركوني ثم إني يا سادات العرب دفنت أخي هنا وصرت أبكي وأنوح من كبد مجروح وهذه حكايتي يا أمير المؤمنين ارددت في البكاء والانتحاب حتى انهم رحموني وتقدم لي كبيرهم وقال لي يا شيخ طب نفساً وقر عيناً فها نحن نعطيك من المال أكثر ما ذهب منك ونأخذ لك بثأر اخيك ونخلص حقك من أعاديك فسر معنا الآن الى خيامنا فقمت يا أمير المؤمنين وأنا أمشي وأقع على وجهي ودموعي على خدي تجري ولم أزل معهم الى أن وصلنا الى الخيام وإذا أنا بعمرو بن امية في شدة الهوان وهو مربوط في القيود والأغلال فجعلت أرمقه بعيني وإذا بكبارهم التفتوا الي وقالوا لي يا شيخ أما تدري من هذا قلت لا قالوا عمرو بن امية الضمري ساعي ركاب محمد فلما سمعت ذلك تحسرت وزاد كربي وجعلت اضربه بالاحجار ثم أقبلت عليه وقلت وحق اللات والعزى والهبل والكبير الأعلى لابد أن أقطع لك يديك ورجليك وأخرق عينيك وأقطع رأسك وأخمد أنفاسك وآكل لحمك وأشرب دمك يا مقطوع النخاع ياشيخ السوء وما كفاك انت ومحمد هذه الاسحار والحيل والخداع ثم اني يا أمير المؤمنين نظرت عن يميني وإذا أنا برجل من المتوكلين بعمرو وفي يده سوط فجذبت منه السوط وجعلت أضرب به عمرو حتى اوجعته ضرباً ثم إني جعلت اعضه من أذنيه وفي يديه وهو يستجير فلا يجار ثم انهم يا أمير المؤمنين لما عاينوا ذلك مني صدقوني في كل اموري وقالوا لي ياهذا تسلم هذا المكار وتوكل بعذابه في الليل والنهار وخذ منه بالثأر وأجل عن أخيك العار ولا تغفل عنه ولا تهمله لئلا يقتلك بمكره ويعود علينا بشره فقلت السمع والطاعة .
وتسلمت عمراً من المتوكلين به وجعلت اعاقبه ثم انهم قالوا لي غداً نعطيك قيمة ما اخذه منك علي ابن ابي طالب من الخيل والجمال ونزيدك مثلهم ثم امر لي كبيرهم بمائتي دينار في الحال اعطوهم لي وقالوا لي احفظ هذا الشيخ واحرص ان يهرب منك فقلت سمعاً وطاعة ثم اني جعلت اضرب عمراً الى انكاد ان بغشى عليه وصار يستغيث فلا يغاث وأنا لا ارحمه وهم يتعجبون مني ولم ازل على ذلك الى ان انتصف الليل وغلب على القوم المنام فوثبت قائماً على اقدامي وحللت عمراً من وثاقه وقلت له اتبعني يا عمرو فتبعني فخرجنا من الحي الى ظاهر الخيام واسرعنا في الهرب ثم التفتنا ورائنا فرأيناهم قد ركبوا خيولهم وجدوا في طلبنا ونحن مشاة ونحن خيالة فما لحقوا منا غير الغبار فمادوا على انفسهم بالملامة ورجعوا بالخيبة والندامة ولم نزل نجد في سيرنا الى ان وصلنا الى المكان الذي في الطريق فأخذت حوائجي واتينا ثم التفت الامام الى عمرو وقال له اخبرنا عما جرى معك وكيف قبضوا عليك فقال عمرو يا أمير المؤمنين اني لما سرت انظر بئر ماء العيرة ووصلت اليه والى الغدير الذي هناك فلم اجد بهما ماء فأردت ان اعود اليكم وايقنت انكم في انتظاري فبينما انا على تلك الحالة واذا بفارس من صدر البرية قد اقبل علي وقال لي ياشيخ من انت ومن اين اقبلت والى اين تريد وكيف حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم فقلت له وقد ظننت انه من احباب رسول رب العالمين وإمام المتقين اما من خصوص محمد فهو في خير وتمام عافية شاملة وأما سؤالك عني فانا من اصحاب محمد الذي ذكرته انا البطل القوي والريح الجري انا عمرو بن امية الضمري ساعي ركاب النبي واني سائر في طلب الماء وقد أخبرته يا أمير المؤمنين بما كنا فيه من أمر العطش والظمأ ثم اني أنا الآخر سألته وقلت له وأنت من تكون أيها البطل الهمام المحب لسيد الأنام فقال أنا كبير بني غطفان وجميع قومنا من أهل الايمان واني قد سمعت بذكرك يا عمرو وعملت انك ساعي مثل الجمر ولكن أبشر بما يسر خاطرك ويزل همك وضررك وكن واقفاً مكانك حتى تأتيك من عندنا بما تبلي به رمق قومك الى أن تصلوا الى الغدران ثم أنتهى يا أمير المؤمنين الى قومه وقال لهم بأعلى صوته ويلكم يابني عمي انتم تقيمون في الهنا وتتركون احبابكم في شدة العنا وإني اعلمكم ان عمرو بن امية الضمري يفتش على الماء وفي صحبته الامام علي بن ابي طالب وهو الآن خلف الجبل فأدركوه وكنت انا اسمع ذلك النداء فحسبت انهم يدركوني بالماء فبينما انا كذلك وإذا بالخيل من الأربع جهات نحوي تبادرت وعلي اقبلت وانا ثابت مكاني لا أتحرك الى ان وصلوا عندي وقبضوا علي وربطو يدي ورجلي وسحبوني وقالوا لي يا ابن العاهرة أتظن ان احداً لا يقدر على مكركم ودهاكم ها نحن قبضنا عليك ولا بقي لك خلاص من الاغلال وانت الآن اسير وأنا لا أرد لهم جواباً ولا أبدي لهم خطاباً ثم صاروا يضربونني بالسياط وأنا أصيح وهم يسحبوني على وجهي حتى انتهوا بي الى خيامهم واجتمع علي كبارهم وصغارهم وصاروا يضربونني ويضحكون علي وكان اول من تقدم يضربني الذي كان قابلني وقد أتاني بجنزير من الحديد والبسني إياه وله جنازير من ذات اليسار وذات اليمين فوضعوه في عنقي فتأسفت على هذه الحال وقلت لا حول ولا قوة إلا بالله ثم إني اقمت على تلك الحالة المشئومة الى ان خرجوا الى الصيد والقنص وعادوا آخر النهار ومعهم أخي عبد الله وقد فعل ما فعل وما زال يتحيل بكل الحيل حتى خلصني من أيديهم ولكنه يا أمير المؤمنين أوجعني الضرب والعذاب الأليم ولما خلصني وخرجنا من الخيام دروا بنا فسرنا مجدين وهم خلفنا فلم يلحقوا منا أثراً الى ان وصلنا .
قال فلما سمع الامام ذلك الكلام تعجب غاية العجب وقال والله لولا اني اخشى طول الغياب لسرت نحوهم وقتلتهم عن آخرهم ولم ابق منهم بقية وعلى كل حال سأفي قضاء حاجة ابن عمي محمد صلى الله عليه وسلم فلم أتوان عنها ثم امر الامام بالمسير فسرنا يوماً وليلة حتى اشرفنا على جبال العقيق فنزلنا فيها وارحنا انفسنا نهارها وهي ارض ذات اشجار وانهار فبينما نحن مقيمون وإذا بصرخة عظيمة ارتج منها الوادي واظلم منها الجو فدهشنا وفزعنا فقال الامام لا تخافوا ولا تفزعوا وانا اكشف لكم الخبر اظن ان هذه الصرخة من الجن ولكن كونوا على حالكم ثم ان الامام تركهم ومضى الى الجبل وإذا هو بشيخ يتوكا على عصا في يده ولم يزل سائر الى ان وصل الى الامام وقبل يديه وقال اهلاً ومرحباً بالامام أمير المؤمنين لقد أضاءت بنور وجهك بلادنا ثم ان الشيخ يمدح الامام بهذه الأبيات :
أهلاً وسهلاً بالإمام حيدر === صهر النبي الطاهر المطّهر
صاحب القدر العلي الأكبر === قاطع الأعـــدا بحــــد الأبتر
ابن عم المصطفى المظفر === صاحب الحظ الجزيل الأوفر
الف السلام الباهر المكرر === أهديه للمبعوث خير البشر
أرجو به من الكريم الغافر === شفاعة عظمى بيوم المحشر
فلما سمع الامام علي كلامه وحسن نظامه قال من تكون أيها الشيخ من الجان ولمن هذا الصراخ في الوديان فقال له أنا شمروخ بن أرضما وأنا أسألك بحق النبي صلى الله عليه وسلم أن تشرفنا هذه الليلة وتقيم عندنا ليحصل لنا ببركتك الهنا ويبعد عنا بفضلك العنا فقال الامام أيها الشيخ أعلم إني ليس لي مقدرة على ذلك وليس لي إلى الاقامة سبيل لأني سائر في حاجة رسول رب جليل.
فبينما الامام يتحدث مع شمروخ وإذا بالأسمطة قد امتدت وعلى وجه الأرض فرشت والصواني من فوقها وضعت والأواني فوقها امتدت والفواكه قد أقبلت والمياه قد تبردت ورجال من الجن في الخدمة وقفت ثم إن شمروخ قال يا أمير المؤمنينسألتك بالله العظيم والرسول الكريم ان تجبر بخاطري أنت ورجالك جميعهم لأن قصدي أتشرف بكم وتأكلون زادي فنزل الامام علي وحضر كل الرجال واصطفوا وأكلوا حسب الكفاية ثم ارتفعت تلك المائدة وغسلت الايادي وأقاموا ذكر النبي الهادي ...
إنتـظـروا بـقيـت قصـة رأس الغـول الشـهيـر يـتبـع هـذا المـوضـوع بنفـس إسـم الموضـوع وشكـراً ..
منـقـوـوـول منـ منتديـآت قبيـلة خثعم بقـلم الكـآتـب شـهـآب الغـول ..
دمتم بـود