ابو دريع
04-07-2005, 05:22 PM
لقد أخترت عنوان الحجاز قبل مئة عام لأنه يتحدث عن مكة والمدينة المنورة وجدة والطائف إضافة إلى موضوعه الرئيسي الحج .
من الموقع http://www.hadj.ir/arabi/htms/423.htm
الحجّ قبل مائة سنة
أعدها : عبد الله المؤمن
التعريف بعبد العزيز دولتشين وسفرته السرية إلى مكة
بادئ ذي بدء يَحسُن بنا أن نتعرف على البطاقة الشخصية لعبد العزيز دولتشين، حيث «ولد في 24 حزيران 1861م في عائلة ضابط في الجيش الروسي. وقد شغل والد المؤلف مناصب هامة في ادارة مناطق الاورال الجنوبية في روسيا.
بعد التخرج من مدرسة الامبراطور بافل العسكرية في بطرسبورغ، خدم عبد العزيز دولتشين خمس سنوات في قلعة دينابورغ، وتعلم في سنوات 1887 ـ 1890م في صفوف اللغات الشرقية... اللغات العربية والتركية والفارسية والانكليزية والفرنسية، ولم يسع وراء الوظائف العالية.
وعندما وردت مسألة ضرورة ترشيح ضابط من الجيش الروسي، لأداء فريضة الحج، بعد أن تمت دراسة هذه الممارسة وهل تشكل خطراً على مصالح روسيا العسكرية والسياسية في الشرق؟... فقد تم ترشيح دولتشين لهذه المهمة، وبما أنه كان مسلماً، فقد اعتبر إمكانية أداء فريضة الحج منحة من القدر، ومهمة المأمورية فرصة لمساعدة الآلاف من اخوانه في الإيمان; من المسلمين من رعايا روسيا، مساعدة فعلية في أداء فريضة الحج،...
وفي حياة دولتشين مرحلة خاصة ترتبط ببناء جامع بطرسبورغ حيث كان رئيساً للجنة بنائه، وقد جرى إرساء أساس الجامع في 3 شباط 1910م.
ومن المؤسف أنه لم يتسنّ لنا أن نعثر على مواد تتعلق بمصير عبد العزيز دولتشين لاحقاً.
حدود الحجاز:
في تقرير بعثه دولتشين عن المأمورية إلى الحجاز يذكر معلومات تمهيدية موجزة ـ كما تأتي تباعاً ـ عن الحدود بقوله: «الحجاز الذي تتّجه إليه حركة حجّ المسلمين إنما هو جزء من الجزيرة العربية يمتد شريطاً ضيقاً بمحاذاة ساحل البحر الأحمر... تحدّه من الشمال فلسطين، ومن الشرق نجد، ومن الجنوب اليمن ومن الغرب البحر الأحمر، واسم الحجاز من فعل حجز، أطلق حسب تفسير العرب، نظراً لوجود هذه المنطقة بين نجد والبحر الأحمر.
وبالنسبة لنا لا يتسم بأهمية غير القسم الجنوبي 3/1 من الحجاز حيث تقع مدينتا مكة المكرمة والمدينة المنور».
سطح الحجاز:
ومن ثم يصف لنا دولتشين طبوغرافية الحجاز بمكوناته من السلاسل الجبلية، والصخور الحادة الأطراف وبوديانه، حيث يقول في ذلك: «الحجاز بلد جبلي جداً، سلاسل الجبال المؤلفة من كتل حجرية عارية، وغير العالية نسبياً (1000 - 3000 قدم)، وأحياناً تتواجد بين الجبال ـ خاصة على مقربة من البحر ـ صخور مميزة حادة الأطراف.
والجبال تقطعها فجاج رملية خالية من الماء يسمون الواحدة منها «وادي»، وأهمها تتجه نحو البحر، وفي قاع هذه الفجاج فقط توجد ينابيع الماء النادرة في الحجاز، فليس في الحجاز نهر ولا حتى نهير، وماء الينابيع الذي يسيل هنا وهناك في قاع الوادي ينفقونه في الحال لري البساتين و زراعة الخضروات، والسكان الرحل يستعملون في المعتاد الآبار والصهاريج التي تمتلئ بالماء السائل من الجبال أثناء الأمطار الغزيرة.
وأغنى الفجاج بالماء ومظاهر السيول هي وادي فاطمة، وادي الليمون، السيل الكبير قرب مكة، وادي الصفراء غربي المدينة المنورة.
إن منظر الحجاز هو على العموم واحد ـ كئيب وصارم ومرهق بقحله وانعدام الحياة فيه;...
النباتات والحيوانات:
ثم ينتقل دولتشين في تقرير رحلته الحجازية إلى نباتات الحجاز واصفاً ندرتها، وكذلك بالنسبة للحيوانات التي لاتتعدى صنفاً من القرود، والثعالب، اُنظر إليه يقول: «الحجاز فقير جداً بالنباتات من جراء القيظ الخارق ونقص الرطوبة، ومن عداد النباتات الخشبية رأيت في جميع الفجاج شجرة شائكة جداً من نوع الطلح اسمها الشوك...
وبصورة أندر تقع العين على أصناف أخرى من النباتات، ومنها أم غيلان والسنط، وأقرب إلى البحر تقع العين على مجموعات كبيرة من نبات يشبه الايندرا كثيراً، ولكن مقاييسه كبيرة ويسمى العُشرّ.
في ضواحي مكة ينمو بأعداد كبيرة السنا المكي; وأوراقه معروفة في البيع باسم «الورق الاسكندري».
الحجاز الفقير بالنباتات فقير أيضاً بالحيوانات، ومن عالم الحيوان، رأيت شخصياً، بالشكل البري، نوعاً صغيراً من القرود، والثعالب، ورأيت من الطيور الحمام والغراب، والقنابر الكبيرة والحدآن، يقولون: إنه توجد أيضاً ذئاب وضباع وظباء، ومن الطيور اللقلق والهدهد، وغيرهما».
حركة الحجّ في الحجاز:
يصف دولتشين طرق المواصلات ـ في زمنه ـ وما يتعرض له المسافرون من مخاطر وظروف خاصة، ونتيجة لذلك فالسفر يكون عادة نهاراً تجنباً لما لا تُحمد عُقباه، اُنظر إليه حيث يقول: « لإجل النقل يستعملون في المعتاد بعيراً ـ جملا للنقل، وفي هذه الحالة يشدّون إلى ظهره سلّتين ( قفتين ) لهما ( يقصد به الهودج الذي يوضع على ظهر البعير وتجلس فيه النساء ) ، لأجل التظليل، ضرب من خصين، ويسميان بالرحل، أو يستعملون بعيراً خفيفاً (هجيناً) يشدّون على ظهره سرجاً فقط.
وعدا الرجال يوجد أيضاً ما يسمى «التختروان» ـ أي اكشاك معلقة بين عريشين طويلين، وتختروان يتطلب جملين للنقل غالباً ما يستبدلونهما نظراً لثقل هذه المنشأة الكبيرة، ولذا يكون النقل عليهما غالياً جداً، الامر الذي لا يستطيعه سوى كبار الاغنياء.
ومن الجمال يؤلفون قوافل كبيرة نوعاً ما بقيادة «المقوّمين»! أما الهجائن، فيشكلون منها ركباً يقوده على طول الطريق كله شيخ ينتخبه المسافرون أنفسهم عند الانطلاق.
ونظراً لمخاطر الطريق، تسير القوافل عادة في النهار، وتنطلق في الصباح الباكر وتتوقف تبعاً لطول المرحلة، وتشكل جمال كلّ مقوّم مجموعة منفردة تصطف وفقاً لعرض الطريق، في ثلاثة أو أربعة خطوط متوازية. وتسير المجموعات بحيث لا تكون بعيدة بعضها عن بعض.
والمقوّم نفسه يمضي على ظهير هجين; أما سواقوا الجمال، فإنهم يمضون دائماً سيراً على الاقدام مهما كان الطريق طويلاً، لأن الرحال (الشقادف) التي تشغل مكاناً كبيراً من حيث العرض غالباً ما تتصادم، فلا يندر أن يتعرض الجالسون فيها لانقلابات غير مستطابة ابداً.
وفي أوقات القيظ من السنة ينطلق الركب بحكم الضرورة ليلاً وذلك في الساعة الواحدة أو الثانية، ويتوقف حوالى الساعة السابعة، ثم ينهض حوالى الساعة الرابعة بعد الظهر ويسير حتى الساعة 8 أو 9 مساء.
عادة تجري حركة القوافل والركب في غضون 4 - 5 أشهر من الحج وفي شهر رجب حين يقوم سكان مكة بالحج إلى المدينة المنورة! أما في الوقت الباقي، فيتوقف كلّ اتصال».
المحملان السوري والمصري:
ودرءاً للمخاطر ـ مخاطر طريق الحج ـ يلجأ الحجاج منذ زمن سحيق ـ كما يقول دولتشين ـ إلى إرسال قوافل كبيرة كلّ سنة في زمن الحج محمية بخفر قوي أو كما يقول: «نظراً لمخاطر الطريق، يلجأون من سحيق الزمان إلى إرسال قوافل الحجاج كلّ سنة إلى مكة والمدينة المنورة لمناسبة زمن الحج، بحيث تكون قوافل كبيرة جداً، ويحميها خفر قوي، ويسير على رأسها محمل.
أحد المحامل ـ المحمل السوري ـ ينطلق من دمشق، وعادة يقطع المحمل السوري الطريق الى المدينة المنورة في غضون 27 - 30 يوماً، ومن المدينة الى مكة في غضون 12 يوماً; وبعد انتهاء المراسم، يعود في الحال الى دمشق بالطريق ذاته.
المحمل الآخر ـ المصري ـ ينطلق من القاهرة، قبل أن يحتلّ الانجليز القطر المصري، كان المحمل ينطلق في طريق البر عبر السويس والعقبة والوجه وينبغ ورابغ الى مكة ويعود بالطريق ذاته، معرجاً على المدينة المنورة.
أما الآن فينقلون المحمل المصري من السويس الى جدة بالباخرة، ويعيدونه عبر المدينة المنورة الى الوجه حيث تنتظره باخرة خاصة، ومع المحمل المصري ينقلون «الكسوة» المهيّأة كلّ سنة في القاهرة، وهي غطاء حريري أسود لأجل الكعبة».
بين جدّة ومكة:
ويصف دولتشين الطريق بين جدّة ومكة بكونه أكثر السبل انتعاشاً حيث تتوفر فيها مخافر ومقاه أو كما يقول:
«الطريق بين جدّة ومكة هو أكثر السبل انتعاشاً وأنسبها في الحجاز، وتحرسه على كلّ امتداده مخافر يضمّ كلّ منها 10 ـ 12 رجلاً، وفي النقاط التي يتوفر فيها الماء، توجد سقائف من القصب، وهي ضرب من خانات قهوة أي مقاه يمكن الحصول فيها على القهوة والشاي. وعلى طول الطريق، يستخرجون الماء من الآبار; وطعم الماء في النصف الأول من الطريق حتى جدة غير مستطاب في كل مكان.
وبمحاذاة الطريق ينطلق الخط التلغرافي الواصل حتى مكة على أعمدة جيدة من الحديد الصبّ ومنها عبر عرفات الى مدينة الطائف على اعمدة خشبية».
بيوت مكة:
ثم يعرج دولتشين الى مكة واصفاً بيوتها ذات الطوابق الثلاث، التي بنيت بالهندسة المعمارية الاصلية، وذاكراً أن مادة بنائها الحجر المستورد، أو كما يقول: «البيوت في مكة مبنية في المعتاد من ثلاثة طوابق، مع أنه توجد كذلك بيوت من 4 أو 5 طوابق، الهندسة المعمارية أصلية جداً، جميع الجدران تحفل بصفوف من نوافذ ناتئة تسمى «مشربية»، أما مادة البناء فهي الحجر والآجر المحروق، المرصوصان على الأغلب على الطين; وكذلك الخشب المستورد على الاغلب من جزر الزوند، والخشب الروسي (الألواح) المستورد من القسطنطينية.
والمشربيات ( ويقصد بها الرواشين ) تزينها من الخارج نقوش بديعة الرقة والإناقة أحياناً، ونتوء المشربيات يضعون في داخله دواوين واطئة ومخدات ; وبما أنه ابرد مكان في الغرفة فإنه يشكل زاوية مفضلة».
الحياة الفكرية في مكة:
يصف دولتشين الحياة الفكرية في مكة بقوله: إنها تدنت كما كانت من قبل حضارة طليعية وثقافة رائدة، على الرغم من وصول بعض الجرائد المصرية والتركية، وكذلك بالنسبة إلى أن العرب حرفيون ممتازون، اُنظر إليه في قوله: «الحياة الفكرية عند هذا الشعب القدير واللطيف لم تتقدم منذ ذلك العهد المجيد، الذي كان فيه العرب يسيرون في طليعة الحضارة، وليس هذا وحسب، بل على العكس تراجعت أيضاً; وتلك العلوم التي ابتدعوها وطوروها فيما مضى لفّها النسيان تماماً في الوقت الحاضر، بل إن التعليم الاولي البسيط ـ مجرد القراءة والكتابة ـ محصور ضمن حلقة ضيقة جداً; وأشراف مكة الذين يقومون بدور قادة الحجاج اثناء القيام بمراسم الحج لايعرفون ـ بأغلبيتهم الساحقة ـ القراءة ولا الكتابة.
وفي المدارس الدينية المحلية، كما في جميع المدارس الدينية في أي مكان آخر، يعلمون العلوم الرتيبة الدينية ذاتها بتفاصيلها الدقيقة جداً وغير الضرورية، مزدرين المواد الضرورية كالحساب والجغرافية مثلاً.
يرد إلى مكة عدد تافه جداً من الجرائد المصرية وعدد أقل من الجرائد التركية; وفي الحال يصبح مضمونها معروفاً في المدينة كلّها، نظراً لشدة تحرقها إلى الأنباء، وبالغ اهتمامها بالحياة السياسية للشعوب الأخرى.
يبقى أن أقول: إن العرب حرفيون ممتازون في الشغل على الحجر وعلى الخشب، ويملكون ذوقاً رفيعاً جداً، ومباني الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة تتميز بعمل بارع جداً وكذلك جدة ».
معاش أهل مكة:
يصف دولتشين معاش اهل مكة بأنهم يعيشون على الحجاج، وتصبح مكة عند ورود الحجاج إليها سوقاً واسعة أو كما يقول: «يمكن وصف اشغال سكان مكة بإيجاز بالغ ـ أنهم يعيشون على الحجاج. كانت مكة مركزاً تجارياً لعموم الجزيرة العربية، وكان زمن الحج في الوقت نفسه زمن السوق التجارية السنوية، وهذا الطابع بقي حتى الآن; وأثناء توافد الحجاج، تتحول المدينة إلى بازار( سوق ) هائل ينتشر من أبواب الحرم بالذات في جميع الشوارع والأزقة.
علاوة على استيراد كمية كبيرة من المنتوجات المعيشية لتلبية حاجات جموع الحجاج البالغ عددها أكثر من مائة ألف، يستجلبون إلى هنا كمية كبيرة من شتى البضائع من القسطنطينية ومصر والبلدان المجاورة في آسيا، وذلك مع قوافل الحجاج أو بالبواخر الى جدّة.
(مصر): تقدم على الأغلب المنتوجات المعيشية: الحنطة، الفول، الشعير، الذرة الصفراء، العدس، الرز، السكر، زيت الزيتون، وما الى ذلك.
)سوريا): ترسل مع المحمل الدمشقي وبحراً، عبر بيروت، كمية كبيرة من البضائع الحريرية، والألبسة الحريرية الجاهزة، والمناديل المطرزة بالحرير، والفواكه المجففة، والفالوذة.
)بغداد والبصرة): ترسلان مع قوافل الحجاج البضائع الحريرية والصوفية والرز، والسمنة البقرية والسمنة الغنمية.
( بلاد فارس) إيران : ترسل السجاد والحصائر والعباءات وغير ذلك من البضائع الصوفية.
(الهند): ترسل البضائع المستعمرية، والآنية من النحاس والبورسلين، والمطبوعات والمرجان والمواد العلاجية والمواد العطرية، وفلافلها.
(اليمن): ترسل البن، وعين الشمس، والعقيق.
(جزر السند): ترسل الكندر.
أثناء الحج، لايتعاطى السكان المحليون وحدهم التجارة، بل يتعاطاها كذلك تجار قادمون كثيرون».
من الموقع http://www.hadj.ir/arabi/htms/423.htm
الحجّ قبل مائة سنة
أعدها : عبد الله المؤمن
التعريف بعبد العزيز دولتشين وسفرته السرية إلى مكة
بادئ ذي بدء يَحسُن بنا أن نتعرف على البطاقة الشخصية لعبد العزيز دولتشين، حيث «ولد في 24 حزيران 1861م في عائلة ضابط في الجيش الروسي. وقد شغل والد المؤلف مناصب هامة في ادارة مناطق الاورال الجنوبية في روسيا.
بعد التخرج من مدرسة الامبراطور بافل العسكرية في بطرسبورغ، خدم عبد العزيز دولتشين خمس سنوات في قلعة دينابورغ، وتعلم في سنوات 1887 ـ 1890م في صفوف اللغات الشرقية... اللغات العربية والتركية والفارسية والانكليزية والفرنسية، ولم يسع وراء الوظائف العالية.
وعندما وردت مسألة ضرورة ترشيح ضابط من الجيش الروسي، لأداء فريضة الحج، بعد أن تمت دراسة هذه الممارسة وهل تشكل خطراً على مصالح روسيا العسكرية والسياسية في الشرق؟... فقد تم ترشيح دولتشين لهذه المهمة، وبما أنه كان مسلماً، فقد اعتبر إمكانية أداء فريضة الحج منحة من القدر، ومهمة المأمورية فرصة لمساعدة الآلاف من اخوانه في الإيمان; من المسلمين من رعايا روسيا، مساعدة فعلية في أداء فريضة الحج،...
وفي حياة دولتشين مرحلة خاصة ترتبط ببناء جامع بطرسبورغ حيث كان رئيساً للجنة بنائه، وقد جرى إرساء أساس الجامع في 3 شباط 1910م.
ومن المؤسف أنه لم يتسنّ لنا أن نعثر على مواد تتعلق بمصير عبد العزيز دولتشين لاحقاً.
حدود الحجاز:
في تقرير بعثه دولتشين عن المأمورية إلى الحجاز يذكر معلومات تمهيدية موجزة ـ كما تأتي تباعاً ـ عن الحدود بقوله: «الحجاز الذي تتّجه إليه حركة حجّ المسلمين إنما هو جزء من الجزيرة العربية يمتد شريطاً ضيقاً بمحاذاة ساحل البحر الأحمر... تحدّه من الشمال فلسطين، ومن الشرق نجد، ومن الجنوب اليمن ومن الغرب البحر الأحمر، واسم الحجاز من فعل حجز، أطلق حسب تفسير العرب، نظراً لوجود هذه المنطقة بين نجد والبحر الأحمر.
وبالنسبة لنا لا يتسم بأهمية غير القسم الجنوبي 3/1 من الحجاز حيث تقع مدينتا مكة المكرمة والمدينة المنور».
سطح الحجاز:
ومن ثم يصف لنا دولتشين طبوغرافية الحجاز بمكوناته من السلاسل الجبلية، والصخور الحادة الأطراف وبوديانه، حيث يقول في ذلك: «الحجاز بلد جبلي جداً، سلاسل الجبال المؤلفة من كتل حجرية عارية، وغير العالية نسبياً (1000 - 3000 قدم)، وأحياناً تتواجد بين الجبال ـ خاصة على مقربة من البحر ـ صخور مميزة حادة الأطراف.
والجبال تقطعها فجاج رملية خالية من الماء يسمون الواحدة منها «وادي»، وأهمها تتجه نحو البحر، وفي قاع هذه الفجاج فقط توجد ينابيع الماء النادرة في الحجاز، فليس في الحجاز نهر ولا حتى نهير، وماء الينابيع الذي يسيل هنا وهناك في قاع الوادي ينفقونه في الحال لري البساتين و زراعة الخضروات، والسكان الرحل يستعملون في المعتاد الآبار والصهاريج التي تمتلئ بالماء السائل من الجبال أثناء الأمطار الغزيرة.
وأغنى الفجاج بالماء ومظاهر السيول هي وادي فاطمة، وادي الليمون، السيل الكبير قرب مكة، وادي الصفراء غربي المدينة المنورة.
إن منظر الحجاز هو على العموم واحد ـ كئيب وصارم ومرهق بقحله وانعدام الحياة فيه;...
النباتات والحيوانات:
ثم ينتقل دولتشين في تقرير رحلته الحجازية إلى نباتات الحجاز واصفاً ندرتها، وكذلك بالنسبة للحيوانات التي لاتتعدى صنفاً من القرود، والثعالب، اُنظر إليه يقول: «الحجاز فقير جداً بالنباتات من جراء القيظ الخارق ونقص الرطوبة، ومن عداد النباتات الخشبية رأيت في جميع الفجاج شجرة شائكة جداً من نوع الطلح اسمها الشوك...
وبصورة أندر تقع العين على أصناف أخرى من النباتات، ومنها أم غيلان والسنط، وأقرب إلى البحر تقع العين على مجموعات كبيرة من نبات يشبه الايندرا كثيراً، ولكن مقاييسه كبيرة ويسمى العُشرّ.
في ضواحي مكة ينمو بأعداد كبيرة السنا المكي; وأوراقه معروفة في البيع باسم «الورق الاسكندري».
الحجاز الفقير بالنباتات فقير أيضاً بالحيوانات، ومن عالم الحيوان، رأيت شخصياً، بالشكل البري، نوعاً صغيراً من القرود، والثعالب، ورأيت من الطيور الحمام والغراب، والقنابر الكبيرة والحدآن، يقولون: إنه توجد أيضاً ذئاب وضباع وظباء، ومن الطيور اللقلق والهدهد، وغيرهما».
حركة الحجّ في الحجاز:
يصف دولتشين طرق المواصلات ـ في زمنه ـ وما يتعرض له المسافرون من مخاطر وظروف خاصة، ونتيجة لذلك فالسفر يكون عادة نهاراً تجنباً لما لا تُحمد عُقباه، اُنظر إليه حيث يقول: « لإجل النقل يستعملون في المعتاد بعيراً ـ جملا للنقل، وفي هذه الحالة يشدّون إلى ظهره سلّتين ( قفتين ) لهما ( يقصد به الهودج الذي يوضع على ظهر البعير وتجلس فيه النساء ) ، لأجل التظليل، ضرب من خصين، ويسميان بالرحل، أو يستعملون بعيراً خفيفاً (هجيناً) يشدّون على ظهره سرجاً فقط.
وعدا الرجال يوجد أيضاً ما يسمى «التختروان» ـ أي اكشاك معلقة بين عريشين طويلين، وتختروان يتطلب جملين للنقل غالباً ما يستبدلونهما نظراً لثقل هذه المنشأة الكبيرة، ولذا يكون النقل عليهما غالياً جداً، الامر الذي لا يستطيعه سوى كبار الاغنياء.
ومن الجمال يؤلفون قوافل كبيرة نوعاً ما بقيادة «المقوّمين»! أما الهجائن، فيشكلون منها ركباً يقوده على طول الطريق كله شيخ ينتخبه المسافرون أنفسهم عند الانطلاق.
ونظراً لمخاطر الطريق، تسير القوافل عادة في النهار، وتنطلق في الصباح الباكر وتتوقف تبعاً لطول المرحلة، وتشكل جمال كلّ مقوّم مجموعة منفردة تصطف وفقاً لعرض الطريق، في ثلاثة أو أربعة خطوط متوازية. وتسير المجموعات بحيث لا تكون بعيدة بعضها عن بعض.
والمقوّم نفسه يمضي على ظهير هجين; أما سواقوا الجمال، فإنهم يمضون دائماً سيراً على الاقدام مهما كان الطريق طويلاً، لأن الرحال (الشقادف) التي تشغل مكاناً كبيراً من حيث العرض غالباً ما تتصادم، فلا يندر أن يتعرض الجالسون فيها لانقلابات غير مستطابة ابداً.
وفي أوقات القيظ من السنة ينطلق الركب بحكم الضرورة ليلاً وذلك في الساعة الواحدة أو الثانية، ويتوقف حوالى الساعة السابعة، ثم ينهض حوالى الساعة الرابعة بعد الظهر ويسير حتى الساعة 8 أو 9 مساء.
عادة تجري حركة القوافل والركب في غضون 4 - 5 أشهر من الحج وفي شهر رجب حين يقوم سكان مكة بالحج إلى المدينة المنورة! أما في الوقت الباقي، فيتوقف كلّ اتصال».
المحملان السوري والمصري:
ودرءاً للمخاطر ـ مخاطر طريق الحج ـ يلجأ الحجاج منذ زمن سحيق ـ كما يقول دولتشين ـ إلى إرسال قوافل كبيرة كلّ سنة في زمن الحج محمية بخفر قوي أو كما يقول: «نظراً لمخاطر الطريق، يلجأون من سحيق الزمان إلى إرسال قوافل الحجاج كلّ سنة إلى مكة والمدينة المنورة لمناسبة زمن الحج، بحيث تكون قوافل كبيرة جداً، ويحميها خفر قوي، ويسير على رأسها محمل.
أحد المحامل ـ المحمل السوري ـ ينطلق من دمشق، وعادة يقطع المحمل السوري الطريق الى المدينة المنورة في غضون 27 - 30 يوماً، ومن المدينة الى مكة في غضون 12 يوماً; وبعد انتهاء المراسم، يعود في الحال الى دمشق بالطريق ذاته.
المحمل الآخر ـ المصري ـ ينطلق من القاهرة، قبل أن يحتلّ الانجليز القطر المصري، كان المحمل ينطلق في طريق البر عبر السويس والعقبة والوجه وينبغ ورابغ الى مكة ويعود بالطريق ذاته، معرجاً على المدينة المنورة.
أما الآن فينقلون المحمل المصري من السويس الى جدة بالباخرة، ويعيدونه عبر المدينة المنورة الى الوجه حيث تنتظره باخرة خاصة، ومع المحمل المصري ينقلون «الكسوة» المهيّأة كلّ سنة في القاهرة، وهي غطاء حريري أسود لأجل الكعبة».
بين جدّة ومكة:
ويصف دولتشين الطريق بين جدّة ومكة بكونه أكثر السبل انتعاشاً حيث تتوفر فيها مخافر ومقاه أو كما يقول:
«الطريق بين جدّة ومكة هو أكثر السبل انتعاشاً وأنسبها في الحجاز، وتحرسه على كلّ امتداده مخافر يضمّ كلّ منها 10 ـ 12 رجلاً، وفي النقاط التي يتوفر فيها الماء، توجد سقائف من القصب، وهي ضرب من خانات قهوة أي مقاه يمكن الحصول فيها على القهوة والشاي. وعلى طول الطريق، يستخرجون الماء من الآبار; وطعم الماء في النصف الأول من الطريق حتى جدة غير مستطاب في كل مكان.
وبمحاذاة الطريق ينطلق الخط التلغرافي الواصل حتى مكة على أعمدة جيدة من الحديد الصبّ ومنها عبر عرفات الى مدينة الطائف على اعمدة خشبية».
بيوت مكة:
ثم يعرج دولتشين الى مكة واصفاً بيوتها ذات الطوابق الثلاث، التي بنيت بالهندسة المعمارية الاصلية، وذاكراً أن مادة بنائها الحجر المستورد، أو كما يقول: «البيوت في مكة مبنية في المعتاد من ثلاثة طوابق، مع أنه توجد كذلك بيوت من 4 أو 5 طوابق، الهندسة المعمارية أصلية جداً، جميع الجدران تحفل بصفوف من نوافذ ناتئة تسمى «مشربية»، أما مادة البناء فهي الحجر والآجر المحروق، المرصوصان على الأغلب على الطين; وكذلك الخشب المستورد على الاغلب من جزر الزوند، والخشب الروسي (الألواح) المستورد من القسطنطينية.
والمشربيات ( ويقصد بها الرواشين ) تزينها من الخارج نقوش بديعة الرقة والإناقة أحياناً، ونتوء المشربيات يضعون في داخله دواوين واطئة ومخدات ; وبما أنه ابرد مكان في الغرفة فإنه يشكل زاوية مفضلة».
الحياة الفكرية في مكة:
يصف دولتشين الحياة الفكرية في مكة بقوله: إنها تدنت كما كانت من قبل حضارة طليعية وثقافة رائدة، على الرغم من وصول بعض الجرائد المصرية والتركية، وكذلك بالنسبة إلى أن العرب حرفيون ممتازون، اُنظر إليه في قوله: «الحياة الفكرية عند هذا الشعب القدير واللطيف لم تتقدم منذ ذلك العهد المجيد، الذي كان فيه العرب يسيرون في طليعة الحضارة، وليس هذا وحسب، بل على العكس تراجعت أيضاً; وتلك العلوم التي ابتدعوها وطوروها فيما مضى لفّها النسيان تماماً في الوقت الحاضر، بل إن التعليم الاولي البسيط ـ مجرد القراءة والكتابة ـ محصور ضمن حلقة ضيقة جداً; وأشراف مكة الذين يقومون بدور قادة الحجاج اثناء القيام بمراسم الحج لايعرفون ـ بأغلبيتهم الساحقة ـ القراءة ولا الكتابة.
وفي المدارس الدينية المحلية، كما في جميع المدارس الدينية في أي مكان آخر، يعلمون العلوم الرتيبة الدينية ذاتها بتفاصيلها الدقيقة جداً وغير الضرورية، مزدرين المواد الضرورية كالحساب والجغرافية مثلاً.
يرد إلى مكة عدد تافه جداً من الجرائد المصرية وعدد أقل من الجرائد التركية; وفي الحال يصبح مضمونها معروفاً في المدينة كلّها، نظراً لشدة تحرقها إلى الأنباء، وبالغ اهتمامها بالحياة السياسية للشعوب الأخرى.
يبقى أن أقول: إن العرب حرفيون ممتازون في الشغل على الحجر وعلى الخشب، ويملكون ذوقاً رفيعاً جداً، ومباني الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة تتميز بعمل بارع جداً وكذلك جدة ».
معاش أهل مكة:
يصف دولتشين معاش اهل مكة بأنهم يعيشون على الحجاج، وتصبح مكة عند ورود الحجاج إليها سوقاً واسعة أو كما يقول: «يمكن وصف اشغال سكان مكة بإيجاز بالغ ـ أنهم يعيشون على الحجاج. كانت مكة مركزاً تجارياً لعموم الجزيرة العربية، وكان زمن الحج في الوقت نفسه زمن السوق التجارية السنوية، وهذا الطابع بقي حتى الآن; وأثناء توافد الحجاج، تتحول المدينة إلى بازار( سوق ) هائل ينتشر من أبواب الحرم بالذات في جميع الشوارع والأزقة.
علاوة على استيراد كمية كبيرة من المنتوجات المعيشية لتلبية حاجات جموع الحجاج البالغ عددها أكثر من مائة ألف، يستجلبون إلى هنا كمية كبيرة من شتى البضائع من القسطنطينية ومصر والبلدان المجاورة في آسيا، وذلك مع قوافل الحجاج أو بالبواخر الى جدّة.
(مصر): تقدم على الأغلب المنتوجات المعيشية: الحنطة، الفول، الشعير، الذرة الصفراء، العدس، الرز، السكر، زيت الزيتون، وما الى ذلك.
)سوريا): ترسل مع المحمل الدمشقي وبحراً، عبر بيروت، كمية كبيرة من البضائع الحريرية، والألبسة الحريرية الجاهزة، والمناديل المطرزة بالحرير، والفواكه المجففة، والفالوذة.
)بغداد والبصرة): ترسلان مع قوافل الحجاج البضائع الحريرية والصوفية والرز، والسمنة البقرية والسمنة الغنمية.
( بلاد فارس) إيران : ترسل السجاد والحصائر والعباءات وغير ذلك من البضائع الصوفية.
(الهند): ترسل البضائع المستعمرية، والآنية من النحاس والبورسلين، والمطبوعات والمرجان والمواد العلاجية والمواد العطرية، وفلافلها.
(اليمن): ترسل البن، وعين الشمس، والعقيق.
(جزر السند): ترسل الكندر.
أثناء الحج، لايتعاطى السكان المحليون وحدهم التجارة، بل يتعاطاها كذلك تجار قادمون كثيرون».