المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وقفة .. مع المحتفلين بيوم 12 ربيع الأول


ابو دريع
04-20-2005, 09:09 PM
وقفة .. مع المحتفلين بيوم 12 ربيع الأول



حسن الحسيني
البحرين


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين ، أما بعد : فهذه وقفات مع المحتفلين بميلاد خير البشر صلى الله عليه وآله وسلم ، أسأل الله أن ينفع بها :

الوقفة الأولى
لقد أمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم باتباع الشريعة الربانية ، وعدم اتباع الهوى ، قال تعالى : ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) ، فالعبادات كلها توقيفيّة ، بمعنى أنه لا مجال للرأي فيها ، بل لا بد أن يكون المشرّع لها هو الله سبحانه وتعالى ، ولذلك أمر الله نبيّه في أكثر من موضع باتباع الوحي : ( إن اتبع إلا ما يوحى إليّ ) ، وقد قرّر العلماء أنّ : العبادات مبنيةٌ على الاتباع لا الابتداع .

الوقفة الثانية
لقد امتنّ الله تعالى على عباده ببعثة الرّسول صلى الله عليه وسلم وليس بميلاده ، قال تعالى : ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (آل عمران:164) .

الوقفة الثالثة
السلف الصالح لم يكونوا يزيدون من الأعمال في يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الأيام ، ولو فعلوا لنقل إلينا ! ولا يخفى لأنهم أشدّ الناس حبًّا وتعظيمًا واتباعًا .
قال العلامة / أبي عبد الله محمد الحفار المالكي : ( ألا ترى أنّ يوم الجمعة خير يومٍ طلعت عليه الشمس ، وأفضل ما يفعل في اليوم الفاضل صومه ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة مع عظيم فضله ، فدلّ هذا على أنه لا تحدث عبادة في زمان ولا في مكان إلا إذا شرعت ، وما لم يشرع لا يفعل ، إذ لا يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما أتى به أولها ... والخير كله في اتّباع السلف الصالح ) المعيار المعرب 7 / 99 .

الوقفة الرابعة
انظر إلى فقه الفاروق عمر بن الخطاب حين أرَّخ بهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم رمز انتصار دينه ، ولم يؤرّخ بمولده ووفاته ، أتدري لماذا ؟ تقديماً للحقائق والمعاني على الطقوس والأشكال والمباني !!

الوقفة الخامسة
إن أوّل من أحدث بدعة المولد : الخلفاء الفاطميون بالقرن الرابع للهجرة بالقاهرة ، فقد ابتدعوا ستة موالد : المولد النبوي، ومولد الإمام علي وفاطمة والحسن والحسين ، ومولد الخليفة الحاضر ، وبقيت هذه الموالد على رسومها إلى أن أبطلها الأفضل ابن أمير الجيوش ، ثم أعيدت في خلافة الحاكم بأمر الله سنة 524هـ بعد ما كاد الناس ينسونها .
فعلى هذا لم تعرف الأمة هذا المولد قبل هذه الدولة ، فهل هي أهلٌ للاقتداء بها ؟ والغريب أنّه وصل بالبعض ، تفضيل ليلة المولد النبوي على ليلة القدر !!

الوقفة السادسة
اختلف المؤرخون وأهل السير في الشهر الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل : ولد في شهر رمضان ، والجمهور : على أنه ولد في ربيع الأول ، ثم اختلف هؤلاء في تحديد تاريخ يوم مولده على أقوال :

فقيل : اليوم الثاني من ربيع الأول قاله ابن عبد البرّ ، وقيل : اليوم الثامن ، صححه ابن حزم ، وهو اختيار أكثر أهل الحديث ، وقيل : اليوم التاسع ، وهذا ما رجّحه أبو الحسن الندوي ، وزاهد الكوثري ، وقيل : اليوم العاشر ، اختاره الباقر ، وقيل : اليوم الثاني عشر ، نصّ عليه ابن إسحاق ، وقيل : السابع عشر من ربيع الأول ، وقيل : الثامن عشر من ربيع الأول ...

وهذا إن دلّ على شيء فهو يدلّ على عدم حرص الصحابة على نقل تاريخ مولده صلى الله عليه وسلم إلينا ، فلو كان في ذلك اليوم عبادة ، لكانت معلومة مشهورة لا يقع فيها خلاف ، ولنقل إلينا مولده على وجه الدقّة .

قال الشيخ القرضاوي : ( إذا نظرنا إلى هذا الموضوع من الناحية التاريخية : نجد أنّ الصحابة رضوان الله عليهم،لم يحتفلوا بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا بذكرى إسراءه ومعراجه أو هجرته ، بل الواقع أنهم لم يكونوا يبحثون عن تواريخ هذه الأشياء ! فهم اختلفوا في يوم مولد النبي صلى الله عليه و سلم ، فإن اشتهر أنه الثاني عشر من ربيع الأول ، لكن البعض يقول : لا ، الأصح اليوم التاسع من ربيع الأول وليس يوم الثاني عشر ، وذلك لأنه لا يترتب عليه عبادة أو عمل ، ليس هنالك قيام في تلك الليلة ولا صيام في ذلك اليوم ، فلذلك المعروف أنّ الصحابة والتابعين والقرون الأولى وهي خير قرون هذه الأمة لم تحتفل بهذه الذكريات ! بعد ذلك حدثت بعد عدة قرون بدأت هذه الأشياء .. ) .

ولمراعاة هذا الخلاف ، كان صاحب إربل يحتفل بالمولد ، سنةً في ثامن شهر ربيع الأول ، وسنة ً في ثاني عشرة !!! ( انظر ابن خلكان 1 / 437 ) .

الوقفة السابعة
إنّ التاريخ الذي ولد فيه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، هو بعينه التاريخ الذي توفي فيه ! : ( يوم الاثنين 12 ربيع الأول ) ، فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه ، نبّه على ذلك غير واحد من أهل العلم ، منهم ابن الحاج المالكي ، والإمام الفاكهاني .
قال ابن الحاج المالكي : ( العجب العجيب : كيف يعملون المولد بالمغاني والفرح والسرور كما تقدّم ، لأجل مولده صلى الله عليه وسلم كما تقدّم في هذا الشهر الكريم ؟ وهو صلى الله عليه وسلم فيه انتقل إلى كرامة ربه عزّ وجل ، وفجعت الأمة وأصيبت بمصابٍ عظيم ، لا يعدل ذلك غيرها من المصائب أبدًا ، فعلى هذا كان يتعيّن البكاء والحزن الكثير ... فانظر في هذا الشهر الكريم ـ والحالة هذه ـ كيف يلعبون فيه ويرقصون ) المدخل 2 / 16 .

الوقفة الثامنة
من الملاحظ أنّ انتشار الاحتفال بالمولد النبوي بين المسلمين ، كان في البلاد التي جاور فيها المسلمون النصارى ، كما في الشام ومصر .. فالنصارى كانوا يحتفلون بعيد ميلاد المسيح في يوم مولده ، وميلاد أفراد أسرته ، فكان ذلك سببًا في سرعة انتشار تلك البدعة بين المسلمين تقليدًا للنصارى .
حتى قال الحافظ السخاوي مؤيدًا الاحتفال بالمولد : ( وإذا كان أهل الصليب اتّخذوا ليلة مولد نبيّهم عيدًا أكبر ، فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر ) !! وقد تعقّبه الملا علي القاري : ( قلت : ممّا يردّ عليه أنّا مأمورون بمخالفة أهل الكتاب ) المورد الروي في المولد النبوي / 29 .

الوقفة التاسعة
إنّ محبة الرسول صلى الله عليه وسلم ، لا تتحقّق بالاحتفال بمولده ، وإنّما تتحقّق بالعمل بسنّته ، وتقديم قوله على كل قول ، وعدم ردّ شيء من أحاديثه ، ولنعلم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد وسعهم دين الله من غير احتفالٍ بمولده ، إذًا فليسعنا ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه .

والفرح بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم ، لا يمكن أن يقتصر على يومٍ واحدٍ ، بل بكل لحظة من لحظات حياة المسلم ، بالتزام أوامره واجتناب نواهيه ، والخضوع لكل ما جاء به من عند الله تعالى ، فلا تقف الفرحة أمام يومٍ واحدٍ ، بل نجعل لنا من كل يومٍ جديدٍ ، التزامًا أكثر بالسنة ، ، لنحوّل ضعفنا إلى قوةٍ ، ونرسي في أنفسنا قواعدَ عقيدتنا ، ومبادئ الإسلام العظيم .

الوقفة العاشرة
قال النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبدالله ورسوله ) البخاري .
أكثر تلك الموالد فيها إطراءٌ ومبالغة في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم ، والغريب أنّه حتى المؤيدين للموالد ، قد أقرّوا بوجود الغلو الذي يصل إلى درجة الكفر !! خاصةً عندما تجرّأ البعض على تأليف كتب عن المولد النبوي ، ثم وضع الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! تأييدًا لذلك يقول عبد الله الغماري ـ أحد كبار الصوفية المعاصرين ـ :

( .. وكتب المولد النبوي ملأى بهذه الموضوعات ، وأصبحت عقيدةً راسخة في أذهان العامة ، وأرجوا أن يوفّقني الله إلى تأليفٍ حول المولد النبوي ، خالٍ من أمرين اثنين : الأحاديث المكذوبة ، والسّجع المتكلّف المرذول ... والمقصود أنّ الغلو في المدح مذمومٌ لقوله تعالى : " لا تغلوا في دينكم " ، وأيضًا فإنّ مادح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمر لم يثبت عنه ، يكون كاذبًا عليه ، فيدخل في وعيد : " من كذب عليّ متعمّدًا فليتبوّأ مقعده من النار " .
وليست الفضائل النبويّة مما يتساهل فيها برواية الضعيف ونحوه ، لتعلقها بصاحب الشريعة ونبي الأمة ، الذي حرّم الكذب عليه وجعله من الكبائر ، حتى قال أبو محمّد الجويني والد إمام الحرمين بكفرِ الكاذب عليه صلى الله عليه وسلم .
وعلى هذا فما يوجد في كتب المولد النبوي وقصة المعراج من مبالغات وغلوٍ لا أساس له من الواقع : يجب أن تُحرق ، لئلا يُحرق أصحابها وقارئوها في نار جهنّم ، نسأل الله السلامة والعافية ) من نقده لبردة البوصيري ص 75.
وقد جرت العادة في الموالد أن تختم بالعبارات البدعية والتوسلات الشركيّة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

الوقفة الحادية عشرة
ما يدور في الموالد من المفاسد ، لا تخفى على مسلم ، من أهمها :
أنّ المحتفلين بالمولد يرمون المخالفين ـ وللأسف ـ بعدم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم !! متناسين بأنّ التعظيم والمحبة تكون بالاتباع لا الابتداع ، وكذلك : ما يجري داخل الموالد من إطفاء الأنوار وهزّ الرؤس وتمايل الأكتاف و .. ناهيك عن الأذكار المكذوبة والقصص الموهومة ، ويقول الشيخ علي محفوظ الأزهري : ( فيها إسراف وتبذير للأموال ، وإضاعة للأوقات فيما لا فائدة منه ولا خير فيه ) الإبداع / 324 ، والقواعد الشرعية تقضي بأنّ المباح ـ وهذا على فرض أنه مباح ـ إذا أدّى إلى محرّم : فإنّه يحرم من باب سدّ الذرائع ، فكيف وهو يحوي على المنكرات !!

الوقفة الثانية عشرة
وقد أجمع المسلمون على بدعية الاحتفال بالمولد النبوي ، لكنهم اختلفوا في حسنه وقبحه ، فذهب البعض منهم إلى أنه بدعة حسنة : كابن حجر والسيوطي والسخاوي .. وغيرهم ، نظرا للمصلحة التي ظنوا حصولها !!
لكن العلماء المحقّقين ، المتقدّمين منهم والمتأخرين ، أفتوا بحرمة الاحتفال بالمولد ، عملاً بالأدلة الشرعية التي تحذّر من البدع في الدين ، والأعياد والاحتفالات من أمور الشريعة ، ووقفوا أمام فتح باب شر متيقّن لخيرٍ موهوم ؟ ثم ما وعاء هذا الخير المزعوم ، عملٌ لم يفعله الرسول ولا صحابته ولا التابعون لهم بإحسان قروناً طويلة !! علمًا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ، لم يفرّق بين بدعة حسنة وأخرى سيئة ، بل قال : ( كل بدعة ضلالة ) !
قال الإمام مالك : ( من ابتدع في الإسلام بدعةً يراها حسنة ، فقد زعم أنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة !! لأن الله يقول : " اليوم أكملت لكم دينكم " ، فما لم يكن يومئذٍ دينًا فلا يكون اليوم دينًا ) الاعتصام للشاطبي .

بعض العلماء الذين أفتوا ببدعية الاحتفال بالمولد النبوي :
• الإمام الشاطبي قال ببدعية المولد النبوي ؟ فقد ذكر بعض أنواع البدع في أول كتابه الاعتصام (1/34) ، وعدّ منها اتخاذ يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم عيداً، وذمّ ذلك .
• الإمام الفاكهاني قال ببدعية المولد النبوي ، في رسالته المفردة / 8-9 .
• والعلامة ابن الحاج المالكي في المدخل قال ببدعية المولد النبوي (2/11-12) .
• وعلامة الهند أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي قال ببدعية المولد النبوي ، وكذلك شيخه العلامة بشير الدين قنوجي الذي ألف كتاباً سماه " غاية الكلام في إبطال عمل المولد والقيام " ( انظر تعليقه على حديث : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " في سنن الدارقطني ) .

• الشيخ العلامة / أبي عبد الله محمد الحفار المالكي ـ من علماء المغرب العربي ـ : ( ليلة المولد لم يكن السلف الصالح ـ وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم ـ يجتمعون فيها للعبادة ، ولا يفعلون فيها زيادة على سائر ليالي السنة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، لا يعظّم إلا بالوجه الذي شرع تعظيمه ، وتعظيمه من أعظم القرب إلى الله ، لكن يتقرّب إلى الله جل جلاله بما شرع .. ) المعيار المعرب 7 / 99 .

• الشيخ العلامة / محمد صالح العثيمين : ( يقيمونها لأنهم كما يقولون يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويريدون إحياء ذكرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونحن نقول لهم : مرحباً بكم إذا أحببتم النبي صلى الله عليه وسلم ، ومرحباً بكم إذا أردتم إحياء ذكرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن !! هناك ميزان وضعه أحكم الحاكمين وإله العالمين ، هناك ميزان للمحبة ألا وهو قول الله تعالى : " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ " .

فإذا كان الإنسان صادقاً في دعوى محبة الله ورسوله ، فليكن متبعاً لشريعة الله متبعاً لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن لم يكن متبعاً له فإنه كاذب في دعواه ، لأن هذا الميزان ميزان صدق وعدل ، إذن فلننظر هل إحداث احتفال بليلة مولد الرسول صلى الله عليه وسلم هل هو من شريعة الله ؟ هل فعله النبي صلى الله عليه وسلم ؟ هل فعله الخلفاء الراشدون ؟ هل فعله الصحابة هل فعله التابعون لهم بإحسان هل فعله أتباع التابعين ؟ إن الجواب على كل هذه التساؤلات بالنفي المحض القاطع ، ومن ادعى خلاف ذلك فليأت به : " هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " ) موقع الشيخ .

• الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي : ( ... وقالوا إن الذي ابتدع هذه الموالد وهذه الأشياء الفاطميون في مصر ، ومن مصر انتقل إلى بلاد أخرى ، وربما كان وراء ذلك أهداف سياسية معينة ! أنهم يريدون أن يشغلوا الجماهير والشعوب بهذه الموالد وهذه الاحتفالات ! حتى لا يبحث الناس في أمور السياسة ولا في أمور القضايا العامة إلى آخره ! ولذلك إذا نظرنا إلى الأمر باعتباره عبادة نقول : أنه لم ترد هذه العبادة ولم تصح ) !! قناة الجزيرة .

• الشيخ محمد الغزالي أفتى ببدعية المولد النبوي ، في كتابه ليس من الإسلام / 252 :
( والتقرب إلى الله بإقامة هذه الموالد عبادة لا أصل لها ... ومن ثمّ فنحن نميل إلى تعميم الحكم على هذه الموالد جميعاً ووصفها بأنها مبتدعات تُرفض ولا يُعتذر لها ... إن إلغاء الموالد ضرورةٌ دينيةٌ ودنيويةٌ ... وهكذا انتظم الاحتفال بليلة المولد النبوي، وليلة الإسراء والمعراج ، وليلة النصف من شبعان ، وليلة القدر، ورأس السنة الهجرية .
وقد حددت لهذه الاحتفالات تواريخ كيفما اتفق ، وجُعل البذل فيها من مظاهر التديّن !! وأحياها العوام والخواص بمزيد من الكلام والطعام ، وهكذا تكون نصرة الإسلام !! ) .

وفي الختام
وختامًا أسأل الله أن يأذنَ لهذه الورقات بالقبول عنده ، وأن يُنْتفع بها ، فإن المُنية الانتفاعُ بها ، وليس وراء القبول مُبْتغى، ولا سواه مُرْتَجى ، فاللهم إن مفزعَنَا إليك لا إلى غيرك، فثبت أقدامنا على الحق ، وبصَّرنا بأنفسنا ، ولا تجعل من عملنا لأحدٍ سواك شيئاً، والله الهادي إلى سواء السبيل ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

العازمي(رحمه الله)
04-21-2005, 02:12 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بارك الله فيك اخي الحبيب ابو دريع

وجزاك الله خيرا


وجعلها الله في ميزان حسناتك

الشريف بن طلحة
04-21-2005, 03:13 PM
الفصل الأول
الأدلة من القرآن الكريم

لقد ورد في القرآن الكريم أدلةً كثيرة تحض على الاحتفاء والابتهاج بسيد ولد عدنان صلى الله عليه وسلم، إما تصريحاً وإما تلويحاً، وأقتصر في هذا المختصر على بعض الأدلة التصريحية وهي على النحو الآتي:
الدليل الأول: قال تعالى: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا [يونس 58].
فالله عَزَّ وجَّل طلب منا أن نفرح بالرحمة، والنبيُّّ صلى الله عليه وسلم رحمة، وقد قال تعالى: وماأرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء 107].
وفي الدر المنثور للحافظ السيوطي (4/367) أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: فضل الله العلمُ، ورحمتُهُ النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين .اهـ.
وذكر الرحمة في الآية بعد الفضل تخصيص بعد العموم المذكور وهو يدل على شدة الاهتمام، وإن مجيء اسم الإشارة »ذلك« لأكبرُ الأدلة على الحض على الفرح والسرور لأنه إظهار في موضع الإضمار، وهو يدل على الاهتمام والعناية.
ولذلك قال الآلوسي في روح المعاني(10/141) عند قوله تعالى: فبذلك فليفرحوا: الآية للتأكيد والتقرير، وبعد أن رجح كون الرحمة المذكورة في الآية هي النبي صلى الله عليه وسلم قال: والمشهور وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة كما يرشد إليه قوله تعالى:وما أرسلناك إلا رحمة للعالمينالآية اهـ.وينظر تفسير أبي السعود (4/156)
وقال الإمام الرازي في التفسير الكبير (17/123) عند قوله تعالى: فبذلك فليفرحوا: يفيد الحصر، يعني يجب ألا يفرح الإنسان إلا بذلك.اهـ.
* * *
الدليل الثاني: قال الله تعالى: وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل مانثبت به فؤادك [هود120] في الآية أهمية قصِّ أنباء الرسل لما في ذلك من تثبيت الفؤاد، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل، والمولد النبوي الشريف يشتمل على أنباء النبي صلى الله عليه وسلم ، ففي ذكره تثبيت لأفئدة المؤمنين فهو حث على تكرار ذكر المولد والعناية به.
وقد قلت في هذا المعنى:
كلاً نقص عليك من أنبائهم ممـا نثبت قـلبـك الذَّكَّارا
فسواه أولى في ثبات فؤاده وثناه أولــى أن يكون شعارا
* * *
الدليل الثالث : قوله تعالى حكاية عن عيسى بن مريم عليهما السلام: ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين [المائدة 114].
قال الشيخ إسماعيل حقي في روح البيان (2/446) عند هذه الآية: »أي يكون يوم نزولها عيداً نعظمه، وإنما أسند ذلك إلى المائدة لأن شرف اليوم مستفاد من شرفها«. اهـ.
وآية أخرى تعضد ذلك وتقويه، وهي قوله تعالى على لسان سيدنا عيسى عليه السلام: والسلام عليَّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا [مريم:33].
هذه الآية والتي قبلها وغيرهما من آيات(1) ، حافلة بالإشارات إلى ميلاد المسيح عليه السلام، ومدحه ومزاياه التي مَنَّ الله بها عليه، وهي بمجموعها شاهدة وداعية إلى الاحتفال بهذا الحدث العظيم.
وما كان ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم بأقل شأناً من ميلاد عيسى عليه السلام، بل ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم منه، لأنه صلى الله عليه وسلم أكبر نعمة، فيكون ميلاده أيضاً أكبر وأعظم.
واقرأ قوله تعالى: ولقد أرسلْنا موسى بآياتنا أن أَخْرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله [إبراهيم5]، وقوله تعالى: واتل عليهم نبأ إبراهيم [الشعراء69] والمراد هو ذكرهم وذكر ما أنعم الله به عليهم، وذكر ما جاؤوا به من الهدى والنور والتشريع والحِكم والمواعظ والمعجزات، مما يلفت القلوب والعقول إلى فضل الله على عباده، ليلتفتوا بذلك إلى حق الله عليهم، لعلهم يرجون رحمته ويخافون عذابه، ويدعونه رغباً ورهباً وذلك من أنباء الرسل منذ ولادتهم إلى أن يتوفاهم الله في جميع أحوالهم، هدى للناس يثبت الله به القلوب، وينير العقول، ويسمو بالأرواح، ويصقل البصائر، ويزكي المشاعر، ويسلس قياد الأنفس الجامحة، فترد إلى طاعة الله وإلى الوله بحبه، والعكوف عليه والتمسك به، والتعلق بمراضيه، والنفرة من غضبه، وكلُّ ذلك وأكثر منه مما تفيده الذكرى والتذكير بنعم الله، والاحتفال بها، ومن ثم حسنت دعوة الناس إليها، وتوعيتهم وتحريضهم على اتباع أصحابها، ومحاكاة مُثُلها السامية، وإنما يكون تشويق النفوس إلى المقاصد السنية والغايات الشريفة والمقامات المنيفة بذكر من به تكون الأسوة الحسنة، وليس ثمة أقوى تأثيراً في الحس من ذكر سيرة من عرفه الناس وأحبوه، وانتصبت صورته بأذهانهم بمحل الإجلال والإكبار، فإذا سمعوا أخباره وتليت عليهم أنباؤه، وجليت لهم مظاهر العظمة في سيرته، ومواطن الإعجاب من أقواله وأفعاله، تطلعوا إلى الاقتداء به والمحاكاة له برغبة ملحة، وأشواق كبيرة، وكم أصاب المسلمين من الخسران المبين حينما طرحوا ذكر أمجادهم وسيرهم الحافلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والغريب أنهم طرحوا تعاطي ذكر أمجاد رسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم ، والقرآنُ الكريم يكرر ذكر سير الأكابر، ولقد عُني بــذكرهم من يوم أن كانوا أجنة في بطون الأرحام إلى أن توفاهم الله.
وأما من اعترض على تسمية المولد بـ »عيد المولد« مستدلاً بأن في الإسلام عيدين فقط: عيد الأضحى وعيد الفطر؛ فقد أخطأ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »يوم عرفة، ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب«.
رواه الترمذي (773)، وقال: »حديث حسن صحيح«.
وعن سيدنا عمر رضي الله عنه أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرأونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً.
قال سيدنا عمر رضي الله عنه: أي آية؟ قال: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا.
قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم: وهو قائم بعرفة، يوم جمعة.
رواه البخاري في صحيحه (45) و (7268). وفي رواية »نزلت يوم جمعة، يوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد«. وفي رواية »وهما لنا عيدان«. (انظر فتح الباري 105/1).
وبذلك يســتدل على صحة استحباب الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم
* * *
الدليل الرابع: وفي كتاب الله عز وجل بيان لقصة ميلاد عيسى عليه سلام الله، وميلاد يحيى بن زكريا عليهما السلام، وقد نطقت آيات كثيرة بالإشارة إلى ميلاد مريم عليها السلام، وماسبق ذلك الميلاد من دعاء الأم الرؤوم، وما صحبه من تخوف واعتذار، وما صحب مولدها عليها السلام من إكرام الله لها حيث كفلها زكريا، وحيث الرزقُ المتجدد المتعدد الأنواع، وحيث يتبارى أشراف القوم فيمن يكفل مريم، واقترعوا من أجل ذلك،هذا كله في سورة آل عمران من الآية (34) إلى الآية (44)، وقد أتى ضمن هذه الآيات آياتٌ تتكلم عن نبي الله يحيى بن نبي الله زكريا عليهما السلام، محتفية به متحدثة بالإجلال والتكريم، وقد تحدثت آيات أخر في سور آل عمران والمائدة ومريم عن ميلاد عبد الله ورسوله عيسى بن مريم عليهما السلام.
أقول: أليس في هذا كله ما يستدل به على جواز ذكر النعمة بمولده صلى الله عليه وسلم ؟! وهو بكل تأكيد أفضل خلق الله على الإطلاق؟.
* * *
الدليل الخامس: قال تعالى: لتؤمنوا بالله ورسوله، وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا [الفتح9].
ذهب المفسرون في تفسير هذه الآية: مذهبين:
1) المذهب الأول من وحّد الضمائر.
2) المذهب الثاني من فرَّق بينها.
وخلاصة المذهب الأول أن الضمائر الواردة في الآية الكريمة إما أن تعود كلها إلى الله تعالى، أو إلى الرسول صلى الله عليه وسلم .
وهو رأي جماعة من المفسرين نقله عنهم الإمام النووي، فمن ذهب إلى أنها تعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال:
1) إنه عليه الصلاة والسلام أقرب مذكور في الآية.
2) لا يجوز التفريق بين الضمائر إلا لضرورة.
3) معنى »تسبحوه« أي تنزهوه عن النقائص وتدعوا له.
والمذهب الثاني: وهو مذهب المفرقين بين الضمائر، فقالوا: إن الضمير في »تسبحوه« يعود إلى الله تعالى، والضمير في »تعزروه وتوقروه« يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنَّ ما أسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم من تعظيمه وتوقيره هو موصل إلى تسبيح الله عز وجل، وهذا الأسلوب عند علماء البلاغة يسمى باللف والنشر، وهو من أساليب العرب المعروفة.
الدليل السادس: قال الله تعالى: لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [آل عمران:164].
قال الإمام الفخر الرازي رحمه الله تعالى : (إن بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم إحسان إلى كل العالمين، ولقد شرف الله به العرب ونقلهم ببركة مقدمه صلى الله عليه وسلم من رعاة الشاء والغنم إلى رعاة الشعوب والأمم، ورفعهم من عُبّية الجاهلية إلى مقام السيادة والريادة كما قال تعالىوإنه لذكر لك ولقومك.
فقد أفردهم بالفخر على سائر الأمم وذلك لأن الافتخار بإبراهيم عليه السلام كان مشتركاً بين اليهود والنصارى والعرب ثم إن اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى عليهما السلام وبالتوراة والإنجيل.
فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائداً على شرف جميع الأمم) . اهـ. بتصرف.
وإن الناظر بعين الصدق إلى هذا النص الشريف يجد أن الاحتفاء بالمصطفى صلى الله عليه وسلم والابتهاج به لو لم يرد به دليل غير هذه الآية لكفى، لأن المنة لا تُكافأ بعطاء، فيعتبر شكرها والاحتفاء بها والثناء عليها خيراً عائداً على فاعله كما هو الحال في الصلاة والسلام عليه، فهو ابتهاج وتعظيم وتوقير وتعزير، لا يزيد في عمله ولا في قدره صلى الله عليه وسلم صلاة المسلمين عليه لأن صلاة الله قد كفت، حيث إنه يترقى بصلاة ربه من مقام إلى مقام في كل لحظة فتنتفع أمته بذلك.
* * *
الدليل السابع :قوله سبحانه وتعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما.
وهذا دليل واضح الدلالة في توقيره وتعظيمه في كل وقت وحين لأن حبه صلى الله عليه وسلم وولاءه أصل الدين وأساسه، فكل العبادات تسوق إليه، وتطبع القلوب على حبه وهذا مقام شريف واحتفاء عزيز، وما الاحتفال بالمولد إلا تطبيع النفس على كثرة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم رجاء أن ينطبع حبه وحب آله في القلوب ليؤسس ذلك الحب ركن الإيمان ويشيد صرح اليقين، فياله من احتفاء وابتهاج عظيم يأمر الله به ملائكته فتتشرف بهذا التكريم، ويأمر عباده المؤمنين بالصلاة عليه، فياله من شرف مابعده شرف، وتكريم وتخصيص حكيم بالمؤمنين خاصة، إذ لم يناد سبحانه عباده بلفظ: يا أيها الذين أسلموا، بل ناداهم بقوله: يا أيها الذين آمنوا... لأن معرفة قدر حبيبه عزيزة المنال فأدنى مقامات معرفتها مقام الإيمان، والإسلام دون الإيمان.
قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم
فالحب لايدرك إلا بالإيمان ولا يذوق حلاوة الإيمان من لم يعرف الحب إلى قلبه سبيلاً.
* * *
الدليل الثامن :قوله سبحانه وتعالى: سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير.
وفي هذا النص القرآني -أخي القارئ- ما لا يخفى عليك من تعظيم الله سبحانه وتعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم وتوقيره وإظهار قدره للخلق أجمعين، فهي آية عظيمة قدس الله فيها نفسه قبل ذكر قدر نبيه لما في ذلك من الحفاوة والتبجيل والتعظيم والتوقير لحبيبه صلى الله عليه وسلم حتى أن سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت: (ما أرى ربك إلا يسارع في هواك).
فهذا رب السموات والأرض يقدس ويعظم ويفخم مسرى حبيبه ويضم اسمه إلى اسمه في كل موقف.. ففي الشهادة لايتم الإيمان إلا باسمه .. وفي الصلاة لاتتم إلا باسمه وفي معية الإسراء لايكون الإسراء إلا لروحه ورسمه.
وكل إكرام لنبيه إكرام لأمته مع حفظ الباري لقدر حبيبه وغيرته على ذلك من أن ينازعه في فضله أحد وإن علا من المرسلين والنبيين والصديقين، فلكل منهم مقام معلوم والنبي الخاتم هو الإمام الفاتح وكلهم مأموم.
إن حادثة الإسراء والمعراج ابتهاج وعيد واضح للكون أجمع، يجمع الله له صلى الله عليه وسلم الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين والصديقين والصالحين والملائكة المقربين، ليكون هو الإمام وهم المأمومين ليعرفوا قدره العظيم.
ثم يعرج به إلى السموات العلى لتشترك السموات والأرض والعوالم أجمع في هذا العيد العظيم يوم أن أتمّ الله المنة للمؤمنين فحاز النبي صلى الله عليه وسلم المقامات العظيمة واجتازها في ليلة فخيمة، ورأى ربه وكلَّمه وناجاه فعاد صلى الله عليه وسلم بمعراج المؤمنين بقلوبهم في صلاتهم.. فيانعم الاحتفاء بسيد الأوفياء الذي حفظ الله مقامه في الدنيا والآخرة، وسيؤكده الله يوم القيامة حينما يقول كل نبي : نفسي نفسي.. فيقول سيد الشفعاء : (أنا لها أنا لها) في يوم غضب ربي غضباً لم يغضب مثله قبله ولن يغضب مثله بعده.
يأمر سبحانه وتعالى جميع الخلائق أن تلجأ إلى حبيبه صلى الله عليه وسلم حيث يبرز مقامه في ذلك الموقف العظيم، فيا سعد من والاه وياسعد من صلى عليه تلك الصلاة التي هي فيصل الحق لأهل الحق، فصلوات الله وسلامه على من قال : (إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامه أكثركم علي صلاة) فهنيئاً لمن أكثر الصلاة عليه واتخذ من مولده عادة بالإكثار من الصلاة عليه والإدمان عليها حتى يكون عبد الله وحبيبه.
* * *
الدليل التاسع : قوله سبحانه وتعالى إنا أنزلناه في ليلة مباركة مع قوله سبحانه إنا أنزلناه في ليلة القدر
نعت الله سبحانه وتعالى ليلة نزول القرآن، والقرآن خُلُق سيد الأكوان، بأنها مباركة وأنها ذات قدر فقال سبحانه: وما أدراك ماليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر.
أي أن الله سبحانه وتعالى يُنزل ليلة القدر في كل سنة وفي كل شهر كبكبة من الملائكة والأرواح الصالحة من كل عالم مع روح سيد العوالم صلى الله عليه وسلم وما ذلك إلا لعظيم القدر وما ذلك التكرار إلا لإعادة التذكار للعقول والأفكار الموفقة بمحبة سيد الأبرار صلى الله عليه وسلم.
فإذا كان ذلك القدر للقرآن المنزل الذي هو خلقه صلى الله عليه وسلم فكيف به صلى الله عليه وسلم ؟
لا شك أنه قدر فوق قدر، فإذا كانت شعائر الله ذات قدر، ومؤقتة في الزمان والمكان فالابتهاج به مطلق غير مقيد كما هو حال الذكر لأنه رحمة عامة ومنة تامة.
وقد ختم الله الآية بمطلع الفجر، ومطلع الفجر في الظاهر هو الذي نعلم أما مطلع الفجر في الحقيقة فهو نور الفتح، أي أن التوقير والتقدير والابتهاج بميلاد سيد الكائنات مآله النور التام بحسن الختام والالتقاء معه تحت اللواء للشرب من يده الشريفة شربة هنيئة مابعدها ظمأ.

1 انظر الآيات 35-44 من سورة آل عمران.

الشريف بن طلحة
04-21-2005, 03:16 PM
الأدلة من السنة المشرفة

وأما الأدلة من السنة فكثيرة متضافرة، تتلخص فيما يلي:
الدليل الأول: أخرج مسلم في صحيحه (2/819) عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: »ذاك يوم ولدتُ فيه، وفيه أنزل علي«.
وهذا نص في الاحتفال بيوم مولده صلى الله عليه وسلم لا يحتمل غيره.
ولم أجد للمخالف جواباً عنه إلا طلب الاقتصار على الصيام فقط، وهي ظاهرية محضة، وتخصيص بدون مخصص، لكنها مع ذلك موافقة لنا في مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.
ولله دَر الحافظ ابن رجب الحنبلي حيث قال في هذا المعنى في كتابه لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف (ص98):
»فيه إشارة إلى استحباب صيام الأيام التي تتجدد فيها نعم الله على عباده، فإن أعظم نعم الله على هذه الأمة إظهار محمد صلى الله عليه وسلم وبعثته وإرساله إليهم، كما قال تعالى: لقد مَنّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم [آل عمران:164]، فصيام يوم تجددت فيه هذه النعمة من الله سبحانه على عباده المؤمنين حسنٌ جميل، وهو من باب مقابلة النعم في أوقات تجددها بالشكر«.اهـ.
والمقصود الوصول بهذه الطاعة إلى محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وقد يتحقق هذا المقصود بأي وسيلة مشروعة، فالوسائل لها حكم المقاصد إذا كان المقصد شرعياً.
* * *
الدليل الثاني: قد صح الحديث عنه صلى الله عليه وسلم في صيام عاشوراء، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسئلوا عن ذلك فقالوا: هو اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، فنحن نصومه تعظيماً له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : »نحن أولى بموسى منكم«. وأمر بصومه. أخرجه البخاري (7/215) ومسلم (رقم1130). وفي هذا الحديــث تأصيل لملاحظة الزمان والعنــاية به.
وقد استدل أمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى بهذا الحديث على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، كما في فتوى له نقلها الحافظ السيوطي في »حسن المقصد في عمل المولد« انظر الحاوي للفتاوي (1/196).
فقال ما نصه: »فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما مَنَّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكرُ لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم«.اهـ.
* * *
الدليل الثالث: كان الصحابة رضي الله عنهم يتذاكرون فيه من سير الأنبياء، فأرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذكر سيرته، لأنه أفضل وأكمل الأنبياء والجامع لما كان متفرقاً فيهم، وما المولد إلا عمل بهذا الإرشاد النبوي لأن فيه ذكراً لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
فقد أخرج الترمذي (تحفة الأحوذي1/86)، وقال الترمذي: غريب، والدارمي (1/26) والقاضي عياض في الشفا (1/408):
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، قال بعضهم: إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وقال آخر: موسى كلّمه الله تكليماً، وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه، وقال آخر: آدم اصطفاه الله، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: »قد سمعت كلامكم وعجبكم، إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجي الله وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولافخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها، ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر«.
وهو حديث قوي، وله شواهد رواها البيهقي في دلائل النبوة (5/270ــ 500).
وأصل الحديث في الصحيحين.
ويؤيد هذه الرواية التي تؤكد احتفاء الصحابة بذكرى رسول اللهصلى الله عليه وسلم فهذا كعب الأحبار رضي الله عنه يتذاكر مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم وما خصه به، فقال كعب ما من فجر إلا نزل سبعون ألفاً من الملائكة حتى يحفوا بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألفاً حتى يحفوا بالقبر فيضربون بأجنحتهم فيصلون على النبي صلى الله عليه وسلم سبعون ألفاً بالليل وسبعون ألفاً بالنهار حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفاً من الملائكة يزفونه ـ وفي لفظ يوقرونه ـ رواه اسماعيل القاضي وابن بشكوال والبيهقي في الشعب والدارمي وابن المبارك في الرقائق وهو حديث صحيح(1).
الدليل الرابع: قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في كتابه: »مورد الصادي في مولد الهادي«: قد صح أن أبا لهب يُخفف عنه العذاب في مثل يوم الإثنين لإعتاقه ثويبة سروراً بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم . ثم أنشد :
إذا كان هذا كافراً جاء ذمه
وتبت يداه في الجحيم مُخَلدا
أتى أنه في يوم الاثنين دائماً
يخفف عنه بالسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي كان عمره
بأحمد مسروراً ومات موحداً
فإذا كان هذا الكافر الذي جاء القرآن بذمه يُخفف عنه العذاب لفرحه بمولد المصطفى صلى الله عليه وسلم فما بال الذي يحتفل بذلك.
وهذا ما ذكره وقرره أيضاً شيخ القراء والمحدثين الحافظ شمس الدين بن الجزري في »عرف التعريف بالمولد الشريف«.
* * *
الدليل الخامس: قال الحافظ جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي في رسالة:حسن المقصد (وهي في كتابه الحاوي للفتاوي1/196): وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عَقَّ عن نفسه بعد النبوة، مع أنه قد ورد أن جده عبدالمطلب عَقَّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين، وتشريع لأمته كما كان يصلي على نفسه، لذلك فيستحب لنا أيضاً إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات.انتهى.
وأما الاجتماع على الخير فهو مشروع بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: »لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده«. رواه مسلم برقم (2700).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لهم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل عنه حديثاً مني، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عزَّ وجل يباهي بكم الملائكة«. رواه مسلم برقم (2701).
قال العلامة ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية (ص150): وفي الحديثين أوضح دليل على فضل الاجتماع على الخير والجلوس له وأن الحالتين على خير كذلك يباهي الله بهم الملائكة وتنزل عليهم السكينة وتغشاهم الرحمة ويذكرون الله تعالى بالثناء عليهم بين الملائكة، فأي فضائل أجل من هذه. انتهى.
الدليل السادس :قد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في فضل الجمعة: »وفيه خُلق آدم« أخرجه مالك في الموطأ (1/108)، والترمذي (رقم491) وقال: حسن صحيح.
فقد تشرف يوم الجمعة بخلق آدم، فبدلالة النص وفحوى الخطاب وقياس الأولى ثبت فضل اليوم الذي ولد فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم .
ولا يختص هذا الفضل بنفس اليوم الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط، بل يكون له نفس الفضل كلما تكرر، كما هو الفضل في يوم الجمعة.
* * *
الدليل السابع: فيما أخرجه البخاري (الفتح8/270) وغيره عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. فقال: أي آية؟ قال: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً [المائدة3].
فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذين نزلت فيه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم بعرفة يوم الجمعة.
وأخرج الترمذي (5/250) عن ابن عباس نحوه وقال فيه: نزلت في يوم عيد من يوم جمعة ويوم عرفة، وقال الترمذي: وهو صحيح.
وفي هذا الأثر موافقة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه على اتخاذ اليوم الذي حدثت فيه نعمة عظيمة عيداً، لأن الزمان ظرف للحدث العظيم، فعند عود اليوم الذي وقعت فيه الحادثة يكون موسماً لشكر تلك النعمة وفرصة لإظهار الفرح والسرور بها.
* * *
الدليل الثامن: أعمال البر التي يشتمل عليها المولد، إن الاحتفال بالمولد يشتمل على كثير من أعمال البر كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والذكر والصدقة، ومدح وتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذكر شمائله الشريفة وأخباره المنيفة، وكلُّ هذا مطلوب شرعاً ومندوب إليه.
وما كان يبعث ويساعد على المطلوب شرعاً فهو مطلوب، لذا قال تعالى مخبراً أنه هو وملائكته يصلون على النبي: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب 56].
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (3/506): »والمقصود من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر الله تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ليجتمع الثناء عليه من أهل العالَمَين العلوي والسفلي جميعاً«.اهـ.
وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدح نفسه وغيره من الأنبياء السابقين، ورغّب في ذلك، وعمل به الصحابة بحضرته، فرضي به ودعا لمن مدحه وأثابه.
وأخرج أحمد (4/24) وابن أبي شيبة (6/180)، والطبراني في المعجم الكبير (1/رقم842) عن الأسود ابن سريع قال: قلـت: يا رسول الله مدحتُ الله بمدحة، ومدحتك بمدحة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هات وابدأ بمدحة الله.
في إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو مختلف فيه، وذكره الذهبي في جزئه المفيد »من تكلم فيه وهو موثق« برقم (249)، وقال: »صويلح الحديث« وقد روى له مسلم مقروناً بغيره.
لكن أخرجه حمزة بن يوسف السهمي في تاريخ جرجان (ص413رقم723) ، عن أبي سعيد الأشج، حدثنا عبدالسلام بن حرب بن عوف عن الحسن، عن الأسود عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
إسناده صحيح، مسلسل بالثقات المحتج بهم في الصحيح، وعوف هو ابن أبي جميلة، والحسن هو البصري وقد سمع من الأسود.
ومدحُ رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء على لسان عدد من الصحابة، فقد أخرج أحمد في المسند (3/451)، وابن عساكر في التاريخ (مختصر ابن منظور 12/158)، عن عبدالله بن رواحة رضي الله عنه قال:
وفينا رسول الله يتلو كتابه
إذا انشق معروف من الفجر ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا
به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه
إذا استثقلت بالكافرين المضاجع.
والاستماع للحادي في المدح جائز لا شيء فيه، ففي صحيح البخاري »كتاب الأدب باب ما يجوز من الشعر (5/2294) عن سلمة بن الأكوع: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، فسرنا ليلاً فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هُنيهاتك. قال: وكان عامرٌ رجلاً شاعراً فنزل يحدو بالقوم يقول:
لا هُــمَّ لولا أنت ما اهـتـديـــنا
ولا تــصـدقـنـا ولا صـلـيـنـا
فـــاغــفر فـداء لك ما اقـتـفينا
وثـبــت الأقـــدام إن لاقـيـنـا
وألـقـيـنْ سـكـيـنـةً عـلـينا
إنَّــا إذا صـيـح بـنـا أتـيـنا
وبالـصـيـاح عـولـوا عـلـيـنا
ولهذا نظائر، انظر صحيح البخاري (كتاب الأدب، باب مايجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه، وباب المعاريض مندوحة عن الكذب) وفي صحيح مسلم في أوائل كتاب الشعر من صحيحه.
* * *
الدليل التاسع: قال المروزي: سألت أبا عبدالله (يعني الإمام أحمد بن حنبل) عن القوم يبيتون، فيقرأ قارئ ويدعون حتى يصبحوا؟. قال:»أرجو أن لا يكون به بأس«.
وقال أبو السري الحربي، قال أبو عبدالله: »وأي شيء أحسن من أن يجتمع الناس يصلون، ويذكرون ما أنعم الله عليهم، كما قالت الأنصار؟«. (وسيأتي ما قالت الأنصار في الدليل العاشر).
وقال أبو أمية الطرسوسي: سألت أحمد بن حنبل عن القوم يجتمعون ويقرأ لهم القارئ قراءة حزينة فيبكون، وربما أطفأوا السراج. فقال لي أحمد: إن كان يقرأ قراءة أبي موسى فلا بأس.
وروى الخلال عن الأوزاعي: أنه سئل عن القوم يجتمعون فيأمرون رجلاً فيقص عليهم. قال: إذا كان ذلك يوماً بعد الأيام فليس به بأس. انتهى. من كتاب: »اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم« لابن تيمية (2 / 634 - 635-636).
فــائــدة:
قال ابن تيمية في الفتاوى 132/23:
الاجتماع على الطاعات والعبادات نوعان: أحدهما سنة راتبة، إما واجب وإما مستحب كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين، وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح فهذا سنة راتبة ينبغي المحافظة عليها والمداومة.
والثاني ماليس بسنة راتبة مثل الاجتماع لصلاة تطوع مثل قيام الليل أو على قراءة قرآن، أو ذكر الله، أو دعاء، فهذا لا بأس به إذا لم يتخذ عادة راتبة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى التطوع في جماعة أحياناً، ولم يداوم عليه إلا ما ذكر، وكان أصحابه إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم أن يقرأ والباقي يستمعون... وقد رُوي في الملائكة السيارين الذين يتبعون مجالس الذكر الحديث المعروف. فلو أن قوماً اجتمعوا بعض الليالي على صلاة تطوع من غير أن يتخذوا ذلك عادة راتبة تشبه السنة الراتبة لم يكره... وكذا القول في ليلة المولد وغيرها.
* * *
الدليل العاشر: وأورد السيوطي في الدر المنثور عند تفسير سورة الجمعة من طريق عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن سيرين، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن سيرين بسند صحيح: نبئت أن الأنصار قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: لو نظرنا يوماً فاجتمعنا فذكرنا هذا الأمر، الذي أنعم الله به علينا، فقالوا: يوم السبت، ثم قالوا: لا نجامع اليهود في يومهم، قالوا: الأحد، قالوا: لا نجامع النصارى في يومهم، قالوا: فيوم العروبة، وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة، فاجتمعوا في بيت أبي أمامة أسعد بن زرارة فذبحت لهم شاة فكفتهم(1). اهـ.
ترى أيها القارئ الكريم أن هذا الحديث يمكن أن يستفاد منه أمور منها:
* فيما يتعلق بالأمور المستجدة، يمكن أن يفهم من هذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر ما يحدث من الأعمال مما يشهد له أصل من أصول الشريعة، فقد أقرهم صلى الله عليه وسلم على اجتماعهم في هذا اليوم، دون أن ينتظروا إذناً منه فضلاً عن أمر منه صلى الله عليه وسلم .
* ويفهم من هذا الحديث كما استدل به ابن تيمية رحمه الله ضرورة مخالفة النصارى واليهود في كل ماهو من سماتهم وشيمهم خصوصاً ماله تعلق بأمر من أمور العبادات.
* ويفهم منه استحباب ذكر النعمة والاحتفاء والاحتفال بأيامها، وذلك أخذاً من حديث الأنصار بمنة الله عليهم يوم عرفوا الإسلام، ومن بحثهم عن يوم يختارونه لإظهار فرحتهم بذلك الحدث السعيد.
* * *
الدليل الحادي عشر: إن جميع الأحاديث والآثار التي تحض وتأمر بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأعظم دليل بالابتهاج والاحتفاء به صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ما أورده الإمام البخاري رضي الله عنه في باب: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، حيث يقول: »قال أبو العالية: صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء . قال ابن عباس: يصلون: يُبَرِّكون.
روى البخاري في صحيحه برقم (4797) عن كعب بن عُجرة رضي الله عنه: قيل: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: »قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد«.
وقد بوّب الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى في القول البديع (ص43)، فقال: »الباب الأول، في الأمر بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أي وقت كان وكيفية ذلك على اختلاف أنواعه، والأمر بتحسين الصلاة عليه والترغيب في حضور المجالس التي يصلى فيها عليه، وأن علامة أهل السنة الكثرة منها، وأن صلاة الملائكة عليه صلى الله عليه وسلم على الدوام«. انتهى.
قلت: وفي هذا أعظم دليل على توقير الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيمه.
وقال الإمام الحليمي في شعب الإيمان: إن التعظيم منزلة فوق المحبة، فحق علينا أن نحبه ونبجله ونعظمه أكثر من إجلال عبدٍ سيدَه، وولد والدَه.. إلى أن قال: وبمثل هذا نطق الكتاب ووردت أوامر الله تعالى بالآيات والأحاديث.اهـ.
ومما فتح الله به على العبد الضعيف بفضل الله تعالى من قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: »لاتجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم«.حديث صحيح أخرجه أحمد (2/367)، وأبو داود (2042)، وابن خزيمة (48) وغيرهم:
إنه لما علم المصطفى صلى الله عليه وسلم توقير الله له في جميع أطوار حياته وأن قبره مكرم معظم، وسيكون ملجأً للصادقين: طلب من ربه ألاّ يخص ذلك التعظيم بيوم معين أو ساعة معينة لئلا تحصل فيه المشقة على الأمة، بل أراد أن تكون زيارته صلى الله عليه وسلم مطلقة في كل وقت وحين تيسيراً على هذه الأمة.
فكل وقت ولحظة يزور فيها الزائرون قبره المعظم هو وقت سرور وحبور لا شك في ذلك ولا ريب، فهو مائدة مفتوحة كما هو الشأن في الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، فكلما تصلي عليه يحصل لك السرور والفرح، ويؤيد ذلك قول الإمام الخفاجي في نسيم الرياض في شرح الشفاء للقاضي عياض (3/502): »والمراد لا تتخذوها كالـعيـد، تزورونها في الــعـام مرة، بل أكثروا من زيارتها«. أي القبور. اهـ.
ويؤيد تلك الرواية قوله صلى الله عليه وسلم: »لا تتخذوا بيتي عيداً ولا تتخذوا بيوتكم قبوراً وصلّوا عليّ حيث كنتـم فــإن صــلاتكم تبلغني« رواه الطبراني(1) وأبو يعلى(2) بسند حسن كما قال القاري في شرح الشفا 3/502 (بهامش نسيم الرياض).
وهذا الحديث فيه تأكيد واضح على أن الاحتفاء والابتهاج بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيارته معراج قائم في كل وقت وحين، مبسوطة موائده، مفتاحه همة المؤمن الصادق إذا أقبل عليه بالتوقير والتعظيم، وشغل روحه وفكره وقلبه به صلى الله عليه وسلم، وبذلك يحصل الخير الجزيل والفضل الكبير، والأنس والاستئناس والسكينة والطمأنينة،ويذوق حلاوة الإيمان.
والبيان واضح في تلك الأخبار بما أذن الله للنبي المختار.
ففي الخبر الأول:أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »اللهم لا تجعل قبري وثناً يصلى عليه«.
وفي رواية: »يُعبد« وهو حديث صحيح أخرجه أحمد في المسند (7352) موصولاً، ومالك في الموطأ (172) مرسلاً. وأخرجه البزار (مجمع الزوائد 2/28) موصولاً. والحديث له طرق.

الشريف شامه
12-21-2007, 06:07 AM
جزاك الله خيرا سيدي الشريف بن طلحه

انا اتعجب بمن يحرم ويبتدع في الدين من غير سند ويمنع احتفاء الامة المحمديه بمولد اعظم من مشي علي هذه الارض من يوم خلقها الي قبضها لازال هناك انا س بهذه العقليه لا حول ولا قوة الا بالله ... والله لتجدهم يحتفلون بيوم الوطني وغيرها من هذا الشكل

الشريف شامه
12-21-2007, 06:08 AM
يجوز الاحتفال ان شاء الله

الشريف عصام
02-20-2008, 11:16 PM
هل الاحتفال بمولد النبي بدعة ؟
بعيدا عن التعصب وكثرة الجدل ولكن بكل هدوء نقول : ما حققه
السيد الشريف الدكتور مصطفى السامرائى ( دكتوراه فى الفقه المقرن )

--------------------------------------------------------------------------------

لاشك انه بدعة ؛ لكن علينا ان نتعرف على حقيقة البدعة ، وانواعها ، وحكمها ، ثم ننقاش مسألة الاحتفال ، وفي أي انواع البد ع تصنف .
البدعة لغة : هي الامر المخترع ، ومنه ( بديع السماوات والارض ) أي مخترع السموات والارض .
واما في الاصطلاح : فادق تعريف للبدعة هو حديث الشيخين من رواية عائشة رضي الله عنها ما لفظه : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) ، وفي رواية (ما ليس فيه )
اذن : الحديث لم ينف كل جديد أو مستحدث ، وانما قيد المستحدث الذي يرد بـ ( ما ليس فيه أو ما ليس منه ) أي ماليس من شرعنا أو ماليس في شرعنا .
وحسب مفهوم المخالفة في مادة أصول الفقه يكون الامر (من أحدث في أمرنا ماهو فيه أو منه فهو مقبول ) .
ويؤيد هذا ما جاء في الحديث ( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها الى يوم القيامة ، ومن سن سنة سيئة فعليه وزها ووز من عمل بها الى يوم القيامة ) .
فالحديث بين أن هناك سنة حسنة وسنة سيئة ، ولاشك أنه أراد السنة بمعناها اللغوي وليس معناها الشرعي . أي من أحدث طريقة حسنة أو طريقة سيئة .
ويؤيده ايضا ما جاء في قول عمر رضي الله عنه في حديث قيام رمضان جماعة ( نعمت البدعة هذه ) أي نعم الامر المستحدث الجديد الذي لايخالف السنة ، حيث أن عمر جمع الناس في صلاة قيام رمضان على امام واحد ، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك .
ولو كان في الامر مخالفة لما اجمع الصحابة على موافقة عمر رضي الله عنه .
أضف لذلك جمع القرآن في خلافة أبي بكرالصديق رضي الله عنه ، وجمع الناس على قراءة واحدة في خلافة عثمان رضي الله عنه .
وعندما عرض عمر أمر جمع القرآن على أبي بكر رضي الله عنهما قال : ( أنفعل أمرا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال عمر : والله لا أراه الا خيرا فقال الصديق: فشرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر).
أرأيت لقول عمر : لا أراه الا خيرا ، مع أنه بدعة مستحدثة لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بيد أن فيه خير للامة .
وكذلك احداث الاذان الثاني في عهد عثمان رضي الله عنه ، وكل ذلك عبادة ، ولم يعترض عليه أحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
نخلص من ذلك الى : أن البدعة تنقسم الى : حسنة ، وسيئة .
يقول العز بن عبد السلام : والبدعة تتعراها الاحكام الشرعية الخمسة :
فقد تكون محرمة ، أو مباحة ، أو واجبة ، أو مكروهة ، أو مستحبة .
فامر جمع القرآن في مصحف واحد ، وجمع الناس على قراءة واحدة بدعة واجبة .
واحداث الاذان الثاني في عهد عثمان بدعة مستحبة ؛ لان الغاية تنبيه الناس الى الاسراع بالحضور الى صلاة الجمعة .
واما حديث (اياكم ومحدثات الامور فكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)
فظاهرا يعارض حديث ( من سنة سنة حسنة .... ) وحديث ( من أحدث في أمرنا ما ليس منه ..) وحديث ( نعمت البدعة هذه ) .
والجمع بينهما يكون أن الاطلاق في حديث ( كل بدعة ضلالة) ، يقيده الاحاديث السالفة الذكر ؛ فتكون البدعة الضالة هي التي تخالف الاصول ، واما ما وافق الاصول فهي حسنة .
فاذا عرفنا هذا فموضوع الاحتفال بالمولد النبوي ، او الاسراء والمعراج ، أو الهجرة في أي أنواع البدع يصنف ؟ بدعة محرمة أم مكروهة أم مباحة أم مستحبة ؟ سؤال يستحق الجواب .

نأمل أن يكون الجواب اتضح للجميع
بارك الله فيكم