العسيري
04-21-2005, 04:36 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أول من دون في التاريخ الجاهلي البصريان عبد الملك بن قريب الأصمعي، وأبو عبيدة معمر بن المثنى، أما من كان قبلهما كعبيد بن شرية وحماد الراوية فالراجح أنهما اتخذا التاريخ الجاهلي أحاديث مجالس وسلوة سمر، وقد عاش الأصمعي وأبو عبيدة في القرن الثاني الهجري، ويعني ذلك أن بين أحداث التاريخ الجاهلي وتدوينه ما يزيد عن قرنين من الزمان، ولا شك أن الأحداث الجسام التي جرت خلال ذلك قد شغلت العرب عن العصر الجاهلي وأخباره، فأحداث البعثة المحمدية وغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وحروب الردة والفتوحات بعد ذلك، ومقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه وما ترتب عليه من حروب بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحري بهذه الأحداث أن تكون حديث الناس خلال هذه الفترة، وإبان ذلك هلك معظم حفظة التاريخ الجاهلي. ومما لاشك فيه أن جل روايات عبيد بن شرية وحماد الراوية ومن جاء بعدهم متأولة من الشعر الجاهلي، فإن كانوا سمعوا شيئاً أو بعض شيء مما يروون فمن غير معاصرين لتلك الأحداث، وهم في تأولهم للشعر يصيبون ويخطئون، يخطئون في تأول الشعر، ويخطئون في كون الشعر نفسه لم يسلم من أخطاء رواته، في النص حيناً وفي نسبته إلى قائله حيناً آخر. لذلك قد تجد للبيت الواحد أكثر من رواية، وتجد للقصيدة أكثر من قائل، يضاف إلى ذلك أن من الرواة من هو متهم فيما يروي من قصص وشعر كحماد الراوية، فقد قال عنه ابن سلام: كان غير موثوق به ينحل شعر الرجل غيره ويزيد في الأشعار، وأقول: وهكذا الهمداني صاحب "صفة جزيرة العرب"، وعلم فيه كل هذه العيوب وعليه كل هذه المآخذ القبول به على علاته مضر بالمعرفة، والعودة إلى نفس المصدر الذي أخذ عنه لازم عقلاً ومنطقاً، وأقصد به الشعر نفسه، فلابد أن نعيد قراءته ونستجلي معانيه فنثبت من أقوال السلف ما نثبت بمنطق، ونسقط ما نسقط بحجة ودليل، ونجتهد قدر استطاعتنا في فهم صحيح الشعر من منحوله، ومن علمائنا وأدبائنا من هو مؤهل لأداء هذه المهمة.
وليست الأخبار وحدها التي أصابها التشويش فمواطن القبائل لم تسلم من الخلط بسبب جهل الرواة بالجزيرة العربية لأنهم عاشوا في سواد العراق ولا يعرفون من جزيرة العرب إلا أطرافها القريبة منهم، أو ما كان له ذكر في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وحروب الردة، لذلك نسبوا كل ما وجدوا في الشعر من المواضع إلى الأقطار التي انتهى إليهم خبرها فوقعوا دون قصد في خطأين، الأول أن المواضع تتسامى، فما من موضع إلا وتجد له سمياً أو أكثر في مكان أخر، على سبيل المثال توجد قرية أسمها قنا قرب حائل، ذكرها الدكتور الفاضل عبد الرحمن الفريح في أحد مقالاته، وتوجد قرية عامرة في تهامة عسير بنفس الاسم، ووادي بيشة في عروض نجد شرقي عسير، وآخر في تهامة بنفس الاسم يصب في وادي بيش، وغير ذلك كثير، والخطأ الثاني أن المؤرخين بذلك التحديد للمواضع حصروا الحياة في جزء يسير من جزيرة العرب وكأن ما سواها كان قفراً، مع أن ذلك الجزء أقل أقطارها ماء وشجراً، ولم يعيروا تناثر بطون القبائل العربية في جميع أقطار الجزيرة أي اعتبار، وبقاء القبيلة في موطن واحد آلاف السنين دون أن يضيق بها وتشح عليها موارده أمر مناف للعقل، ناهيك عن قيام دول ودويلات في جزيرة العرب عبر التاريخ وهذه الدول تتوسع وتتمدد ويكون عمدة جيوشها قبائل معينة وتستقر هذه الجيوش في أقطار غير أقطارها الأصلية، وبطون القبائل التي تهاجر عن مواطنها بسبب القحط أو الحرب تستقر في مواطن جديدة فتكون مستقلة أو تدخل في حلف أو جوار مع قبائل أخرى، ذكر أبن الأثير في الكامل عن أبي عبيدة قال: جاء الإسلام وليس في العرب أحد أعز داراً ولا أمنع جاراً ولا أكثر حليفاً من شيبان، كانت عنينة من لخم في الأحلاف، وكانت درمكة بن كندة في بنى هند وكانت عكرمة من طىء وحوتكة من عذرة ونباتة كل هؤلاء في بني الحارث بن همام وكانت عائذة من قريش وضبة وحواس من كندة، هؤلاء في بني ربيعة، وكانت سليمة من بني عبد القيس في بني أسعد بن همام وكانت وثيلة من ثعلبة وبنو خيبرى من طيء في بنى تميم بن شيبان وكانت عوف بن الحارث من كندة في بنى محلم.
إن قصر المؤرخين القبائل العربية على المواطن الشهيرة المعروفة عندهم غيب تاريخ أقطار من جزيرة العرب كان لها تاريخ، فأنت لا تجد لتهامة في التاريخ الجاهلي ذكراً عندهم مع أنها أغزر أقطار الجزيرة العربية مياهاً وأوفرها مرعاً وأكثرها ساكناً، وقد سهل عمل المؤرخين والرواة الآنف على أصحاب العصبيات أن يقسموا الجزيرة العربية إلى جزيرتين، والعرب إلى عربين، ووجد ذلك من نفوس المستشرقين هوىً فأولوه جهداً خاصاً، وسواء كان العرب جميعاً من ذرية إسماعيل، أو كانوا من ذرية إسماعيل اختلطوا ببقية من ثمود وهو الأرجح فيما أظن، أو كانوا غير ذلك، فإن تناثر بطون القبائل في الجزيرة العربية دون حاجز بين شمال أو جنوب من بديهيات العقل ومسلماته، لذلك فنحن بحاجة إلى منطق عقلي نحدد به مواطن أحداث العرب في الجاهلية، نظراً لتعدد مواطن القبيلة الواحدة، وأحسب أني توصلت لمنهج في البحث جديد أنا فيه غير مسبوق، يقوم على معايير عقلية لتحديد مواطن القبائل من أشعارها وأخبارها، وسأبدأ بتحديد مملكة حجر بن عمرو والد امرئ القيس، وقبل عرض منهاجي هذا لا بد من تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي أثرت كثيراً على صياغة التاريخ الجاهلي.
أول هذه المفاهيم صورة حياة العرب في جزيرتهم، فمن الناس أن أهل الوبر من العرب لم تكن لهم مواطن محددة بل كانوا يتتبعون المطر والكلأ في صحرائهم الواسعة، بيوتهم فوق أكوار جمالهم، وأن أهل المدر على عكس ذلك مستقرون في قراهم لا يعرفون النجعة والرعي، وهذه الصورة غير ممكنة عقلاً ومخالفة لطبيعة جزيرة العرب.
أما من حيث منافاتها للعقل فلاستحالة أن تقوم حياة أمة على الرعي وحده، فبين القرية والريف والبادية علاقة تكاملية يحتاجها كل مجتمع بشري لتأمين متطلبات الحياة، كل يأخذ من الآخر ما ينقصه ويمده بما ينتجه ويفيض عن حاجته، وأما من حيث مخالفته لطبيعة جزيرة العرب، فلكون مصادر المياه في الجزيرة العربية شحيحة وتنحصر في مواضع بعينها، وتتمثل في أبار في أرض يمكن الوصول إلى مائها بالوسائل البدائية، وعيون وغيول وأفلاج ودحول محدودة في أودية معروفة، القليل منها دائم ومعظمها يجف بعد أشهر تختلف باختلاف المواقع، وتبعاً لهذه الخاصية كان لأهل الوبر مواطن استقرار يكونون فيها معظم أشهر الصيف يعضدون العضاة ويخبطونها لسائمتهم، لأن غالب ماشيتهم الشاء والإبل، فإذا جاء موسم الأمطار اتجهوا إلى مراتع تتوفر فيها مصادر المياه من الأصناف المذكورة دون الآبار، ولم تكن للفلوات حدود تجعل لكل قبيلة ماءها ومرعاها، وأقر الإسلام العرب على الشراكة في الكلأ والماء.
وثاني المفاهيم الخاطئة علم الأنساب فقد كان العرب في جاهليتهم يرون أنهم متكافئون في أنسابهم، وكانت الأنساب عندهم للتناصر والتكاثر لا للتفاضل، وكان تفاخرهم بالعصبة وكثرة العدد لا بتميز العرق، ومنذ القرن الثاني الهجري أخذ النسابون والمؤرخون يتوسعون في علم الأنساب على غير أساس علمي يمكن الاقتناع به، ولعبت العصبية والسياسة دوراً كبيراً في إفساد هذا العلم حتى قسمت الجزيرة العربية جزيرتين والعرب عربين، وكأنهم دولتان بينهما حدود عليها حرس يحولون دون انتقال أهل الشمال للجنوب وأهل الجنوب للشمال، مما لبس علينا نسبة الأحداث إلى أقطارها، واختلطت علينا مواطن القبائل العربية التي نجد لها ذكراً في الشعر الجاهلي، لأن المؤرخين والنسابين سدوا علينا المنافذ، وحرموا علينا أن نبحث عن كندة ونهد وزبيد في شمال الجزيرة فذلك الجزء جزيرة عدنانية لا يسكنها قحطاني، ومما زاد الطين بله أن النسابين راحوا يختلقون لكل قبيلة عدنانية في جنوب الجزيرة نسباً إلى قحطان ولكل قبيلة قحطانية في شمالها نسباً إلى عدنان، ولا يملك كائن من كان دليلاً أو شبه دليل على صحة تلك الأنساب التي لم تؤخذ عن رقعة أو كتاب، وكان العرب في الجاهلية يعدون أنفسهم أبناء معد بن عدنان، فامرؤ القيس الكندي القحطاني يقول:
تا الله لا يذهب شيخي باطلا *** حتى أبير مالكاً وكاهلاً
القاتلين الملك الحلاحلا *** خير معدٍ حسباً ونائلاً
والمهلهل بن ربيعة التغلبي النزاري العدناني يقول:
عمرت دارنا تهامة في الدهـ *** ـر وفيها بنو معد حلولاً
ويقصد بذلك عامة العرب، لقد كان العرب كافة في الجاهلية يعرفون بأبناء معد- بفتح الميم والعين- حتى شطرهم النسابون في القرن الثاني الهجري شطرين، لذا رأيت أن أسقط النسب من حسباني وأكتفي في بحثي باسم القبيلة، دون اعتبار لشمال وجنوب وقحطان وعدنان، فإذا انطبقت معايير هذا البحث على المواطن الواردة في أشعار القبيلة على قطر ما في شمال أو جنوب قضيت بأن تلك القبيلة كانت هناك وإن خالفت ما في كتب السلف، لأني أعتمد في تحديد المواطن معايير عقلية أقوى حجة من أسماء المواضع التي اعتمدها السلف دون سواها وتتمثل هذه المعايير في التالي:
أولاً: قبائل الجوار
لم تكن القبائل العربية في جزر في عرض البحر كل قبيلة لا صلة لها بالأخرى، بل كان بين القبائل مجاورة، يكثر الجار أو يقل حسب مصادر المياه، فالقطر الغزير الماء يكثر ساكنه وتتقارب فيه الديار ويتعدد الجيران، والقبائل تتلاصق ديارها وتتباعد تبعاً لوفرة وندرة مصادر المياه، وكان العربي حريص على حسن الجيرة، وما من قبيلة لا جيران لها، وكما تكون الحروب القبلية بين أبناء الحي الواحد تكون بين الجيران، وتنعدم أسباب الخلاف والشحناء بين القبائل المتباعدة بعداً شاسعاً، كأن تكون قبيلة في عالية نجد وأخرى في الشحر إلا أن يكون باعثها دولة وملك، وبإمكاننا التعرف على موطن القبيلة من أسماء جيرانها الذين يرد لهم ذكر في أشعارها، فالقبائل العربية لا تزال في عين مواطنها، إلى يومنا هذا إلا ما ندر، وشح موارد جزيرة العرب جعل كل قبيلة بموطنها قانعة ومتشبثة، فالقبيلة لا تغادر موطنها بالكلية، بل يهاجر منها البطن والبطنان بسبب السنين أو الحرب بين أبنائها، والحرب القبلية لم تكن من أجل احتلال الأرض بل كانت حروب أوتار واستيفاء دماء، تتصيد فيها القبيلة القاصي والغافل من أعدائها، أو يتواعدون ليوم معلوم في مكان معلوم، أو تصبح إحداهما الأخرى ثم تعود أدراجها تتغنى بما كان منها، وقد يكون خروج طيء من جبال الغور في تهامة إلى جبلي أجا وسلمى النزوح الوحيد الذي أجلت فيه قبيلة أخرى لتحتل مواطنها.
ثانياً: البيئة
لأن الشاعر ابن بيئته فإننا لن نعدم في شعره ذكراً لجغرافية أرضه ومناخ قطره وأشجار موطنه، وإذا اعتمدنا هذه الثوابت البيئية الثلاثة في تحديد مواطن القبائل نكون قد بنينا رأينا على منطق وحجة وعلى أساس علمي مقنع؛ فليس من المنطق في شيء أن يقال إن الشاعر الفلاني عاش في حوران أو الحيرة وليس في شعره غير توقد الحزن ولهيب الصحراء، ليس للثلج من شعره نصيب بتصريح أو تلميح، إذا شبب شبه بالنبع والأراك والرنف والشدن، وإذا أطربته خضرة الربيع تغنى بالسعدان والحُلَّب والقرمل، مما لا يعرف في غير جزيرة العرب.
والمفيد في اعتماد عناصر البيئة آنفة الذكر في البحث عن مواطن العرب في جاهليتهم أن شبه الجزيرة العربية تنقسم إلى ثلاثة أقسام، نجد، والسراة، وتهامة، ولكل قسم من هذه الأقسام خصائصه الجغرافية والمناخية والنباتية. صحيح أن من الشجر والنبات ما يوجد في عموم أقطار الجزيرة العربية، ولكن من الشجر ما يختص به القطر دون الأقطار الأخرى تبعاً لتباين المناخ، فالعرعر والحماط والأثب لا يوجد في غير السراة، والعوسج والغضا والشفلح النجدى وهو غير الشفلح في تهامة جميع هذه الأصناف لا توجد في غير نجد، والنبع والغزر والأراك والسيال لا توجد في غير تهامة، والشث والرقَّع والمغد لا توجد في غير جبال الغور، وهذه أمثلة يسيرة والواجب أن لا يستشهد في مواطن القبائل بالشجر والنبات إلا عارف لأن من الشجر والنبات ما تعددت أسماؤه في لهجات الجاهليين كالعرفج في الحجاز ونجد هو نفسه العلقى في تهامة عسير وجيزان وكلا الإسمين فصيح، والنصي في نجد والحجاز هو نفسه السفسفان في تهامة الشامية وهو عينه لحية التيس في تهامة اليمانية (عسير، وجيزان) وجميع هذه الأسماء فصيح، وسوف أطبق معايير التجاور والتضاريس والمناخ والشجر على موطن امرئ القيس لنرى إن كان يوافق ما قلت من أن مملكته كانت في سراة وتهامة عسير والأطراف الشمالية من جيزان، أو في ما بين المدينة وخيبر كما يدعي الرواة والمؤرخون.
يزعم الرواة و المؤرخون أن حجراً كان ملكاً على بني أسد ما بين المدينة وخيبر، ومنهم من قال إنه كان ملكاً على أسد وغطفان وإذا أردنا مناقشة هذا القول فلابد لنا من معرفة القبائل التي تجاور أسداً في هذا الموطن بين المدينة وخيبر، لأن تأثرهم وتأثيرهم في الأحداث التي جرت بين حجر وامرئ القيس من بعده وبني أسد أمر حتمي.
تقع ديار أسد في الحجاز بين المدينة وخيبر بميل إلى الشرق، أي أنها نجدية، تجاورهم غطفان من الشمال، أي أن ديار غطفان تقع بينهم وبين خيبر، ومن الجنوب والشرق تجاورهم عامر وسليم، وجميع هذه القبائل لم يرد لها ذكر في حروب امرئ القيس وأسد، أليس ذلك مدعاة للشك في ادعاء المؤرخين أن حجراً كان ملكاً على بني أسد في هذا الموطن بين خيبر والمدينة، لا ريب أن شهرة هذا الموطن في حروب الردة بسبب تنبؤ طليحة الأسدي واجتماع أسد وغطفان عليه والحرب الشهيرة التي دارت بين المسلمين والمرتدين في هذا المكان هو ما حمل المؤرخين على هذا التوهم، ولو كان لديهم علم عن بطون لأسد في مواطن أخرى من جزيرة العرب لتريثوا في هذا الظن، وقد بينت أن في سراة وتهامة عسير بطوناً من أسد لا تزال أسماؤها تدل عليها، ولأني لا أحب أن أخوض في الأنساب أحلت القارئ على صفة جزيرة العرب للهمداني في وصف جرش وأحوازها، وبتطبيق معيار قبائل الجوار يمكننا التعرف من شعر امرئ القيس وعبيد بن الأبرص على القبائل التي كانت تجاور أسداً في ذلك التاريخ، وأول هذه القبائل ربيعة تغلب، فهم خؤولة امرئ القيس، وقد صرح أمرؤ القيس أن أخواله من جشم بن حبيب، وهي القبيلة الوحيدة التي نصرته على أسد لاستعادة ملكه.
قال امرؤ القيس عن أخواله:
كلا يمين الإله يجمعنا *** شيء وأخوالنا بنو جشما
ولم تذكر تغلب في كتب التاريخ إلا في الحيرة والجزيرة الفراتية ولكن امرئ القيس يصرح أن ربيعة كانت ضمن مملكة أبيه، قال عن مقتل أبيه:
فأين ربيعة عن ربها *** وأين تميم وأين الخول
يدل هذا البيت دلالة صريحة على أن ربيعة من رعايا حجر بن عمرو والد امرئ القيس، والمؤرخون يذكرون أن مواطن ربيعة في الجزيرة الفراتية، ويزعمون أن حجراً كان ملكاً على أسد جوار المدينة المنورة فكيف يتفق أن تكون ربيعة في الجزيرة الفراتية وحجر في الحجاز وتكون من رعاياه وبينها وبينه ألفا كيلومتر أو أكثر تستوطنها قبائل شتى، لم يعرف عن واحدة منها أنها كانت تتبع حجراً ولا ربيعة سكنت ما بين المدينة وخيبر قط، ونحن نجد ربيعة في سراة وتهامة عسير في مواطن هم فيها منذ آلاف السنين، وفي شآمي منطقة جيزان قبيلة تحمل اسم آل حبيب، في مواطن لم يسكنها غيرهم، وغير بعيد عنهم قرية تعرف بدرب بنى شعبة، يذكر رؤساؤها أنهم أبناء شعبة بن مهلهل، وأي باحث يقف على هذه الأمور لا بد أن يضع في حسبانه أن تكون ربيعة هذه ربيعة كليب ومهلهل، ولو كاحتمال من ضمن احتمالات، سيما وفي شعر عمرو بن كلثوم ما يشير إلى موقع موطنه من جزيرة العرب، وتنفي إشارة عمرو هذه أن تكون ديارهم في الحيرة أو هجر أو البحرين. قال عمرو:
متى ننقل إلى قومٍ رحانا * * * يكونوا في اللقاء لها طحينا
يكون ثفالها شرقي نجدٍ * * * ولهوتها قضاعة أجمعينا
إن هذه الصورة لا يرسمها إلا من كان غربي نجد، ولا يمكن أن يقول هذا من كان في سواد العراق لأن نجداً تكون جنوباً عنه، وإذا علمنا أن قضاعة تجاور ربيعة من شرقيهم في جرش وسراة جنب ونجد شرقي قضاعة، وهذا يوافق الصورة في بيت عمرو بن كلثوم ويؤكد أن ربيعة مهلهل هي نفس ربيعة الآن في عسير.
والقبيلة الثانية التي تجاور أسداً وورد لها ذكر في شعر امرىء القيس أزد شنوءة، يذكر المؤرخون أنه ذهب يستنصرهم على أسد فاعتذروا قائلين إخواننا وجيراننا، ذكر ذلك ابن الأثير في الكامل، وأزد شنوءة في عسير منذ الأزل، في سراة حجر (بفتح الحاء وسكون الجيم)، وتهامتها سميت السراة نسبة إليهم - قبائل حجر. وليس في ما بين المدينة وخيبر أي بطن من أزد شنوءة، وأحسب المهلهل عناهم بقوله:
فلولا الريح أسمع آل حجر *** صليل البيض تقرع بالذكور
قال امرؤ القيس في قصيدة رواها العسكري:
فإن تهلك شنوءة أو تبدل *** فسيري إن في غسان خالا
القبيلة الثالثة كنانة: فحين سار امرؤ القيس إلى تهامة في طلب بني أسد أخطأهم وأصاب بيتاً من كنانة أبناء عمومة بني أسد، وفي تهامة عسير تجاور كنانة المواطن التي ذكر الهمداني أنها أسدية من الشمال الغربي في وادي حلي، قال أمرؤ القيس:
ألا يا لهف هند أثر قوم *** هم كانوا الشفاء فلم يصابوا
وقاهم جدهم ببني أبيهم *** وبالأشقين ما كان العقاب
يتبع ...........
أول من دون في التاريخ الجاهلي البصريان عبد الملك بن قريب الأصمعي، وأبو عبيدة معمر بن المثنى، أما من كان قبلهما كعبيد بن شرية وحماد الراوية فالراجح أنهما اتخذا التاريخ الجاهلي أحاديث مجالس وسلوة سمر، وقد عاش الأصمعي وأبو عبيدة في القرن الثاني الهجري، ويعني ذلك أن بين أحداث التاريخ الجاهلي وتدوينه ما يزيد عن قرنين من الزمان، ولا شك أن الأحداث الجسام التي جرت خلال ذلك قد شغلت العرب عن العصر الجاهلي وأخباره، فأحداث البعثة المحمدية وغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وحروب الردة والفتوحات بعد ذلك، ومقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه وما ترتب عليه من حروب بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحري بهذه الأحداث أن تكون حديث الناس خلال هذه الفترة، وإبان ذلك هلك معظم حفظة التاريخ الجاهلي. ومما لاشك فيه أن جل روايات عبيد بن شرية وحماد الراوية ومن جاء بعدهم متأولة من الشعر الجاهلي، فإن كانوا سمعوا شيئاً أو بعض شيء مما يروون فمن غير معاصرين لتلك الأحداث، وهم في تأولهم للشعر يصيبون ويخطئون، يخطئون في تأول الشعر، ويخطئون في كون الشعر نفسه لم يسلم من أخطاء رواته، في النص حيناً وفي نسبته إلى قائله حيناً آخر. لذلك قد تجد للبيت الواحد أكثر من رواية، وتجد للقصيدة أكثر من قائل، يضاف إلى ذلك أن من الرواة من هو متهم فيما يروي من قصص وشعر كحماد الراوية، فقد قال عنه ابن سلام: كان غير موثوق به ينحل شعر الرجل غيره ويزيد في الأشعار، وأقول: وهكذا الهمداني صاحب "صفة جزيرة العرب"، وعلم فيه كل هذه العيوب وعليه كل هذه المآخذ القبول به على علاته مضر بالمعرفة، والعودة إلى نفس المصدر الذي أخذ عنه لازم عقلاً ومنطقاً، وأقصد به الشعر نفسه، فلابد أن نعيد قراءته ونستجلي معانيه فنثبت من أقوال السلف ما نثبت بمنطق، ونسقط ما نسقط بحجة ودليل، ونجتهد قدر استطاعتنا في فهم صحيح الشعر من منحوله، ومن علمائنا وأدبائنا من هو مؤهل لأداء هذه المهمة.
وليست الأخبار وحدها التي أصابها التشويش فمواطن القبائل لم تسلم من الخلط بسبب جهل الرواة بالجزيرة العربية لأنهم عاشوا في سواد العراق ولا يعرفون من جزيرة العرب إلا أطرافها القريبة منهم، أو ما كان له ذكر في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وحروب الردة، لذلك نسبوا كل ما وجدوا في الشعر من المواضع إلى الأقطار التي انتهى إليهم خبرها فوقعوا دون قصد في خطأين، الأول أن المواضع تتسامى، فما من موضع إلا وتجد له سمياً أو أكثر في مكان أخر، على سبيل المثال توجد قرية أسمها قنا قرب حائل، ذكرها الدكتور الفاضل عبد الرحمن الفريح في أحد مقالاته، وتوجد قرية عامرة في تهامة عسير بنفس الاسم، ووادي بيشة في عروض نجد شرقي عسير، وآخر في تهامة بنفس الاسم يصب في وادي بيش، وغير ذلك كثير، والخطأ الثاني أن المؤرخين بذلك التحديد للمواضع حصروا الحياة في جزء يسير من جزيرة العرب وكأن ما سواها كان قفراً، مع أن ذلك الجزء أقل أقطارها ماء وشجراً، ولم يعيروا تناثر بطون القبائل العربية في جميع أقطار الجزيرة أي اعتبار، وبقاء القبيلة في موطن واحد آلاف السنين دون أن يضيق بها وتشح عليها موارده أمر مناف للعقل، ناهيك عن قيام دول ودويلات في جزيرة العرب عبر التاريخ وهذه الدول تتوسع وتتمدد ويكون عمدة جيوشها قبائل معينة وتستقر هذه الجيوش في أقطار غير أقطارها الأصلية، وبطون القبائل التي تهاجر عن مواطنها بسبب القحط أو الحرب تستقر في مواطن جديدة فتكون مستقلة أو تدخل في حلف أو جوار مع قبائل أخرى، ذكر أبن الأثير في الكامل عن أبي عبيدة قال: جاء الإسلام وليس في العرب أحد أعز داراً ولا أمنع جاراً ولا أكثر حليفاً من شيبان، كانت عنينة من لخم في الأحلاف، وكانت درمكة بن كندة في بنى هند وكانت عكرمة من طىء وحوتكة من عذرة ونباتة كل هؤلاء في بني الحارث بن همام وكانت عائذة من قريش وضبة وحواس من كندة، هؤلاء في بني ربيعة، وكانت سليمة من بني عبد القيس في بني أسعد بن همام وكانت وثيلة من ثعلبة وبنو خيبرى من طيء في بنى تميم بن شيبان وكانت عوف بن الحارث من كندة في بنى محلم.
إن قصر المؤرخين القبائل العربية على المواطن الشهيرة المعروفة عندهم غيب تاريخ أقطار من جزيرة العرب كان لها تاريخ، فأنت لا تجد لتهامة في التاريخ الجاهلي ذكراً عندهم مع أنها أغزر أقطار الجزيرة العربية مياهاً وأوفرها مرعاً وأكثرها ساكناً، وقد سهل عمل المؤرخين والرواة الآنف على أصحاب العصبيات أن يقسموا الجزيرة العربية إلى جزيرتين، والعرب إلى عربين، ووجد ذلك من نفوس المستشرقين هوىً فأولوه جهداً خاصاً، وسواء كان العرب جميعاً من ذرية إسماعيل، أو كانوا من ذرية إسماعيل اختلطوا ببقية من ثمود وهو الأرجح فيما أظن، أو كانوا غير ذلك، فإن تناثر بطون القبائل في الجزيرة العربية دون حاجز بين شمال أو جنوب من بديهيات العقل ومسلماته، لذلك فنحن بحاجة إلى منطق عقلي نحدد به مواطن أحداث العرب في الجاهلية، نظراً لتعدد مواطن القبيلة الواحدة، وأحسب أني توصلت لمنهج في البحث جديد أنا فيه غير مسبوق، يقوم على معايير عقلية لتحديد مواطن القبائل من أشعارها وأخبارها، وسأبدأ بتحديد مملكة حجر بن عمرو والد امرئ القيس، وقبل عرض منهاجي هذا لا بد من تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي أثرت كثيراً على صياغة التاريخ الجاهلي.
أول هذه المفاهيم صورة حياة العرب في جزيرتهم، فمن الناس أن أهل الوبر من العرب لم تكن لهم مواطن محددة بل كانوا يتتبعون المطر والكلأ في صحرائهم الواسعة، بيوتهم فوق أكوار جمالهم، وأن أهل المدر على عكس ذلك مستقرون في قراهم لا يعرفون النجعة والرعي، وهذه الصورة غير ممكنة عقلاً ومخالفة لطبيعة جزيرة العرب.
أما من حيث منافاتها للعقل فلاستحالة أن تقوم حياة أمة على الرعي وحده، فبين القرية والريف والبادية علاقة تكاملية يحتاجها كل مجتمع بشري لتأمين متطلبات الحياة، كل يأخذ من الآخر ما ينقصه ويمده بما ينتجه ويفيض عن حاجته، وأما من حيث مخالفته لطبيعة جزيرة العرب، فلكون مصادر المياه في الجزيرة العربية شحيحة وتنحصر في مواضع بعينها، وتتمثل في أبار في أرض يمكن الوصول إلى مائها بالوسائل البدائية، وعيون وغيول وأفلاج ودحول محدودة في أودية معروفة، القليل منها دائم ومعظمها يجف بعد أشهر تختلف باختلاف المواقع، وتبعاً لهذه الخاصية كان لأهل الوبر مواطن استقرار يكونون فيها معظم أشهر الصيف يعضدون العضاة ويخبطونها لسائمتهم، لأن غالب ماشيتهم الشاء والإبل، فإذا جاء موسم الأمطار اتجهوا إلى مراتع تتوفر فيها مصادر المياه من الأصناف المذكورة دون الآبار، ولم تكن للفلوات حدود تجعل لكل قبيلة ماءها ومرعاها، وأقر الإسلام العرب على الشراكة في الكلأ والماء.
وثاني المفاهيم الخاطئة علم الأنساب فقد كان العرب في جاهليتهم يرون أنهم متكافئون في أنسابهم، وكانت الأنساب عندهم للتناصر والتكاثر لا للتفاضل، وكان تفاخرهم بالعصبة وكثرة العدد لا بتميز العرق، ومنذ القرن الثاني الهجري أخذ النسابون والمؤرخون يتوسعون في علم الأنساب على غير أساس علمي يمكن الاقتناع به، ولعبت العصبية والسياسة دوراً كبيراً في إفساد هذا العلم حتى قسمت الجزيرة العربية جزيرتين والعرب عربين، وكأنهم دولتان بينهما حدود عليها حرس يحولون دون انتقال أهل الشمال للجنوب وأهل الجنوب للشمال، مما لبس علينا نسبة الأحداث إلى أقطارها، واختلطت علينا مواطن القبائل العربية التي نجد لها ذكراً في الشعر الجاهلي، لأن المؤرخين والنسابين سدوا علينا المنافذ، وحرموا علينا أن نبحث عن كندة ونهد وزبيد في شمال الجزيرة فذلك الجزء جزيرة عدنانية لا يسكنها قحطاني، ومما زاد الطين بله أن النسابين راحوا يختلقون لكل قبيلة عدنانية في جنوب الجزيرة نسباً إلى قحطان ولكل قبيلة قحطانية في شمالها نسباً إلى عدنان، ولا يملك كائن من كان دليلاً أو شبه دليل على صحة تلك الأنساب التي لم تؤخذ عن رقعة أو كتاب، وكان العرب في الجاهلية يعدون أنفسهم أبناء معد بن عدنان، فامرؤ القيس الكندي القحطاني يقول:
تا الله لا يذهب شيخي باطلا *** حتى أبير مالكاً وكاهلاً
القاتلين الملك الحلاحلا *** خير معدٍ حسباً ونائلاً
والمهلهل بن ربيعة التغلبي النزاري العدناني يقول:
عمرت دارنا تهامة في الدهـ *** ـر وفيها بنو معد حلولاً
ويقصد بذلك عامة العرب، لقد كان العرب كافة في الجاهلية يعرفون بأبناء معد- بفتح الميم والعين- حتى شطرهم النسابون في القرن الثاني الهجري شطرين، لذا رأيت أن أسقط النسب من حسباني وأكتفي في بحثي باسم القبيلة، دون اعتبار لشمال وجنوب وقحطان وعدنان، فإذا انطبقت معايير هذا البحث على المواطن الواردة في أشعار القبيلة على قطر ما في شمال أو جنوب قضيت بأن تلك القبيلة كانت هناك وإن خالفت ما في كتب السلف، لأني أعتمد في تحديد المواطن معايير عقلية أقوى حجة من أسماء المواضع التي اعتمدها السلف دون سواها وتتمثل هذه المعايير في التالي:
أولاً: قبائل الجوار
لم تكن القبائل العربية في جزر في عرض البحر كل قبيلة لا صلة لها بالأخرى، بل كان بين القبائل مجاورة، يكثر الجار أو يقل حسب مصادر المياه، فالقطر الغزير الماء يكثر ساكنه وتتقارب فيه الديار ويتعدد الجيران، والقبائل تتلاصق ديارها وتتباعد تبعاً لوفرة وندرة مصادر المياه، وكان العربي حريص على حسن الجيرة، وما من قبيلة لا جيران لها، وكما تكون الحروب القبلية بين أبناء الحي الواحد تكون بين الجيران، وتنعدم أسباب الخلاف والشحناء بين القبائل المتباعدة بعداً شاسعاً، كأن تكون قبيلة في عالية نجد وأخرى في الشحر إلا أن يكون باعثها دولة وملك، وبإمكاننا التعرف على موطن القبيلة من أسماء جيرانها الذين يرد لهم ذكر في أشعارها، فالقبائل العربية لا تزال في عين مواطنها، إلى يومنا هذا إلا ما ندر، وشح موارد جزيرة العرب جعل كل قبيلة بموطنها قانعة ومتشبثة، فالقبيلة لا تغادر موطنها بالكلية، بل يهاجر منها البطن والبطنان بسبب السنين أو الحرب بين أبنائها، والحرب القبلية لم تكن من أجل احتلال الأرض بل كانت حروب أوتار واستيفاء دماء، تتصيد فيها القبيلة القاصي والغافل من أعدائها، أو يتواعدون ليوم معلوم في مكان معلوم، أو تصبح إحداهما الأخرى ثم تعود أدراجها تتغنى بما كان منها، وقد يكون خروج طيء من جبال الغور في تهامة إلى جبلي أجا وسلمى النزوح الوحيد الذي أجلت فيه قبيلة أخرى لتحتل مواطنها.
ثانياً: البيئة
لأن الشاعر ابن بيئته فإننا لن نعدم في شعره ذكراً لجغرافية أرضه ومناخ قطره وأشجار موطنه، وإذا اعتمدنا هذه الثوابت البيئية الثلاثة في تحديد مواطن القبائل نكون قد بنينا رأينا على منطق وحجة وعلى أساس علمي مقنع؛ فليس من المنطق في شيء أن يقال إن الشاعر الفلاني عاش في حوران أو الحيرة وليس في شعره غير توقد الحزن ولهيب الصحراء، ليس للثلج من شعره نصيب بتصريح أو تلميح، إذا شبب شبه بالنبع والأراك والرنف والشدن، وإذا أطربته خضرة الربيع تغنى بالسعدان والحُلَّب والقرمل، مما لا يعرف في غير جزيرة العرب.
والمفيد في اعتماد عناصر البيئة آنفة الذكر في البحث عن مواطن العرب في جاهليتهم أن شبه الجزيرة العربية تنقسم إلى ثلاثة أقسام، نجد، والسراة، وتهامة، ولكل قسم من هذه الأقسام خصائصه الجغرافية والمناخية والنباتية. صحيح أن من الشجر والنبات ما يوجد في عموم أقطار الجزيرة العربية، ولكن من الشجر ما يختص به القطر دون الأقطار الأخرى تبعاً لتباين المناخ، فالعرعر والحماط والأثب لا يوجد في غير السراة، والعوسج والغضا والشفلح النجدى وهو غير الشفلح في تهامة جميع هذه الأصناف لا توجد في غير نجد، والنبع والغزر والأراك والسيال لا توجد في غير تهامة، والشث والرقَّع والمغد لا توجد في غير جبال الغور، وهذه أمثلة يسيرة والواجب أن لا يستشهد في مواطن القبائل بالشجر والنبات إلا عارف لأن من الشجر والنبات ما تعددت أسماؤه في لهجات الجاهليين كالعرفج في الحجاز ونجد هو نفسه العلقى في تهامة عسير وجيزان وكلا الإسمين فصيح، والنصي في نجد والحجاز هو نفسه السفسفان في تهامة الشامية وهو عينه لحية التيس في تهامة اليمانية (عسير، وجيزان) وجميع هذه الأسماء فصيح، وسوف أطبق معايير التجاور والتضاريس والمناخ والشجر على موطن امرئ القيس لنرى إن كان يوافق ما قلت من أن مملكته كانت في سراة وتهامة عسير والأطراف الشمالية من جيزان، أو في ما بين المدينة وخيبر كما يدعي الرواة والمؤرخون.
يزعم الرواة و المؤرخون أن حجراً كان ملكاً على بني أسد ما بين المدينة وخيبر، ومنهم من قال إنه كان ملكاً على أسد وغطفان وإذا أردنا مناقشة هذا القول فلابد لنا من معرفة القبائل التي تجاور أسداً في هذا الموطن بين المدينة وخيبر، لأن تأثرهم وتأثيرهم في الأحداث التي جرت بين حجر وامرئ القيس من بعده وبني أسد أمر حتمي.
تقع ديار أسد في الحجاز بين المدينة وخيبر بميل إلى الشرق، أي أنها نجدية، تجاورهم غطفان من الشمال، أي أن ديار غطفان تقع بينهم وبين خيبر، ومن الجنوب والشرق تجاورهم عامر وسليم، وجميع هذه القبائل لم يرد لها ذكر في حروب امرئ القيس وأسد، أليس ذلك مدعاة للشك في ادعاء المؤرخين أن حجراً كان ملكاً على بني أسد في هذا الموطن بين خيبر والمدينة، لا ريب أن شهرة هذا الموطن في حروب الردة بسبب تنبؤ طليحة الأسدي واجتماع أسد وغطفان عليه والحرب الشهيرة التي دارت بين المسلمين والمرتدين في هذا المكان هو ما حمل المؤرخين على هذا التوهم، ولو كان لديهم علم عن بطون لأسد في مواطن أخرى من جزيرة العرب لتريثوا في هذا الظن، وقد بينت أن في سراة وتهامة عسير بطوناً من أسد لا تزال أسماؤها تدل عليها، ولأني لا أحب أن أخوض في الأنساب أحلت القارئ على صفة جزيرة العرب للهمداني في وصف جرش وأحوازها، وبتطبيق معيار قبائل الجوار يمكننا التعرف من شعر امرئ القيس وعبيد بن الأبرص على القبائل التي كانت تجاور أسداً في ذلك التاريخ، وأول هذه القبائل ربيعة تغلب، فهم خؤولة امرئ القيس، وقد صرح أمرؤ القيس أن أخواله من جشم بن حبيب، وهي القبيلة الوحيدة التي نصرته على أسد لاستعادة ملكه.
قال امرؤ القيس عن أخواله:
كلا يمين الإله يجمعنا *** شيء وأخوالنا بنو جشما
ولم تذكر تغلب في كتب التاريخ إلا في الحيرة والجزيرة الفراتية ولكن امرئ القيس يصرح أن ربيعة كانت ضمن مملكة أبيه، قال عن مقتل أبيه:
فأين ربيعة عن ربها *** وأين تميم وأين الخول
يدل هذا البيت دلالة صريحة على أن ربيعة من رعايا حجر بن عمرو والد امرئ القيس، والمؤرخون يذكرون أن مواطن ربيعة في الجزيرة الفراتية، ويزعمون أن حجراً كان ملكاً على أسد جوار المدينة المنورة فكيف يتفق أن تكون ربيعة في الجزيرة الفراتية وحجر في الحجاز وتكون من رعاياه وبينها وبينه ألفا كيلومتر أو أكثر تستوطنها قبائل شتى، لم يعرف عن واحدة منها أنها كانت تتبع حجراً ولا ربيعة سكنت ما بين المدينة وخيبر قط، ونحن نجد ربيعة في سراة وتهامة عسير في مواطن هم فيها منذ آلاف السنين، وفي شآمي منطقة جيزان قبيلة تحمل اسم آل حبيب، في مواطن لم يسكنها غيرهم، وغير بعيد عنهم قرية تعرف بدرب بنى شعبة، يذكر رؤساؤها أنهم أبناء شعبة بن مهلهل، وأي باحث يقف على هذه الأمور لا بد أن يضع في حسبانه أن تكون ربيعة هذه ربيعة كليب ومهلهل، ولو كاحتمال من ضمن احتمالات، سيما وفي شعر عمرو بن كلثوم ما يشير إلى موقع موطنه من جزيرة العرب، وتنفي إشارة عمرو هذه أن تكون ديارهم في الحيرة أو هجر أو البحرين. قال عمرو:
متى ننقل إلى قومٍ رحانا * * * يكونوا في اللقاء لها طحينا
يكون ثفالها شرقي نجدٍ * * * ولهوتها قضاعة أجمعينا
إن هذه الصورة لا يرسمها إلا من كان غربي نجد، ولا يمكن أن يقول هذا من كان في سواد العراق لأن نجداً تكون جنوباً عنه، وإذا علمنا أن قضاعة تجاور ربيعة من شرقيهم في جرش وسراة جنب ونجد شرقي قضاعة، وهذا يوافق الصورة في بيت عمرو بن كلثوم ويؤكد أن ربيعة مهلهل هي نفس ربيعة الآن في عسير.
والقبيلة الثانية التي تجاور أسداً وورد لها ذكر في شعر امرىء القيس أزد شنوءة، يذكر المؤرخون أنه ذهب يستنصرهم على أسد فاعتذروا قائلين إخواننا وجيراننا، ذكر ذلك ابن الأثير في الكامل، وأزد شنوءة في عسير منذ الأزل، في سراة حجر (بفتح الحاء وسكون الجيم)، وتهامتها سميت السراة نسبة إليهم - قبائل حجر. وليس في ما بين المدينة وخيبر أي بطن من أزد شنوءة، وأحسب المهلهل عناهم بقوله:
فلولا الريح أسمع آل حجر *** صليل البيض تقرع بالذكور
قال امرؤ القيس في قصيدة رواها العسكري:
فإن تهلك شنوءة أو تبدل *** فسيري إن في غسان خالا
القبيلة الثالثة كنانة: فحين سار امرؤ القيس إلى تهامة في طلب بني أسد أخطأهم وأصاب بيتاً من كنانة أبناء عمومة بني أسد، وفي تهامة عسير تجاور كنانة المواطن التي ذكر الهمداني أنها أسدية من الشمال الغربي في وادي حلي، قال أمرؤ القيس:
ألا يا لهف هند أثر قوم *** هم كانوا الشفاء فلم يصابوا
وقاهم جدهم ببني أبيهم *** وبالأشقين ما كان العقاب
يتبع ...........