المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الوداع الأخير


صقر الخوالد
04-23-2005, 02:42 AM
في المطار جلست في صالة المغادرة أودع صديقي عابد كما كنا نودع فصل الشتاء الجميل ونستقبل لهيب الصيف الحار الذي يذكر بأصيافٍ مضت.
كنا نجلس في صالةٍ بكراسي متناسقة الترتيب لكنها ليست كصالة المغادرة في مطار الملك خالد الدولي بالرياض هناك الكراسي كغرف الجلوس في شكل مربع تتوسطها طاولة تحيط بها اربعة كراس وبوفيهات متناثرة بشكل منسق وجميل
ولكن مطارنا تنسيق الكراسي تماما كتنسيق كراسي المسرح بعضها خلف بعض
جلسنا كأننا ننتظر فتح ستارة المسرح لنتمتع بعرضٍ مسرحيٍ يبدد الملل الذي نعايشه
591 هو رقم الرحلة التي ستقل عابد إلى ديارٍ بعيدةٍ عبر جده..
كثيرةٌ هي الحالات التي أودع بها الأخرين
إما مسافر أو مودع
ولكن أصعب شيءٍ علي حينما ودعتها في ليلة خميس
تلك الليلة التي غاب بدرها ولم يضيءالمكان إلا بنور مودعتي وهي مع المجموعة التي اجتمعت لتوديعي كانت أكثر الأبيات ترديدا القول الشعبي




من فارق الخلان ربي يعينـه=الله يعين اللي على الغبن صبار





وهي التي ترددهاوكل فترة تعيدهم إلى هذا البيت وهي تنظر إلي
بعينين حورائين تغطي إحداهما خصلةٌ سبطةٌ من شعرها الكستنائي الفاتن
ومابين فترةٍ وأخرى تبعد خصلتها بهزةٍ من رأسها الذي يتحرك على جيدٍ أتلع أو ترفعها بتمشيطٍ من أصابع يدها إلى أعلى
تحمل أجمل اسمٍ . فاسمها يعيدك إلى ليالٍ ضاريةٍ في القدم يذكرك بالورد والجنون. والشعر العذري الموزون
كنت غراً يوم أن تعلقتها ., كانت الدنيا كلها تردد الشعر المجنون في ذلك الوقت, أقبلت عليها بقلبي وقالبي
بكلي وكليلي بعقلي وعاطفتي.
نغم الدنيا أسمعه إذا نودي لأحدٍ يحمل اسمها , حتى اختلط حبها بدمي
لكن ليلة الوداع تلك ولا كل الليالي..
كلما انشغلت عنها بالحظور ألمحها وهي ترمقني بحسرةٍ ظاهرة. تصاحبها تنهيدة طويله
وكأنها تعزف اللحن الأخيرفي أغنية ودنا أو هكذا خيل إلي
تبتسم لي كلما اصطدت سهامها موجهة إلي , حتى كدت أنطق بكلمة الحب علناً في ذلك المجلس الوداعي
اخترق علي وجومي صوت المذيع الداخلي وهو يعلن ’’ يسر الخطوط الجوية العربية السعودية أن تعلن عن موعد اقلاع رحلتها رقم205 والمتجهة إلى الرياض على السادة الركاب المسافرين على هذه الرحلة سرعة التوجه إلى بوابة السفر رقم ،،2,,
قال لي عابد إن لحضات الوداع لحضاتٌ مريرة خصوصاً إذا كانوا أعزاء , وهذه اللحضات مريرة عندي
قلت صحيح إن لحضات وداع الأعزاء مريرة بل مؤلمة موجعة.
لحضة وداعها تلك كانت موجعة بل إن جرح الوداع لايزال غائراً في أعماقي أحس بآلامه وغصصه رغم مضي الأعوام
تلك الليلة حينما نام الجميع في ليل الصيف تحت النجوم في سطح البيت , تسللت أنا ونزلت إلى غرفةٍ في الدور الثاني
وتسللت هي ونزلت أيضاً على غير موعدٍ بيننا, لكنه إحساسًٌ غريبٌ حملني على النزول كما حملها على ذلك.
جلسنا القرفصاء . وكأننا تمثالين لعاشقين من القرون الوسطى أجاد نحتهما فنانٌ حاذق, نظرة إلي بطرفٍ ساجٍ من عينين نجلاوين وطفائين.
ورنوت إليها بعينين تتعطش لصوتها الذي يخيل إلي أنه سيترقرق كالسلسبيل العذب من بين شفتيها اللعساوين
بقينا على هذه الحال فترة ليست بالقصيرة ’’ تعطلت لغة الكلام,, إذ ترقرقت دمعاتٌ من عينيها كأنها حبات لؤلؤٍ انفرط عقدها فتدحرجت على على صفحات خدٍ كورد الجوري تنزلق من بين وريقاتها قطرات الندى
وأطرقت برأسها فانثال شعرها كذيل فرس أشقر وانسكب صوتها كأنغام الصبا
’’ ستسافر غداً,,
احتار دليلي ومادت بي الأرض من تحتي وتمنيت ان كلمة فراق شُطبت من القاموس
أرجو الإنتباه
’’ تعلن الخطوط الجوية العربية السعودية عن موعد اقلاع رحلتها رقم’’465,, والمتجهة إلى الظهران.. على السادة الركاب المسافرين على هذه الرحلة التوجه إلى بوابة السفر رقم ’’2,, والصعود إلى الطائرة,,
الناس من حولنا يحملون حقائبهم اليدوية وينتظمون في الطابور مع بعض الفوضى التي تذكرني بأيام المقصف المدرسي لشراء الساندويتشات.
قال لي عابد: ــ لكن العزاء أن الإنسان يتولد لديه أمل اللقاء إذا ماستمرت الاتصالات سواء عبر المراسلة أو الاتصال الهاتفي
ولكن وقت وداعها لم يصل إلى مدينتي الهاتف وهي أمامي كيف ستصلني اخبارك ياأعز الناس
سأكتب لك رسالة في كل لحظه. سأكتب لكل فردٍ في البيت حتى لايكتشف امرنا. وستحمل رسائلي إليك كل أشواقي . لكن ردي عليها ’’ أرجوك ردي عليها,,
جاءت بمقص وقصت تلك الخصلة التي كانت تداعبها , لفتها بمنديلٍ جميلٍ معطر وأهدتها إلي كي تبقى ذكرى تدق في عالمي وتعطر حقيبة ذكرياتي وتكحل ناظري .. أخذتها بعناية وربطتها جيداً وضعتها في حقيبتي
وأخرجت لها من حقيبتي قلمي الخاص وميدالية مفاتيح . تلك الميدالية البيضاء الشفافه وفي وسطها مجسم قلبٍ بلونٍ احمر اخترقه سهمٌ اخضر. وكأنني سلمتها قلبي .
بقينا على حالتنا هذه كهمس البلابل . حتى أذان الفجر . ودعتها وداعا خاصاً. وفي الصباح أيقضوني للسفر ودعتهم جميعاً وهم يبكون نزلت من الدرج وهم خلفي عادوا إلا هي تتبعني.
’’ يسر الخطوط السعودية أن تعلن عن موعد اقلاع رحلتها رقم’’591,, المتجهة إلى جده يرجى من السادة الركاب المسافرين على هذه الرحلة سرعة التوجه إلى البوابة رقم ’’ 1 ,, استعداداً لركوب الطائرة
قام عابد وسلمت عليه ودخلت معه بمعرفة صديقي موظف الخطوط إلى ساحة المطار لأودعه .
عند سلم الطائرة صافحته وقبلته بحرارة , وصعد السلم وعند باب الطائرة لوح بيده مودعاً . فأشرت إليه مودعاً وعدت أدراجي .
وبين عيني تلك اللحضات التي أودعها وهي على طرف الدرج تلوح بيدها . كتبت إليها كما وعدتها . وإلى كل من في البيت . فردت علي برسالةٍ ألهبت مشاعري وبثت الحماس والحياة في روحي .
فأرسلت إليها رسالةً أخرى . بعدها انقطعت عني رسائلها
تماما مثلما انقطعت عني رسائل صديقي عابد فلا أدري اين هو.
بعد سنوات سافرت إليهم وعلمت حينها أن رسائلي إليها قد كُشفت وبرح الخفاء
وأنها حُرمت من كل شيء وزوجت قسراً
ولكنها لاتزال تسكن في اعماقي
وكل مانودي على احدٍ يحمل اسمها تحركت مشاعري وتفجرت احاسيسي وارتعشت اطرافي
وخرجت كمائن صدري بزفرات حارقه


وعلمت حين العلم لايجدي الفتى=أن التي ضيعتها كانـت معـي



منقول

إبن الخنساء
04-23-2005, 09:15 AM
ماشاء الله عليك ياصقر الخوالد

أثرت فيني القصة والله ،

إن كانت من كتاباتك أنت ، فأنت والله مبدع ،

لايعرف الشوق إلا من به ألماً .


أخوك
إبن الخنساء السلمي

عاشــ3ــق كالون
07-06-2006, 06:23 AM
مشكور أخي على المشاركه الرائعه وأتمنى المزيد وتقبل خالص تحياتي

azeez
08-05-2006, 03:36 PM
تسلم يالامير