المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تاريخ الدونمة


صقر الخوالد
09-05-2005, 01:04 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لقد قام بدراسة وتقديم هذا البحث المفكّر والباحث في التاريخ السيّد مفيد عرنوق , وغيّر فيه مفاهيم كثيرة توارثناها عن مذابح الأرمن , وعرّف بتاريخ الدونمة .

لذلك رأيت من المفيد الإطلاع عليه , حتى لا تبقى هذه الحقائق خافية علينا . ولنتعرّف أكثر على هذا التاريخ الأسود لليهود .

ونظراً لأن البحث طويل رأيت أن أكتبه تباعاً

تاريخ الدونمه ( اليهود الأتراك ) وعلاقتهم بمذابح الأرمن

بقلــم مفيــد عرنوق

* 1 *

التاريخ بوجه عام , يخفي بين طيّاته أسراراً رهيبة , أحاطها أصحاب المصالح بغلاف كثيف من التمويه بحيث ضاعت معالمها الحقيقيّة , فكان لزاماً على المؤرّخ أن يعيد النظر فيها ليبرزها أمام الرأي العام كحقائق ثابتة يفيد منها البشر في حياتهم الخاصة والعامة , على الصعيد السياسي والإجتماعي والإقتصادي . إن الكشف عن هذه الأسرار هو من ضرورات العصر الحديث لكثرة المفاجآت السياسية التي تواجهها الشعوب وبنوع خاص في العالم الثالث , تلك الأحداث المفاجئة بنتائجها المخطّط لتنفيذها منذ أمد بعيد .

إنطلاقاً من هذا المبدأ كان لا بدّ من كشف القناع عن تحرّكات الدونمه ( اليهود الأتراك ) في الامبراطوريّة العثمانيّة وبخاصة إبّان الحرب العالميّة الأولى .


وفي مستهلّ هذه الدراسة سنقدّم للقرّاء تاريخ الدونمه أوّلاً , ومن ثمّ علاقة الصهيونيّة العالميّة بهذه الفئة والنتائج التي حققتها على حساب الشعوب .

تاريخ الدونمه :

كلمة الدونمه ( Deunmeu ) تعني العودة أو الرجوع وقد أطلقت هذه الكلمة على فئة من اليهود , أصحاب مذهب ديني خاص , عرف بمذهب " السبتائيين " نسبة الى زعيمهم الديني " سبتاي " وهذه الفئة هاجرت من اسبانيا ودخلت في أطراف تركيا . ولد سبتاي سيفي في تمّوز عام 1626 في أزمير من أبوين يهوديين من أصل اسباني اسم مالده سوردخاي سيفي المعروف بين الأتراك باسم " منتسن الأسود " وسبتاي هذا هو أصغر الأبناء الثلاثة لوالده , وقد شغف منذ صغره بمطالعة الكتب الدينيّة وتتلمذ على أيدي الحاخام اسحق دالبا منذ الخامس عشر من عمره . قرأ التوراة والتلمود وبرع في تفسيرهما وكان ذكيّاً ومثقّفاً ووسيم الطلعة .

المسيح المنتظر :

المسيح كلمة عبرانية معناها المطهر وقد أطلق اليهود هذا الإسم على المنقذ الذي يرسله الله لإنقاذ بني اسرائيل . كما أطلقت هذه اللفظة على كل من يمسح بالزيت من الملوك . بعد ظهور السيّد المسيح , آمن به النصارى الأول , وبقي الآخرون ينتظرون . وعلى مدى العصور ادعى الكثير من الناس النبوّة والمسيحيّة . وفي القرن السابع عشر خلال الصراع المذهبي في اوروبا الذي أدّى الى محاكم التفتيش واضطهاد كل من يناوىء الكنيسة الكاثوليكيّة . راح اليهود في تركيا يمنّون النفس بمجيىء المسيح المنتظر من أجل خلاصهم , فساد الإعتقاد بأن ظهوره سيكون في عام 1666 .

ادعاء النبوّة :

في زحمة هذه الأحداث والصراعات العنيفة كان لا بد للإنسان من أن يلتفت الى الغيب فيبني آماله على الضعف البشري بنشر دعوة جديدة تخدم مطامحه , وهذا ما حدث لليهودي سبتاي إذ استغلّ الظروف القائمة في تركيّا فأراد أن يكون هو المسيح المنتظر , وقد قويت هذه النزعة عنده بفعل مطالعة كتب استحضار الأرواح التي كان يمعن في قراءتها كثيراً , فولّدت لديه حركات غريبة زادت من تشوّقه الى تبوّء مركز روحيّ رفيع , كما جعلت من كان حوله يرصدون تحرّكاته , وأفكاره المتمركزة على الأمور الغيبيّة بالدرجة الأولى , وبفعل هذا التركيز المتواصل أيقن سبتاي سبفي أن باستطاعته اعلان نفسه المسيح المنتظر , فأطلق النداء التالي : سلام من ابن الله سبتاي سيفي مسيح اسرائيل وضلعها الى كل فرد من بني اسرائيل , لقد نلتم شرف معاصرة منقذ بني اسرائيل ومخلّصهم الذي بشّر به أنبياؤنا فعليكم أن تجعلوا أحزانكم أفراحاً , وصيامكم إفطاراً ولهواً , فلن تحزنوا بعد اليوم , أعلنوا عن فرحكم بالطبور والأورغن والموسيقا , واشكروا الذي وعدكم فوفى بوعده , و واظبوا على مبادئكم كما في السابق . أما أيام المصائب والمآتم , فاجعلوها بسبب بعثي أيام شكر ومسرّة . لا تهابوا شيئاً فإن حكمكم لن يقتصر على أمم الأرض , بل سيتعدّاها الى جميع المخلوقات في أعماق البحار . كل هؤلاء يخرّون لكم لرفاهيتكم . سبتاي سيفي وما أن أعلن سبتاي نبوّته عام 1648 حتى ضجّ يهود أزمير من هذا الإجتراء , فقام رئيس الحاخامين جوزيف ايسكابا ورجال دين آخرون وحكموا عليه بالإعدام . لكنّ سبتاي لم يكترث بهذا الحكم لأن الدولة العثمانيّة لن تسمح حسب تقديره بتطبيقه , وهذا ما حدث فعلاً فلم يتمكّن اليهود من أن يلحقوا به أي أذى .

رحلات سبتاي ( المسيح ) :

رأى سبتاي أن إقامته في أزمير غير موفّقه , فذهب الى استنبول عام 1650 حيث استقبل بكل ترحاب . ولكن بعد إعلان دعوته لم تكن الإستجابة كافية فرحل الى أثينا . وبعد فترة وجيزة عاد الى أزمير ومنها الى استنبول دون أن يقوم بأي نشاط , وكان دوماً يترقّب حلول عام 1666 . وفي عام 1663 رحل الى القاهرة فالقدس دون أن يقوم هناك بأي دعوة تبشيريّة .

زواج سبتاي من بولونيّة :

في بولونيا ظهرت فتاة يهوديّة جميلة وذكيّة اسمها سارا اشتهرت بالمغامرات , فقد اطلعت على أخبار سبتاي فأعلنت عن رؤيا أتتها تقول بأنها ستتزوج عام 1666 من المسيح الذي سيظهر في ذلك العام . وأما سبتاي فقد أعلن من جهته بعد أن سمع أخبار سارا بأنه سيتزوج من بولونيّة , وقد جاءه الخبر في الرؤيا , وهكذا تمّ زواج سبتاي من سارا فاعتبره الناس من المعجزات , وقد تمت حفلة الزواج في القاهرة .

رسول المسيح :

عندما كان سبتاي في طريقه الى القدس , عرّج على غزّة حيث التقى رجلاً اسمه ابراهام نطمان الذي كان قد تزوّج من ابنة رجل غنيّ فأصبح
غنيّاً . عرض سبتاي عليه أن يكون رسوله ومبشّراً بدعوته فوافق على هذا الطلب .

نجاح الدعوة :

في أيلول عام 1666 وهو العام الموعود بظهور المسبح , ذهب سبتاي الى أزمير فلم يلق أي ترحاب من قبل الحاخامين في بادىء الأمر , لكنّه وجد فرصة إعلان دعوته أثناء حلول العيد عندهم , فأعلن دعوته وتجمّع حوله أنصار كثيرون , ولم تمض سنة على إعلان الدعوة حتى أصبح يهود أزمير طوع يديه . فانتشرت شهرته حتى وصلت الى رودس واورفة وصوفيا والمانيا , وفي هذه الفترة جرت له مراسيم لبس التاج فصار يستقبل زوّاره بمواعيد ومراسيم , وكان شغفه كبيراً باستقبال النساء . لقد أثرت هذه المظاهر في بعض طبقات الشعب التركي فجاء إليه درويش بكداشي على رأس عدد من الأتباع أعلنوا عن ايمانهم به . وبموجب عقيدته قسّم سبتاي العالم الى ثمان وثلاثين منطقة عيّن لكل منطقة منها ملكاً , كما بدأ يغيّر في بعض العادات اليهوديّة , وصار يوجّه رسائله ويذيّلها بتوقيع " ابن الله الأول والوحيد سبتاي سبفي" .

اعتقال المسيح سبتاي:

لم تتدخل الحكومة التركية حتى ذلك الحين بكل أعمال سبتاي مما يدلّ على التسامح الديني الذي كان يعيشه يهود تركيّا , علماً بأن تركيّا في ذلك الحين كانت في حرب مع جزيرة كريت . ولما كان الأمر قد تجاوز حدود اليهود الى فئات أخرى , عرض قاضي أزمير على رئيس الوزراء فاضل أحمد باشا ضرورة اعتقال سبتاي , فألقي القبض عليه وأرسل عن طريق البحر الى استانبول وكان ذلك في عيد السلطان محمّد الرابع .

وفي التحقيق , أنكر سبتاي التهم الموجّهة إليه فسيق الى سجن " زندان قابي " حيث سيم أشد أنواع العذاب . ولكن ذلك لم يبعد أتباعه عنه , فصاروا يتوافدون بكثرة الى السجن , مما اضطر السلطة الى نقله الى سجن " جنّات قلعة " .

المنافسة الجديدة :

وفي هذه الأثناء ظهر حاخام يهودي بولوني اسمه ناحيم كوهين ,
وكان ذكيّاً ومطلعاً على كتب استحضار الأرواح , فادعى هو الآخر أنه
المسيح , وأن الكتب المسيحيّة تبشر بمسيحين لا بمسيح واحد . ولكن
سبتاي دعا أتباعه الى رفض ادعاء ناحيم كوهين , فاشتدّت العداوة بين
الإثنين . فراح ناحيم كوهين يتآمر على سبتاي مع خصومه , ورغم هذه
العداوة الشديدة على أساس المنافسة , انتشرت دعاية سبتاي أكثر من السابق فتوافد المعجبون به الى سجنه لسماع أقواله وكان الحرّاس
يغضّون الطرف عن مثول هذه الوفود لقاء رشاوى كانوا يتقاضونها .
ولما عيل صبر ناحيم كوهين , قدّم شكوى الى دار السلطنة مدّعياً أن
سبتاي يسعى لإنشاء دولة داخل الدولة العثمانيّة . وكان على الحكومة
العثمانيّة أن تضع حدّاً لهذه الظاهرة , فأمرت بنقل سبتاي الى قصر أدرنة
دون أن يعلم أحد بنتائج هذا النقل , إلا أن أتباعه أشاعوا أن سبتاي
سيأتي بمعجزة .
وفي القصر حيث كان يجلس مصطفى باشا القائم بأعمال رئيس الوزراء
وشيخ الإسلام يحي أفندي منقري زادة وإمام القصر محمد أفندي وانلي
أما السلطان فكان يجلس في غرفة مجاورة يسمع ما يقال , وبواسطة
الترجمان . قيل لسبتاي : انت تدّعي أنك المسيح فأرنا معجزتك سنجردّك من ثيابك ونجعلك هدفاً لسهام المهرة من رجالنا , فإن لم تغرز السهام في جسمك فسيقبل السلطان ادّعاءك . فهم سبتاي ما قيل له فأنكر ما اسند إليه وقال إنهم تقوّلوا عليه . وكان السلطان يسمع ما يقال في المجلس , وعندئذ أمر محمد الرابع بأن يعرض عليه الإسلام , فلما رأى سبتاي أنه أصبح في الطريق المسدود , وأن حياته أصبحت في خطر , فضّل أن يفتدي " امبراطوريّة العالم " بإعلان اسلامه , تحت اسم محمد عزيز أفندي .

لقد ذكرت هذه الحادثة في تاريخ نشانجي عبدي باشا المسمى بكتاب
" الوقائع " وفي تاريخ محمد أفندي السلجدار , وفي تاريخ راشد أفندي ,
, وكذلك في التاريخ السياسي لمؤلفه كامل باشا , وجميع هذه الكتب
مخطوطة بالتركيّة .

محمد عزيز أفندي ( سبتاي سابقاً ) :

بعد أن أعلن سبتاي اسلامه اتخذ اسم محمد عزيز أفندي , عيّن رئيساً
للآذنين وسرعان ما انتشر الخبر بين مؤيّديه فاعتكفوا في بيوتهم وتوقّف
النزاع فيما بينهم , مما أراح الحاخامين . وأما المسلمون فقد قبلوا بينهم
عنصراّ غريباً كان يهوديّاً يدعو الى إنشاء امبراطوريّة عالمية مدّعياً أنه
المسيح الحقيقي .
وهكذا أنقذ سبتاي نفسه من الموت , لا بل أصبح في حمى السلطان محمد الرابع , وإثر ذلك أرسل الى مريديه تعميماً قال فيه : لقد جعلني الله مسلماً .
أنا أخوكم محمد البوّاب . هكذا أمرني فامتثلت . لقد ذكرت الكتب اليهوديّة المقدّسة أن المسيح سيتبع من قبل المسلمين . وقد أعلم سبتاي هذا أتباعه أنه سيستمر في مهمّته بالتكيف مع الوضع الجديد .
ويفسّر أتباعه سرّاً هذه الحال بقولهم : " إن الجسم القديم لسبتاي قد صعد الى السماء فعاد بأمر الله تعالى بشكل ملاك يلبس الجبّة والعمامة ليكمل رسالة المسيح " إن جميع هذه الأحداث نراها مدوّنة في كتاب راشد 1331من وقائع عام 1077 الى 1666 .

المذهب الجديد :

أراد سبتاي أو محمد عزيز أفندي جمْعَ مريديه من جديد , فتقدّم الى المفتي طالباً السماح له بدعوة اليهود الى الإسلام . ولما حصل على ما أراده استأنف دعوته السابقة مستهدفاً هذه المرة تأسيس مذهبه المسلم في الظاهر والسبتائي في الباطن . وهكذا جاء أتباعه من كل مكان ولبسوا العمائم والجيب وأطلق الأتراك على أتباع هذا المذهب الجديد اسم ( الدونمه ) .

والدونمة معناها الراجعون , إنها اللفظة التي تحمل معنيين الأول الراجعون الى الدين الحقيقي ؛ أي الإسلام وإما المعنى الباطني , فالراجعون الى فلسطين , غير أن الأتراك أخذوا بالمعنى الأوّل وسمحوا لسبتاي بتنظيم عقائد أنصاره وعباداتهم كما يشاء , وقد جمعت كل هذه التعاليم في 18 مادة أهمّها السادسة عشرة والسابعة عشرة كما يلي :

المادة 16 : يجب أن تطبّق عادات الأتراك بدقّة لصرف أنظارهم عنكم كما
يجب أن لا يشعر أحد من الأتباع بتضايقه من صيام رمضان ومن الأضحية ,
وأن ينفّذ كل شيء يجب تنفيذه أمام الملأ .
المادة 17 : إن مناكحتهم ( يعني المسلمين ) ممنوعة قطعاً .

موت سبتاي :

بعد أن علمت الدولة بأن سبتاي يجمع أنصاره حيث يقومون بأداء طقوس
خاصة نفته الى ألبانيا مع عدد قليل من أتباعه , فبقي هناك خمس سنوات وكانت زوجته سارا قد توفيّت فتزوّج بامرأة اسمها يوهيفيد من سلانيك وسمّاها عائشة .
وأخيراً مات سبتاي سيفي في 30 أيلول عام 1675 عن عمر يناهز 49
سنة , ودفن هناك على ضفة نهر .
أما دعوة سبتاي فلم تنته بوفاته وإنما استمرّت بين أتباعه الذين
أحيوه في خلفائه وهم لا يزالون يحيون بعض التقاليد بذهابهم الى
شواطىء البحار وضفاف الأنهر , حيث ينادون : " سبتاي سيفي نحن
بانتظارك "

ما بعد سبتاي :

توفيّ سبتاي سيفي " محمد عزيز أفندي " عام 1675 , وقبل وفاته
أوصى بالخلافة الى عبدالله يعقوب جلبي " جوزيف كريدو , أخو زوجته "
المتعاطف مع عبد الغفور أفندي " جوزيف بيلوسوف " والد زوجته . وأما
زوجته يوهيفيد فقد انتقلت بعد وفاته الى بيت أبيها وأخيها في
سلانيك ,حيث بدأ الإثنان في جمع أنصارهما " الدونمة " وعدد أسرهم كان يتجاوز وقتئذ المئتين .
كان الدونمة يتميّزون عن الناس في عقائدهم وقد تعدّوا ذلك في بعض
التقاليد فكانت نساؤهم تلبس أحذية صفراء والرجال يضعون على رؤوسهم قبّعات صوفيّة بيضاء تلتفّ حولها عمائم خضراء . أما فيما يتعلّق بالطقوس الدينيّة فكانوا يصّلون في الأعياد فقط ولا يصومون ولا يغتسلون , وذلك تنفيذاً لتوصيات سبتاي في المادة السادسة عشرة من قواعده .

انقسام الدونمة :

بعد تولّي عبدالله يعقوب جلبي رئاسة السبتائيين في سلانيك نظّم عقائد فرقته وطلب كسابقه مراعاة عادات المسلمين , فلم يرقْ هذا الإتجاه لفئة من الدونمة تحت زعامة رجل اسمه مصطفى جلبي فانقسم السبتائيونعام 1689 الى فئتين بعد مضّي أربعة عشر عاماً على وفاة مسيحهمسبتاي . والفرقة الاولى عُرفت باسم اليعقوبيين نسبة الى يعقوب جلبي , أو حزب حمدي بك . كما عرفت الفئة الثانية أي فئة مصطفى جلبي باسم " القره قاشيين " أو المؤمنين أوحزب عثمان بك .
بعد واحد وثلاثين عاماً من الإنقسام أي في عام 1720 حصل انشقاق
داخل حزب القره قاشيين فانفصلت عنه جماعة سمّت نفسها " البابو " أو حزب ابراهيم آغا . وبذلك أصبح السبتائيون ثلاث طوائف مختلفة .

اليعقوبيون :

ويعرفون أيضاً باسم آخر هو حزب حمدي بك . اشتهرت هذه الفئة
بممارسة العادات والطقوس الإسلاميّة والعبادات الظاهرة . وقد ظهرت
من هذه الفئة بعض الشخصيّات المرموقة بالدولة العثمانيّة تولّوا مناصب
هامة مثل أمين الترسانة وقائد شرطة القصر والمدينة " كتخدا " ويتميّزون عن غيرهم بعدم لبس أحذية عالية الأكعاب , أما الرجال فيحلقون شعورهم بالموس .

القرقاشيّون :

أسّس هذا الحزب مصطفى جلبي عن يعقوب جلبي فأخذ يبتدع الخرافات للسيطرة على أتباعه فادّعى أن ابن الدونمة عبد الرحمن أفندي المدعو عثمان واد أثر وفاة سبتاي سيفي بتسعة أشهر , لذا فهو يحمل روح سبتاي . ولما بلغ عثمان السادسة والعشرين أعلنه مصطفى الجلبي وكيلاً وممثّلاً لسبتاي سيفي وكان دوماً العوبة بيد مصطفى جلبي .وفي سن الأربعين أعلن نفسه مسيحاً على طائفته . ثم توفّي ويقال إنه بلغ مرتبة الالوهيّة , غير أن أحد المنتسبين الى هذه الطائفة وهو ابراهيم آغا اعترض على هذا الإتجاه فانقسم القره قاشييون الى فئتين مختلفتين .

البابو أو حزب ابراهيم آغا :

يسمّى أيضاً أنصار البابو بأصحاب المصيدة , وقد احتدم الصراع على
أثر وفاة عثمان آغا عام 1720 حول صحّة كونه مسيحاً أم لا , وللتأكّد
من ذلك طلبت فئة من المعارضة نبش قبر عثمان آغا للنظر في جسده
إذ كان لا يزال رطباً للتأكد انه المسيح , فرفض القره قاشيون هذا الطلب
معتبرينه إهانة كبيرة .إزاء هذا الخلاف انفصلت جماعة ابراهيم آغا عن القره قاشيين . معترفي فقط بمسيحيّة سبتاي وتعاليمه .
هذه الفئات الثلاث تمنع الزواج من غيرهم ولا يمكن لأحدٍ عازب أن يعرف
شيئاً من تعاليمهم إلا بعد أن يتزوّج .

بعض الأنظمة والتقاليد :

1-لا يحق للدونمة السبتائي أن يغيّر في شيء من طريقة ملبسه أو
حياته المعيشيّة وإلا تعرّض لأشدّ العقوبات , حتى الإبعاد والمقاطعة
الحياتيّة من قبل جماعته , فالتحجّر كان مسيطراً سيطرة تامة على
السبتائيين . غير انه في عام 1884 سمحوا بدراسة اللغات الأجنبيّة
وكذلك الحقوق والصيدلة والبيطرة والطب .
2- وليمة الخروف : في اليوم الأول من فصل الربيع أي في 22 آذار
يحتفلون بوليمة الخروف وقد كتب السبتائي رشدي قره قاشزاده
عام 1924 في جريدة " الوقت " عن هذا العيد ما يلي " يُحتفل بعيد
الخروف في 22 آذار وهو عيد ليلي حيث يؤكل لحم الخروف لأول
مرة للعام الجديد , وذلك بمراسيم خاصة , وتقتضي العادة أن يحضر
في الحفلة الواحدة رجلان وامرأتان على أقل تقدير, ويمكن أن يزيد
العدد شرط أن يكون عدد الرجال متساوياً مع عدد النساء . فكل رجل
يصطحب امرأته التي تكون قد تحلّت بأجمل ما لديها من حلي وملابس .
وبعد الطعام يبدأ اللهو فتُطفأ الأنوار ويبقى الجميع في ظلام دامس ...
ويُعتبر كل ولد يولد نتيجة هذه الحفلة مولوداً مباركاً .

الإنغلاق على الذات واستثمار المجتمع التركي :

كتب زكريّا سارتل وهو من الشيوعيين الأوائل الأتراك المعاصرين , الذي
أُبعد عن تركيّا بسبب دعاياته الشيوعيّة الى أن صدر قانون العفو العام
في عام 1974 فعاد زكريّا الى تركيّا ولا يزال حيّاً يكتب في صحف الدونمة ,
كتب يقول :

" الدونمة كانوا حفنة من اليهود هربوا من ظلم محاكم التفتيش في اسبانيا في القرون الوسطى والتجأوا الى الدولة العثمانيّة واستقرّوا في سلانيك ثمّ دخلوا الإسلام . ومع تركهم لدينهم فإنهم لا يعتبرون مقتنعين بالدين الإسلامي . لقي هؤلاء مقاومة ممن جاورهم وكانوا لا يتقيّدون بأي قاعدة من قواعد الإسلام . لا يصلّون ولا يصومون ولا يخالطون المسلمين والأتراك . يعيشون منغلقين على أنفسهم , أذكياء نشيطون , ماهرون محبّون الى النفس , ولكنّهم في حياتهم الخاصة يعيشون حياة منزوية بعيداً عن المجتمع التركي , كما أنهم لا يتزاوجون مع الأتراك محافظين على كيانهم الضيّق .
كان معظمهم يشتغل بالتجارة ولذلك كانوا على علاقة دائمة مع أوروبا ,
تأثر فيهم المجتمع الأوروبي تأثيراً ظاهراً . كانت أرباحهم جيّدة ومستواهم الإقتصادي أعلى من مستوى غيرهم .وعندما هاجروا من سلانيك الى استنبول تركّز أكثرهم في حي نشانطاشي وشيشلي وهما الحيّان المجاوران للحيّ الأوروبي . لقد أسسوا مدرستين خاصتين في استنبول كي لا يرسلوا أبناءهم الى المدارس التركيّة . وهما ثانويّة فيضية وثانوية الترقّي " .

وتابع سارتل قوله عن زواجه من الدونمة :

والبنت التي طلبت يدها هي من هذا المجتمع , فإن رضي أهلها فسأكون أول تركي يتزوج بفتاة من الدونمة , وكان ذلك أثر عودتي الى استنبول عام 1914

ويتابع سارتل شرح الصعوبات التي واجهها في إقناع أهلها حتى انتهى
الأمر بالموافقة . ويشرح سارتل في رسالته كيف أن أعضاء حزب الإتحاد
والترقي اهتموا اهتماماً شديداً بهذه العلاقة . ولما أبلغ سارتل أعضاء
اللجنة المركزية للاتحاد والترقّي بعزمه على الزواج من فتاة من الدونمة
هنأه على ذلك الدكتور ناظم الذي يعتبر عضواً مرموقاً في هذه اللجنة ,
قائلاً : " إنك لا تدرك أهميّة الموضوع . إنك تمهّد الطريق الى زواج يوحّد
بين مجتمعين باعدت بينهما مئات السنين . " فقلت : " ما العمل الذي
تريدون أن تقوموا به " ؟ فقال : " سنعقد نحن نكاحكما وسنعلنه
بالصحف , وستخرج هذه الحفلة عن كونها حفلة عائليّة لتصبح صوتاً
قوميّاً " .

" وبالفعل تمّ القران في قصر صبحي باشا في استنبول . وكان وكيل
الفتاة في عقد الزواج هو رئيس الوزراء ورجل الإتحاد والترقّي القوي
طلعت باشا , وأما وكيلي فكان توفيق رشدي الذي أصبح فيما بعد
وزيراً للخارجيّة , وقد حضر الحفلة كبار رجال الإتحاد والترقّي , وفي
أثناء الحفلة قال لي طلعت باشا : " لن نعطيك ابنتنا دون مقابل , نريد
الف ليرة ومع أن كل مصاريف الحفلة كانت على الإتحاديين , طلب مني
طلعت باشا هذا المبلغ فقبلت . وفي اليوم التالي كان لزواجنا أثر كبير
في الصحف المحلّية . مما نتج عنه الكثير من الزيجات بين الأتراك
والدونمة " .
هذا ما ذكره زكريّا سارتل في مذكّراته التي طبعت في استنبول عام
1968 . أما الفتاة التي تزوجها زكريّا فهي صبيحة التي عرفت فيما بعد
باسم صبيحة زكريّا سارتل التي قامت مع زوجها بعدّة نشاطات في فترة
الهدنة وفي العهد الجمهوري , ثمّ أسسا معاً عام 1945 الجريدة الشيوعية "
طان " ( الزمن ) . وفي عام 1952 هربا من تركيّا وتوفيت صبيحة في
عام 1968 في باكو بروسيا . كان زكريّا سارتل يعتقد أنه في هذا الزواج
استطاع وا منه ثغرة للنفاذ الى المجتمع التركي بإشراف وتشجيع
الإتحاديين وعلى رأسهم طلعت باشا الدونمة , رئيس الوزراء ورجل الإتحاد والترقيّ .
ومن المعلوم أن جلال درويش , أخا الفتاة صبيحة , ماسوني نشيط وعضو
في محفل ( النجاة) الذي تأسس في استنبول في علم 1916 .
ومن المفيد أن نذكر أن جمعيّة الإتحاد والترقّي كانت واقعة تحت تأثير
اليهود وأن كبار رجال هذه الجمعية هم من الماسون . إن طلعت باشا
( من الدونمة ) ماسوني من محفل فيرتياس بسلانيك , وقد أصبح أستاذا ًأعظم للتنظيم الماسوني الثوري الأعلى في استنبول عام 1909.
كان طلعت باشا موظّفاً في دائرة البريد قبل أن يسجّله " الأستاذ "
عمانوئيل قره صو اليهودي في محفل النجاة عام 1909 . ومن ثمّ أصبح
نائباً عن سلانيك في مجلس المبعوثان وكان رجاله من الإتحاديين , يديرون دفة الحكم فأصبح طلعت باشا رئيساً للوزراء ما بين 4 شباط عام 1917و 8 تشرين الأول عام 1918 .
أما الصحف التركيّة فلم تبق مكتوفة الأيدي إزاء تحرّك الدونمة ودخولهم
في المجتمع التركي والسيطرة على مقدّراته بفعل الإتحاديين الدونمة ,
فقد انقسمت الصحافة التركية على ذاتها بين مؤيد للدونمة ومعارض لها ,ولكن كل ذلك باء بالفشل لأن السلطة أصبحت بين أيدي الدونمة يلعبون بمقدّرات السلطنة العثمانيّة ومن مخطّطات تأتيهم من الخارج سواء من قبل الصهيونيّة العالميّة أو من قبل رؤساء الدول الأوروبية الطامعة في تركة" الرجل المريض"
الى أن قام بانقلابه الأخير مصطفى كمال أتاتورك عام 1922 (الدونمة
هو أيضاً )على غرار طلعت باشا وأنور باشا وغيرهم من رجال الإنقلاب
الكمالي , وكلّهم من الدونمة .هذا ما تؤول إليه أمور الشعوب وهي تغفو على الأمجاد بينما الجرذان تنخر الأرض تحت أقدامها , لتنفجر التربة في ساعة من الساعات وتبتلع في باطنها كل حيّ .

((التاريخ حوار بين الحاضر والماضي ومن لا يقيم مثل هذا الحوار تغرب
عنه عِبَرُ الأحداث . ))


((الموضوع منقول))

طلال الرميضي
09-05-2005, 01:33 AM
بارك الله فيك اخي صقر الخوالد على هذا الموضوع التاريخي القيم حول اليهود لعنه الله عليهم 00