ابو دريع
09-14-2004, 03:04 PM
وادي بلدة الشعراء في عالية نجد
وينحدر سيله من الجنوب إلى الشمال ويمر بين بلدة الشعراء وجبل ثهلان وله روافد من أوديه أخرى كثيره ويوجد به وعلى جنباته مزارع وآبار قديمه ويكثر به وعلى أطرافه شجر الأثل وفي نهاية الوادي من الشمال ينحدر إلى الغرب ويصب في وادي الرشا.
ويذكر بأن شيخ قبيلة عتيبه محمد بن هندي بن حميد الذي عاش للفتره من 1261هـ إلى 1333هـ كان يقطن في فصل الصيف في وادي الشعراء لوفرة المياه ووجود المراعي فاجدبت الأرض سنه فانتحى صوب الشمال ونذر أن يذبح بدنه إذا بلغه أن هذا الوادي قد سال فوصل إليه الخبر أن الشعراء قد مطرت وأن واديها قد سال .فوفى بنذره وذبح بدنه وعاد إليها وقطن فيها كعادته فترة الصيف . وأيضاً نذكر بأن الشيخ خالد بن حشر شيخ قبيلة آل عاصم من قحطان كان ممن نزلوا الشعراء وقت الصيف وكان يأتيه للسمر معه في بعض الليالي ابن سجوان وهو من الذين سكنوا الشعراء قديماً وبعد ان ارتحل الشيخ خالد بن حشر من الشعراء نهاية الصيف وبداية الصفري ومرّ ابن سجوان على منازلهم وقال مفتقداً لهم هذه الأبيات :
شدوا متيهه الدبش نسل حلاف دن الرحيل ونـوهوا بالمجـالي
يـازين زمّ ضعونهم تتلى الأسلاف وستجنبوا قب سوات السيالي
خـلوا هوانا واتبعو حم الأشعاف حرزٍٍ لها من ناقضين العـمالي
يـاما رعوا من فاطرٍ نـيها ارداف في مربع ٍمـاسومٍ اول وتـالي
وكم من عقيدٍ هابها عقب ماشاف ومـهبلين ٍضـدهم بالفـعالي
يـتلون شيخٍ للـمناعير عساف لاجالها في صـحصحٍ اجتـوالي
يـاليتني بالذكر مـاصرت عراف ايضـاً ولا شامجـتهم بالمجـالي
لاجيت مجلسهم تقل دوله اشراف وتلقى شرايعهم شروع الشمالي
يـاما قنوا من كاعبٍ مالها اوصاف ما حـصلوها مكثرين الـريالي
ويذكر الأستاذ / سعد بن جنيدل في كتابه عالية نجد :
"ويفهم مما ذكره المؤرخون وما أوردوه من الشواهد في وصف وادي الكلاب وتحديده أنه هو وادي الشعراء ، وأنه هو الوادي الذي وقع فيه اليومان الشهيران من أيام العرب الحربية – يوم الكلاب الأول ويوم الكلاب الثاني ، وقد ورد في أخبار هذين اليومين وما قيل فيهما من الشعر ذكر ثهلان وتيمن ( تيماء ) وحذنة ومجيرات ، وهذه الأعلام كلها حافة بوادي الشعراء ( الكلاب ) وسيلها يدفع فيه .
وقد أستوفيت ذلك بحثا وتحقيقا ًفيما يلي :
الكُلاب : قال ياقوت : علم مرتجل غير منقول ، وقال عن أبي زياد الكلاب واد يسلك بين ظهري ثهلان ، وثهلان جبل في ديار بني نمير ، وقيل : ماء بين جبلة وشمام على سبع ليالي من اليمامة وفيه كان الكلاب الأول والكلاب الثاني من أيامهم المشهورة ، واسم الماء قدة وقيل قدة بالتخفيف والتشديد ، وإنما سمي الكلاب لما لقوا فيه من الشر.
قال أبو عبيدة : والكلاب عن يمين شمام وجبلة ، وبين أدناه وأقصاه مسيرة يوم .
وقال البكري : الكلاب : هو قدة بعينها وبين أدناه وأقصاه مسيرة يوم أعلاه مم يلي اليمن وأسفله مما يلي العراق.
وقال ياقوت في تحديد قدة : إسم بالكلاب وقيل : قدة بوزن عدة اسم للماء الذي يسمى بالكلاب ومنه ماء في يمين جبلة وشمام قالوا : إنما سمي الكلاب لما لقوا فيه من الشر .
وقال أبو علي الهجري : تيمن : هضبة برأس الذرو ذرو الشريف ، مغرب الشمس من حصن ابن عصام بيوم . وسيل تيمن يصب على الكلاب .
والكلاب واد به نخل وسدر وطلح ، وبجانب الكلاب ثهلان جبل عظيم ، علم أسود به الوحوش عرضه يوم ، به فلجى ، وذويقن والريان والأطيا وليريض خسف به ماء وكل ماأسمينا الشريف وحذنة : هضبة عن الكلاب بميلين تدفع في الكلاب .
وفي شعر مالك بن الريب المازني :
على دماء البدن إن لم تفارقي أبا حردب يوما وأصحاب حردب
سرت في دجا ليل فأصبح دونها مفـاوز جمران الـشريف فغرب
تطالع من وادي الكلاب كأنها وقد أنجدت منه فـريدة ربـرب
مما تقدم يتبين لنا بوضوح موقع وادي الكلاب وتحديدة وكذلك صفته الجغرافية ، وليس فيما ذكره المؤرخون إختلاف في موقع وادي الكلاب أو وصفه ، بل إنما ذكروه يؤيد ويكمل بعضه بعضاَ في توافق في الوصف والتحديد
وكلهم يتفقون أنه واد بين ظهري ثهلان وأنه بين جبلة وشمام ، وإن بين أدناه وأقصاه مسيرة يوم وأن أعلاه مما يلي اليمن وأسفله مما يلي العراق .
وفيما ذكره الهجري دليل على قربه من حذنة ، وأن هضبة تيمن ( تيما ) واقعة في أعلاه ، وفي شعر مالك بن الريب دليل على قربه من جمران وغرب وأنه في بلاد الشريف .
ومما يدل على قربه من جمران والنشاش ووقوعه في الشريف ما ذكره الهمداني حيث قال :
ومن مياه ثهلان ذويقن وقلحا والريان والكلاب والشعراء ، وأسفل من ذلك ذور الشريف وغلانه ومياهه ، ومن أيسرها البرقعة وخائع والنشاش ماء ان مقابلان لجمران ، وهو جبيل مطروح من دونه السمنات .
وهذه المواضع التي ذكرها الهمداني قريب بعضها من بعض ومعروفة بأسمائها إلى هذا العهد .
وهذه الصفات التي ذكرها المؤرخون لوادي الكلاب تنطبق تمام الإنطباق على وادي الشعراء غير أنه تغلب عليه اسم الشعراء – التي هي أحد موارد مياهه القديمة – بعد أن أصبحت بلدة عامرة مأهولة بالسكان .
ولم يبق من أسمه القديم إلا اسم دخل عليه تحريف يسير وأصبح أسماً لأحد روافده الشرقية الجنوبيةالذي يسمى وادي الكلبة .
ومما يزيد الأمر وضوحاً ولا يدع مجالاً للشك في أن وادي الشعراء هو وادي الكلاب وأنه الموضع الذي وقع فيه اليومان الشهيران من أيام العرب ماجاء في شعر محرز ابن المكعبر الضبي في يوم الكلاب الثاني حيث قال :
فدى لقومي ما جمعت من نشب إذ لفت الحرب أقواما ً بأقوام
إذ خبرت مذحج عنا وقد كذبت أن لن يروع عن أحسابنا حام
دارت رحانا قليلاً ثم صبـحهم ضرب تصيح منه حلة الهام
ظلت ضباع مجيرات يلذن بهم والحموهن منهم أي الحام
حتى حذنة لم تترك بها ضـبعا إلا له جزر من شلو مقدام
ظلت تدوس بني كعب بكلكلها وهـم يوم بني نهد بإظلام
وجاء في قصيدة وعلة الجرمي – وكان أول منهزم أنهزم يوم الكلاب – قوله يذكر هزيمته وفراره من المعركة :
ومن على الله مـنا شـكرته عداة الكلاب اذ تجز الدوابر
ولما سمعت الخيل تدعو مقاعسا علمت بأن اليوم أحمس فاجر
نجوت نـجاء ليس فيه وتيرة كأني عقاب عند تيمن كاسر
كأنا وقد حالـت جدية دوننا نعـام تلاه فارس مـتواتر
وجاء فيما ذكره صاحب الأغاني في سياق خبر يوم الكلاب الثاني : وأقبل أهل اليمن من بني الحارث من أشرافهم يزيد بن عبد المدان ويزيد إبن مخرم ويزيد بن الطيسم بن المأمور ويزيد بن هوبر حتى إذا كانوا بتيمن نزلوا قريباً من الكلاب.
ورجل من بني يزيد بن رياح بن يربوع يقال له مشمت بن زنباع في إبل له عند خاله من بني سعد يقال له زهير،فلما أبصرهم المشمت قال لزهير: دونك الإبل وتنح عن طريقهم حتى آتي الحي فأنذرهم قال فركب المشمت ناقة ثم سار حتى أتى سعدا والرباب وهم على الكلاب فأنذرهم فأعدوا للقوم وصبحوهم فأغاروا على النعم فطردوها وجعل رجل يرتجز ويقول:
في كل عام نعم نـنتابه على الكلاب غيـبا أربابه
فأجابه غلام من بني سعد في النعم على فرس له فقال:
عما قليل سترى أربـابه صلب القناة حازما شبابه
وفي هذا الخبر ما يثبت أن وادي الكلاب الذي وقع فيه اليومان الشهيران من أيام العرب هو الكلاب الواقع بين ظهري ثهلان ، وهو الذي تقع هضبة تيمن في أعلاه، وهو وادي الشعراء. وقد قال ذو الرمة شعراً يذكر فيه يوم الكلاب يؤكد هذا القول ويزيده وضوحاً، قال:
فما شهدت خـيل امرئ القيس غـارة بثـهلان تحمى عن ثـغور الحقائق
أثــرنا به نــقع الـكـلاب، وأنتم تثيرون نقع الملـتقي بالمــفارق
أدرنا على جـــرم وأفــناء مذحج رحى الموت فوق العلاملات الخوافق
صدمناهم كور الأماني صدمة عماسا بأطواد طوال شواهق
إذا نطحت شهباء شهباء بينها شعاع القنا والمشرفي البوارق
فذكر أن خيلهم أغارت بثهلان فأثارت نقع الكلاب.
والمعروف أن جبل ثهلان حاف بالوادي من الغرب على طول امتداده من الجنوب إلى الشمال.
وقد جاء في خبر يوم الكلاب أن شرحبيل ومسلمة تواعدا في الكلاب بمن معهما من الأقوام فالتقيا فيه.
وفي خبر يوم الكلاب الثاني: قام النعمان بن جساس فقال يا قوم انظروا ماء يجمعكم ولا أعلم ماء يجمعكم إلا قدة فارتحلوا وإنزلوا قدة وهو موضع يقال له الكلاب . فلما سمع أكثم بن صيفي كلام النعمان قال هذا هو الرأي فارتحلوا حتى نزلوا الكلاب ، وبين أدناه وأقصاه مسيرة يوم.
ويتضح من هذه العبارات أنهم اختاروا وادي الكلاب وقصدوه لوفرة مياهه وسعة مراعية ليتسع لهم جميعاً، وكذلك وادي الشعراء بوفرة مياهه وجودة مراعية وكثرتها، فموارد مياهه ممتدة فيه على طول امتداده، متعددة الآبار وفيرة المياه ، وأسفله كله أحساء قريبة المنزع.
ولوادي الكلاب ذكر كثير في الشعر العربي، ومنه ما يفيد في تحديده وفي وصفه الجغرافي.
ويقول لبيد بن ربيعة العامري:
ياهل ترى البرق بت أرقبه يزجي حبياً إذا خبا ثقبا
قعدت وحدي له وقال أبو ليلي: متى يعتمن فقد دأبا
كان فـيه لما ارتفقـت له ريـطا ومرباع غانم لجبا
فجاد رهـوا إلى مداخـل فالصخرة أمست نعاجه عصبا.
فحدر العصم من عمايـة للسهل وقضى بصاحة الأربا
فالـماء يجلو متـونهن كما يـجلو التلاميـذ لؤلؤ قشبا
لافي البدي الكلاب فعتلجا مـوج أتيـيهما لمن غـلبا
فدعــدعا سرة الركاء كما دعدع ساقي الأعاجم الغربا
فكـل واد هـدت حـوالبه يقذف خضر الدباء فالخشبا
مالـت به نـحوها الجنوب معا ثم ازدهته الشمال فانقلبا
فقلت: صـاب الأعراض ريقه يسقى بلادا قد أمحلت حقبا
لترع من نبته اسيـم إذا أنبت حر البقول والعشبا
ولـيرعه قومـها فـانهم من خير حي علمتهم حسبا
قومي بنو عامر وإن نطق الـ أعداء فيهم مناطقا كذبا
ذكر لبيد في هذه القصيدة أنه اتكأ على مرفقه وبات يرقب سحاباً متقدما جاد بصوبه مناجل والصخرة ثم حدر سيله العصم من عماية وقضى في صاحة الأربا، وهذا المواضع لا تزال معروفة بأسمائها، وكلها واقعة في وسط بلاد قومه بني عامر، وكلها متقاربة. وهي في بلاد بني قشير والحريش والعجلان.
ثم ذكر أن ريح الجنوب مالت بالغيث معها صوب الشمال، فقال:
لاقي البدي الكلاب فاعتلجا موج أتييهما لمن غلبا
فدعدعا سرة الركاء كما دعدع ساقي الأعاجم الغربا؟
فكل واد هدت حوالبه يقذف خضر الدباء والخشبا
مالت به نحوها الجنوب معا ثم ازدهته الشمال فانـقلـبا
وفي هذه الأبيات ذكر أن الغيث حين مالت به الجنوب أصاب مواضع في شمال بلاد قومه ،
أصاب البدي في بلاد الضباب وأصاب الكلاب في بلاد بني نمير ، وبلاد هذين الحيين من بني عامر هي شمال بلاد قومه ، وبعد أن جد هذين الواديين ودعدعا بسيلهما سرة الرشاء ، أزدهت هذا السحاب الممطر ريح شمالية فانقلب صوب الجنوب ليجود ناحية أخرى من بلاد قومه ، فجاد الأعراض ريقه ،
فشمل بغيثه بلاد بني عامر ، ثم قال: لترع من نبته أسيم وليرعه قومها قومي بنو عامر.
فبين في شعره أن هذ المواضع التي ذكرها في شعرة ومنهاالبدي والكلاب هي بلاد قومه بني عامر، وفيها يرعون ما ينبته هذا المطر.
وتقدم ما ذكره المؤرخون في تحديد الكلاب ، وذكروا أنه بجانب ثهلان وأن أعلاه صوب الجنوب وأسفله صوب الشمال ، وهذا التحديد يلائم الوضع الطبيعي لوادي الشعراء ،وهو واد بعيد ما بين أعلاه وأسفله وتدفع فيه رافد كثيرة ويدفع في بطن الرشا من جابنه الجنوبي ويقابله من الشمال وادي جهام واد عظيم يدفع في بطن الرشا من جانبه الشمالي فيد عدعان سرة الرشا وقد اتضح لي من البحث والتحقيق أن وادي جهام هو وادي البدي .
وينبغي أن أشير إلى أنني قلت فيما تقدم في التعليق
على قول لبيد: فدعدعا سرة الركاء. فدعدعا سرة الرشاء، وذلك لأدلة منها: أن بطن الرشاء واقع بين هذين الواديين ، ومدافعهما تلتقي في سرته ، وقد ذكرت من إلا دلة ما يفيد أن البدي هو وادي جهام والكلاب هو وادي الشعراء ومنها أنه لا يعرف في روافد الركاء واديان ينطبق عليهما تحديد البدي أو الكلاب أو وصفهما . ومنها أن البدي معروف في بلاد الضباب هذه البلاد . ومنها أن التحريف في أسماء المواضع في الشعر العربي معروف وشايع في مثل هذه الأسماء المتقاربة في النطق ، وغير ذلك من الأدلة.
وفي القصيدة الآتية من شعر لبيد أيضاً ما يزيد الأمر وضوحا قال:
تخيرن من غول عـذابا روية ومن منعج بيض الجمام عداملا
وقد زودت منا على الناي حاجة وشوقاً لو أن الشوق اصبح عادلا
كحـاجة يوم قبل ذلك منـهم عشية ردوا بالكلاب الجمائلا
فرحـن كأن الناديات من الصفا مذارعها والكارعات الحواملا
بذي شطب أحداجها إذ تحملوا وحث الحدات الناعجات الذواملا
بذي الرمث والطرفاء لما تحملوا أصيلا وعالين الحمول الجوافلا
كأن نعاجـاً من هجائن عازف عـليها وآرام السلي الخواذلا
جعلن حراج القـرنتين وناعتا يـمينا ونكبن البـدي شمائلا
ومن دراسة هذه القطعة الشعرية نتبين صورة جغرافية لهذه المواضع التي احتوتها ، حيث ردوا جمالهم وحيث تحملوا والنهج الذي سلكوه والأعلام التي جعلوها يميناً منهم والتي جعلوها ونكبوها شمائلا.
ففيها الكلاب ، وفيها شطب وفيها ذو الرمث والطرفاء ، ومن هذه المواضع تحملوا وحث الحداة الناجيات الذواملا ، وقد جعلوا حراج القرنتين وناعتا يمينا منهم ونكبوا البدي شمالاً.
والواقع أنه من إطار هذه الصورة الجغرافية الناصعة وتطبيقها موضعيا ، في هذه البلاد ومشاهدة أعلامها ، يتضح لنا أن الكلاب وذا شطب وذا الرمث والطرفاء إنما تعني موضعا واحداً ، في رد والجمال وفيه أحداجها إذ تحملوا وفيه عالين الحمول الجوافلا ، وهذا الموضع بخيشوم جبل شطب الشرقي وهو ذو الرمث والطرفاء لأنه مزدحم بغابات كثيفة من الرمث والطرفاء ، فهذه الصفاة كلها يجمعها أسفل وادي الشعراء مما يلي جل شطب ، وشطب جبل أسود كبير منقطع من ثهلان شمالاً معروف بهذا الاسم قديماً وحديثاً.
أما إتجاه سيرهم فإنه صوب الشمال لأن القرنتين وناعتا واقعتا شمالاً شرقياً من الموضع الذي تحملوا منه والبدي واقع شمالاً غربياً منه .
وسيتضح لك بجلاءٍ أن وادي الشعراءِ هو وادي الكلاب وأن وادي جهام هو وادي البدي .
أما ماذكره محمد بن بليهد في تحديده ،
فمن الملاحظ أنه قال في بداية حديثه : قد أختلف أهل المعاجم واهل التاريخ في موضع وادي الكلاب ثم أورد بعضاَ من أقوال المؤرخين في تحديدة واورد شواهد من الشعر الذي قيل في يوم الكلاب مقرراً بذلك كله أنه هو وادي الشعراء وبعد أن قرر ذلك قال :
والذي نعتقده أن أسمه الذي كان قبل ذلك ( وادي قحقح ) ووادي قحقح باق إلى اليوم بهذا الإسم ويؤيد هذا لقول أنهم ذكروا في أخبار أيام العرب في اليوم الأخير من أيام الكلاب أن مسعود بن القريم فارس بكر بن وائل قتل في وادي الكلاب الذي كانت به الوقعة قتله حشيش بن نمران ، وعلى هذا يكون كل ما ذكر من الشعر في وادي الكلاب إنما حقيقته أنه في وادي قحقح .
ثم قال : ويدل لذلك أيضاً أنهم قالوا إنه يبعد عن طرف ثهلان الجنوبي مسافة يوم أو أقل . ووجه ثالث ذكروا أن وادي الكلاب تقاتل العرب فيه وهم يشربون ماء العويند ، والعويند ماء باق إلى اليوم بهذا الإسم ، واهل قحقح اليوم قاطنون على ماء العويند وهم يرعون إبلهم في وادي قحقح .
قلت : الواقع أن هذه الأوجه الثلاثه التي استدل بها على رأيه أن الكلاب هو وادي قحقح ماهي إلا أدلة إجتهادية أتي بها ليوفق رأيه مع بيت لبيد .
لاقى البدي الكلاب فاعتلجا سيـل أتييهما لمن غلبا
فدعاعا سـرة الركاء كما دعدع ساقي الأعاجم الغربا
وقد أستوفيت ما يخص شعر لبيد في رسم ( البدي ) جهام .
والواقع أن ما أورده في تحديد الكلاب من النقول والشواهد الدالة على إنه هوالواقع بجانب ثهلان .
( وادي الشعراء ) أقوى بكثير من آرائه الإجتهادية التي استدل بها على أنه وادي قحقح وسأجيب على أدلته الثلاثة بما يناسب مقام كل منها بحول الله وقوته .
أولاً : أن أهل المعاجم والمؤرخين لم يختلفوا في موضع وادي الكلاب بل كل أقوالهم يؤيد بعضها بعضا في وصفه وفي تحديدة ، وما قيل في يوم الكلاب من الشعر يؤيد ما قاله المؤرخون في تحديده فذكروا أن المعارك في يومي الكلاب حول تيمن وحذنة ومجيرات :
ظلت ضباع مجيرات يلذن بهم والحموهن منهم أي الحام
حتى حذنة لم تترك بها ضبعا إلا له جزر من شلو مقدام
هذه المواضع في أعلى وادي الكلاب ( وادي الشعراء ) شرق ثهلان .
ويقول ذو الرمة :
فما شهدت خيل إمرئ القيس غارة بثهلان تحمى عن ثغور الحقائق
أثرنا به نقع الكـلاب ، وأنتم تثيرون نقع الملتقى بالمفارق
فإين هذه المواضع من وادي من وادي قحقح .
أما فيما يخص الوصف الجغرافي فإن وادي قحقح يبدأ سيله قريباً من غثيرا دمخ ، ثم يتجه جنوباً بين دمخ وبين العلم ، مارا بين هضبة وتدة وبين مذاريب المعزا ، ويدفع في مشاش مجدل في أعلا وادي السرة ، فهو يتجه من الشمال إلى الجنوب وهو واد ضيق قليل المياه وليس أعلاه من أسفله ببعيد ،
وهذا الوصف يخالف ماوصف به المؤرخون وادي الكلاب ذكروا أن أعلاه مما يلي اليمن وأسفله مما يلي العراق وبين أدناه وأقصاه مسيرة يوم ،
وقالوا : أنه واقع بين جبله وشمام على سبع ليالي من اليمامة وقالوا أقبل أهل اليمن من بني الحارث : حتى إذا كانوا بتيمن نزلوا قريباً من الكلاب – وذلك في يوم الكلاب الثاني .
وفي وصف مياهه بالوفرة – قال النعمان بن الحسماس لقومه في يوم الكلاب الثاني : لا أعلم ماء يجمعكم إلا قدة فارتحلوا وانزلوا قدة ، وهو موضع يقال له الكلاب فارتحلوا حتى نزلوا الكلاب فهذه الصفات تنطبق على وادي الشعراء الوفير المياه والمراعي ولا ينطبق بحال على وادي قحقح .
ومن الملاحظ أنه قال : ووادي قحقح باق بهذا الإسم إلى هذا اليوم ، والواقع أن وادي قحقح معروف بهذا الإسم قديماً وحديثاً ولا يزال يعرف به ، وقد وقع فيه يوم من أيام العر ب في الجاهلية يسمى يوم قحقح ويوم المالة والمالة فيما يبدو لي واد يوازي وادي قحقح من الغرب يخرج من شرقي العلم قريب من قحقح وهذا اليوم
له ذكر في كتب المعاجم وكتب المؤرخين ، ولم يقل أحد من المؤرخين أن وادي قحقح سمي الكلاب ، أو أن يوم قحقح كان يسمى يوم الكلاب ، فيوم الكلاب الأول ويوم الكلاب الثاني ذكرهما المؤرخون بتفاصيلهما ،
وهما يختلفان عن يوم قحقح ، وفي يوم قحقح قتل مسعود بن القريم فارس بكر بن وائل ، قتله حُشيش بن نمران ، وقال :
ونحن تركنا بن القريم بقحقح صريعا ً ومولاه المجبة للفم
هذا ما ذكره ياقوت .
وقال البكري : في رسم قحقح : وفيه أدركت بنو يربوع المجبة أحد بني أبي ربيعة ، إبن ذهل ، وكان أغار على سرح لهم فقتلوه وقتلوا عمرو بن القريم ، أحد بني شيبان وقال سحيم بن وثيل الرياحي :
ونحن تركنا إبن القريم بقحقح صريعاً ومولاه المجبة للفم
فهو يوم االقحقح ، ويوم بطن المالة :
ويبدو لي أن وادي المالة هو الوادي المعروف هذا العهد بإسم وادي الجلة وأن الجلة ، تحريف المالة لقربه من قحقح ، ولم أر أحداً ممن كتبوا عن يومي الكلاب ذكر أن مسعود بن القريم قتل في يوم الكلاب أو ذكر إنه شهد يوم الكلاب ، ويوم قحقح لا صلة له بيومي الكلاب .
أما قوله : إن المؤرخين قالوا : إنه يبعد عن طرف ثهلان الجنوبي مسافة يوم أوأقل .
فأنا لم أر فيما اطلعت عليه من كتب المؤرخين من قال بذلك .
ولا أعرف مصدر فيه .
وأما قوله : أنهم تقاتلوا في الكلاب وهم يشربون العويند ، والعويند ماء باق إلى اليوم بهذا الإسم ، فأنا قد أطلعت على كثير من كتب المؤرخين ولم أر من ذكر ذلك ، وعلى إفتراض أن أحداً منهم قال بذلك فإنه لا يعني ماء العويند الذي أشار إليه محمد بن بليهد الواقع في بلاد عمرو بن كلاب ، فإنه إنما يعني ماء العويند الواقع في بلاد بني نمير ، في بطن الكلاب ، وكلا الماءين محددان في كتب المعاجم الجغرافيه : قال ياقوت في كتابة (( المشترك وضعا والمفترق صقعاً )) : العويند : بضم العين وفتح الواو وياء ساكنة ونون مكسورة ودال مهملة .
العويند من مياه بني عمرو بن كلاب ، عن أبي زياد والعويند من مياه بني نمير ببطن الكلاب ،
عن أبي زياد أيضاً . وذكر الهجري أن لباهلة ماء خارج عن ثهلان في بطن الرشا يقال له العويند .
وقد رأينا أنه – رحمه الله – بذل جهداً ومحاولات إجتهادية لتقريب وادي الكلاب من وادي السرة وتقدريب وادي السرة من الركاء ليوفق بين هذه المواضع وبين مافهمه من شعر لبيد .
لاقى البدي الكلا ب فاعتلجا موج أتييهما لمن غلبا
فدعاعا سرة الـركاء كـما دعدع ساقي الأعاجم الغربا
مع أن المفهوم من الشعر أن سرة الركاء وسطه ، وسرة الوادي معظمة أما ماذكره بعض المؤرخين من أن الكلاب بين البصرة والكوفة فإن هذا التحديد مقيد بقولهم : على سبع ليال أو نحوها من اليمامة .
أما تسمية هذا الوادي بهذا الإسم ، فقد ذكر بعض المؤرخين أنه سمى به لما لقوا فيه من الشر ،
وينحدر سيله من الجنوب إلى الشمال ويمر بين بلدة الشعراء وجبل ثهلان وله روافد من أوديه أخرى كثيره ويوجد به وعلى جنباته مزارع وآبار قديمه ويكثر به وعلى أطرافه شجر الأثل وفي نهاية الوادي من الشمال ينحدر إلى الغرب ويصب في وادي الرشا.
ويذكر بأن شيخ قبيلة عتيبه محمد بن هندي بن حميد الذي عاش للفتره من 1261هـ إلى 1333هـ كان يقطن في فصل الصيف في وادي الشعراء لوفرة المياه ووجود المراعي فاجدبت الأرض سنه فانتحى صوب الشمال ونذر أن يذبح بدنه إذا بلغه أن هذا الوادي قد سال فوصل إليه الخبر أن الشعراء قد مطرت وأن واديها قد سال .فوفى بنذره وذبح بدنه وعاد إليها وقطن فيها كعادته فترة الصيف . وأيضاً نذكر بأن الشيخ خالد بن حشر شيخ قبيلة آل عاصم من قحطان كان ممن نزلوا الشعراء وقت الصيف وكان يأتيه للسمر معه في بعض الليالي ابن سجوان وهو من الذين سكنوا الشعراء قديماً وبعد ان ارتحل الشيخ خالد بن حشر من الشعراء نهاية الصيف وبداية الصفري ومرّ ابن سجوان على منازلهم وقال مفتقداً لهم هذه الأبيات :
شدوا متيهه الدبش نسل حلاف دن الرحيل ونـوهوا بالمجـالي
يـازين زمّ ضعونهم تتلى الأسلاف وستجنبوا قب سوات السيالي
خـلوا هوانا واتبعو حم الأشعاف حرزٍٍ لها من ناقضين العـمالي
يـاما رعوا من فاطرٍ نـيها ارداف في مربع ٍمـاسومٍ اول وتـالي
وكم من عقيدٍ هابها عقب ماشاف ومـهبلين ٍضـدهم بالفـعالي
يـتلون شيخٍ للـمناعير عساف لاجالها في صـحصحٍ اجتـوالي
يـاليتني بالذكر مـاصرت عراف ايضـاً ولا شامجـتهم بالمجـالي
لاجيت مجلسهم تقل دوله اشراف وتلقى شرايعهم شروع الشمالي
يـاما قنوا من كاعبٍ مالها اوصاف ما حـصلوها مكثرين الـريالي
ويذكر الأستاذ / سعد بن جنيدل في كتابه عالية نجد :
"ويفهم مما ذكره المؤرخون وما أوردوه من الشواهد في وصف وادي الكلاب وتحديده أنه هو وادي الشعراء ، وأنه هو الوادي الذي وقع فيه اليومان الشهيران من أيام العرب الحربية – يوم الكلاب الأول ويوم الكلاب الثاني ، وقد ورد في أخبار هذين اليومين وما قيل فيهما من الشعر ذكر ثهلان وتيمن ( تيماء ) وحذنة ومجيرات ، وهذه الأعلام كلها حافة بوادي الشعراء ( الكلاب ) وسيلها يدفع فيه .
وقد أستوفيت ذلك بحثا وتحقيقا ًفيما يلي :
الكُلاب : قال ياقوت : علم مرتجل غير منقول ، وقال عن أبي زياد الكلاب واد يسلك بين ظهري ثهلان ، وثهلان جبل في ديار بني نمير ، وقيل : ماء بين جبلة وشمام على سبع ليالي من اليمامة وفيه كان الكلاب الأول والكلاب الثاني من أيامهم المشهورة ، واسم الماء قدة وقيل قدة بالتخفيف والتشديد ، وإنما سمي الكلاب لما لقوا فيه من الشر.
قال أبو عبيدة : والكلاب عن يمين شمام وجبلة ، وبين أدناه وأقصاه مسيرة يوم .
وقال البكري : الكلاب : هو قدة بعينها وبين أدناه وأقصاه مسيرة يوم أعلاه مم يلي اليمن وأسفله مما يلي العراق.
وقال ياقوت في تحديد قدة : إسم بالكلاب وقيل : قدة بوزن عدة اسم للماء الذي يسمى بالكلاب ومنه ماء في يمين جبلة وشمام قالوا : إنما سمي الكلاب لما لقوا فيه من الشر .
وقال أبو علي الهجري : تيمن : هضبة برأس الذرو ذرو الشريف ، مغرب الشمس من حصن ابن عصام بيوم . وسيل تيمن يصب على الكلاب .
والكلاب واد به نخل وسدر وطلح ، وبجانب الكلاب ثهلان جبل عظيم ، علم أسود به الوحوش عرضه يوم ، به فلجى ، وذويقن والريان والأطيا وليريض خسف به ماء وكل ماأسمينا الشريف وحذنة : هضبة عن الكلاب بميلين تدفع في الكلاب .
وفي شعر مالك بن الريب المازني :
على دماء البدن إن لم تفارقي أبا حردب يوما وأصحاب حردب
سرت في دجا ليل فأصبح دونها مفـاوز جمران الـشريف فغرب
تطالع من وادي الكلاب كأنها وقد أنجدت منه فـريدة ربـرب
مما تقدم يتبين لنا بوضوح موقع وادي الكلاب وتحديدة وكذلك صفته الجغرافية ، وليس فيما ذكره المؤرخون إختلاف في موقع وادي الكلاب أو وصفه ، بل إنما ذكروه يؤيد ويكمل بعضه بعضاَ في توافق في الوصف والتحديد
وكلهم يتفقون أنه واد بين ظهري ثهلان وأنه بين جبلة وشمام ، وإن بين أدناه وأقصاه مسيرة يوم وأن أعلاه مما يلي اليمن وأسفله مما يلي العراق .
وفيما ذكره الهجري دليل على قربه من حذنة ، وأن هضبة تيمن ( تيما ) واقعة في أعلاه ، وفي شعر مالك بن الريب دليل على قربه من جمران وغرب وأنه في بلاد الشريف .
ومما يدل على قربه من جمران والنشاش ووقوعه في الشريف ما ذكره الهمداني حيث قال :
ومن مياه ثهلان ذويقن وقلحا والريان والكلاب والشعراء ، وأسفل من ذلك ذور الشريف وغلانه ومياهه ، ومن أيسرها البرقعة وخائع والنشاش ماء ان مقابلان لجمران ، وهو جبيل مطروح من دونه السمنات .
وهذه المواضع التي ذكرها الهمداني قريب بعضها من بعض ومعروفة بأسمائها إلى هذا العهد .
وهذه الصفات التي ذكرها المؤرخون لوادي الكلاب تنطبق تمام الإنطباق على وادي الشعراء غير أنه تغلب عليه اسم الشعراء – التي هي أحد موارد مياهه القديمة – بعد أن أصبحت بلدة عامرة مأهولة بالسكان .
ولم يبق من أسمه القديم إلا اسم دخل عليه تحريف يسير وأصبح أسماً لأحد روافده الشرقية الجنوبيةالذي يسمى وادي الكلبة .
ومما يزيد الأمر وضوحاً ولا يدع مجالاً للشك في أن وادي الشعراء هو وادي الكلاب وأنه الموضع الذي وقع فيه اليومان الشهيران من أيام العرب ماجاء في شعر محرز ابن المكعبر الضبي في يوم الكلاب الثاني حيث قال :
فدى لقومي ما جمعت من نشب إذ لفت الحرب أقواما ً بأقوام
إذ خبرت مذحج عنا وقد كذبت أن لن يروع عن أحسابنا حام
دارت رحانا قليلاً ثم صبـحهم ضرب تصيح منه حلة الهام
ظلت ضباع مجيرات يلذن بهم والحموهن منهم أي الحام
حتى حذنة لم تترك بها ضـبعا إلا له جزر من شلو مقدام
ظلت تدوس بني كعب بكلكلها وهـم يوم بني نهد بإظلام
وجاء في قصيدة وعلة الجرمي – وكان أول منهزم أنهزم يوم الكلاب – قوله يذكر هزيمته وفراره من المعركة :
ومن على الله مـنا شـكرته عداة الكلاب اذ تجز الدوابر
ولما سمعت الخيل تدعو مقاعسا علمت بأن اليوم أحمس فاجر
نجوت نـجاء ليس فيه وتيرة كأني عقاب عند تيمن كاسر
كأنا وقد حالـت جدية دوننا نعـام تلاه فارس مـتواتر
وجاء فيما ذكره صاحب الأغاني في سياق خبر يوم الكلاب الثاني : وأقبل أهل اليمن من بني الحارث من أشرافهم يزيد بن عبد المدان ويزيد إبن مخرم ويزيد بن الطيسم بن المأمور ويزيد بن هوبر حتى إذا كانوا بتيمن نزلوا قريباً من الكلاب.
ورجل من بني يزيد بن رياح بن يربوع يقال له مشمت بن زنباع في إبل له عند خاله من بني سعد يقال له زهير،فلما أبصرهم المشمت قال لزهير: دونك الإبل وتنح عن طريقهم حتى آتي الحي فأنذرهم قال فركب المشمت ناقة ثم سار حتى أتى سعدا والرباب وهم على الكلاب فأنذرهم فأعدوا للقوم وصبحوهم فأغاروا على النعم فطردوها وجعل رجل يرتجز ويقول:
في كل عام نعم نـنتابه على الكلاب غيـبا أربابه
فأجابه غلام من بني سعد في النعم على فرس له فقال:
عما قليل سترى أربـابه صلب القناة حازما شبابه
وفي هذا الخبر ما يثبت أن وادي الكلاب الذي وقع فيه اليومان الشهيران من أيام العرب هو الكلاب الواقع بين ظهري ثهلان ، وهو الذي تقع هضبة تيمن في أعلاه، وهو وادي الشعراء. وقد قال ذو الرمة شعراً يذكر فيه يوم الكلاب يؤكد هذا القول ويزيده وضوحاً، قال:
فما شهدت خـيل امرئ القيس غـارة بثـهلان تحمى عن ثـغور الحقائق
أثــرنا به نــقع الـكـلاب، وأنتم تثيرون نقع الملـتقي بالمــفارق
أدرنا على جـــرم وأفــناء مذحج رحى الموت فوق العلاملات الخوافق
صدمناهم كور الأماني صدمة عماسا بأطواد طوال شواهق
إذا نطحت شهباء شهباء بينها شعاع القنا والمشرفي البوارق
فذكر أن خيلهم أغارت بثهلان فأثارت نقع الكلاب.
والمعروف أن جبل ثهلان حاف بالوادي من الغرب على طول امتداده من الجنوب إلى الشمال.
وقد جاء في خبر يوم الكلاب أن شرحبيل ومسلمة تواعدا في الكلاب بمن معهما من الأقوام فالتقيا فيه.
وفي خبر يوم الكلاب الثاني: قام النعمان بن جساس فقال يا قوم انظروا ماء يجمعكم ولا أعلم ماء يجمعكم إلا قدة فارتحلوا وإنزلوا قدة وهو موضع يقال له الكلاب . فلما سمع أكثم بن صيفي كلام النعمان قال هذا هو الرأي فارتحلوا حتى نزلوا الكلاب ، وبين أدناه وأقصاه مسيرة يوم.
ويتضح من هذه العبارات أنهم اختاروا وادي الكلاب وقصدوه لوفرة مياهه وسعة مراعية ليتسع لهم جميعاً، وكذلك وادي الشعراء بوفرة مياهه وجودة مراعية وكثرتها، فموارد مياهه ممتدة فيه على طول امتداده، متعددة الآبار وفيرة المياه ، وأسفله كله أحساء قريبة المنزع.
ولوادي الكلاب ذكر كثير في الشعر العربي، ومنه ما يفيد في تحديده وفي وصفه الجغرافي.
ويقول لبيد بن ربيعة العامري:
ياهل ترى البرق بت أرقبه يزجي حبياً إذا خبا ثقبا
قعدت وحدي له وقال أبو ليلي: متى يعتمن فقد دأبا
كان فـيه لما ارتفقـت له ريـطا ومرباع غانم لجبا
فجاد رهـوا إلى مداخـل فالصخرة أمست نعاجه عصبا.
فحدر العصم من عمايـة للسهل وقضى بصاحة الأربا
فالـماء يجلو متـونهن كما يـجلو التلاميـذ لؤلؤ قشبا
لافي البدي الكلاب فعتلجا مـوج أتيـيهما لمن غـلبا
فدعــدعا سرة الركاء كما دعدع ساقي الأعاجم الغربا
فكـل واد هـدت حـوالبه يقذف خضر الدباء فالخشبا
مالـت به نـحوها الجنوب معا ثم ازدهته الشمال فانقلبا
فقلت: صـاب الأعراض ريقه يسقى بلادا قد أمحلت حقبا
لترع من نبته اسيـم إذا أنبت حر البقول والعشبا
ولـيرعه قومـها فـانهم من خير حي علمتهم حسبا
قومي بنو عامر وإن نطق الـ أعداء فيهم مناطقا كذبا
ذكر لبيد في هذه القصيدة أنه اتكأ على مرفقه وبات يرقب سحاباً متقدما جاد بصوبه مناجل والصخرة ثم حدر سيله العصم من عماية وقضى في صاحة الأربا، وهذا المواضع لا تزال معروفة بأسمائها، وكلها واقعة في وسط بلاد قومه بني عامر، وكلها متقاربة. وهي في بلاد بني قشير والحريش والعجلان.
ثم ذكر أن ريح الجنوب مالت بالغيث معها صوب الشمال، فقال:
لاقي البدي الكلاب فاعتلجا موج أتييهما لمن غلبا
فدعدعا سرة الركاء كما دعدع ساقي الأعاجم الغربا؟
فكل واد هدت حوالبه يقذف خضر الدباء والخشبا
مالت به نحوها الجنوب معا ثم ازدهته الشمال فانـقلـبا
وفي هذه الأبيات ذكر أن الغيث حين مالت به الجنوب أصاب مواضع في شمال بلاد قومه ،
أصاب البدي في بلاد الضباب وأصاب الكلاب في بلاد بني نمير ، وبلاد هذين الحيين من بني عامر هي شمال بلاد قومه ، وبعد أن جد هذين الواديين ودعدعا بسيلهما سرة الرشاء ، أزدهت هذا السحاب الممطر ريح شمالية فانقلب صوب الجنوب ليجود ناحية أخرى من بلاد قومه ، فجاد الأعراض ريقه ،
فشمل بغيثه بلاد بني عامر ، ثم قال: لترع من نبته أسيم وليرعه قومها قومي بنو عامر.
فبين في شعره أن هذ المواضع التي ذكرها في شعرة ومنهاالبدي والكلاب هي بلاد قومه بني عامر، وفيها يرعون ما ينبته هذا المطر.
وتقدم ما ذكره المؤرخون في تحديد الكلاب ، وذكروا أنه بجانب ثهلان وأن أعلاه صوب الجنوب وأسفله صوب الشمال ، وهذا التحديد يلائم الوضع الطبيعي لوادي الشعراء ،وهو واد بعيد ما بين أعلاه وأسفله وتدفع فيه رافد كثيرة ويدفع في بطن الرشا من جابنه الجنوبي ويقابله من الشمال وادي جهام واد عظيم يدفع في بطن الرشا من جانبه الشمالي فيد عدعان سرة الرشا وقد اتضح لي من البحث والتحقيق أن وادي جهام هو وادي البدي .
وينبغي أن أشير إلى أنني قلت فيما تقدم في التعليق
على قول لبيد: فدعدعا سرة الركاء. فدعدعا سرة الرشاء، وذلك لأدلة منها: أن بطن الرشاء واقع بين هذين الواديين ، ومدافعهما تلتقي في سرته ، وقد ذكرت من إلا دلة ما يفيد أن البدي هو وادي جهام والكلاب هو وادي الشعراء ومنها أنه لا يعرف في روافد الركاء واديان ينطبق عليهما تحديد البدي أو الكلاب أو وصفهما . ومنها أن البدي معروف في بلاد الضباب هذه البلاد . ومنها أن التحريف في أسماء المواضع في الشعر العربي معروف وشايع في مثل هذه الأسماء المتقاربة في النطق ، وغير ذلك من الأدلة.
وفي القصيدة الآتية من شعر لبيد أيضاً ما يزيد الأمر وضوحا قال:
تخيرن من غول عـذابا روية ومن منعج بيض الجمام عداملا
وقد زودت منا على الناي حاجة وشوقاً لو أن الشوق اصبح عادلا
كحـاجة يوم قبل ذلك منـهم عشية ردوا بالكلاب الجمائلا
فرحـن كأن الناديات من الصفا مذارعها والكارعات الحواملا
بذي شطب أحداجها إذ تحملوا وحث الحدات الناعجات الذواملا
بذي الرمث والطرفاء لما تحملوا أصيلا وعالين الحمول الجوافلا
كأن نعاجـاً من هجائن عازف عـليها وآرام السلي الخواذلا
جعلن حراج القـرنتين وناعتا يـمينا ونكبن البـدي شمائلا
ومن دراسة هذه القطعة الشعرية نتبين صورة جغرافية لهذه المواضع التي احتوتها ، حيث ردوا جمالهم وحيث تحملوا والنهج الذي سلكوه والأعلام التي جعلوها يميناً منهم والتي جعلوها ونكبوها شمائلا.
ففيها الكلاب ، وفيها شطب وفيها ذو الرمث والطرفاء ، ومن هذه المواضع تحملوا وحث الحداة الناجيات الذواملا ، وقد جعلوا حراج القرنتين وناعتا يمينا منهم ونكبوا البدي شمالاً.
والواقع أنه من إطار هذه الصورة الجغرافية الناصعة وتطبيقها موضعيا ، في هذه البلاد ومشاهدة أعلامها ، يتضح لنا أن الكلاب وذا شطب وذا الرمث والطرفاء إنما تعني موضعا واحداً ، في رد والجمال وفيه أحداجها إذ تحملوا وفيه عالين الحمول الجوافلا ، وهذا الموضع بخيشوم جبل شطب الشرقي وهو ذو الرمث والطرفاء لأنه مزدحم بغابات كثيفة من الرمث والطرفاء ، فهذه الصفاة كلها يجمعها أسفل وادي الشعراء مما يلي جل شطب ، وشطب جبل أسود كبير منقطع من ثهلان شمالاً معروف بهذا الاسم قديماً وحديثاً.
أما إتجاه سيرهم فإنه صوب الشمال لأن القرنتين وناعتا واقعتا شمالاً شرقياً من الموضع الذي تحملوا منه والبدي واقع شمالاً غربياً منه .
وسيتضح لك بجلاءٍ أن وادي الشعراءِ هو وادي الكلاب وأن وادي جهام هو وادي البدي .
أما ماذكره محمد بن بليهد في تحديده ،
فمن الملاحظ أنه قال في بداية حديثه : قد أختلف أهل المعاجم واهل التاريخ في موضع وادي الكلاب ثم أورد بعضاَ من أقوال المؤرخين في تحديدة واورد شواهد من الشعر الذي قيل في يوم الكلاب مقرراً بذلك كله أنه هو وادي الشعراء وبعد أن قرر ذلك قال :
والذي نعتقده أن أسمه الذي كان قبل ذلك ( وادي قحقح ) ووادي قحقح باق إلى اليوم بهذا الإسم ويؤيد هذا لقول أنهم ذكروا في أخبار أيام العرب في اليوم الأخير من أيام الكلاب أن مسعود بن القريم فارس بكر بن وائل قتل في وادي الكلاب الذي كانت به الوقعة قتله حشيش بن نمران ، وعلى هذا يكون كل ما ذكر من الشعر في وادي الكلاب إنما حقيقته أنه في وادي قحقح .
ثم قال : ويدل لذلك أيضاً أنهم قالوا إنه يبعد عن طرف ثهلان الجنوبي مسافة يوم أو أقل . ووجه ثالث ذكروا أن وادي الكلاب تقاتل العرب فيه وهم يشربون ماء العويند ، والعويند ماء باق إلى اليوم بهذا الإسم ، واهل قحقح اليوم قاطنون على ماء العويند وهم يرعون إبلهم في وادي قحقح .
قلت : الواقع أن هذه الأوجه الثلاثه التي استدل بها على رأيه أن الكلاب هو وادي قحقح ماهي إلا أدلة إجتهادية أتي بها ليوفق رأيه مع بيت لبيد .
لاقى البدي الكلاب فاعتلجا سيـل أتييهما لمن غلبا
فدعاعا سـرة الركاء كما دعدع ساقي الأعاجم الغربا
وقد أستوفيت ما يخص شعر لبيد في رسم ( البدي ) جهام .
والواقع أن ما أورده في تحديد الكلاب من النقول والشواهد الدالة على إنه هوالواقع بجانب ثهلان .
( وادي الشعراء ) أقوى بكثير من آرائه الإجتهادية التي استدل بها على أنه وادي قحقح وسأجيب على أدلته الثلاثة بما يناسب مقام كل منها بحول الله وقوته .
أولاً : أن أهل المعاجم والمؤرخين لم يختلفوا في موضع وادي الكلاب بل كل أقوالهم يؤيد بعضها بعضا في وصفه وفي تحديدة ، وما قيل في يوم الكلاب من الشعر يؤيد ما قاله المؤرخون في تحديده فذكروا أن المعارك في يومي الكلاب حول تيمن وحذنة ومجيرات :
ظلت ضباع مجيرات يلذن بهم والحموهن منهم أي الحام
حتى حذنة لم تترك بها ضبعا إلا له جزر من شلو مقدام
هذه المواضع في أعلى وادي الكلاب ( وادي الشعراء ) شرق ثهلان .
ويقول ذو الرمة :
فما شهدت خيل إمرئ القيس غارة بثهلان تحمى عن ثغور الحقائق
أثرنا به نقع الكـلاب ، وأنتم تثيرون نقع الملتقى بالمفارق
فإين هذه المواضع من وادي من وادي قحقح .
أما فيما يخص الوصف الجغرافي فإن وادي قحقح يبدأ سيله قريباً من غثيرا دمخ ، ثم يتجه جنوباً بين دمخ وبين العلم ، مارا بين هضبة وتدة وبين مذاريب المعزا ، ويدفع في مشاش مجدل في أعلا وادي السرة ، فهو يتجه من الشمال إلى الجنوب وهو واد ضيق قليل المياه وليس أعلاه من أسفله ببعيد ،
وهذا الوصف يخالف ماوصف به المؤرخون وادي الكلاب ذكروا أن أعلاه مما يلي اليمن وأسفله مما يلي العراق وبين أدناه وأقصاه مسيرة يوم ،
وقالوا : أنه واقع بين جبله وشمام على سبع ليالي من اليمامة وقالوا أقبل أهل اليمن من بني الحارث : حتى إذا كانوا بتيمن نزلوا قريباً من الكلاب – وذلك في يوم الكلاب الثاني .
وفي وصف مياهه بالوفرة – قال النعمان بن الحسماس لقومه في يوم الكلاب الثاني : لا أعلم ماء يجمعكم إلا قدة فارتحلوا وانزلوا قدة ، وهو موضع يقال له الكلاب فارتحلوا حتى نزلوا الكلاب فهذه الصفات تنطبق على وادي الشعراء الوفير المياه والمراعي ولا ينطبق بحال على وادي قحقح .
ومن الملاحظ أنه قال : ووادي قحقح باق بهذا الإسم إلى هذا اليوم ، والواقع أن وادي قحقح معروف بهذا الإسم قديماً وحديثاً ولا يزال يعرف به ، وقد وقع فيه يوم من أيام العر ب في الجاهلية يسمى يوم قحقح ويوم المالة والمالة فيما يبدو لي واد يوازي وادي قحقح من الغرب يخرج من شرقي العلم قريب من قحقح وهذا اليوم
له ذكر في كتب المعاجم وكتب المؤرخين ، ولم يقل أحد من المؤرخين أن وادي قحقح سمي الكلاب ، أو أن يوم قحقح كان يسمى يوم الكلاب ، فيوم الكلاب الأول ويوم الكلاب الثاني ذكرهما المؤرخون بتفاصيلهما ،
وهما يختلفان عن يوم قحقح ، وفي يوم قحقح قتل مسعود بن القريم فارس بكر بن وائل ، قتله حُشيش بن نمران ، وقال :
ونحن تركنا بن القريم بقحقح صريعا ً ومولاه المجبة للفم
هذا ما ذكره ياقوت .
وقال البكري : في رسم قحقح : وفيه أدركت بنو يربوع المجبة أحد بني أبي ربيعة ، إبن ذهل ، وكان أغار على سرح لهم فقتلوه وقتلوا عمرو بن القريم ، أحد بني شيبان وقال سحيم بن وثيل الرياحي :
ونحن تركنا إبن القريم بقحقح صريعاً ومولاه المجبة للفم
فهو يوم االقحقح ، ويوم بطن المالة :
ويبدو لي أن وادي المالة هو الوادي المعروف هذا العهد بإسم وادي الجلة وأن الجلة ، تحريف المالة لقربه من قحقح ، ولم أر أحداً ممن كتبوا عن يومي الكلاب ذكر أن مسعود بن القريم قتل في يوم الكلاب أو ذكر إنه شهد يوم الكلاب ، ويوم قحقح لا صلة له بيومي الكلاب .
أما قوله : إن المؤرخين قالوا : إنه يبعد عن طرف ثهلان الجنوبي مسافة يوم أوأقل .
فأنا لم أر فيما اطلعت عليه من كتب المؤرخين من قال بذلك .
ولا أعرف مصدر فيه .
وأما قوله : أنهم تقاتلوا في الكلاب وهم يشربون العويند ، والعويند ماء باق إلى اليوم بهذا الإسم ، فأنا قد أطلعت على كثير من كتب المؤرخين ولم أر من ذكر ذلك ، وعلى إفتراض أن أحداً منهم قال بذلك فإنه لا يعني ماء العويند الذي أشار إليه محمد بن بليهد الواقع في بلاد عمرو بن كلاب ، فإنه إنما يعني ماء العويند الواقع في بلاد بني نمير ، في بطن الكلاب ، وكلا الماءين محددان في كتب المعاجم الجغرافيه : قال ياقوت في كتابة (( المشترك وضعا والمفترق صقعاً )) : العويند : بضم العين وفتح الواو وياء ساكنة ونون مكسورة ودال مهملة .
العويند من مياه بني عمرو بن كلاب ، عن أبي زياد والعويند من مياه بني نمير ببطن الكلاب ،
عن أبي زياد أيضاً . وذكر الهجري أن لباهلة ماء خارج عن ثهلان في بطن الرشا يقال له العويند .
وقد رأينا أنه – رحمه الله – بذل جهداً ومحاولات إجتهادية لتقريب وادي الكلاب من وادي السرة وتقدريب وادي السرة من الركاء ليوفق بين هذه المواضع وبين مافهمه من شعر لبيد .
لاقى البدي الكلا ب فاعتلجا موج أتييهما لمن غلبا
فدعاعا سرة الـركاء كـما دعدع ساقي الأعاجم الغربا
مع أن المفهوم من الشعر أن سرة الركاء وسطه ، وسرة الوادي معظمة أما ماذكره بعض المؤرخين من أن الكلاب بين البصرة والكوفة فإن هذا التحديد مقيد بقولهم : على سبع ليال أو نحوها من اليمامة .
أما تسمية هذا الوادي بهذا الإسم ، فقد ذكر بعض المؤرخين أنه سمى به لما لقوا فيه من الشر ،