صقر الخوالد
11-10-2005, 04:38 PM
هذه سطور مقتبسة من كتاب (إمارة كعب العربية في القرن الثامن عشر..) لمؤلفيه علاء نورس وعماد رؤوف. وقد قمت بنقل ما يهم موضوعنا هنا من الكتاب، وستكون هناك حلقات تابعة لهذا الموضوع إن شاء الله تعالى وذلك لإثراء معرفتنا بهذا الإقليم العربي المنسي. نسأل الله تعالى أن نستفيد منه وأن نعي قضايا أمتنا العربية والإسلامية.
----------------------------------------
اعتنى المؤلفون العرب بوصف حدود هذا الإقليم بدقة، وحدوده ليست جغرافية فحسب بل وقومية حيث تفصل شعبه عن شعوب أخرى منتمية إلى قوميات متعددة. ويرجع اعتناء المؤرخين والجغرافيين بحدود هذا الإقليم التهديدات الثقافية والاجتماعية التي واجهته على مر التاريخ.
في القرن الرابع الميلادي تأثر الإقليم بعمليات التهجير والتنكيل التي مارسها الفرس ضد القبائل العربية الموجودة على سواحل الخليج العربي. وفي القرن العاشر الميلادي (الرابع الهجري) تعرض الإقليم إلى هجرة دخيلة على أرضه، تمثلت بانحدار قبائل اللور [وهي قبائل كبيرة تسكن جبال زاغروس في المنطقة الممتدة بين العراق وايران، وبالتحديد ما بين الجهة المقابلة لمحافظة العمارة وحتى حلبجة والسليمانية، وتنقسم هذه القبائل الى أربعة أقسام هي اللور الصغير، واللور الكبير، والبختياري، واللك، وهم أحفاد الكاساي، واللولو، والكوتي، أو الكوتيين، الذين أشتهروا بعلاقاتهم مع السومريين والأكديين] من إقليم الجبال المجاور في الشمال (أصفهان، همدان، كرمنشاه) إلى أقسامه ومدنه العليا، مما جعل تلك المناطق تعد جزءاً من إقليم الجبال بعد أن كانت معدودة من أرض الأحواز نفسها. وقد فصل ابن حوقل في كتابه "صورة الأرض ص255" الكلام عن حدود هذا الإقليم. تقدر مساحة رقعة إقليم الأحواز حسب وصف ابن حوقل بنحو 42000 كيلومتر مربع.
وقد أطلقت على الأجزاء الشمالية من الأقاليم أسماء مختلفة، فهي (إليمايْس) عند اليونان، و(وإيلامتو) في النقوش المسمارية، و(عيلام) كما عرفها العهد القديم، وعرفت باسم (خوزستان) نسبة إلى (خوز) وهي قبيلة سكنت تلك النواحي، وأطلق الفرس اسمها عليها. ولم تكن الأقسام الجنوبية قد انحسرت عنها المياه في تلك العصور، نظراً لأن ظهور اليابسة فيها لم يحدث إلا قبل بضعة قرون من الميلاد. ولكن الفرس سحبوا اسم (خوزستان)، فيما بعد، ليسموا به جميع الأجزاء الحديثة من الإقليم، مع أن هذه الأجزاء لم تعرِف، منذ ظهورها على اليابسة، إلا العرب مستوطنين لها.
والمعلومات المتوفرة عن الأقوام التي سكنت الأقسام الشمالية من الإقليم غير كافية لتحديد هوياتهم القومية، فالعيلاميون الذين كانت عاصمتهم (سوسه/الشوش) كان أكثر شعوب الشرق تأثراً بالحضارة الرافدينية ديناً ولغة وثقافة، ولذلك سرعان ما ذابوا في البيئة العربية للإقليم، ولم يخلفوا وراءهم شيئاً يُذكر. ومثل هذا ينطبق على الخوزيين، فإن معلوماتنا عن أصلهم غامضة جداً، إذ لم يرد في التاريخ أنهم أنشأوا دولة أو سلطة ما، أو أنهم مدوا سيادتهم على الأحواز أو على جزء منها، وواضح أنهم ذابوا، كسابقيهم في بيئة الإقليم العربية. ولا نشك في أن بيئة الأحواز لو لم تكن عربية خالصة، لما تمكنت من استيعاب تلك الجماعات وتذويبها فيها في عهود غابرة سابقة على ظهور الإسلام نفسه.
ولم تكن عروبة الأحواز نتاج هجرات متفرقة إلى أرض أمة أخرى، وإنما هي استيطان طبيعي ضمن بيئة جغرافية واحدة، في مناطق لم تكن مأهولة قط.
وقد كان للبابليين العرب فضل الريادة في استيطان تلك المناطق منذ عهود بعيدة، وإليهم نقلوا شرائعهم المعبرة عن تفوقهم الحضاري في تلك العهود، وامتد استيطانهم على طول الساحل الشرقي للخليج العربي. ومن الثابت أن جميع السلطات التي قامت هناك كانت رافدينية الثقافة بضمنها الدولة العيلامية نفسها، وهي التي ناصبت بابل العداء لحقب طويلة. وفي العصور التالية شهدت المنطقة امتزاج هجرات عربية من الكنعانيين الذين هاجروا من سواحل بلاد العرب الشمالية بالحميريين الذين توطنوها قبلهم، وكان قسم من الحميريين قد تخلفوا في سواحل الخليج العربي، بينما انتشر معظمهم في أرجاء (مكران) حيث نقلوا خبرتهم في إقامة السدود والتحكم بشبكات الري، ونشروا ثقافتهم العربية [انظر: معن شناع العجلي: بلوجستان ديار العرب، ص52]. وفي القرن الثالث قبل الميلاد ضم قسمٌ من الأحواز إلى دولة عربية نشأت في كرخ ميسان، كانت من الأهمية الاقتصادية والقوة ما مكنها من إقامة أوثق الصلات التجارية مع أقطار الخليج العربي، إضافة إلى السلوقيين والأنباط ومصر، بل امتدت شهرتها إلى (بومبي) بإيطاليا، واستمرت هذه الدولة تمارس سيادتها على إقليمها حتى الربع الأول من القرن الثالث للميلاد.
ومنذ قيام أول تسلط فارسي على الهضبة الإيرانية، أخذ الإقليم يتعرض إلى غزوات فارسية عدائية مستمرة، وكان قدر شعبه أن يتصدى إلى هذه الغزوات. ففي القرن السادس قبل الميلاد غزا الإخمينيون بقيادة ملكهم (كورش) الإقليم، وغزاه الفرس الساسانيون مرة أخرى في القرن الثالث للميلاد، على أن هذه السيطرة لم تكن لتغيِّر من طبيعة سكان المنطقة، بل استمر تدفق القبائل العربية إليها، كقبائل بكر بن وائل وحنظلة وتميم والأزد وعبد القيس وتغلب وكليب وغيرها. ورغم سياسة التنكيل والتهجير القسري التي اتبعها سابور الثاني سنة 310م، فإن الفرس اضطروا إلى الاعتراف بالاستقلال الذاتي لعرب الإقليم، وأسكنوا بعض قبائلهم في كرمان وتوج والأحواز، بعد أن كانوا قد أجلوها عن مواطنها من قبل.[انظر تاريخ الطبري: 2/60].
ولم تكن الأحواز في موقع المتلقِّي للثقافة العربية وحسب، وإنما كان لها الاسهام الفعال في إغنائها وتطويرها، ففي مدينة جنديَسابور اشتهرت مدرسة طبية عدت إحدى المراكز العلمية المعدودة في الشرق، وكانت هذه المدرسة تدرس علوم اليونان المتأخرين بالآرامية (وهي فرع من العربية) وابتكر أساتذتها آلاف المصطلحات العلمية اللازمة عند نقل كتب الطب والتصنيف فيه، بالآرامية أولاً، ثم بالعربية الصريحة، فأغنوا لغة العرب بجهودهم الفائقة، وتحولت المدرسة إلى مركز ثقافي له أثره في نهضة النشاط العلمي والعقلي في الحضارة العربية الإسلامية.
-------------------------------
يتبع..
----------------------------------------
اعتنى المؤلفون العرب بوصف حدود هذا الإقليم بدقة، وحدوده ليست جغرافية فحسب بل وقومية حيث تفصل شعبه عن شعوب أخرى منتمية إلى قوميات متعددة. ويرجع اعتناء المؤرخين والجغرافيين بحدود هذا الإقليم التهديدات الثقافية والاجتماعية التي واجهته على مر التاريخ.
في القرن الرابع الميلادي تأثر الإقليم بعمليات التهجير والتنكيل التي مارسها الفرس ضد القبائل العربية الموجودة على سواحل الخليج العربي. وفي القرن العاشر الميلادي (الرابع الهجري) تعرض الإقليم إلى هجرة دخيلة على أرضه، تمثلت بانحدار قبائل اللور [وهي قبائل كبيرة تسكن جبال زاغروس في المنطقة الممتدة بين العراق وايران، وبالتحديد ما بين الجهة المقابلة لمحافظة العمارة وحتى حلبجة والسليمانية، وتنقسم هذه القبائل الى أربعة أقسام هي اللور الصغير، واللور الكبير، والبختياري، واللك، وهم أحفاد الكاساي، واللولو، والكوتي، أو الكوتيين، الذين أشتهروا بعلاقاتهم مع السومريين والأكديين] من إقليم الجبال المجاور في الشمال (أصفهان، همدان، كرمنشاه) إلى أقسامه ومدنه العليا، مما جعل تلك المناطق تعد جزءاً من إقليم الجبال بعد أن كانت معدودة من أرض الأحواز نفسها. وقد فصل ابن حوقل في كتابه "صورة الأرض ص255" الكلام عن حدود هذا الإقليم. تقدر مساحة رقعة إقليم الأحواز حسب وصف ابن حوقل بنحو 42000 كيلومتر مربع.
وقد أطلقت على الأجزاء الشمالية من الأقاليم أسماء مختلفة، فهي (إليمايْس) عند اليونان، و(وإيلامتو) في النقوش المسمارية، و(عيلام) كما عرفها العهد القديم، وعرفت باسم (خوزستان) نسبة إلى (خوز) وهي قبيلة سكنت تلك النواحي، وأطلق الفرس اسمها عليها. ولم تكن الأقسام الجنوبية قد انحسرت عنها المياه في تلك العصور، نظراً لأن ظهور اليابسة فيها لم يحدث إلا قبل بضعة قرون من الميلاد. ولكن الفرس سحبوا اسم (خوزستان)، فيما بعد، ليسموا به جميع الأجزاء الحديثة من الإقليم، مع أن هذه الأجزاء لم تعرِف، منذ ظهورها على اليابسة، إلا العرب مستوطنين لها.
والمعلومات المتوفرة عن الأقوام التي سكنت الأقسام الشمالية من الإقليم غير كافية لتحديد هوياتهم القومية، فالعيلاميون الذين كانت عاصمتهم (سوسه/الشوش) كان أكثر شعوب الشرق تأثراً بالحضارة الرافدينية ديناً ولغة وثقافة، ولذلك سرعان ما ذابوا في البيئة العربية للإقليم، ولم يخلفوا وراءهم شيئاً يُذكر. ومثل هذا ينطبق على الخوزيين، فإن معلوماتنا عن أصلهم غامضة جداً، إذ لم يرد في التاريخ أنهم أنشأوا دولة أو سلطة ما، أو أنهم مدوا سيادتهم على الأحواز أو على جزء منها، وواضح أنهم ذابوا، كسابقيهم في بيئة الإقليم العربية. ولا نشك في أن بيئة الأحواز لو لم تكن عربية خالصة، لما تمكنت من استيعاب تلك الجماعات وتذويبها فيها في عهود غابرة سابقة على ظهور الإسلام نفسه.
ولم تكن عروبة الأحواز نتاج هجرات متفرقة إلى أرض أمة أخرى، وإنما هي استيطان طبيعي ضمن بيئة جغرافية واحدة، في مناطق لم تكن مأهولة قط.
وقد كان للبابليين العرب فضل الريادة في استيطان تلك المناطق منذ عهود بعيدة، وإليهم نقلوا شرائعهم المعبرة عن تفوقهم الحضاري في تلك العهود، وامتد استيطانهم على طول الساحل الشرقي للخليج العربي. ومن الثابت أن جميع السلطات التي قامت هناك كانت رافدينية الثقافة بضمنها الدولة العيلامية نفسها، وهي التي ناصبت بابل العداء لحقب طويلة. وفي العصور التالية شهدت المنطقة امتزاج هجرات عربية من الكنعانيين الذين هاجروا من سواحل بلاد العرب الشمالية بالحميريين الذين توطنوها قبلهم، وكان قسم من الحميريين قد تخلفوا في سواحل الخليج العربي، بينما انتشر معظمهم في أرجاء (مكران) حيث نقلوا خبرتهم في إقامة السدود والتحكم بشبكات الري، ونشروا ثقافتهم العربية [انظر: معن شناع العجلي: بلوجستان ديار العرب، ص52]. وفي القرن الثالث قبل الميلاد ضم قسمٌ من الأحواز إلى دولة عربية نشأت في كرخ ميسان، كانت من الأهمية الاقتصادية والقوة ما مكنها من إقامة أوثق الصلات التجارية مع أقطار الخليج العربي، إضافة إلى السلوقيين والأنباط ومصر، بل امتدت شهرتها إلى (بومبي) بإيطاليا، واستمرت هذه الدولة تمارس سيادتها على إقليمها حتى الربع الأول من القرن الثالث للميلاد.
ومنذ قيام أول تسلط فارسي على الهضبة الإيرانية، أخذ الإقليم يتعرض إلى غزوات فارسية عدائية مستمرة، وكان قدر شعبه أن يتصدى إلى هذه الغزوات. ففي القرن السادس قبل الميلاد غزا الإخمينيون بقيادة ملكهم (كورش) الإقليم، وغزاه الفرس الساسانيون مرة أخرى في القرن الثالث للميلاد، على أن هذه السيطرة لم تكن لتغيِّر من طبيعة سكان المنطقة، بل استمر تدفق القبائل العربية إليها، كقبائل بكر بن وائل وحنظلة وتميم والأزد وعبد القيس وتغلب وكليب وغيرها. ورغم سياسة التنكيل والتهجير القسري التي اتبعها سابور الثاني سنة 310م، فإن الفرس اضطروا إلى الاعتراف بالاستقلال الذاتي لعرب الإقليم، وأسكنوا بعض قبائلهم في كرمان وتوج والأحواز، بعد أن كانوا قد أجلوها عن مواطنها من قبل.[انظر تاريخ الطبري: 2/60].
ولم تكن الأحواز في موقع المتلقِّي للثقافة العربية وحسب، وإنما كان لها الاسهام الفعال في إغنائها وتطويرها، ففي مدينة جنديَسابور اشتهرت مدرسة طبية عدت إحدى المراكز العلمية المعدودة في الشرق، وكانت هذه المدرسة تدرس علوم اليونان المتأخرين بالآرامية (وهي فرع من العربية) وابتكر أساتذتها آلاف المصطلحات العلمية اللازمة عند نقل كتب الطب والتصنيف فيه، بالآرامية أولاً، ثم بالعربية الصريحة، فأغنوا لغة العرب بجهودهم الفائقة، وتحولت المدرسة إلى مركز ثقافي له أثره في نهضة النشاط العلمي والعقلي في الحضارة العربية الإسلامية.
-------------------------------
يتبع..