راعي الهدلا
09-25-2004, 07:53 PM
سيرة الأمير نواف الشعلان في رحلة التنوخي من الزرقاء إلى القريات فدومة الجندل
للمؤلف عز الدين آل علم الدين التنوخي الشهير بشيخ السروجية ولد سنة 1889 م وتوفي بها سنة 1966 م شهر حزيران اليوم الرابع والعشرين .
حدثت رحلته بين أواخر شهر شوال سنة 1332 هـ 1914 م وأوائل سنة 1334 هـ 1916 م
تفاصيل الرحلة
كانت نقطة الانطلاق من حلب إلى جبل الشيخ ثم إلى بلدة الزرقاء الأردنية ومنها توجه شرقاً إلى الهزيم ثم القريات فدومة الجندل وقارا والطوير وسكاكا مروراً بالأزرق واويسط وميقوع وغيرها من المواضع .... ويبدوا أن الرحلة مبتورة نظراً لان في آخر الكتاب مقولة تقول للرحلة صلة إلا أن هذه الصلة لم يجدوها إلى الآن.
مجمل الحديث وأهمية هذه الرحلة هي سيرة احد أمراء الشعلان ألا وهو الأمير نواف بن النوري بن الشعلان حاكم الجوف وشيخ قبيلة الرولة نيابة عن والده بعد ما كان مسجونا من الباشا.
(( وصوله إلى القريات ))
(( جمع قرية تصغير قرية وأضيفت للملح لان بها في ( كاف ) ملاحات طبيعية يعود ريعها لأمير الجوف نواف الشعلان وهي عبارة عن عدة واحات من النخيل في كل واحة عدة بيوت قروية مشيدة باللبن واهم هذه الواحات ( كاف ) ( منوه ) ( إثره ) وفي كاف ما يزيد عن 20 ألف نخلة باسقة جعل الله منها رزق أهل القريات ومن الملح ينقلونه إلى حوران وعجلون والجولان على متون الزوامل وقد علمت ان منهم من يشتري بأثمانه بضائع دمشقية مما يصلح للبادية ..... الخ ))
(( وصوله إلى جبل العبد ))
(( ومازلنا نطوي البيد ونواصل السير بالسرى حتى لاح لنا من بعيد جبل شاهق في البيداء قاتم اللون يقال له ( العبد ) بينه وبين الجوف نحو فرسخ وحينما بلغناه ألفينا بجانبه عدة قلب في وهدة يحدق بها رواب من الصفاح الصلصالي ووجدنا الحنضل نابتاً في هذه الوهدة وبعد أن شربنا ركبنا وخبت بنا المطايا سيما بعد أن شاهدت خضرة النخيل وشعرت بأنها على مقربة من الماء النمير والعلف الوفير والظل الظليل ))
(( وصوله إلى دومة الجندل <الجوف> ))
((ولما دنونا من دومة الجندل وجدتها في غور من الأرض يحدق بها الهضاب والآكام فعلمت سبب تسمية البدو لها اليوم بالجوف ، وشاهدت في مدخلها أنقاض سور كان بالصفاح مشيداً ، ومازلنا نلج في نخيل الجوف وفي الصباح أتانا رجل من جماعة الأمير نواف الشعلان يدعونا للضيافة في قصر الإمارة فلبينا الدعوة وأخذنا أولا إلى داره وأكرمنا بالتمر الطيب والسمن الشذي وعلمنا منه أن لأمير ذهب إلى بلدة يقال لها سكاكا وان له نائباً يقال له عامر وبعد أن استرحنا في منزله قليلاً ، سار بنا إلى قصر الإمارة الذي كنا نسمع عنه ونحن في البادية من البدو بأنه يحاكى بفخامته قصور الشام أو انه القصر الذي خلعت عليه جمالها الأيام دخلنا بوابته ، فشاهدنا مدفعين من الطراز العتيق يقال لاحدهما المنصور غنمه الأمير نواف من ابن رشيد حين إكتساحه الجوف منه ، ثم صعدنا على درج مكون من 30 درجة ودخلنا مجلس الأمير الخاص وقابلنا نائبه عامر وهو رجل طويل القامة اسمر اللون متقلد سيفاً مفضفضاً وبعد أن حيانا ومن مجلسه أدنانا ، أمر بطعام فحضر التمر والسمن والبيض الذي لم نذقه منذ مفارقتنا للشام فأكلنا وقضينا من الطعام الوطر وغسلنا ولله الحمد أيدينا بالصابون النابلسي ثم شربنا القهوة البدوية وسألنا عامر عن امرنا ومقصدنا فقلنا له إنا من طلبة العلم وهاربين من الأتراك الطغاة فرحب بهم عامر ووعدنا بمقدم الأمير نواف خيراً .... انتهى ))
ومن كلامه يقول : (( كانت هناك مجموعة من القرى قاعدتها دومة تابعة لإمارة ابن رشيد النجدية ، فحاربه الشيخ نواف بن الشيخ نوري ابن شعلان ، شيخ قبيلة الرولة من عنزة سنة 1326 هـ ، وكان يومئذ النوري في سامي باشا الفاروقي في دمشق ، فكتب إلى ابنه بتهديد الحكومة التركية : أن يكف عن مهاجمة الجوف فلم يفعل نواف ولم يرجع عن عزمه ومكث نحو سنة يهاجم دومة حتى فتحها عنوة ، وصار من ذلك اليوم يلقب بالأمير ، وقد دافع عن إمارته دفاع الأبطال ، واستتب فيها الأمن ونشر لواء العدل فيها ، ويجلس كل يوم مقدار ساعة في مجلس عام يحضر فيه مئات البدو والقرويين ، ويتحاكم أمامه الحضور فيحكم بينهم بالعرف البدوي ، وقد حضرت مجالسه مراراً ، ودققت في أحكامه فوجدتها موافقة للعقل ، ومقنعة للوجدان ، وكان يحيل من الأحكام إلى القاضي الشرعي مايتعلق به من الأحوال الشخصية ، وقد كتبت له بالقلم العريض قول الله تعالى (((( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل )))) ،
ومن كلامه يقول : (( والأمير نواف شديد التمسك بالدين ، فلا يترك الصلوات الخمس ، ويأمر قومه بها ، ويؤدي صلاة الجمعة في مسجد دومة الجندل الجامع القديم ( جامع عمر بن الخطاب ) ، ولايزال كسائر المساجد في صدر الإسلام مسقوفاً بالجريد ومفروشا بالحصى .))،
ومن كلامه يقول : (( وللأمير نواف ولع شديد بسماع العلم ، فقد قضينا الليالي في قراءة ألف ليلة وليلة وغيرها من أخبار العرب وأشعارهم ، وقرأت له مرة قصيدة عمرو بن كلثوم المعلقة ، فكان يتمايل طرباً لمعانيها ، لاسيما مايتعلق بالحماسة ، ويلتفت إلى حاشيته ويقول (( اسمعوا ايش تقول أجدادنا العرب )) ، ويطبخ الأمير قهوته على نار الغضا ، التي تضارع بحرارتها ومدة دوامها فحم السنديان في ديارنا ، وتفوقه بعدم دخانها ورائحتها ، ويعطر قهوته بالعنبر يضعه في أسفل الفنجان ، وللبدو قصائد طويلة في وصف القهوة ومدحها ، وهم يتقنون طبخها جد الإتقان بحيث تغني الرشفة ن رشفات من قهوتنا ، أو بالحري من القهوة المدنية ، ومن اهتمام الأمير بشؤون أمارته أن بعض بيوت من بدو عنزة نازلين بالقرب من العبد فبيتهم ركب من شمر وغزاهم ليلاً ونهب جمالهم ، فما وصل الصريخ إلى الجوف في منتصف الليل حتى ركب الأمير وحاشيته على الرغم من الإلحاح عليه بالإستراحة حفاً على نفسه ، ولم يعد إلا ثاني يوم ، ولولا أنهم أضاعوا الأثر لفتكوا بالعدو ، وأعادوا المنهوب .))
ومن كلامه يقول : (( وللأمير نواف ولد يقال له سلطان جاوز العقد الأول من عمره وهو في منتهى الذكاء ، علمته شيئاً من تاريخ قومه العرب ، وما كان لهم من مجد وحضارة وإلى أية دركة انحطوا اليوم ، وتدل الفراسة على انه سيكون له في جزيرة العرب شأن كبير .))
ومن كلامه يقول : ((أخبرني الأمير نواف لما اجتمع في شوال سنة 1333 هـ بجمال باشا وفخري باشا في القنيطرة ، اخبره فخري باشا على حدة أنه يريد أن يهاجم اللجا ، بيد أنه يخشى أن يهاجم الدروز عرب اللجا ، ولهذا أراد فخري أن يعينه في حملته ، قال لي نواف : ولكي أخلص من مكيدته ، ولا أشارك تركيا في إذلال العرب ، أشرت عليه بأن الأولى أن أنزل بعربي جنوبي حوران ، حتى إذا رأيت الدروز هبطوا إلى اللجا لمساعدة أعرابها حملت عليهم ، فينشغلون بي ، وأكفهم عما يريدون ، وبهذه الحيلة البدوية كفاني الله شره ، واعتصمت بالبادية ، ومازلت أجوبها حتى بلغت الجوف .))
ويكمل التنوخي رحلته ويقول: (( نصحت ورفيقي المرحوم جلال الدين لإخواننا الفارين بأن لا يذكر أحد منهم للأمير نواف حقيقة حاله ، وأنه محكوم عليه بالإعدام ((يشير الكاتب هنا إلى أن الأتراك كانت تريد الكتاب والباحثين السوريين لتقتص منهم ولا يكون لهم كلمة في أرضهم وتعدهم )) وليقول أنه جندي بسيط لم يحتمل مشاق الجندية وإهانتها ، فلاذ بالفرار ، وذلك لأن الأمير نواف كان يخشى جواسيس ابن رشيد أن تخبر حكومة دمشق ، فتتوتر العلاقات بينه وبينها ، ولا يقوى وحده قبل قيام الشريف على محاربتها ، وعربه الرولة مضطرون للذهاب إلى حوران ليمتازوا حبوبهم ويشتروا ألبستهم من دمشق ، وإلا فإنا عرفنا روح نواف جد المعرفة ، وأنه يبغض الأتراك من صميم فؤاده ، لمساعدتهم عدوه اللدود ابن رشيد بالسلاح والمال.
قابل الأمير نواف الأخوان بالترحاب ، وبعد مدة بعث إلي رسولاً لمقابلته ، قال لي : علمت من صاحب العباءة المطرزة ( يريد عبدا لغني العريسي ) أنه صاحب جريدة المفيد ، ومحكوم عليه كسائر صحبه بالإعدام ، فمصلحتي تقضي على أن يسافروا من الجوف ، وأن تعلم أن ذلك ليس بخلاً مني ، إذ في كل ليلة يأكل على مائدتي خلق من الضيوف كثير ، ولما علمت إصرار الأمير ، عدت إلى الأخوان واطلعتهم على جلية الأمر ، فاستاءوا كثيراً ، شاكين نفاذ دراهمهم ، فرجعت للأمير نواف ، وقلت إنهم قصدوا أبا سلطان ( كنية نواف ) من دمشق ، فلا يليق أن يضاموا ، وقد قلت دراهمهم ، وكلت رواحلهم ، والطريق مخيف ، بعيد الشقة ، وهم بلا دليل فكيف يسيرون ؟
أجابني أني أرضخ لهم بما يسد عوزهم من الدراهم ، وأبدل لهم الراحلة الضعيفة ، وأزودهم بالزاد الكافي وأرسل معهم الدليل فليكونوا مطمئنين .
وهكذا قام الأمير نواف بمساعدتهم .
ومن كلامه يقول : (( للترك في وسط الجزيرة العربية مخفر بدوي عثماني وهو للأمير سعود بن عبد العزيز الرشيد صاحب حائل ( قاعدة نجد ) الذي اتفقت عليه ألسنة البدو أنه يأتمر بأوامر أخواله السبهان فأضاع قسماً كبيراً من أمارته وانقلبت عليه بعض قبائل شمر وشيوخها ، كابن طواله ، فكنت أرى أن من مصلحة الجزيرة والعرب ، أن يدمر هذا المخفر المضر ، فأغريت الأمير نواف كثيراً بإكتساح حائل بنفسه أو بإتفاقه مع الأمير ابن سعود العنزي مثله ، واتفق مرة أن طلب مني نواف أن استفتح له بالقرآن فأخذت المصحف وفتحته بعد قراءة الفاتحة فخرجت آية (( فاصبر إن العاقبة للمتقين )) فقرأتها له قائلاً اصبر يانواف فستفتح حائل فالعاقبة للمتقين أمثالك .
ونظمت بعدئذ قصيدة نونية ضمنتها جميع غزواته وأشرت له فيها للأستفتاح ومطلعها :
غيري يميل لشرب بنت الحان *********** ولضرب أوتار وعزف قيان
أصبر فعقبى المتقين جميلاً *********** قال الإله إليك يالقرآن
أيام تفتح حائلاً وينيلك ال *********** رحمن ملكاً ثابت الأركان
فتذل قوم ابن الرشيد ورهطه ********* وتدير دائرة على سبهان
هذا جزء بسيط مما حواه كتاب (( الرحلة التنوخية رحلة عز الدين التنوخي من الزرقاء إلى القريات )) عن الأمير نواف ابن النوري الشعلان وعن مايتصف به من الكرم والمساعدة والإهتمام بطلبة العلم والخوف على العرب من الأتراك وخوفه على دينه الإسلام وحبه لعروبته الأصيلة وكيف لا وهو من قبيلة عربية أصيلة لها الباع الكثير في التحكم بتاريخ شبه الجزيرة العربية إلى وقتنا هذا ألا وهي قبيلة عنزة الوائلية والتي يمتد حكمها اليوم في بلاد المملكة العربية السعودية في وقتنا الحاضر لأبناء الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله الملك الوائلي المعروف ملك المملكة العربية السعودية .
وأنا آسف كثيراً على الإطالة وأرجو أن يكون هذا الموضوع حائزاً على رضائكم .
المرجع
كتاب ((الرحلة التنوخية رحلة عز الدين التنوخي من الزرقاء إلى القريات ))
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
للمؤلف عز الدين آل علم الدين التنوخي الشهير بشيخ السروجية ولد سنة 1889 م وتوفي بها سنة 1966 م شهر حزيران اليوم الرابع والعشرين .
حدثت رحلته بين أواخر شهر شوال سنة 1332 هـ 1914 م وأوائل سنة 1334 هـ 1916 م
تفاصيل الرحلة
كانت نقطة الانطلاق من حلب إلى جبل الشيخ ثم إلى بلدة الزرقاء الأردنية ومنها توجه شرقاً إلى الهزيم ثم القريات فدومة الجندل وقارا والطوير وسكاكا مروراً بالأزرق واويسط وميقوع وغيرها من المواضع .... ويبدوا أن الرحلة مبتورة نظراً لان في آخر الكتاب مقولة تقول للرحلة صلة إلا أن هذه الصلة لم يجدوها إلى الآن.
مجمل الحديث وأهمية هذه الرحلة هي سيرة احد أمراء الشعلان ألا وهو الأمير نواف بن النوري بن الشعلان حاكم الجوف وشيخ قبيلة الرولة نيابة عن والده بعد ما كان مسجونا من الباشا.
(( وصوله إلى القريات ))
(( جمع قرية تصغير قرية وأضيفت للملح لان بها في ( كاف ) ملاحات طبيعية يعود ريعها لأمير الجوف نواف الشعلان وهي عبارة عن عدة واحات من النخيل في كل واحة عدة بيوت قروية مشيدة باللبن واهم هذه الواحات ( كاف ) ( منوه ) ( إثره ) وفي كاف ما يزيد عن 20 ألف نخلة باسقة جعل الله منها رزق أهل القريات ومن الملح ينقلونه إلى حوران وعجلون والجولان على متون الزوامل وقد علمت ان منهم من يشتري بأثمانه بضائع دمشقية مما يصلح للبادية ..... الخ ))
(( وصوله إلى جبل العبد ))
(( ومازلنا نطوي البيد ونواصل السير بالسرى حتى لاح لنا من بعيد جبل شاهق في البيداء قاتم اللون يقال له ( العبد ) بينه وبين الجوف نحو فرسخ وحينما بلغناه ألفينا بجانبه عدة قلب في وهدة يحدق بها رواب من الصفاح الصلصالي ووجدنا الحنضل نابتاً في هذه الوهدة وبعد أن شربنا ركبنا وخبت بنا المطايا سيما بعد أن شاهدت خضرة النخيل وشعرت بأنها على مقربة من الماء النمير والعلف الوفير والظل الظليل ))
(( وصوله إلى دومة الجندل <الجوف> ))
((ولما دنونا من دومة الجندل وجدتها في غور من الأرض يحدق بها الهضاب والآكام فعلمت سبب تسمية البدو لها اليوم بالجوف ، وشاهدت في مدخلها أنقاض سور كان بالصفاح مشيداً ، ومازلنا نلج في نخيل الجوف وفي الصباح أتانا رجل من جماعة الأمير نواف الشعلان يدعونا للضيافة في قصر الإمارة فلبينا الدعوة وأخذنا أولا إلى داره وأكرمنا بالتمر الطيب والسمن الشذي وعلمنا منه أن لأمير ذهب إلى بلدة يقال لها سكاكا وان له نائباً يقال له عامر وبعد أن استرحنا في منزله قليلاً ، سار بنا إلى قصر الإمارة الذي كنا نسمع عنه ونحن في البادية من البدو بأنه يحاكى بفخامته قصور الشام أو انه القصر الذي خلعت عليه جمالها الأيام دخلنا بوابته ، فشاهدنا مدفعين من الطراز العتيق يقال لاحدهما المنصور غنمه الأمير نواف من ابن رشيد حين إكتساحه الجوف منه ، ثم صعدنا على درج مكون من 30 درجة ودخلنا مجلس الأمير الخاص وقابلنا نائبه عامر وهو رجل طويل القامة اسمر اللون متقلد سيفاً مفضفضاً وبعد أن حيانا ومن مجلسه أدنانا ، أمر بطعام فحضر التمر والسمن والبيض الذي لم نذقه منذ مفارقتنا للشام فأكلنا وقضينا من الطعام الوطر وغسلنا ولله الحمد أيدينا بالصابون النابلسي ثم شربنا القهوة البدوية وسألنا عامر عن امرنا ومقصدنا فقلنا له إنا من طلبة العلم وهاربين من الأتراك الطغاة فرحب بهم عامر ووعدنا بمقدم الأمير نواف خيراً .... انتهى ))
ومن كلامه يقول : (( كانت هناك مجموعة من القرى قاعدتها دومة تابعة لإمارة ابن رشيد النجدية ، فحاربه الشيخ نواف بن الشيخ نوري ابن شعلان ، شيخ قبيلة الرولة من عنزة سنة 1326 هـ ، وكان يومئذ النوري في سامي باشا الفاروقي في دمشق ، فكتب إلى ابنه بتهديد الحكومة التركية : أن يكف عن مهاجمة الجوف فلم يفعل نواف ولم يرجع عن عزمه ومكث نحو سنة يهاجم دومة حتى فتحها عنوة ، وصار من ذلك اليوم يلقب بالأمير ، وقد دافع عن إمارته دفاع الأبطال ، واستتب فيها الأمن ونشر لواء العدل فيها ، ويجلس كل يوم مقدار ساعة في مجلس عام يحضر فيه مئات البدو والقرويين ، ويتحاكم أمامه الحضور فيحكم بينهم بالعرف البدوي ، وقد حضرت مجالسه مراراً ، ودققت في أحكامه فوجدتها موافقة للعقل ، ومقنعة للوجدان ، وكان يحيل من الأحكام إلى القاضي الشرعي مايتعلق به من الأحوال الشخصية ، وقد كتبت له بالقلم العريض قول الله تعالى (((( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل )))) ،
ومن كلامه يقول : (( والأمير نواف شديد التمسك بالدين ، فلا يترك الصلوات الخمس ، ويأمر قومه بها ، ويؤدي صلاة الجمعة في مسجد دومة الجندل الجامع القديم ( جامع عمر بن الخطاب ) ، ولايزال كسائر المساجد في صدر الإسلام مسقوفاً بالجريد ومفروشا بالحصى .))،
ومن كلامه يقول : (( وللأمير نواف ولع شديد بسماع العلم ، فقد قضينا الليالي في قراءة ألف ليلة وليلة وغيرها من أخبار العرب وأشعارهم ، وقرأت له مرة قصيدة عمرو بن كلثوم المعلقة ، فكان يتمايل طرباً لمعانيها ، لاسيما مايتعلق بالحماسة ، ويلتفت إلى حاشيته ويقول (( اسمعوا ايش تقول أجدادنا العرب )) ، ويطبخ الأمير قهوته على نار الغضا ، التي تضارع بحرارتها ومدة دوامها فحم السنديان في ديارنا ، وتفوقه بعدم دخانها ورائحتها ، ويعطر قهوته بالعنبر يضعه في أسفل الفنجان ، وللبدو قصائد طويلة في وصف القهوة ومدحها ، وهم يتقنون طبخها جد الإتقان بحيث تغني الرشفة ن رشفات من قهوتنا ، أو بالحري من القهوة المدنية ، ومن اهتمام الأمير بشؤون أمارته أن بعض بيوت من بدو عنزة نازلين بالقرب من العبد فبيتهم ركب من شمر وغزاهم ليلاً ونهب جمالهم ، فما وصل الصريخ إلى الجوف في منتصف الليل حتى ركب الأمير وحاشيته على الرغم من الإلحاح عليه بالإستراحة حفاً على نفسه ، ولم يعد إلا ثاني يوم ، ولولا أنهم أضاعوا الأثر لفتكوا بالعدو ، وأعادوا المنهوب .))
ومن كلامه يقول : (( وللأمير نواف ولد يقال له سلطان جاوز العقد الأول من عمره وهو في منتهى الذكاء ، علمته شيئاً من تاريخ قومه العرب ، وما كان لهم من مجد وحضارة وإلى أية دركة انحطوا اليوم ، وتدل الفراسة على انه سيكون له في جزيرة العرب شأن كبير .))
ومن كلامه يقول : ((أخبرني الأمير نواف لما اجتمع في شوال سنة 1333 هـ بجمال باشا وفخري باشا في القنيطرة ، اخبره فخري باشا على حدة أنه يريد أن يهاجم اللجا ، بيد أنه يخشى أن يهاجم الدروز عرب اللجا ، ولهذا أراد فخري أن يعينه في حملته ، قال لي نواف : ولكي أخلص من مكيدته ، ولا أشارك تركيا في إذلال العرب ، أشرت عليه بأن الأولى أن أنزل بعربي جنوبي حوران ، حتى إذا رأيت الدروز هبطوا إلى اللجا لمساعدة أعرابها حملت عليهم ، فينشغلون بي ، وأكفهم عما يريدون ، وبهذه الحيلة البدوية كفاني الله شره ، واعتصمت بالبادية ، ومازلت أجوبها حتى بلغت الجوف .))
ويكمل التنوخي رحلته ويقول: (( نصحت ورفيقي المرحوم جلال الدين لإخواننا الفارين بأن لا يذكر أحد منهم للأمير نواف حقيقة حاله ، وأنه محكوم عليه بالإعدام ((يشير الكاتب هنا إلى أن الأتراك كانت تريد الكتاب والباحثين السوريين لتقتص منهم ولا يكون لهم كلمة في أرضهم وتعدهم )) وليقول أنه جندي بسيط لم يحتمل مشاق الجندية وإهانتها ، فلاذ بالفرار ، وذلك لأن الأمير نواف كان يخشى جواسيس ابن رشيد أن تخبر حكومة دمشق ، فتتوتر العلاقات بينه وبينها ، ولا يقوى وحده قبل قيام الشريف على محاربتها ، وعربه الرولة مضطرون للذهاب إلى حوران ليمتازوا حبوبهم ويشتروا ألبستهم من دمشق ، وإلا فإنا عرفنا روح نواف جد المعرفة ، وأنه يبغض الأتراك من صميم فؤاده ، لمساعدتهم عدوه اللدود ابن رشيد بالسلاح والمال.
قابل الأمير نواف الأخوان بالترحاب ، وبعد مدة بعث إلي رسولاً لمقابلته ، قال لي : علمت من صاحب العباءة المطرزة ( يريد عبدا لغني العريسي ) أنه صاحب جريدة المفيد ، ومحكوم عليه كسائر صحبه بالإعدام ، فمصلحتي تقضي على أن يسافروا من الجوف ، وأن تعلم أن ذلك ليس بخلاً مني ، إذ في كل ليلة يأكل على مائدتي خلق من الضيوف كثير ، ولما علمت إصرار الأمير ، عدت إلى الأخوان واطلعتهم على جلية الأمر ، فاستاءوا كثيراً ، شاكين نفاذ دراهمهم ، فرجعت للأمير نواف ، وقلت إنهم قصدوا أبا سلطان ( كنية نواف ) من دمشق ، فلا يليق أن يضاموا ، وقد قلت دراهمهم ، وكلت رواحلهم ، والطريق مخيف ، بعيد الشقة ، وهم بلا دليل فكيف يسيرون ؟
أجابني أني أرضخ لهم بما يسد عوزهم من الدراهم ، وأبدل لهم الراحلة الضعيفة ، وأزودهم بالزاد الكافي وأرسل معهم الدليل فليكونوا مطمئنين .
وهكذا قام الأمير نواف بمساعدتهم .
ومن كلامه يقول : (( للترك في وسط الجزيرة العربية مخفر بدوي عثماني وهو للأمير سعود بن عبد العزيز الرشيد صاحب حائل ( قاعدة نجد ) الذي اتفقت عليه ألسنة البدو أنه يأتمر بأوامر أخواله السبهان فأضاع قسماً كبيراً من أمارته وانقلبت عليه بعض قبائل شمر وشيوخها ، كابن طواله ، فكنت أرى أن من مصلحة الجزيرة والعرب ، أن يدمر هذا المخفر المضر ، فأغريت الأمير نواف كثيراً بإكتساح حائل بنفسه أو بإتفاقه مع الأمير ابن سعود العنزي مثله ، واتفق مرة أن طلب مني نواف أن استفتح له بالقرآن فأخذت المصحف وفتحته بعد قراءة الفاتحة فخرجت آية (( فاصبر إن العاقبة للمتقين )) فقرأتها له قائلاً اصبر يانواف فستفتح حائل فالعاقبة للمتقين أمثالك .
ونظمت بعدئذ قصيدة نونية ضمنتها جميع غزواته وأشرت له فيها للأستفتاح ومطلعها :
غيري يميل لشرب بنت الحان *********** ولضرب أوتار وعزف قيان
أصبر فعقبى المتقين جميلاً *********** قال الإله إليك يالقرآن
أيام تفتح حائلاً وينيلك ال *********** رحمن ملكاً ثابت الأركان
فتذل قوم ابن الرشيد ورهطه ********* وتدير دائرة على سبهان
هذا جزء بسيط مما حواه كتاب (( الرحلة التنوخية رحلة عز الدين التنوخي من الزرقاء إلى القريات )) عن الأمير نواف ابن النوري الشعلان وعن مايتصف به من الكرم والمساعدة والإهتمام بطلبة العلم والخوف على العرب من الأتراك وخوفه على دينه الإسلام وحبه لعروبته الأصيلة وكيف لا وهو من قبيلة عربية أصيلة لها الباع الكثير في التحكم بتاريخ شبه الجزيرة العربية إلى وقتنا هذا ألا وهي قبيلة عنزة الوائلية والتي يمتد حكمها اليوم في بلاد المملكة العربية السعودية في وقتنا الحاضر لأبناء الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله الملك الوائلي المعروف ملك المملكة العربية السعودية .
وأنا آسف كثيراً على الإطالة وأرجو أن يكون هذا الموضوع حائزاً على رضائكم .
المرجع
كتاب ((الرحلة التنوخية رحلة عز الدين التنوخي من الزرقاء إلى القريات ))
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .