|
|
#16 |
|
محمد العريفي
المؤسس المشرف العام لملتقى القبائل العربية ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
إيذج مدينة بين أصفهان وخوزستان كثيرة الزلازل بها معادن كثيرة من عجائبها ضرب من القاقلى عصارتها دواء عجيب للنقرس وبها بحيرة تعرف بفم البواب ماؤها دائر إذا وقع فيها شيء من الحيوان لا يغوص بل يدور فيها حتى يموت ثم يقذف إلى الشط. وبها قنطرة من عجائب الدنيا يقال لها قنطرة خره زاد وهي أم أردشير الملك مبنية على واد يابس لا ماء فيه إلا أوان المدود من الأمطار فإنه حينئذ يصير بحراً عجاجاً وفسحته على وجه الأرض أكثر من ألف ذراع وعمقه مائة وخمسون ذراعاً وقد ابتديء بعمل هذه القنطرة من أسفلها إلى أن بلغ بها وجه الأرض بالرصاص والحديد. وكلما علا البناء ضيق وجعل بينه وبين جنب الوادي حشو من خبث الحديد وصب عليه الرصاص حتى صار بينه وبين وجه الأرض نحو من أربعين ذراعاً فعقدت القنطرة عليه حتى استوى أعلاها على وجه الأرض وحشي ما بينها وبين جنبي الوادي بالرصاص المخلوط بنحاتة النحاس. وهذه القنطرة طاق واحد عجيب الصنعة محكم العمل وقد كان المسمعي قد قطعها فمكث دهراً لم يتسع لأحد أن يقوم بإصلاحها فأضر ذلك بالسابلة. وقد صار إليها أقوام ممن يقربها واحتالوا في قلع الرصاص من حشوها بالجهد الشديد حتى أعادها أبو عبد الله محمد بن أحمد القمي وزير الحسن بن بويه. فإنه جمع الصناع والمهندسين واستفرغ الوسع في أمرها فكان الرجال يحطون إليها في الزنابيل بالبكر والحبال ولم يمكنهم عقد الطاق إلا بعد سنين فإنه أنفق على ذلك سوى أجرة الفعلة فإن أكثرهم كانوا من رستاق إيذج وأصفهان مسخرين ثلاثمائة ألف وخمسون ألف دينار. والآن في مشاهدتها والنظر إليها عبرة للناظرين. إيراوه قرية على قلة جبل بقرب طبس كثيرة المياه والأشجار والبساتين والفواكه. ولها قلعة حصينة ينسب إليها الشيخ أبو نصر الإيراوي رحمه الله. كان صاحب كرامات ظاهرة: ذكر أن أهل القرية سألوه أن يستسقي لهم في محل أصابهم فسد لله ودعا فنبعت عين من الصخر الصلد وتدفقت بماء صاف عذب وفار فوراناً شديداً فوضع الشيخ يديه عليه وقال: اسكن بإذن الله! فسكن. أخبر بهذا كله الحافظ ابن النجار شيخ المحدثين ببغداد وقال: شاهدت العين ايلابستان قرية بين اسفرايين وجرجان من عجائبها ما ذكره صاحب تحفة الغرائب ان بها مغارة يخرج منها ماء كثير ينبع من عين فيها فربما ينقطع ذلك الماء في بعض السنين أشهراً فإذا دام انقطاعه يخرج أهل القرية من الرجال بأحسن ثيابهم والدفوف والشبابات والملاهي إلى تلك العين ويرقصون عندها ويلعبون فإن الماء ينبع من العين ويجري بعد ساعة وهو ماء كثير بقدر ما يدير رحى. بابل اسم قرية كانت على شاطيء نهر من أنهار الفرات بأرض العراق في قديم الزمان والآن ينقل الناس آجرها. بها جب يعرف بجب دانيال عليه السلام يقصده اليهود والنصارى في أوقات من السنة وأعياد لهم. ذهب أكثر الناس إلى أنها هي بئر هاروت وماروت ومنهم من ذهب إلى أن بابل أرض العراق كلها. ومن عجائبها ما ذكر أن عمر بن الخطاب سأل دهقان الفلوجة عن عجائب بلادهم فقال: عجائب بابل كثيرة لكن أعجبها أمر المدن السبع كانت في كل مدينة أعجوبة. أما المدينة الأولى فكان الملك ينزلها وفيها بيت في ذلك البيت صورة الأرض بقراها ورساتيقها وأنهارها فمتى امتنع أهل بلدة من حمل الخراج خرق أنهارهم في تلك الصورة وغرق زروعهم فحدث بأهل تلك البلدة مثل ذلك حتى رجعوا عن الامتناع فيسد أنهارهم في الصورة فينسد في بلدهم. والمدينة الثانية كان فيه حوض عظيم فإذا جمع الملك قومه حمل كل واحد معه شراباً يشربه عند الملك وصبه في ذلك الحوض فإذا جلسوا للشرب شرب كل واحد منهم شرابه الذي كان معه وحمل من منزله. والمدينة الثالثة كان على بابها طبل معلق فإذا غاب إنسان من أهل تلك المدينة والتبس أمره ولم يعلم حي هو أم ميت دقوا ذلك الطبل على اسمه فإن كان حياً ارتفع صوته وإن كان ميتاً لم يسمع منه صوت البتة. والمدينة الرابع كان فيها مرآة من حديد فإذا غاب رجل عن أهله وأرادوا أن يعرفوا حاله التي هو فيها أتوا تلك المرآة على اسمه ونظروا فيها فرأوه على الحالة التي هو فيها. والمدينة الخامسة كان على بابها عمود من نحاس وعلى رأسه اوزة من نحاس فإذا دخلها جاسوس صاحت صيحة سمعها كل أهل المدينة فعلموا أن جاسوساً دخل عليهم.والمدينة السادسة كان بها قاضيان جالسان على طرف ماء فإذا تقدم إليهما خصمان قرآ شيئاً وتفلا على رجليهما وأمراهما بالعبور على الماء فغاص المبطل في الماء دون المحق. والمدينة السابعة كانت بها شجرة كثيرة الأغصان فإن جلس تحتها واحد أظلته إلى ألف نفس فإن زاد على الألف واحد صاروا كلهم في الشمس. وروي عن الأعمش أن مجاهداً كان يحب أن يسمع من الأعجايب ولم يسمع بشيء من الأعاجيب منها إلا صار إليه وعاينه. فقدم أرض بابل فلقيه الحجاج وسأله عن سبب قدومه فقال: حاجة إلى رأس الجالوت! فأرسله إليه وأمره بقضاء حاجته فقال له رأس الجالوت: ما حاجتك قال: ان تريني هاروت وماروت! فقال لبعض اليهود: اذهب بهذا وأدخله إلى هاروت وماروت لينظر إليهما. فانطلق به حتى أتى موضعاً ورفع صخرة فإذا شبه سرب فقال له اليهودي: انزل وانظر إليهما ولا تذكر الله! فنزل مجاهد معه فلم يزل يمشي به اليهودي حتى نظر إليهما فرآهما مثل الجبلين العظيمين منكوسين على رأسيهما وعليهما الحديد من أعقابهما إلى ركبهما مصفدين فلما رآهما مجاهد لم يملك نفسه فذكر الله فاضطربا اضطراباً شديداً حتى كادا يقطعان ما عليهما من الحديد فخر اليهودي ومجاهد على وجههما فلما سكنا رفع اليهودي رأسه وقال لمجاهد: أما قلت لك لا تفعل ذلك فكدنا نهلك! فتعلق بالس بليدة على ضفة الفرات من الجانب الغربي فلم تزل الفرات تشرق عنها قليلاً قليلاً حتى صار بينهما في أيامنا هذه أربعة أميال. بدخشان مدينة مشهورة بأعلى طخارستان. بها معدن البلخش المقاوم للياقوت وقد حدث من شاهده قال: انه عروق في جبالها يكثر بها إلا أن الجيد قليل. وبها معدن اللازورد ومعدن البيجادق وهو حجر كالياقوت وبها معدن البلور الخالص. ومن عجائبها حجر الفتيلة وهو يشبه البردي يحسب العامة انه ريش الطائر لا تحرقه النار يدهن ويشعل فيتقد مثل الفتيلة فإذا فني الدهن بقي كما كان ولم يتغير شيء من صفته وهكذا كلما وضع في الدهن اشتعل ويتخذ منه قناديل غلاظ للخوان فإذا اتسخت ألقيت في النار فذهب عنها الدرن وصفا لونها. وبها حجر يترك في البيت المظلم يضيء شيئاً يسيراً كل ذلك عن البشاري. برقعيد بليدة بين الموصل ونصيبين كانت قديماً مدينة كبيرة ممر القوافل. يضرب بأهلها المثل في اللصوية. يقال: لص برقعيدي! فكانت القوافل إذا نزلت بهم لقيت منهم الأمرين. حكي أن قفلاً نزل بهم فذهبوا إلى بعض جدرانها احترازاً من اللصوص وجعلوا دوابهم تحت الجدار وأمتعتهم حولها واشتغلوا بحراسة ما تباعد عن الجدار لأمنهم من صوب الجدار. فلما كان الليل صعد البرقعيديون السطح وألقوا على الدواب كلاليب أنشبوها في براذعها وجذبوها إلى السطح ولم يدر القوم إلى وقت الرحيل فطلبوا الدواب فما وجدوها فذهبوا وتركوها. فلما كثرت منهم أمثال هذه الأفاعيل تجنبتهم القوافل وجعلوا طريقهم إلى باشزى وانتقلت الأسواق إلى باشزى وخربت برقعيد. والآن لم يبق بها إلا طائفة صعاليك ضعفى. ينسب إليها المغني البرقعيدي الذي يضرب به المثل في سماجة الوجه وكراهة الصوت قال: وليلٍ كوجه البرقعيديّ ظلمةً وبرد أغانيه وطول قرونه قطعت دياجيه بنومٍ مشرّدٍ كعقل سليمان بن فهدٍ ودينه على أولقٍ فيه الهباب كأنّه أبو جابرٍ في خبطه وجنونه إلى أن بدا ضوء الصّباح كأنّه سنا وجه قرواشٍ وضوء جبينه بلدة بقرب همذان طيبة خصيبة كثيرة المياه والأشجار والفواكه والثمار. فواكهها تحمل إلى المواضع التي بقربها. وهي قليلة العرض طولها مقدار نصف فرسخ. أرضها تنبت الزعفران. من عجائبها ما ذكر أنه في قديم الزمان نزل على بابها عسكر فأصبحوا وقد مسخ العسكر حجراً صلداً. وآثارها إلى الآن باقية وإن كانت التماثيل بطول الزمان تشعبت بنزول الأمطار عليها وهبوب الرياح واحتراقها بحرارة الشمس لكن لا يخفى أن هذا كان إنساناً وذاك كان بهيمة وغيرها. بسطام مدينة كبيرة بقومس بقرب دامغان. من عجائبها انه لا يرى بها عاشق من أهلها وإذا دخلها من به عشق فإذا شرب من مائها زال عنه ذلك! وأيضاً لم ير بها رمد قط وماؤها يزيل البخر إذا شرب على الريق وإن احتقن به يزيل بواسير الباطن. والعود لا رائحة له بها ولو كان من أجود العود وتذكو بها رائحة المسك والعنبر وسائر أصناف الطيب ودجاجها لا يأكل العذرة. وبها حيات صغار وثابات. ينسب إليها سلطان العارفين أبو يزيد طيفور بن عيسى البسطامي صاحب العجائب قيل له: ما أشد ما لقيت في سبيل الله من نفسك قال: لا يمكن وصفه. فقيل: ما أهون ما لقيت نفسك منك في سبيل الله قال: أما هذا فنعم. دعوتها إلى شيء من الطاعات فلم تجبني فمنعتها الماء سنة. وحكي أن أبا يزيد رأى في طريق مكة رجلاً معه حمل ثقيل فقال لأبي يزيد: ما أصنع بهذا الحمل فقال له: احمله على بعيرك واركب أنت فوقه. ففعل الرجل ذلك وفي قلبه شيء فقال له أبو يزيد: افعل ولا تمار فإن الله هو الحامل لا البعير! فلم يقنع الرجل بذلك فقال أبو يزيد: انظر ماذا ترى فقال: أرى نفسي والحمل يمشي في الهواء والبعير يمشي فارغاً. فقال له: أما قلت لك إن الله هو الحامل فما صدقت حنى رأيت! وحكي انه سمع أن بعض مريديه شرب الخمر فقال له: اخرج معي حتى أعلمك شرب الخمر ! فخرج معه فأدخله بعض المواخير وشرب جميع ما في دنانها ثم تنكس فجعل رأسه على الأرض ورجليه نحو الهواء وقرأ القرآن من أوله إلى آخره وقال للمريد: إذا أردت شرب الخمر فهكذا! مات سنة إحدى وستين ومائتين ببسطام وكان له هناك مشهد مزار متبرك به وذكر بعض الصوفية ان من نام في مشهد أبي يزيد فإذا استيقظ يرى نفسه خارجاً من المشهد.هي المدينة المشهورة التي بناها المسلمون قال الشعبي: مصرت البصرة قبل الكوفة بسنة ونصف. وهي مدينة على قرب البحر كثيرة النخيل والأشجار سبخة التربة ملحة الماء لأن المد يأتي من البحر يمشي إلى ما فوق البصرة بثلاثة أيام. وماء دجلة والفرات إذا انتهى إلى البصرة خالطه ماء البحر فيصير ملحاً. وأما نخيلها فكثير جداً قال الأصمعي: سمعت الرشيد يقول: نظرنا فإذا كل ذهب وفضة على وجه الأرض لا يبلغ ثمن نخل البصرة! ومن عجائبها أمور ثلاثة: أحدها أن دجلة والفرات يجتمعان قرب البصرة ويصيران نهراً عظيماً يجري من ناحية الشمال إلى الجنوب فهذا يسمونه جزراً ثم يرجع من الجنوب إلى الشمال ويسمونه مداً. يفعل ذلك في كل يوم وليلة مرتين فإذا جزر نقص نقصاً كثيراً بحيث لو قيس لكان الذي ذهب مقدار ما بقي أو أكثر وينتهي كل أول شهر في الزيادة إلى غايته ويسقي المواضع العالية والأراضي القاصية ثم يشرع في الانتقاص فهذا كل يوم وليلة انقص من الذي كان قبله إلى آخر الأسبوع الأول من الشهر ثم يشرع في الزيادة فهذا كل يوم وليلة أكثر من الذي قبله إلى نصف الشهر ثم يأخذ في النقص إلى آخر الأسبوع ثم في الزيادة إلى آخر الشهر وهكذا أبداً لا ينحل هذا القانون ولا يتغير. وثانيها انك لو التمست ذبابة في جميع بيادرها وربطها المعوذة وغيرها على نخلها في جميع معاصرها ما وجدت إلا في الفرط ولو ان معصرة دون الغيط أو تمرة منبوذة دون المسناة لما استبنها من كثرة الذبان وذكروا أن ذلك لطلسم. وثالثها أن الغربان القواطع في الخريف تسود جميع نخل البصرة وأشجارها حتى لا يرى غصن إلا وعليه منها ولم يوجد في جميع الدهر غراب ساقط على نخلة غير مصرومة ولو بقي عليها عذق واحد. ومناقير الغربان كالمعاول والتمر في ذلك الوقت على الأعذاق غير متماسك فلولا لطف الله تعالى لتساقط كلها بنقر الغربان ثم تنتظر صرامها فإذا تم الصرام رأيتها تخللت أصول الكرب فلا تدع حشفة إلا استخرجتها. فسبحان من قدر ذلك لطفاً بعباده! قال الجاحظ: من عيوب البصرة اختلاف هوائها في يوم واحد فإنهم يلبسون القمص مرة والمبطنات مرة لاختلاف جواهر الساعات. ومن ظريف ما قيل في اختلاف هواء البصرة قول ابن لنكك: نحن بالبصرة في لو نٍ من العيش ظريف نحن ما هبّت شمالٌ بين جنّاتٍ وريف فإذا هبت جنوبٌ فكأنّا في كنيف ومن متنزهاتها وادي القصر ذكر الخليل أن أباه مر بوادي القصر فرأى أرضاً كالكافور وضباً يا وادي القصر نعم القصر والوادي في منزلٍ حاضرٍ إن شئت أو بادي ترفا به السّفن والظلمان حاضرةٌ والضّبّ والنّون والملاّح والحادي حكي أن عبيد الله بن زياد ابن أبيه بنى بالبصرة داراً عجيبة سماها البيضاء والناس يدخلونها ويتفرجون عليها فدخلها اعرابي قال: لا ينتفع بها صاحبها! ودخلها آخر وقال: أتبنون بكل ريع آية تعبثون فقيل ذلك لعبيد الله قال لهما: لأي شيء قلتم ما قلتم قال الأعرابي: لأني رأيت فيها أسداً كالحاً وكلباً نابحاً وكبشاً ناطحاً! وكان كما قال ما انتفع بها عبيد الله أخرجه أهل البصرة منها. وقال الآخر: آية من كتاب الله عرضت لي قرأتها فقال: والله لأفعلن بك ما في الآية الأخرى: وإذا بطشتم بطشتم جبارين. فأمر أن يبنى عليه ركن من أركان قصره. وينسب إليها أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري أوحد زمانه. سأله الحجاج وقال: ما تقول في عثمان وعلي قال: أقول ما قال من هو خير مني عند من هو شر منك! قال: من هو قال: موسى عليه السلام حين سأله فرعون: ما بال القرون الأولى قال: علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى. علم عثمان وعلي عند الله فقال: أنت سيد العلماء يا أبا سعيد! وحكي أن رجلاً قال للحسن: فلان اغتابك! فبعث إلى ذلك الرجل طبق حلاوى وقال: بلغني أنك نقلت حسناتك إلى ديواني فكافيتك بهذا. وحكي ان ليلة وفاته رأى رجل في منامه منادياً ينادي: إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين واصطفى الحسن البصري على أهل زمانه. توفي سنة عشر ومائة عن ثمان وثمانين سنة. وينسب إليها أبو بكر محمد بن سيرين وهو مولى أنس بن مالك. كان شاباً حسن الوجه بزازاً طلب منه بعض نساء الملوك ثياباً للشري فلما حصل في دارها مع ثيابه راودته عن نفسه فقال: أمهليني حتى أقضي حاجتي فإني حاقن! فلما دخل بيت الطهارة لطخ جميع بدنه بالنجاسة وخرج فرأته على تلك الحالة فنفرت منه وأخرجته. وحكي انه رأى يوسف الصديق عليه السلام في نومه فقال له: يا نبي الله حالك عجيب مع أولئك النسوة! فقال له: وحالك أيضاً عجيب! أعطاه الله علم تأويل الرؤيا جاءه رجل قال: رأيت في نومي كأني أعلق الجواهر على الخنازير! فقال له: تعلم الحكمة لمن ليس أهلاً لها! وجاءه رجل آخر وقال: رأيت كأني أختم أفواه الرجال وفروج النساء! فقال: مؤذن أنت قال: نعم. فقال: تؤذن في رمضان قبل طلوع الفجر. وجاءه رجل آخر وقال: رأيت كأني أصب الزيت في وسط الزيتون. فقال له: عندك جارية قال: نعم. قال: اكشف عن حالها وينسب إليها عمرو بن عبيد. كان عالماً زاهداً ورعاً. كان بينه وبين السفاح والمنصور قبل خلافتهما معرفة وكانوا خائفين متواترين وعمرو بن عبيد يعاودهما في قضاء حاجتهما. فلما صارت الخلافة إلى المنصور عصى عليه أهل البصرة فجاء بنفسه بخراب البصرة. أهل البصرة تعلقوا بعمرو بن عبيد وسألوه أن يشفع لهم فركب حماراً وعليه نعلان من الخوص وذهب إلى المنصور فلما رآه أكرمه وقبل شفاعته وسأله أن يقبل منه مالاً فأبى قبول المال فألح عليه المنصور فأبى فحلف المنصور أن يقبله فحلف هو أن لا يقبله وكان المهدي ابن المنصور حاضراً فقال: يا عم أيحلف الخليفة وتحلف أنت فقال: نعم للخليفة ما يكفر به يمينه وليس لعمك ما يكفر به يمينه! وقام من عنده وخرج والمنصور يقول: كلكم يمشي رويد كلكم يطلب صيد غير عمرو بن عبيد! وحكي أن رجلاً قال له: فلان لم يزل يذكرك بالسوء! فقال: والله ما راعيت حق مجالسته حين نقلت إلي حديثه ولا راعيت حقي حين بلغتني عن أخي ما أكرهه! اعلم أن الموت يعمنا والبعث يحشرنا والقيامة تجمعنا والله يحكم بيننا! وحكي أنه مر على قوم وقوف قال: ما وقوفكم! قالوا: السلطان يقطع يد سارق! قال: سارق العلانية يقطع يد سارق السر. وينسب إليها القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني. كان إماماً عالماً فاضلاً. ولما سمع الشيخ أبو القاسم بن برهان كلام القاضي أبي بكر ومناظرته قال: ما سمعت كلام أحد من الفقهاء والخطباء والبلغاء مثل هذا. وتعجب من فصاحته وبلاغته وحسن تقريره. وزعم بعضهم أنه هو المبعوث على رأس المائة الرابعة لتجديد أمر الدين وله تصانيف كثيرة وكان مشهوراً بوفور العلم وحسن الجواب حضر بعض محافل النظر وكان أشعري الاعتقاد فقال ابن المعلم: قد جاء الشيطان! وابن المعلم كان شيخ الشيعة فسمع القاضي أبو بكر ما قاله فقال: ألم تر أنا ارسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً وحكي أن عضد الدولة أراد أن يبعث رسولاً إلى الروم وقال: ان النصارى يسألون ويناظرون فمن يصلح قالوا: ليس لهم مثل القاضي أبي بكر فإنه يناظرهم ويغلبهم في كل ما يقولونه. فبعثه إلى قيصر الروم فلما أراد الدخول عليه علم الرومي انه لا يخدم كما هي عادة الرسل فاتخذ الباب الذي يدخل منه إلى قيصر باباً قصيراً من أراد دخوله ينحني فلما وصل القاضي إلى ذلك عرف الحال فأدار ظهره إلى الباب ودخل راكعاً ظهره إلى الباب فتعجب قيصر من فطنته ووقع في نفسه هيبته. فلما أدى الرسالة رأى عنده بعض الرهابين فقال له القاضي مستهزئاً: كيف أنت وكيف الأولاد فقال له قيصر: إنك لسان الأمة ومقدم علماء هذه الملة! أما علمت أن هؤلاء متنزهون عن الأهل والولد فقال القاضي: إنكم لا تنزهون الله عن الأهل والولد وتنزهون هؤلاء فهؤلاء أجل عندكم من الله تعالى! وقال بعض طاغية الروم للقاضي: اخبرني عن زوجة نبيكم عائشة وما قيل فيها. قال القاضي: قيل في حق عائشة ما قيل في حق مريم بنت عمران وعائشة ما ولدت ومريم ولدت وقد برأ الله تعالى كل واحدة منهما! وحكى بعض الصالحين: انه لما توفي القاضي أبو بكر رأيت في منامي جمعاً عليهم ثياب بيض ولهم وجوه حسنة وروائح طيبة قلت لهم: من أين جئتم قالوا: من زيارة القاضي أبي بكر الأشعري. قلت: ما فعل الله به قالوا: غفر الله له ورفع درجته. فمشيت إليه فرأيته وعليه ثياب حسنة في روضة خضرة نضرة فهممت أن أسأله عن حاله فسمعته يقرأ بصوت عال: {هاؤم اقرأوا كتابيه.اني ظننت اني ملاق حسابيه.فهو في عيشة راضية.في جنة عالية}. بغداد أم الدنيا وسيدة البلاد وجنة الأرض ومدينة السلام وقبة الإسلام ومجمع الرافدين ومعدن الظرائف ومنشأ أرباب الغايات هواؤها ألطف من كل هواء وماؤها أعذب من كل ماء وتربتها أطيب من كل تربة ونسيمها أرق من كل نسيم! بناها المنصور أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ولما أراد المنصور بناء مدينة بعث رواداً يرتاد موضعاً قال له: أرى يا أمير المؤمنين أن تبنى على شاطيء دجلة تجلب إليها الميرة والأمتعة من البر والبحر وتأتيها المادة من دجلة والفرات وتحمل إليها ظرائف الهند والصين وتأتيها ميرة أرمينية وآذربيجان وديار بكر وربيعة لا يحمل الجند الكثير إلا مثل هذا الموضع. فأعجب المنصور قوله وأمر المنجمين وفيهم نوبخت باختيار وقت للبناء فاختاروا طالع القوس الدرجة التي كانت الشمس فيها فاتفقوا على أن هذا الطالع مما يدل على كثرة العمارة وطول البقاء واجتماع الناس فيها وسلامتهم عن الأعداء. فاستحسن المنصور ذلك ثم قال نوبخت: وخلة أخرى يا أمير المؤمنين. قال: وما هي قال: لا يتفق بها موت خليفة! فتبسم المنصور وقال: الحمد لله على ذلك. وكان كما قال فإن المنصور مات حاجاً والمهدي مات بماسبذان والهادي بعيساباد والرشيد بطوس والأمين أخذ في شبارته وقتل بالجانب الشرقي والمأمون بطرسوس والمعتصم والواثق والمتوكل والمستنصر بسامرا. ثم انتقل الخلفاء إلى التاج وتعطلت مدينة المنصور من الخلفاء قال عمارة بن عقيل: أعاينت في طولٍ من الأرض أو عرض كبغداد من دارٍ بها مسكن الخفض صفا العيش في بغداد واخضّر عوده وعيش سواها غير خفضٍ ولا غضّ ذكر أبو بكر الخطيب أن المنصور بنى مدينة بالجانب الغربي ووضع اللبنة الأولى بيده وجعل داره وجامعها في وسطها وبنى فيها قبة فوق ايوان كان علوها ثمانين ذراعاً. والقبة خضراء على رأسها تمثال فارس بيده رمح فإذا رأوا ذلك التمثال استقبل بعض الجهات ومد رمحه نحوها فعلموا أن بعض الخوارج يظهر من تلك الجهة فلا يطول الوقت حتى يأتي الخبر ان خارجياً ظهر من تلك الجهة وقد سقط رأس هذه القبة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة في يوم مطير ريح وكانت تلك القبة علم بغداد وتاج البلد ومأثرة بني العباس. وكان بجانبها الشرقي محلة تسمى باب الطاق كان بها سوق الطير فاعتقدوا ان من تعسر عليه شيء من الأمور فاشترى طيراً من باب الطاق وأرسله سهل عليه ذلك الأمر. وكان عبد الله بن طاهر طال مقامه ببغداد ولم يحصل له اذن الخليفة فاجتاز يوماً بباب الطاق فرأى قمرية تنوح فأمر بشرائها واطلاقها فامتنع صاحبها أن يبيعها إلا بخمسمائة درهم فاشتراها وأطلقها وأنشأ يقول: ناحت مطوّقةٌ بباب الطّاق فجرت سوابق دمعي المهراق كانت تغرّد بالأراك وربّما كانت تغرّد في فروع السّاق فرمى الفراق بها العراق فأصبحت بعد الأراك تنوح في الأشواق تعس الفراق وتبّ حبل وتينه وسقاه من سمّ الأساود ساقي ماذا أراد بقصده قمريّةً لم تدر ما بغداد في الآفاق بي مثل ما بك يا حمامة فاسألي من فكّ أسرك أن يحلّ وثاقي! هذه صفة المدينة الغربية والآن لم يبق منها أثر. وبغداد عبارة عن المدينة الشرقية. كان أصلها قصر جعفر بن يحيى البرمكي والآن هي مدينة عظيمة كثيرة الأهل والخيرات والثمرات. تجبى إليها لطائف الدنيا وظرائف العالم إذ ما من متاع ثمين ولا عرض نفيس إلا ويحمل إليها فهي مجمع لطيبات الدنيا ومحاسنها ومعدن لأرباب الغايات وآحاد الدهر في كل علم وصنعة. وبها حريم الخلافة وعليه سور ابتداؤه من دجلة وانتهاؤه إلى دجلة كشبه الهلال وله أبواب: باب سوق التمر باب شاهق البناء عال أغلق من أول أيام الناصر واستمر إغلاقه. ذكر أن المسترشد خرج منه فأصابه ما أصابه فتطيروا به وأغلقوه. وباب النوبي وعنده العتبة التي يقبلها الملوك والرسل إذا قدموا بغداد. وباب العامة وعليه باب عظيم من الحديد نقله المعتصم من عمورية لم ير مصراعان أكبر منهما من الحديد. ومن عجائبها دار الشجرة من أبنية المقتدر بالله دار فيحاء ذات بساتين مؤنقة وإنما سميت بذلك لشجرة كانت هناك من الذهب والفضة في وسط بركة كبيرة أمام أبوابها ولها من الذهب والفضة ثمانية عشر غصناً ولكل غصن فروع كثيرة مكللة بأنواع الجواهر على شكل الثمار. وعلى أغصانها أنواع الطير من الذهب والفضة إذا هب الهواء سمعت منها الهدير والصفير. وفي جانب الدار عن يمين البركة تمثال خمسة عشر فارساً ومثله عن يسار البركة قد ألبسوا أنواع الحرير المدبج مقلدين بالسيوف وفي أيديهم المطارد يحركون على خط واحد فيظن أن كل واحد قاصد إلى صاحبه. ومن مفاخرها المدرسة التي أنشأها المستنصر بالله. لم يبن مثلها قبلها في حسن عمارتها ورفعة بنائها وطيب موضعها على شاطيء دجلة وأحد جوانبها في الماء. لم يعرف موضع أكثر منها أوقافاً ولا أرفه منها سكاناً. وعلى باب المدرسة ايوان ركب في صدره صندوق الساعات على وضع عجيب يعرف منه أوقات الصلوات وانقضاء الساعات الزمانية نهاراً وليلاً قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي: يا أيّها المنصور يا مالكاً برايه صعب اللّيالي يهون! شيّدت لله ورضوانه أشرف بنيانٍ يروق العيون إيوان حسنٍ وصفه مدهشٌ يحار في منظره النّاظرون! صوّر فيه فلكٌ دائرٌ والشّمس تجري ما لها من سكون دائرةٌ من لازوردٍ حلت نقطة تبرٍ فيه سرٌّ مصون فتلك في الشّكل وهذا معاً كمثل هاءٍ ركّبت وسط نون فهي لإحياء العلى والنّدى دائرةٌ مركزها العالمون وأما أولو الفضل من العلماء والزهاد والعباد والأدباء والشعراء والصناع فلا يعلم عددهم إلا الله. ولنذكر بعض مشاهيرها إن شاء الله. ينسب إليها القاضي أبو يوسف ذكر أنه كان رآه رجل يهودي وقت الظهيرة يمشي راكباً على بغلة واليهودي يمشي راجلاً جائعاً ضعيفاً فقال للقاضي: أليس نبيكم يقول الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر قال: نعم. قال: فأنت في السجن وأنا في الجنة والحالة هذه! فقال القاضي: نعم يا عدو الله بالنسبة إلى ما أعد الله لي من الكرامة في الآخرة في السجن وأنت بالنسبة إلى ما أعد الله لك في الآخرة من العذاب في الجنة! وحكي أن الهادي الخليفة اشترى جارية فاستفتى فقال الفقهاء: لا بد من الاستبراء أو الاعتاق والتزويج. فقال القاضي أبو يوسف: زوجها من بعض أصحابك وهو يطلقها قبل الدخول وحلت لك.وحكي أن الرشيد قال لزبيدة: أنت طالق ثلاثاً إن بت الليلة في مملكتي! فاستفتوا في ذلك فقال أبو يوسف: تبيت في بعض المساجد فإن المساجد لله! فولاه القضاء بجميع مملكته. وحكي أن زبيدة قالت للرشيد: أنت من أهل النار. فقال لها: إن كنت من أهل النار فأنت طالق ثلاثاً! فسألوا عنه فقال: هل يخاف مقام ربه قالوا: نعم. قال: فلا يقع الطلاق لأن الله تعالى يقول: ولمن خاف مقام ربه جنتان. وينسب إليها القاضي يحيى بن أكثم. كان فاضلاً غزير العلم ذكي الطبع لطيفاً حسن الصورة حلو الكلام كان المأمون يرى له لا يفارقه ويضرب به المثل في الذكاء. ولي القضاء وهو ابن سبع عشرة سنة فقال بعض الحاضرين في مجلس الخليفة: أصلح الله القاضي! كم يكون سن عمره فعلم يحيى انه قصد بذلك استحقاره لقلة سنه فقال: سن عمري مثل سن عمر بن عتاب بن أسيد حين ولاه رسول الله عليه السلام قضاء مكة! فتعجب الحاضرون من جوابه. وحكي انه كان ناظر الوقوف ببغداد فوقف العميان له وقالوا: يا أبا سعيد اعطنا حقنا! فأمر بحبسهم فقيل له: لم حبست العميان وقد طلبوا حقهم فقال: هؤلاء يستحقون ابلغ من ذلك إنهم شبهوني بأبي سعيد اللوطي من مدينة كذا! وكان هذا قصدهم فما فات القاضي ذلك.وحكي انه اجتاز بجمع من مماليك الخليفة صبياناً حساناً فقال لهم: لولا أنتم لكنا مؤمنين. فعرف المأمون ذلك فأمر أن يذهب كل يوم إلى باب داره أربعمائة مملوك حسن الصورة حتى إذا ركب يمشون في خدمته إلى دار الخلافة ركاباً. وينسب إليها أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل. كان أصله من مرو وجيء به حملاً إلى بغداد فنشأ بها. فلما كان أيام المعتصم وقع في محنة المعتزلة جمع المعتصم بينه وبين المعتزلة وكبيرهم القاضي أبو داود. قالوا: ان القرآن مخلوق! قال لهم أحمد: ما الدليل على ذلك قالوا: قوله تعالى: وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث. فقال لهم أحمد: المراد من الذكر ههنا الذكر عند قوله تعالى: ص والقرآن ذي الذكر. فالذكر مضاف إلى القرآن فيكون غير القرآن وههنا مطلق وفي ص مقيد فيجب حمل المطلق على المقيد. فانقطعت حجتهم فقال المعتصم لأبي داود: ما تقول في هذا فقال القاضي: هذا ضال مضل يجب تأديبه! وعن ميمون بن الإصبع قال: كنت حاضراً عند محنة أحمد فلما ضرب سوطاً قال: بسم الله فلما ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوة إلا بالله فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام الله غير مخلوق فلما ضرب الرابع قال: لا يصيبنا إلا ما كتب الله لنا! وعن محمد بن إسماعيل قال: سمعت شاباً يقول: ضربت لأحمد ثمانين سوطاً لو ضربت فيلاً لهدته فجرى دمه تحت الخشب! ثم أمر بحبسه فانتشر ذكر ذلك واستقبح من الخليفة وورد كتاب المأمون من طرسوس يأمر بإشخاص أحمد. فدعا المعتصم عند ذلك أحمد وقال للناس: أتعرفون هذا الرجل قالوا: نعم هو أحمد بن حنبل. قال: انظروا إليه ما به كسر ولا هشم. وسلمه إليهم. وحكى صالح بن أحمد قال: دخلت على أبي وبين يديه كتاب كتب إليه: بلغني أبا عبد الله ما أنت فيه من الضيق وما عليك من الدين وقد بعثت إليك أربعة آلاف درهم على يد فلان لا من زماة ولا من صدقة وإنما هي من إرث أبي! فقال أحمد: قل لصاحب هذا الكتاب: أما الدين فصاحبه لا يرهقنا ونحن نعافيه والعيال في نعمة من الله. قال: فذهبت إلى الرجل وقلت له ما قاله أبي والله يعلم ما نحن فيه من الضيق. فلما مضت سنة قال: لو قبلناها لذهبت! وحكى أحمد بن حرار قال: كانت أمي زمنةً عشرين سنة فقالت لي يوماً: اذهب إلى أحمد بن حنبل وسله أن يدعو الله لي. فذهبت ودققت الباب فقالوا: من قلت: رجل من ذاك الجانب وسألتني أمي الزمنة ان أسألك أن تدعو الله لها. فسمعت قائلاً يقول: نحن أحوج إلى من يدعو الله لنا! فوليت منصرفاً فخرجت عجوز من داره وقالت: أنت الذي كلمت أبا عبد الله قلت: نعم. قالت: تركته يدعو الله لها. فجئت إلى بيتي ودققت الباب فخرجت أمي وذكروا أن أحمد بن حنبل جعله المعتصم في حل يوم قتل بابك الخرمي أو يوم فتح عمورية. وتوفي أحمد سنة إحدى وأربعين ومائتين عن تسع وسبعين سنة. وحكى أبو بكر المروزي قال: رأيت أحمد بن حنبل بعد موته في المنام في روضة وعليه حلتان خضراوان وعلى رأسه تاج من نور وهو يمشي مشياً لم أكن أعرفه. فقلت: يا أحمد ما هذه المشية قال: هذه مشية الخدام في دار السلام! فقلت: ما هذا التاج الذي أراه فوق رأسك فقال: ان ربي أوقفني وحاسبني حساباً يسيراً وحباني وقربني وأباحني النظر وتوجني بهذا التاج وقال لي: يا أحمد هذا تاج الوقار توجتك به كما قلت القرآن كلامي غير مخلوق. وينسب إليها أبو علي الحسين بن صالح بن خيران. كان عالماً شافعي المذهب جامعاً بين العلم والعمل والورع. طلبه علي بن عيسى وزير المقتدر لتوليته القضاء فأبى وهرب فختم بابه بضعة عشر يوماً قال أبو عبد الله بن الحسن العسكري: كنت صغيراً وعبرت مع أبي على باب أبي علي بن خيران وقد وكل به الوزير علي بن عيسى وشاهدت الموكلين على بابه فقال لي أبي: يا بني ابصر هذا حتى تتحدث إن عشت أن إنساناً فعل به هذا فامتنع عن القضاء. ثم إن الوزير عفا عنه وقال: ما أردنا بالشيخ أبي علي إلا خيراً وأردنا أن نعلم الناس أن في ملكنا رجلاً يعرض عليه قضاء الشرق والغرب وهو لا يقبل. توفي ابن خيران في حدود عشرين وثلاثمائة. وينسب إليها أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي. كان عالماً بعلم التفسير والحديث والفقه والأدب والوعظ وله تصانيف كثيرة في فنون العلوم. وكان أيضاً ظريفاً سئل وهو على المنبر: أبو بكر أفضل أم علي فقال: الذي كانت ابنته تحته! فقالت السنية: فضل أبا بكر! وقالت الشيعة: فضل علياً! وكانت له جارية حظية عنده فمرضت مرضاً شديداً فقال وهو على المنبر: يا إلهي يا إلهي ما لنا شيء إلا هي قد رمتني بالدواهي والدواهي والدواهي: ونقل أنهم كتبوا على رقعة إليه وهو على المنبر: إن ههنا امرأة بها داء الابنة والعياذ بالله تعالى فماذا تصنع بها فقال: يقولون ليلى في العراق مريضةٌ فيا ليتني كنت الطّبيب المداويا توفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة. وينسب إليها الوزير علي بن عيسى وزير المقتدر ووزير ابنه المطيع. ركب يوم الموسم كما كان الوزراء يركبون في موكب عظيم فرآه جمع من الغرباء قالوا: من هذا وكانت امرأة عجوز تمشي على الطريق قالت: كم تقولون من هذا هذا واحد سقط من عين الله تعالى فابتلاه الله بهذا كما ترونه! فسمع هذا القول علي بن عيسى فرجع إلى بيته واستعفى من الوزارة وجاور مكة إلى أن مات. وينسب إليها أبو نصر بشر بن الحرث الحافي. ذكر أيوب العطار انه قال له بشر: ألا أحدثك عن بدو أمري بينا أنا أمشي إذ رأيت قرطاساً على وجه الأرض عليه اسم الله تعالى فأخذته وكنت لا أملك إلا درهماً واحداً اشتريت به الماورد والمسك غسلت القرطاس بالماورد وطيبته بالمسك ثم رجعت إلى منزلي ونمت فأتاني آت يقول: طيبت اسمي لأطيبن ذكرك وطهرته لأطهرن قلبك! وحكت زبيدة أخت بشر أن بشراً دخل علي ليلةً من الليالي فوضع إحدى رجليه داخل الدار والأخرى خارجها وهو كذلك إلى أن أصبح فقلت له: في ماذا كنت تفكر قال: في بشر اليهودي وبشر النصراني وبشر المجوسي! ونفسي ما الذي سبق مني خصتني الله تعالى دونهم فتفكرت في تفضيله وحمدته على أن جعلني من خاصته وألبسني أحبائه. وحكي أن بشراً الحافي دعي إلى دعوة فلما وضع الطعام بين يديه أراد أن يمد يده إليه فما امتدت حتى فعل ذلك ثلاث مرات فقال بعض الحاضرين الذي كان يعرف بشراً: ما كان لصاحب الدعوة حاجة إلى إحضار من أظهر أن طعامه ذو شبهة.وحكي أن أحمد بن حنبل سئل عن مسألة في الورع فقال: لا يحل لي أن أتكلم في الورع وأنا آكل من غلة بغداد! لو كان بشر بن الحرث حاضراً لأجابك فإنه لا يأكل من غلة بغداد ولا من طعام السواد! توفي سنة تسع وعشرين ومائتين عن خمس وسبعين سنة. وحكى الحسن بن مروان ال: رأيت بشراً الحافي في المنام بعد موته فقلت له: أبا نصر ما فعل الله بك فقال: غفر لي ولكل من تبع جنازتي! وكانت جنازته قد رفعت أول النهار فما وصل إلى القبر إلا وقت العشاء لكثرة الخلق. وقال لي خزيمة: رأيت أحمد بن حنبل في المنام فقلت له: ما فعل الله بك قال: غفر لي وتوجني وألبسني نعلين من ذهب! قلت: فما فعل الله ببشر قال: بخ بخ! من مثل بشر تركته بين يدي الخليل وبين يديه مائدة الطعام والخليل مقبل عليه وهو يقول له: كل يا من لم يأكل واشرب يا من لم يشرب وانعم يا من لم ينعم! وقال غيره: رأيت بشراً الحافي في المنام فقلت: ما فعل الله بك قال: غفر لي وقال يا بشر أما استجبت مني وكنت تخافني كل ذلك الخوف ورآه غيره فقال له: ما فعل الله بك فقال: قال لي يا بشر لقد توفيتك يوم توفيتك وما على وجه الأرض أحب إلي منك! وينسب إليها أبو عبد الله الحرث بن أسد المحاسبي. كان عديم النظير في زمانه علماً وورعاً وحالاً. كان يقول: ثلاثة أشياء عزيزة: حسن الوجه مع الصيانة وحسن الخلق مع الديانة وحسن الإجابة مع الأمانة مات أبوه أسد المحاسبي وخلف من المال ألوفاً ما أخذ الحرث منه حبة وكان محتاجاً إلى دانق وذاك لأن أباه كان رافضياً. فقال الحرث: أهل ملتين لا يتوارثان! وحكى الجنيد: ان المحاسي اجتاز بي يوماً فرأيت أثر الجوع في وجهه فقلت: يا عم لو دخلت علينا ساعةً! فدخل فعمدت إلى بيت عمي وكان عندهم أطعمة فاخرة فجئت بأنواع من الطعام ووضعته بين يديه. فمد يده وأخذ لقمة رفعها إلى فيه يلوكها ولا يزدردها ثم قام سريعاً ورمى اللقمة في الدهليز وخرج ما كلمني. فلما كان الغد قلت: يا عم سررتني ثم نغصت علي! فقال: يا بني أما الفاقة فكانت شديدة وقد اجتهدت أن أنال من الطعام الذي جعلته بين يدي ولكن بيني وبين الله علامة وهي أن الطعام إذا لم يكن مرضياً يرتفع منه إلى أنفي زفر لا تقبله نفسي! توفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين. وينسب إليها أبو الحسن السري بن المغلس السقطي خال أبي القاسم الجنيد وأستاذه وتلميذ معروف الكرخي. دعا له أستاذه معروف وقال له: أغنى الله قلبك! فوضع الله تعالى فيه الزهد. وقيل: ان امرأة اجتازت بالسري ومعها ظرف فيه شيء فسقط من يدها وانكسر فأخذ السري شيئاً من دكانه وأعطاها بدل ما ضاع عليها فرأى معروف ذلك فأعجبه وقال له: ابغض الله إليك الدنيا! فتركها وتزهد كما دعا له.وحكي أن امرأة جاءت إلى السري وقالت: يا أبا الحسن أنا من جيرانك وإن ابني أخذه الطائف واني أخشى أن يؤذيه فإن رأيت أن تجيء معي أو تبعث إليه أحداً. فقام يصلي وطول صلاته فقالت المرأة: أبا الحسن الله الله في ولدي! إني أخشى أن يؤذيه السلطان! فسلم وقال لها: أنا في حاجتك. فما برحت حتى جاءت امرأة وقالت لها: لك البشرى فقد خلوا عن ابنك! حكى الجنيد قال: دخلت على السري فإذا هو قاعد يبكي وبين يديه كوز مكسور قلت: ما سبب البكاء قال: كنت صائماً فجاءت ابنتي بكوز ماء فعلقته حتى يبرد فأفطر عليه فأخذتني عيني فنمت فرأيت جارية دخلت علي من هذا الباب في غاية الحسن فقلت لها: لمن أنت قالت: لمن لا يبرد الماء في الكيزان الخضر! وضربت بكمتها الكوز ومرت وهو هذا. قال الجنيد: فمكثت اختلفت إليه مدة طويلة أرى الكوز المكسور بين يديه. وحكي أن السري كل ليلة إذا أفطر ترك لقمة فإذا أصبح جاءت عصفورة وأكلت تلك اللقمة من يده. فجاءت العصفورة في بعض الأيام ووقعت على شيء من جدار حجرته ثم طارت وما أكلت اللقمة فحزن الشيخ لذلك وقال: بذنب مني نفرت العصفورة حتى تذكر انه اشتهى الخبز بالقديد فأكل فعلم ان انقطاع العصفورة بسبب ذلك فعهد أن لا يتناول أبداً شيئاً من وحكي انه اشترى كرلوز بستين ديناراً وكتب في دستوره ثلاثة دنانير ربحه فارتفع الربح وصار اللوز بتسعين ديناراً. فأتاه الدلال وأخبره انه بتسعين ديناراً فقال: اني عقدت عقداً بيني وبين الله تعالى اني أبيعه بثلاثة وستين لأجله لست أبيعه بأكثر من ذلك! فقال الدلال: واني عقدت عقداً بيني وبين الله تعالى اني لا أغش مسلماً! توفي السري سنة إحدى وخمسين ومائتين. وينسب إليها أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد. أصله من نهاوند ومولده بغداد. كان أبوه زجاجاً وكان هو خرازاً. صحب الحرث المحاسبي وخاله السري السقطي. وكان الجنيد يفتي على مذهب سفيان الثوري. كان ورده في كل يوم ثلاثمائة ركعة وثلاثين ألف تسبيحة. وعن جعفر الخلدي أن الجنيد عشرين سنة ما كان يأكل في كل أسبوع إلا مرةً. حكى أبو عمرو الزجاجي قال: أردت الحج فدخلت على الجنيد فأعطاني درهماً شددته في مئزري فلم أنزل منزلاً إلا وجدت رزقاً فما احتجت إلى إخراج الدرهم فلما عدت إلى بغداد ودخلت عليه مد يده وأخذ الدرهم. وحكى بعض الهاربين عن ظالم قال: رأيت الجنيد واقفاً على باب رباطه فقلت: يا شيخ أجرني أجارك الله! فقال: ادخل الرباط. فدخلت فما كان إلا يسيراً حتى وصل الطالب بسيف مسلول فقال للشيخ: أين مشى هذا الهارب فقال الشيخ: دخل الرباط. فمر على وجهه وقال: تريد أن تقويه علي! قال الهارب: قلت للشيخ كيف دللته علي أليس لو دخل الرباط قتلني فقال الشيخ: وهل نجوت إلا بقولي دخل الرباط فما زال منا الصدق ومنه اللطف. وحكي أن رجلاً أتى الجنيد بخمسمائة دينار وكان هو جالساً بين أصحابه وقال له: خذ هذا وأنفق على أصحابك. فقال له: هل لك غيرها قال: نعم لي دنانير كثيرة! قال: فهل تريد غيرها قال: نعم. قال: خذها إليك فأنت أحوج إليها منا. قال أبو محمد الجزري: لما كان مرض موته كنت على رأسه وهو يقرأ ويسجد فقلت: أبا قاسم ارفق بنفسك. فقال: يا أبا ممد هوذا صحيفتي تطوى وأنا أحوج ما كنت الساعة! ولم يزل باكياً وساجداً حتى فارق الدنيا سنة ثمان وستين ومائتين. وقال جعفر الخلدي: رأيت الجنيد بعد موته في المنام قلت: ما فعل الله بك يا أبا قاسم فقال: طاحت تلك الإشارات وغابت تلك العبارات ونفدت تلك العلوم وامحت تلك الرسوم وما بقينا إلا على الركيعات التي كنا نصليها في جوف الليل! وينسب إليها أبو الحسن علي بن محمد المزين الصغير. كان من المشايخ الكبار صاحب الحالات والكرامات. حكى أبو عبد الله بن خفيف قال: سمعت أبا الحسن بمكة يقول: كنت في بادية تبوك فقدمت إلى بئر لأستقي منها فزلقت رجلي فوقعت في قعر البئر فرأيت في البئر زاوية فأصلحت موضعاً وجلست عليه لئلا يفسد الماء ما علي من اللباس وطابت نفسي وسكن قلبي فبينما أنا قاعد إذا أنا بشخشخة فتأملت فإذا حية عظيمة تنزل علي فراجعت نفسي فإذا نفسي ساكنة فنزلت ولفت ذنبها علي وأنا هاديء السر لا أضطرب شيئاً وأخرجتني من البئر وحلت عني ذنبها فلا أدري الأرض ابتلعتها أم السماء رفعتها فقمت ومشيت إلى حاجتي. وحكى جعفر الخلدي: عزمت على السفر فودعت أبا الحسن المزين وقلت: زودني شيئاً. فقال: إن ضاع شيء وأردت وجدانه أو أردت أن يجمع الله بينك وبين إنسان فقل: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد. رد إلي ضالتي أو اجمع بيني وبين فلان. قال: فما دعوت في شيء إلا استجبت. توفي بمكة مجاوراً سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. وينسب إليها محمد بن إسماعيل ويعرف بخير النساج كان من أقران الثوري. عاش مائة وعشرين سنة. كان أسود عزم الحج. أخذه رجل على باب الحرم وقال: أنت عبدي واسمك خير! فمكث على ذلك مدة يستعمله في نسج الخز ثم عرف أنه ليس عبده ولا اسمه خير قال وحكي أن رجلاً جاءه وقال له: يا شيخ أمس قد بعت الغزل وشددت ثمنه في مئزرك وأنا جئت خلفك وحللته فقبضت يدي! فضحك الشيخ وأومى إلى يده فحلت وقال: اصرف هذه الدراهم في شيء من حاجتك ولا تعد إلى مثلها. ورئي في المنام بعد موته قيل له: ما فعل الله بك قال: لا تسألني عن هذا استرحت من دنياكم الوضرة! وينسب إليها أبو محمد رويم بن أحمد البغدادي. كان من كبار المشايخ وكان عالماً بعلم القراءة والفقه على مذهب داود وكان يقول: من حكمة الحكيم الشريعة على إخوانه والتضييق على نفسه لأن حكم الشريعة اتباع العلم وحكم الورع التضييق على نفسه. حكي انه اجتاز وقت الظهيرة بدرب في بغداد وكان عطشان فاستسقى من بيت فخرجت جارية بكوز ماء فأخذ منها وشرب فقالت الجارية: صوفي يشرب بالنهار! فما أفطر بعد ذلك. توفي سنة ثلاث وثلاثمائة. وينسب إليها أبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز. كان من المشايخ الكبار صحب ذا النون المصري والسري السقطي وبشراً الحافي وكان أبو سعيد يمشي بالتوكل. حكى عن نفسه قال: دخلت البادية مرة بغير زاد فأصابني فاقة فرأيت المرحلة من بعيد فسررت بأن وصلت إلى العمارة ثم فكرت في نفسي اني سلوت واتكلت على غيري فآليت ألا أدخل المرحلة إلا إذا حملت إليها فحفرت لنفسي في الرمل حفيرة وواريت جسدي فيها إلى صدري فلما كان نصف الليل سمعوا صوتاً عالياً: يا أهل المرحلة إن لله ولياً في هذه المرحلة فالحقوه! فجاءت جماعة وأخرجوني وحملوني إلى القرية. وينسب إليها الأستاذ علي بن هلال الخطاط ويعرف بابن البواب كان عديم النظير في صنعته لم يوجد مثله لا قبله ولا بعده فإن الكتابة العربية كانت بطريقة الكوفية ثم إن الوزير أبا الحسن بن مقلة نقلها إلى طريقته وطريقته أيضاً حسنة ثم إن ابن البواب نقل طريقة ابن مقلة إلى طريقته التي عجز عنها جميع الكتاب من حسنها وحلاوتها وقوتها وصفاتها ولا يعرف لطافة ما فيها إلا كبار الكتاب فإنه لو كتب حرفاً واحداً مائة مرة لا يخالف شيء منها شيئاً لأنها قلبت في قالب واحد والناس كلهم بعده على طريقته. توفي سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة. وينسب إليها أبو نواس الحسن بن هانيء. كان أديباً فصيحاً بليغاً شاعراً أوحد زمانه. حكي أن الرشيد قرأ يوماً: ونادى فرعون في قومه قال: يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون فقال: اطلبوا لي شخصاً أنذل ما يكون حتى أوليه مصر. فطلبوا شخصاً مخبلاً كما أراد الخليفة فولاه مصر وكان اسمه خصيباً. فلما ولي أحسن السيرة وباشر الكرم وانتشر ذكره في البلاد حتى قيل: فتىً يشتري حسن الثّناء بماله ويعلم أنّ الدّائرات تدور فقصده شعراء العراق وأبو نواس معهم وهو صبي فلما دنوا من مصر قالوا ذات يوم: نحن من أرض العراق وندخل مصر فلا يأخذن علينا المصريون خطأً أو عيباً! ليعرض كل واحد منا شعره حتى نعتبره فإن كان شيء منها محتاجاً إلى إصلاح أصلحناه. فأظهر كل واحد ما معه على القوم فقالوا لأبي نواس: هات ما عندك. فقال: عندي هذا: واللّيل ليلٌ والنّهار نهار والبغل بغلٌ والحمار حمار والديك ديكٌ والدّجاجة زوجه والبطّ بطٌّ والهزار هزار فضحكوا وقالوا: هذا أيضاً له وجه للمضاحك! فلما دخلوا على الخصيب وضعوا كرسياً كل واحد من الشعراء يقف عليه ويورد شعره حتى أوردوا جميعهم. بقي أبو نواس فقال بعض الشعراء: ارفعوا الكرسي ما بقي أحد! فقال أبو نواس: اصبروا حتى أورد بيتاً واحداً ثم بعد ذلك إن أردتم فارفعوا فأنشأ يقول: أنت الخصيب وهذه مصر فتشابها فكلاهما بحر! فتحير الشعراء وأنشد قصيدة خيراً من قصائدهم كلها. وحكي أن محمداً الأمين أمر بحبسه وأمر أن لا يترك عنده كاغد ودواة فحبس في دار فدخل عليه خادم من خدام الخليفة ونام عنده وعليه جبة سوداء فأخذ قطعة جص من الحائط وكتب على جبة الخادم: ما قدر عبدك بي نواس وهو ليس بذي لباس ولغيره أولى بها إن كنت تعمل بالقياس ولئن قتلت أبا نواسك قيل من هو بو نواس فقرأوا وفرجوا عنه. وذكر أنه رئي في المنام بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك قال: قد غفر لي بأبيات قلتها وهي تحت وسادتي فوجدوا تحت وسادته رقعة فيها مكتوب: يا ربّ إن عظمت ذنوبي كثرةً فلقد علمت بأنّ عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلاّ المحسن فمن الذي يرجوه عبدٌ مجرم أدعوك يا ربّي إليك تضرّعاً فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم ما لي إليك وسيلةٌ غير الرّجا وكريم عفوك ثمّ إني مسلم مدينة بين هراة ومرو الروذ ينسب إليها سيد الابدال أبو الحسين الثوري. كان يسكن الخراب ولا يدخل المدينة إلا يوم الجمعة فإذا أراد الجنيد زيارته أخذ معه شيئاً من الطعام ويدور في الخراب إلى أن يجده. فإذا وجده ألح عليه ليأكل معه ويقول له: إلى كم تسيح فيجيبه: إلى حصول المقصود وهيهات من ذلك! وحكي أن الجنيد بعث إليه شيئاً من الذهب قطعتان كانتا من الجنيد والباقي كان من غيره. فلما وصل إليه أخذ قطعتي الجنيد ورد الباقي. وحكى عن نفسه قال: كان في نفسي شيء من الكرامات فأردت تجربته فرأيت الصبيان معهم قصبة في رأسها خيط يصطادون بها السمك فأخذت قصبة ووقفت بين زورقين فقلت: وعزتك إن لم تخرج لي سمكة فيها ثلاثة أرطال لأغرمن نفسي! فخرجت سمكة فيها ثلاثة أرطال. وحكي أنه وقع ببغداد حريق فوقف تاجر على طرف الحريق يقول: من أخرج هذين الغلامين له ألف دينار! فقالوا: من يجسر أن يقرب إلى هذه النار حتى حضر أبو الحسين الثوري وقال: بسم الله الرحمن الرحيم! وأخرج الغلامين لم يتأذ شعرة منهما. فقيل له: كيف دخلت هذه النار قال: سن الله انه لم يحرق الغلامين وهما غير مذنبين. وحكي أنه سمع قائلاً يقول: فاشتد به الوجد فلم يزل يعدو في أجمة قصب قطعت رؤوسها حتى تقطعت قدمه ومات عليه رحمه الله. وحكي أن أبا الحسين أحمد بن محمد الثوري دخل يوماً الماء ليغتسل فجاء لص وأخذ ثيابه فلما خرج لم يجد ثيابه فرجع إلى الماء فما كان إلا قليل وجاء اللص ومعه ثياب أبي الحسين وقد جفت يده اليمنى فخرج أبو الحسين من الماء ولبس ثيابه ثم قال: يا سيدي رد علي ثيابي رد عليه يده! فرد الله عليه يده. وحكي أن الثوري مرض فجاء الجنيد إليه لعيادته بشيء من الدراهم فردها ومرض الجنيد فذهب إليه الثوري ووضع يده على جبهته فعوفي من ساعته وقال للجنيد: إذا عدت إخوانك فأوفهم مثل هذا البر! توفي الثوري سنة خمس وتسعين ومائتين رحمة الله عليه. وينسب إليها الإمام العالم البارع الورع محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي. كان عديم النظير في علم التفسير وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة الصحابة وأسامي الرواة وعلم الفقه والأدب وتصانيفه في غاية الحسن والصحة واعتماد أهل الحديث والفقه على تصانيفه وسموه محيي السنة. كان معاصراً للإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي والإمام فخر الإسلام أبي المحاسن الروياني رحمة الله عليهم أجمعين.بأرض الجبال بقرب قزوين وهي بلاد كلها جبال ووهاد وفيها خلق كثير من الديلم وهم أشد الناس حمقاً وجهلاً! بينهم قتال فإذا قتل واحد منهم قتلوا من تلك القبيلة أي واحد كان. وكانوا ملوك بلاد الجبال قديماً. ذكر أن أصلهم من بني تميم ولذلك ترى أكثرهم يميلون إلى الأدب والعربية. منهم ملوك آل بويه وكانوا كلهم فضلاء أدباء. ينسب إليها شمس المعالي قابوس بن وشمكير. كان ملكاً فاضلاً أديباً. كان أخوه مرداويج صاحب بلاد الجبال وكان عساكره الديلم والترك وبينهما خصومة. وهو ينصر الديلم لأنهم كانوا أنسابه فالترك كبسوا عليه في الحمام وقتلوه فقام قابوس مقامه وتضعضع الملك فانتزع آل بويه بلاد الجبال منه فهب إلى طبرستان يستنجد بملوك بني سامان ويحارب آل بويه إلى أن غدر به ابنه منوجهر وحبسه في بعض القلاع وملوك الديلم ما كانوا في طاعة الخلفاء. فلما وقع لقابوس ما وقع قال المقتدر بالله: قد قبس القابسات قابوس ونجمه في السّماء منحوس! فكيف يرجى الفلاح من رجلٍ يكون في آخر اسمه بوس فلما سمع قابوس ذلك قال: يا ذا الذي بصروف الدّهر عيّرنا هل عاند الدّهر إلاّ من له خطر وفي السّماء نجومٌ غير ذي عددٍ وليس يكسف إلاّ الشّمس والقمر |
إذا ما هجاني ناقص لا أجيبه= فإني إذا جاوبته فلي الذنب أنزه نفسي عن مساواة سفلة= ومن ذا يعض الكلب إن عضه الكلب
|
|
|
#17 |
|
محمد العريفي
المؤسس المشرف العام لملتقى القبائل العربية ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بلخ مدينة عظيمة من أمهات بلاد خراسان. بناها منوجهر بن ايرج بن افريدون. أهلها مخصوصون بالطرمذة من بين سائر بلاد خراسان. كان بها النوبهار وهو أعظم بيت من بيوت الأصنام. لما سمع ملوك ذلك الزمان بشرف الكعبة واحترام العرب إياها بنوا هذا البيت مضاهاة للكعبة وزينوه بالديباج والحرير والجواهر النفية ونصبوا الأصنام حوله. والفرس والترك تعظمه وتحج إليه وتهدي إليه الهدايا. وكان طول البيت مائة ذراع في عرض مائة وأكثر من مائة ارتفاعاً وسدانته للبرامكة وملوك الهند والصين يأتون إليه فإذا وافوا سجدوا للصنم وقبلوا يد برمك. وكان برمك يحكم في تلك البلاد كلها ولم يزل برمك بعد برمك إلى أن فتحت خراسان في أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه وانتهت السدانة إلى برمك أبي خالد فرغب في الإسلام وسار إلى عثمان وضمن المدينة بمال وفتح عبد الله بن عامر بن كريز خراسان وبعث إلى النوبهار الأحنف بن قيس بن الهيثم فخربها. ينسب إليها من المشاهير إبراهيم بن أدهم العجلي رحمه الله كان من ملوك بلخ وكان سبب تركه الدنيا انه كان في بعض متصيداته يركض خلف صيد ليرميه فالتفت الصيد إليه وقال: لغير هذا خلقت يا إبراهيم! فرجع ومر على بعض رعاته ونزل عن دابته وخلع ثيابه وأعطاها للراعي ولبس ثياب الراعي واختار الزهد. وحكي أنه ركب سفينة في بعض أسفاره فلما توغل في البحر طالبه الملاح بالأجرة وألح عليه فقال له إبراهيم: اخرجني إلى هذه الجزيرة حتى أؤدي أجرتك! فأخرجه إليها وذهب معه فصلى إبراهيم ركعتين وقال: إلهي يطلب أجرة السفينة! فسمع قائلاً يقول: خذ يا إبراهيم. فمد يده نحو السماء وأخذ دينارين دفعهما إلى الملاح وقال: لا تذكر هذا لأحد! ورجعا إلى السفينة فهبت ريح عاصف واضطربت السفينة فأشرفت على الهلاك فقال الملاح: اذهبوا إلى هذا الشيخ ليدعو الله. فذهب القوم إليه وهو مشغول بنفسه في زاوية قالوا: إن السفينة أشرفت على الهلاك ادع الله تعالى لعله يرحمنا! فنظر إبراهيم بموق عينه نحو السماء وقال: يا مرسل الرياح من علينا بالعاطفة والنجاح! فسكنت الريح في الحال. وحكي أنه مر به بعض رعاته من بلخ فرآه جالساً على طرف ماء يرقع دلقاً فجلس إليه يعيره بترك الملك واختيار الفقر فرمى إبراهيم إبرته في الماء وقال: ردوا إلي إبرتي! فأخرج سمك كثير من الماء رؤوسها وفي فم كل واحدة إبرة من الذهب. فقال: لست أريد غير إبرتي! وحكي أنه اجتاز به جندي سأل منه الطريق فأشار إلى المقبرة فتأذى الرجل الجندي وضربه فشج رأسه. فلما عرف انه إبراهيم جاء إليه معتذراً فقال له: إنك وقت ضربتني دعوت لك لأنك حصلت لي ثواباً فقابلت ذلك بالدعاء. وحكي أن إبراهيم كان ناطوراً في بستان بأجرة فإذا هو نائم وحية تروحه بطاقة نرجس. وجاءه رجل جندي يطلب منه شيئاً من الثمرة وهو يقول: أنا ناطور ما أمرني صاحب البستان ببذل شيء منها! فجعل الجندي يضربه وهو يقول: اضرب على رأس طالما عصى الله تعالى! توفي سنة إحدى وستين ومائة. وينسب إليها أبو علي شقيق بن إبراهيم البلخي من كبار مشايخ خراسان أستاذ حاتم الأصم. وكان أول أمره رجلاً تاجراً سافر إلى بلاد الهند. دخل بيتاً من بيوت الأصنام فرأى رجلاً حلق رأسه ولحيته يعبد الصنم فقال له: ان لك إلهاً خالقاً رازقاً فاعبده ولا تعبد الصنم فإنه لا يضر ولا ينفع! فقال عابد الصنم: إن كان كما تقول فلم لا تقعد في بيتك وتتعب للتجارة فإنه يرزقك في بيتك فتنبه شقيق لقوله وأخذ في طريق الزهد. وحكي أن أهله شكت إليه من الفاقة فقام يظهر أنه يمشي إلى شغل الطين ودخل بعض المساجد وصلى إلى آخر النهار وعاد إلى أهله وقال: عملت مع الملك فقال اعمل أسبوعاً حتى أوفيك أجرتك دفعة واحدة. وكان كل يوم يمشي إلى المسجد ويصلي فلما كان اليوم السابع قال في نفسه: لو لم يكن اليوم معي شيء تخاصمني أهلي! فأجر نفسه من شخص ليعمل له يومه وأهله تنتظر مجيئه آخر النهار بأجرة الأيام إذ دق الباب أحد وقال: بعثني الملك بأجرة الأيام التي عمل له فيها شقيق ويقول لشقيق: ما الذي صدك عنا حتى اشتغلت اليوم بشغل غيرنا فذهبت المرأة إليه فسلم إليها صرة فيها سبعون ديناراً. وحكى حاتم الأصم أن علي بن عيسى بن ماهان كان أمير بلخ وكان يحب كلاب الصيد ففقد كلب من كلابه يوماً فاتهم به جار شقيق فاستجار به فدخل شقيق على الأمير وقال: خلوا سبيله فإني أرد لكم كلبكم إلى ثلاثة أيام فخلوا سبيله فانصرف شقيق مهتماً لما صنع فلما كان اليوم الثالث كان رجل من أهل بلخ غائباً وكان من رفقاء شيق وكان لشقيق فتىً وهو رفيقه رأى في الصحراء كلباً في رقبته قلادة فقال: أهديه إلى شقيق. فحلمه إليه فإذا هو كلب الأمير سلمه إليه. استشهد شقيق في غزوة كولان سنة أربع وتسعين ومائة. وينسب إليها أبو حامد أحمد بن حضرويه من كبار مشايخ خراسان. صحب أبا تراب النخشبي وكان زين العارفين أبو يزيد يقول: أستاذنا أحمد ذكر أنه اجتمع عليه سبعمائة دينار ديناً فمرض وغرماؤه حضروا عنده فقال: اللهم إنك جعلت الرهون وثيقةً لأرباب الأموال وأنت وثيقتي فادعني فدق بابه أحد وقال: اين غرماء أحمد وقضى عنه جميع ديونه ثم فارق الدنيا وذلك في سنة أربع ومائتين عن خمس وتسعين سنة. وينسب إليها عبد الجليل بن محمد الملقب بالرشيد ويعرف بوطواط. كان كاتباً للسلطان خوارزمشاه إتسز. وكان أديباً فاضلاً بارعاً ذا نظم ونثر بالعربية والعجمية والسلطان يحبه لا يفارقه ساعة لظرافته وحسن مجالسته فأمر أن يبنى له قصر بحذاء قصر السلطان حتى يحادثه من الروشن فأخرج الرشيد رأسه مرة من الروشن فقال السلطان: يا رشيد أرى رأس ذئب خارجاً من روشنك! فقال: أيها الملك ما هو رأس الذئب ذاك سجنجل أنا أخرجته! فضحك السلطان من عجيب جوابه! وحكي أن أحداً من أصحاب الديوان يستعير دوابه كثيراً فكتب إليه: بلغني من النوادر المطربة والحكايات المضحكة أن تاجراً استأجر حماراً من نيسابور إلى بغداد وكان حماراً ضعيفاً لا يمكنه السير ولا يرجى منه الخير إذا حرك سقط وإذا ضرب ضرط من مكاري قليل السكون كثير الجنون طول الطريق يبكي دماً ويتنفس الصعداء ندماً فبعد اللتيا والتي وصل إلى بغداد والحمار ضئيل ولم يبق من المكاري إلا القليل إذ سمع صيحةً هائلة تصرع القلوب وتشق الجيوب فالتفت المكاري فإذا المحتسب بدرته وصاحب الشرطة لابس ثوب شرته فقال المكاري: ماذا حدث قالوا: ههنا تاجر فاجر أخذ مع غلام الخطيب كالغصن الرطيب تواتر عليه الصفعات المغمية والضربات المدمية طلبوا حماراً وكان حمار المكاري حاضراً فتعادوا إليه وأركبوا التاجر عليه فالمكاري ذهب عنه القرار وينادي بالويل ويعدو خلف الحمار إلى أن طيف بجيمع المحال والبلد بغداد فلما كان المساء ردوا الحمار إلى المكاري جائعاً سلم الطوى إلى التوى والصدى إلى الردى! فأخذه المكاري مترحماً مد أذنيه وتفل ما بين عينيه وزاد في علفه خوفاً من تلفه. فلما دنا الصباح وظهر أثر النهار ولاح قرع سمعه صوت أهول من الصيحة الأمسية فالتفت المكاري فإذا المحتسب على الباب وصاحب الشرطة كاشر الناب فقال المكاري: ماذا حدث قالوا: ذاك التاجر أخذ مرة أخرى مع غلام القاضي كالسيف الماضي فأراد المكاري أن يواري الحمار فسبقت العامة إليه وأركبوا التاجر عليه والمكاري يعدو خلفه ويصيح بعين باكية وقلب جريح إلى أن طيف به في جميع المحال ثم ردوه إلى المكاري وقد أشرف على الهلاك ولا يقدر على الحراك فبات المكاري مسلوب القرار في مداواة الحمار فلما انتشرت أعلام الضوء في أقطار الجو صكت أذنه من الصيحتين الأوليين فالتفت فإذا المحتسب في الدرب وصاحب الشرطة منشمر للضرب فقال المكاري: ماذا حدث قالوا: ذاك التاجر أخذ مرة أخرى مع غلام الرئيس كالدر النفيس والعامة رأت حمار المكاري فعدت إليه فعدا المكاري إلى التاجر وقال: يا خبيث! ان لم تترك صنعتك الشنيعة ولم ترجع عن فعلتك القبيحة فاشتر حماراً يركبونك عليه كل يوم فقد أهلكت حماري وأزلت قراري! وها أنا أقول ما قال المكاري للتاجر إن أردت أن تكون كاتباً للأمير فهييء النقس والطرس وإلا فالزم البيت والعرس. بلد قرية من أعمال الموصل يقال لها بلد باشاي. حكى الشيخ عمر التسليمي وكان من أهل التصوف قال: وصلت إلى هذه القرية فلما كان وقت خروج نور الغبيراء اهتاج بنسائها شهوة الوقاع يستحيين من ذلك لغلبة الشهوة ولا قدرة للرجال على قضاء أوطرهن. فعند ذلك أخرجن إلى واد بقرب الضيعة وهن بها كالسنانير عند هيجانها إلى أن انقضت مدتهن ثم تراجعن إلى بيوتهن وقد عاد إليهن التمييز! قال: وسمعت أن كل سنة في هذا الوقت تحدث بهن هذه الحالة. بلور ناحية بقرب قشمير قال صاحب تحفة الغرائب: بها موضع في كل سنة ثلاثة أشهر يدوم فيه الثلج والمطر بحيث لا يرى فيها قرص الشمس. وحكي ان بهذه الأرض بيتاً فيه صنم على صورة امرأة لها ثديان وكل من طال مرضه وضجر منه يدخل على هذا الصنم ويمسح يده على ثديها فيتقاطر من ثديها ثلاث قطرات فيمزج تلك القطرات بالماء ويشرب فإما يزول مرضه أو يموت سريعاً ويستريح من تعب المرض. بنان موضع لست أعرف أرضه. ينسب إليه أبو الخير البناني صاحب العجائب رحمه الله. سمع بفضله إبراهيم بن المولد فذهب إليه فقام أبو الخير يصلي بالقوم فما أعجب إبراهيم قراءته الفاتحة فأنكر عليه في باطنه فعرف أبو الخير ذلك بنور الباطن. فلما فارقه إبراهيم وخرج من عنده اعترضه سبع وكانت صومعة أبي الخير في غيضة كان فيها سباع فعاد إلى الشيخ وقال: ان سبعاً صال علي! فخرج الشيخ وقال للسبع: ما قلت لكم لا تتعرضوا لأضيافي فولى الأسد وذهب فقال الشيخ: يا إبراهيم اشتغلتم بتقويم الظاهر ونحن اشتغلنا بتقويم الباطن فخفتم أنتم من السبع وخاف السبع منا! مدينة كبيرة من مدن خراسان ذات مياه وبساتين وأشجار كثيرة. ينسب إليها منصور بن عمار. كان واعظاً عظيماً عجيب الكلام طيب الوعظ مشهوراً حكى سليم بن منصور قال: رأيته في المنام فقلت: ما فعل الله بك قال: غفر لي وأدناني وقربني وقال: يا شيخ السوء أتدري لم غفرت لك قلت: لا يا رب! قال: انك جلست للناس يوماً فبكيتهم فبكى فيهم عبد من عبادي لم يبك من خشيتي قط فغفرت له ووهبت أهل المجلس له ووهبتك فيمن وهبت له. وحكي أن منصور بن عمار وجد رقعة عليها بسم الله الرحمن الرحيم فأخذها فلم يجد لها موضعاً فأكلها. فرأى في نومه قائلاً يقول: فتح الله عليك باب الحكمة باحترامك اسم الله تعالى. وحكى أبو الحسن السعدي قال: رأيت منصور بن عمار في النوم بعد موته فقلت: ما فعل الله بك فقال لي: قال أنت منصور بن عمار قلت: نعم يا رب! قال: أنت الذي تزهد في الدنيا وترغب فيها. قلت: قد كان ذلك ولكن ما اتخذت مجلساً إلا بدأت بالثناء عليك وثنيت بالصلاة على نبيك وثلثت بالنصيحة لعبادك. فقال: صدق! ضعوا له كرسياً يمجدني في سمائي بين ملائكتي كما مجدني في الأرض بين عبادي. والله الموفق. وحكي أن رجلاً شريفاً جمع يوماً ندماءه للشرب وسلم إلى غلامه أربعة دراهم ليشتري لهم بها فواكه فاجتاز الغلام بمجلس منصور بن عمار وكان يطلب لفقير أربعة دراهم فقال: من يعطي له أربعة دراهم ادعو له أربع دعوات. فدفع إليه الغلام الدراهم فقال منصور: ما الذي تريد من الدعوات فقال: أريد العتق! فقال: اللهم ارزقه العتق! قال: وما الآخر قال: أن يخلف الله علي دراهمي. فدعا له به. قال: وما الآخر قال: ان يتوب الله على سيدي. فدعا له به. قال: وما الآخر قال: أن يغفر الله لي ولك ولسيدي وللحاضرين. فدعا به. فلما رجع إلى سيده قال: ما الذي أبطأ بك فقص عليه القصة فقال: سألت لنفسي العتق. فقال: أنت حر لوجه الله تعالى! قال: وان يخلف علي الدراهم. قال: لك أربعة آلاف درهم. قال: وما الثالث قال: أن يتوب الله عليك. قال: تبت إلى الله عز وجل. قال: وما الرابع قال: أن يغفر الله لي ولك وله وللحاضرين. فقال: هذا ليس إلي! فلما نام رأى في نومه قائلاً يقول له: أنت فعلت ما كان إليك أترى اني لم أفعل ما إلي قد غفرت لك وللغلام وللحاضرين ولمنصور. باخرز بلدة من بلاد خراسان. ينسب إليها أبو الحسن الباخرزي. كان أديباً فاضلاً بارعاً لطيفاً أشعاره في غاية الحسن ومعانيه في غاية اللطف. وله ديوان كبير أكثره في مدح نظام الملك وبعض الأدباء. التقط من ديوانه الأبيات العجيبة قدر ألف بيت سماه الأحسن. وكان بينه وبين أبي نصر الكندري مخاشنة في دولة بني سبكتكين فلما ظهرت الدولة السلجوقية ما كان أحد من العمال يجسر على الاختلاط بهم فأول من دخل معهم أبو نصر الكندري. استوزره السلطان طغرلبك فصار مالك البلاد. أحضر أبا الحسن الباخرزي وأحسن إليه وقال: إني تفاءلت بهجوك لي. إذا كان أوله أقبل فإن أبا الحسن هجاه بأبيات أولها: اقبل من كندرٍ مسخرةٌ للشّؤم في وجهه علامات واقطعوا باخرز لأمير زوج امرأة من نساء بني سلجوق فرأت أبا الحسن وقالت: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام على هذه الصورة. فصار محظوظاً عندهم وآخر الأمر قتل بسبب هذه المرأة وصار حسن صورته وبالاً عليه كريش الطاووس وشعر الثعلب. بيهق بليدة بخراسان.ينسب إليها الإمام أبو بكر أحمد البيهقي. كان أوحد زمانه في الحديث والفقه والأصول وله السنن الكبير وتصانيف كثيرة. كان على سيرة علماء السلف قانعاً من الدنيا بالقليل الذي لا بد منه. قال إمام الحرمين: ما من أحد من أصحاب الشافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا البيهقي فإن له على الشافعي منة لأن تصانيفه كلها في نصرة مذهب الشافعي. حكى الفقيه أبو بكر بن عبد العزيز المروزي: رأيت في المنام تابوتاً يعلو فوقه نور نحو السماء فقلت: ما هذا قالوا: فيه تصانيف أبي بكر البيهقي. وحكى بعض الفقهاء قال: رأيت الشافعي قاعداً على سرير وهو يقول: استفدت من كتاب أحمد البيهقي حديث كذا وحديث كذا. تبريز مدينة حصينة ذات أسوار محكمة. وهي الآن قصبة بلاد آذربيجان. بها عدة أنهر والبساتين محيطة بها. زعم المنجمون أنها لا تصيبها من الترك آفة لأن طالعها عقرب والمريخ صاحبها فكان الأمر إلى الآن كما قالوا ما سلم من بلاد آذربيجان مدينة من الترك غير تبريز. وهي مدينة آهل كثيرة الخيرات والأموال والصناعات وبقربها حمامات كثيرة عجيبة النفع يقصدها المرضى والزمنى ينتفعون بها. وتحمل منها الثياب العتابي والسقلاطون والأطلس والنسج إلى الآفاق. ونقودها ونقود أكثر بلاد آذربيجان الصفر المضروب فلوساً. وقطاع الطنجير والهاون والمنارة إذا أرادوا المعاملة عليها اشتروا بها المتاع فما فضل أخذوا به قطعة صغيرة. ينسب إليها أبو زكرياء التبريزي. كان أديباً فاضلاً كثير التصانيف. فلما بنى نظام الملك المدرسة النظامية ببغداد جعلوا أبا زكرياء خازن خزانة الكتب. فلما وصل نظام الملك إلى بغداد دخل المدرسة ليتفرج عليها وفي خدمته أعيان جميع البلاد ووجوهها فقعد في المدرسة في محفل عظيم والشعراء يقومون ينشدون مدائحه والدعاة يدعون له. فقام رجل ودعا لنظام الملك وقال: هذا خير عظيم قد تم على يدك! ما سبقك بها أحد وكل ما فيها حسن إلا شيئاً واحداً وهو أن أبا زكرياء التبريزي خازن خزانة الكتب وانه رجل به أبنة يدعو الصبيان إلى نفسه! فانكسر أبو زكرياء انكساراً شديداً في ذلك المحفل العظيم. فلما قام نظام الملك قال لناظر المدرسة: كم معيشة أبي زكرياء قال: عشرة دنانير! قال: اجعلها خمسة عشر ان كان كما يقول لا تكفيه عشرة دنانير! فانكسر أبو زكرياء من فضيحة ذلك المتعدي وكفاه ذلك كفارة لجميع ذنوبه ومن ذلك اليوم ما حضر شيئاً من المحافل والمجامع حياء وخجالة. تهران قرية كبيرة من قرى الري كثيرة البساتين كثيرة الأشجار مؤنقة الثمار. ولهم تحت الأرض بيوت كنافقاء اليربوع إذا جاءهم قاصد عدو اختبأوا فيها فالعدو يحاصرهم يوماً أو أياماً ويمشي. فإذا خرجوا من تحت الأرض أكثروا الفساد من القتل والنهب وقطع الطريق. وفي أكثر الأوقات أهلها عصاة على السلاطين ولا حيلة إلى ضبطهم إلا بالمداراة. وفيها اثنتا عشرة محلة كل محلة تحارب الأخرى وإذا دخلوا في طاعة السلطان يجتمع عاملها بمشايخ القرية يطالبهم بالخراج وتوافقوا على اداء الخراج المعهود للسلطان. يأتي أحدهم بديك ويقول: هذا بدينار! والآخ يأتي باجانة ويقول: هذا بدينار! ويؤدون الخراج على هذا الوجه وإلا فلا فائدة منهم أصلاً. وهم موترصدون للخلاف ويرضى الوالي منهم بأن يقال: انهم في الطاعة وأدوا الخراج. وانهم لا يزرعون على البقر خوفاً من أنهم إذا خالفوا يؤخذ عواملهم وإنما يزرعون بالمساحي ولا يقتنون الدواب والمواشي لما ذكرنا أن أعداءهم كثيرون فيأخذون مواشيهم. وفواكههم كثيرة وحسنة جداً سيما رمانهم فإن مثلها غير موجود في شيء من البلاد. جاجرم مدينة بأرض خراسان مشهورة بقرب اسفرايين. بها عين تنبع قناة بين جاجرم واسفرايين حدثني بعض فقهاء خراسان: من غاص في ماء هذه العين يزول جربه. الجبال ناحية مشهورة يقال لها قهستان. شرقها مفازة خراسان وفارس وغربها آذربيجان وشمالها بحر الخزر وجنوبها العراق وخوزستان. وهي أطيب النواحي هواء وماء وتربة. وأهلها أصح الناس مزاجاً وأحسنهم صورة قالوا: إنها تربة ديلمية لا تقبل العدل والانصاف ومن وليها عصى ! وكتب الإسكندر إلى أرسطاطاليس: أرى بأرض الجبال ملوكاً حساناً لا أختار قتلهم وان تركتهم لا آمن عصيانهم فماذا ترى فكتب إليه أرسطاطاليس: أن سلم كل بقعة إلى أحد. ففعل ذلك وظهرت ملوك الطوائف فلما مات الإسكندر اختلفوا فغلبهم أردشير بن بابك جد ملوك ساسان. فاتخذها الأكاسرة مصيفاً لطيب هوائها وسلامتها من سموم العراق وسخونة مائه وكثرة ذبابه وهوامه وحشراته ولذلك قال أبو دلف العجلي: وإني امرؤٌ كسرويّ الفعال أصيف الجبال وأشتو العراقا لا ينبت بها النخل والنارنج والليمون والأترج ولا يعيش بها الفيل والجاموس ولو حملا إليها ماتا بها جبل أروند وهو جبل نزه خضر نضر مطل على همذان حكى بعض أهل همذان قال: دخلت على جعفر بن محمد الصادق فقال: من أين أنت قلت: من همذان. قال: أتعرف جبلها راوند قلت: جعلني الله فداك! جبلها أروند قال: نعم إن فيها عيناً من عيون الجنة! وأهل همذان يرون الماء الذي على قلة الجبل فإنها يخرج منها الماء في وقت من أوقات السنة معلوم ومنبعه من شق في صخر وهو ماء عذب شديد البرد فإذا جاوزت أيامه المعدودة ذهب إلى وقته من العام المقبل لا يزيد ولا ينقص وهو شفاء للمرضى يأتونه من كل جهة وذكروا أنه يكثر إذا كثر الناس عليه ويقل إذا قلوا. وبها جبل بيستون بين همذان وحلوان وهو عال ممتنع لا ترتقى ذروته ومن أعلاه إلى أسفله أملس كأنه منحوت وعرضه ثلاثة أيام وأكثر. ذكر في تواريخ العجم أن حظية كسرى ابرويز شيرين المشهورة بالحسن والجمال عشقها رجل حجار اسمه فرهاذ وتاه في حبها واشتهر ذلك بين الناس فذكر أمره لأبرويز فقال لأصحابه: ماذا ترون في أمر هذا الرجل ان تركته وما هو عليه فهتك وقبح وإن قتلته أو حبسته فعاقبت غير مجرم فقال بعض الحاضرين: اشغله بحجر حتى يصرف عمره فيه! فاستصوب كسرى رأيه وأمر بإحضاره فدخل وهو رجل ضخم البدن طويل القامة مثل الجمل الهائج فأمر كسرى بإكرامه وقال: ان على طريقنا حجراً يمنعنا من المرور نريد أن تفتح فيه طريقاً يصلح لسلوكنا فيه وقد عرفنا دربتك وذكاءك! وأشار إلى بيستون لفرط شموخه وصلابة حجره. فقال الصانع: ارفع هذا الحجر من طريق الملك ان وعدني بشيرين! فتأذى كسرى من هذا لأنها كانت حظيته لكن قال في نفسه: من يقدر على قطع بيستون فقال في جوابه: نفعل ذلك إذا فرغت! فخرج فرهاذ من عند كسرى وشرع في قطع الجبل ورسم فيه درباً يتسع لعشرين فارساً عرضاً وسمكه أعلى من الرايات والأعلام فكان يقطع طول نهاره وينقل طول ليله ويرصف القطاع الكبار شبه الأعدال في سفح الجبل ترصيفاً حسناً يحشو خللها بالنحاتة ويسويها مع الطريق. وكان ينحت من الجبل شبه منارة عظيمة ثم يقطعها قطعاً كل قطعة كعدل ويرميها ولقد رأيت عند اجتيازي به شبه منارة فتح جوانبها وما قطعها بعد ورأيت قطعاً من الحجر كالأعدال عليها آثار ضرب الفاس وفي كل قطعة حفرتان في جانبيها ليجعل اليد فيها عند رفعها. فذكر يوماً عند كسرى شدة اهتمامه بقطع الجبل فقال بعض الحاضرين: رأيته يرمي بكل ضربة شبه جبل ولو بقي على ما هو عليه لا يبعد أن يفتح الطريق. فانفرق كسرى فقال بعضهم: أنا أكفيك أمره! فبعث إليه من أخبره بموت شيرين. فلما سمع ذلك ضرب فأسه على الحجر وأثبته فيه ثم جعل يضرب رأسه على الفأس إلى أن مات. ومقدار فتحه من الجبل غلوة سهم وتلك الآثار باقية إلى الآن لا ريب وقال أحمد بن محمد الهمذاني: في سفح جبل بيستون ايوان منحوت من الحجر وفي وسط الايوان صورة فرس كسرى شبديز وابرويز راكب عليه وعلى حيطان الايوان صورة شيرين ومواليها قيل: صورها فطرس بن سنمار وسنمار هو الذي بنى الخورنق بظاهر الحيرة وسببه أن شبديز كان أذكى الدواب وأعظمها خلقاً وأظهرها خلقاً وأصبرها على طول الركض كان لا يبول ولا يروث ما دام عليه سجره ولا يخر ولا يزبد ما دام عليه لجامه. كان ملك الهند أهداه إلى ابرويز فاتفق انه اشتكى وزاد شكواه فقال كسرى: من أخبرني بموته قتلته! فلما مات خاف صاحب خيله أن يسأل عنه فيجب عليه الخبر بموته فجاء إلى البلهبد مغنيه وسأله أن يخبر كسرى ذلك في شيء من الغناء وكان البلهبد أحذق الناس بالغناء ففعل ذلك. فلما سمع كسرى به فطن بمعناه وقال: ويحك! مات شبديز فقال: الملك يقوله! فقال كسرى: زه! ما أحسن ما تخلصت وخلصت غيرك! وجزع عليه فطرس بن سنمار فصوره على أحسن مثال بحيث لا يكاد يفرق بينهما إلا بإدارات الروح وجاء كسرى فتأمله باكياً وقال: يشد ما بقي هذا التمثال إلينا وذكرنا ما يصير حالنا إليه بموت جسدنا وطموس صورتنا ودروس أثرنا الذي لا بد منه وسيبقى هذا التمثال أثراً من جمال صورتنا للواقفين عليه حتى كأننا بعضهم ونشاهدهم.وحكي من عجائب هذا التمثال انه لم ير مثله ولم يقف أحد منذ صور من أهل الفكر اللطيف والنظر الدقيق عليه إلا تعجب منه حتى قال بعض الناس: انها ليست من صنعة البشر ! ولقد أعطي ذاك المصور ما لم يعط غيره فأي شيء أعجب من أن سخرت له الحجار كما أراد حتى في الموضع الذي أراد أحمر جاء أحمر وفي الموضع الذي أراد أبيض جاء أبيض وكذلك سائر الألوان والظاهر أن الأصباغ التي فيه عالجها بصنف من المعالجات العجيبة لم يغيرها طول الليالي وصور الفرس واقفاً في وسط الإيوان وكسرى راكب عليه لابس درعاً كأنه زرد به من حديد يتبين مسامير الزرد في حلقها وصور شيرين بحيث يظهر الحسن والملاحة في وجهها كأنها تسلب القلوب بغنجها. وسمعت أن بعض الناس عشق على صورة شيرين وصار من عشقها متيماً فكسروا أنفها لئلا يعشق عليها غيره. وذكر قصة شبديز خالد الفياض فقال: والملك كسرى شهنشاه يقبضه سهمٌ بريش جناح الموت مقطوب إذ كان لذّته شبديز يركبه وغنج شيرين والدّيباج والطّيب بالنّار آلى يميناً شدّ ما غلظت ان من يد أفعى الشبديز مصلوب حتى إذا أصبح الشّبديز منجدلاً وكان ما مثله في الناس مركوب ورنّم الهربد الأوتار فالتهبت من سحر راحته اليسرى شآبيب فقال: مات فقالوا: أنت فهت به فأصبح الحنث عنه وهو مجذوب! لولا البلهبد والأوتار تندبه لم يستطع نعي شبديز المزاريب أخنى الزّمان عليهم فاجر هدبهم فما ترى منهم إلاّ الملاعيب وبها جبل دماوند وهو بقرب الري يناطح النجوم ارتفاعاً ويحكيها امتناعاً لا يعلوه الغيم في ارتفاعه ولا الطير في تحليقه قال مسعر بن مهلهل: انه جبل مشرف عال شاهق لا يفارق أعلاه الثلج صيفاً ولا شتاءً ولا يقدر الإنسان أن يعلو ذروته يراه الناظر من عقبة همذان والناظر من الري يظن أنه مشرف عليه وبينهما فرسخان فصعدت الجبل حتى وصلت إلى نصفه بمشقة شديدة ومخاطرة بالنفس فرأيت عيناً كبريتية وحولها كبريت مستحجر فإذا طلعت عليه الشمس الهتبت ناراً والدخان يصعد من العين الكبريتية. وحكى أهل تلك النواحي أنهم إذا رأوا النمل يذخر الحب الكثير تكون السنة سنة جدب وإذا دامت عليهم الأمطار حتى تأذوا منها صبوا لبن الماعز على النار فانقطعت. قال: جربت هذا مراراً فوجدته صحيحاً. وقالوا: إذا رأينا قلة هذا الجبل في وقت من الأوقات متحسراً عن الثلج وقعت فتنة وأريقت دماء من الجانب الذي نراه متحسراً. وبقرب الجبل معدن الكحل الرازي والمرتك والاسرب والزاج. هذا وحكى محمد بن إبراهيم الضراب قال: ان أبي سمع أن بدماوند معدن الكبريت الأحمر فاتخذ مغارف حديد طول السواعد واحتال في إخراجه فذكر انه لا يقرب من ناره حديدة إلا ذابت من ساعتها. وذكر أهل دماوند أن رجلاً من أهل خراسان اتخذ مغارف حديدية طويلة مطلية بها عالجها بها وأخرج من الكبريت لبعض الملوك. وحكى علي بن رزين وكان حكيماً له تصانيف قال: وجهت جماعة إلى جبل دماوند وهو جبل عظيم شاهق في الهواء يرى من مائة فرسخ وعلى رأسه أبداً مثل السحاب المتراكم لا ينحسر شتاء ولا صيفاً ويخرج من أسفله نهر ماؤه أصفر كبريتي فذكر الجماعة أنهم وصلوا إلى قلته في خمسة أيام وخمس ليال فوجدوا قلته نحواً من مائة جريب مساحة على أن الناظر إليها من أسفله يراها كالمخروط. قالوا: وجدنا رملاً تغيب فيه الأقدام وانهم لم يروا عليها دابة ولا أثر حيوان وان الطير لا يصل إلى أعلاها والبرد فيها شديد والريح عاصف. وانهم عدوا سبعين كوة يخرج منها الدخان الكبريتي ورأوا حول كل ثقب من تلك الكوى كبريتاً أصفر كأنه ذهب وحملوا معهم شيئاً منه. وذكروا أنهم رأوا على قلته الجبال الشامخة مثل التلال ورأوا بحر الخزر كالنهر الصغير وبينهما عشرون فرسخاً. وبها جبل ساوة وهو على مرحلة منها. رأيته جبلاً شامخاً إذا أصعدت عليه قدر غلوة سهم رأيت ايواناً كبيراً يتسع لألف نفس وفي آخرهم قد برز من سقفه أربعة أحجار شبيهة بثدي النساء يتقاطر الماء من ثلاثة والرابع يابس. أهل ساوة يقولون: انه مصه كافر فيبس! وتحتها حوض يجتمع فيه الماء الذي يتقاطر منها وعلى باب الإيوان ثقبة لها بابان وفيها انخفاض وارتفاع يقول أهل ساوة: ان ولد الرشدة يقدر أن يدخل من باب ويخرج من الآخر وولد الزنية لا يقدر! وبها جبل كركس كوه جبل دورته فرخان في مفازة بين الري والقم وهو جبل وعر المسلك في مفازة بعيدة عن العمارات في وسطه ساحة فيها ماء والجبال محيطة بها من جميع جوانبها فمن كان فيها كأنه في مثل حظيرة. وسمي كركس كوه لأن النسر كان يأوي إليه وكركس هو النسر فلو اتخذ معقلاً حصيناً إلا أنه في مفازة بعيدة عن البلاد قلما يجتاز بها أحد. وبها جبل نهاوند وهو بقرب نهاوند قال ابن الفقيه: على هذا الجبل طلسمان صورة سمك وثور قالوا: إنهما لأجل الماء لئلا يقل ماؤه وماؤه ينقسم قسمين: قسم يجري إلى نهاوند والآخر إلى الدينور. وبها جبل يله بشم. هذا الجبل بقرب قرية يقال لها يل وهي من ضياع قزوين على ثلاثة فراسخ منها. حدثني من صعد هذا الجبل قال: عليه صور حيوانات مسخها الله تعالى حجراً منها راع متكيء على عصاه يرعى غنمه وامرأة تحلب بقرة وغير ذلك من صور الإنسان والبهائم. وهذا شيء يعرفه أهل قزوين. وينسب إليها الوزير مهلب بن عبد الله. كان وزيراً فاضلاً قعد به الزمان حتى صار في ضنك من العيش شديد فرافقه بعض أصدقائه في سفره فاشتهى لحماً ولم يقدر على ثمنه فاشترى رفيقه له بدرهم لحماً فأنشأ يقول: الا موتٌ يباع فأشتريه فهذا العيش ما لا خير فيه! إذا أبصرت قبراً من بعيدٍ وددت لو انّني من ساكنيه! ألا رحم الإله ذنوب عبدٍ تصدّق بالوفاة على أخيه! ثم بعد ذلك علا أمره وارتفعت مكانته فقصده ذلك الرفيق والبواب منعه من الدخول عليه فكتب على رقعة: ألا قل للوزير: فدتك نفسي وأهلي ثمّ ما ملّكت فيه أتذكر إذ تقول لضنك عيشٍ: ألا موتٌ يباع فأشتريه فأحضره وحياه وجعله من خاصته.قرية بين النعمانية وواسط وكانت في قديم الزمان مدينة يضرب بقاضيه المثل في قلة العقل! ومن حديثه ما ذكر أن المأمون أراد المضي إلى واسط فاستكرى القاضي جمعاً ليثنوا عليه عند وصول الخليفة فاتفق أن شبارة الخليفة وصلت وما كان من الجمع المستكرين أحد حاضراً فخاف القاضي أن تفوت الفرصة فجعل يعدو على شاطيء دجلة مقابل الشبارة وينادي بأعلى صوته: يا أمير المؤمنين نعم القاضي قاضي جبل! فضحك يحيى بن اكثم وكان راكباً في الشبارة مع الخليفة وقال: يا أمير المؤمنين هذا المنادي هو قاضي جبل يثني على نفسه! فضحك المأمون وأمر له بشيء وعزله وقال: لا يجوز أن يلي شيئاً من أمور المسلمين من هذا عقله. جرباذقان بليدة من بلاد قهستان بين أصفهان وهمذان ذات سور وقهندز لها رئيس يقال له جمال باده لا يمشي إلى أحد من ملوك قهستان البتة. وله موضع حصين وإلى داره عقود وأبواب وحراس والملوك كانوا يسامحونه بذلك ويقولون: إن أذيته وإزعاجه غير مبارك! وكان الأمر على ذلك إلى أن ملك الجبال خوارزمشاه محمد سلمها إلى ابنه وإلى عماد الملك فوصل عماد الملك إلى جرباذقان. أخبر بعادة الرئيس انه لا يمشي إلى أحد فغضب من ذلك وبعث إليه يطلبه فأبى. فبعث إليه عسكره دخلوا المدينة قهراً وتحصن الرئيس بالقلعة فحاصروها أياماً وقتل من الطرفين. فلما اشتد الأمر عليه نزل بالليل وهرب فخرب عماد الملك القلعة وقتل أكثر أهلها لأنهم قتلوا أصحاب عماد الملك. فعما قريب ورد عساكر التتر وهرب عماد الملك فقتلوه في الطريق وقتلوا ابن خوارزمشاه وعاد الرئيس إلى حاله كما كان. جرجان مدينة عظيمة مشهورة بقرب طبرستان. بناها يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وهي أقل ندى ومطراً من طبرستان يجري بينهما نهر تجري فيه السفن بها فواكه الصرود والجروم وهي بين السهل والجبل والبر والبحر. بها البلح والنخل والزيتون والجوز والرمان والأترج وقصب السكر وبها من الثمار والحبوب السهلية والجبلية المباحة يعيش بها الفقراء. ويوجد في صيفها جني الصيف والشتاء من الباذنجان والفجل والجزر وفي الشتاء الجدي والحملان والألبان والرياحين: كالخزامى والخيري والبنفسج والنرجس والأترج والنارنج. وهي مجمع طير البر والبحر لكن هواءها رديء لأنه وحكي انه كان بنيسابور في أيام الطاهرية ستمائة رجل من بني هلال يقطعون الطريق فظفروا بهم ونقلوا ثلاثمائة إلى جرجان وثلاثمائة إلى جرجانية بخوارزم. فلما تم عليهم الحول لم يبق ممن كان بجرجان إلا ثلاث أنفس ولم يمتممن كان بجرجانية إلا ثلاثة. وبجرجان من العناب الجيد والخشب الخلنج الذي يتخذ منه النشاب والظروف والأطباق ويحمل إلى سائر البلاد. وبها ثعابين تهول الناظر ولا ضرر لها. وذكر أبو الريحان الخوارزمي انه شوهد بجرجان مدرة صار بعضها قاراً والبعض الآخر بحالها. بها عين سياه سنك قال صاحب تحفة الغرائب: بجرجان موضع يسمى سياه سنك به عين ماء على تل يأخذ الناس ماءها للشرب وفي الطريق إليها دودة فمن أخذ من ذلك الماء وأصاب رجله تلك الدودة يصير الماء الذي معه مراً فيبدده ويعود إليها يأخذ مرة أخرى وهذا عندهم مشهور. ينسب إليها كرز بن وبرة كان من الأبدال قال فضيل: إذا خرج كرز بن وبرة يأمر بالمعروف يضربونه حتى يغشى عليه فسأل ربه أن يعرفه الاسم الأعظم بشرط أن لا يسأل به شيئاً من أمور الدنيا فأعطاه الله ذلك فسأل أن يقويه على قراءة القرآن فكان يختم كل يوم وليلة ثلاث ختمات. حكى أبو سليمان المكتب قال: صحبت كرز بن وبرة إلى مكة فكان إذا نزل القوم أدرج ثيابه في الرحل واشتغل بالصلاة فإذا سمع رغاء الإبل أقبل فتأخر يوماً عن الوقت فذهبت في طلبه فإذا هو في وهدة في وقت حار وإذا سحابة تظله فقال: يا أبا سليمان أريد أن تكتم ما رأيت! فحلفت أن لا أخبر أحداً في حياته. وحكي انه لما توفي رأوا أهل القبور في النوم عليهم ثياب جدد فقيل لهم: ما هذا قالوا: ان أهل القبور كلهم لبسوا ثياباً جدداً لقدوم كرز بن وبرة! وينس إليها أبو سعيد إسماعيل بن أحمد الجرجاني. كان وحيد دهره في الفقه والأصول والعربية مع كثرة العبادة والمجاهدة وحسن الخلق والاهتمام بأمور الدين والنصيحة للمسلمين وهو القائل: إني ادّخرت ليوم ورد منيّتي عند الإله من الأمور خطيرا قولي بأنّ إلهنا هو أوحدٌ ونفيت عنه شريكه ونظيرا وشهادتي أنّ النّبّي محمّداً كان الرّسول مبشّراً ونذيرا ومحبّتي آل النّبّي وصحبه كلاًّ أراه بالثّناء جديرا وتمسّكي بالشّافعّي وعلمه ذاك الّذي فتق العلوم بحورا وجميل ظنّي بالإله وإن جنت نفسي بأنواع الذّنوب كثيرا فاشهد إلهي أنّني مستغفرٌ لا أستطيع لما مننت شكورا هذا الذي أعددته لشدائدي وكفى بربّك هادياً ونصيرا! قبض أبو سعيد في صلاة المغرب عند قوله: وإياك نستعين وفاضت روحه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وينسب إليها القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني. كان أديباً فقيهاً شاعراً وهو القائل: يقولون لي: فيك انقباضٌ! وإنّما رأوا رجلاً عن موقف الذلّ أحجما أرى الناس من داناهم هان عندهم ومن أكرمته عزّة النّفس أكرما وينسب إليها الإمام عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني. كان عالماً فاضلاً أديباً عارفاً بعلم البيان له كتاب في إعجاز القرآن في غاية الحسن ما سبقه أحد في ذلك الأسلوب. من لم يطالع ذلك الكتاب لا يعرف قدره ودقة نظره ولطافة طبعه واطلاعه على معجزات القرآن. وبها مشهد لبعض أولاد علي الرضا العجم يسمونه كور سرخ النذر له يفضي إلى قضاء الحاجة وهذا أمر مشهور في بلاد العجم يحمل إليها أموال كثيرة ويصرف إلى جمع من العلويين هناك.قرية من أعمال بغداد مشهورة. ينسب إليها علي الجرجرائي كان من الابدال لا يدخل العمران ولا يختلط بأحد حكى بشر الحافي قال: لقيته على عين ماء فلما أبصرني عدا قال: بذنب مني رأيت اليوم إنسياً! فعدوت خلفه وقلت: أوصني! فالتفت إلي وقال: عانق الفقر وعاشر الصبر وخالف الشهوة واجعل بيتك أخلى من لحدك يوم تنقل إليه على هذا طاب المصير إلى الله تعالى! الجزيرة بلاد تشتمل على ديار بكر ومضر وربيعة وإنما سميت جزيرة لأنها بين دجلة والفرات وهما يقبلان من بلاد الروم وينحطان متسامتين حتى يصبا في بحر فارس وقصبتها الموصل وحران والجزيرة بليدة فوق الموصل تدور دجلة حولها كالهلال ولا سبيل إليها من اليبس إلا واحد قالوا: من خاصية هذه البلاد كثرة الدماميل. قال ابن همام السلولي: أبداً إذا يمشي يحيك كأنّما به من دماميل الجزيرة ناخس وحكي أن ضرار بن عمرو طلع به الدماميل وهو ابن تسعين سنة فتعجب الناس فقالوا: احتملها من الجزيرة! ينسب إليها بنو الأثير الجزريون. كانوا ثلاثة اخوة فضلاء رأيت منهم الضياء كان شيخاً حسن الصورة فاضلاً حلو الحديث كريم الطبع له تصانيف كثيرة منها: المثل السائر كتاب في علم البيان في غاية الحسن وكتاب في شرح الألفاظ الغريبة التي وردت في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهما. |
إذا ما هجاني ناقص لا أجيبه= فإني إذا جاوبته فلي الذنب أنزه نفسي عن مساواة سفلة= ومن ذا يعض الكلب إن عضه الكلب
|
|
|
#18 |
|
محمد العريفي
المؤسس المشرف العام لملتقى القبائل العربية ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
جوهسته قرية من قرى همذان. بها قصر برام جور وبهرام من ملوك الفرس. كان أرمى الناس لم ير رام مثله وهذا القصر عظيم جداً وكله حجر واحد منقورة بيوته ومجالسه وخزائنه وغرفه وشرفاته وسائر حيطانه وهو كثير المجالس والخزائن والدهاليز والغرف. وفي مواضع منها كتابات بالعجمية تتضمن أخبار ملوكهم الماضين وحسن سيرتهم وفي كل ركن من أركانه صورة جارية عليها كتابة وبقربه ناووس الطيبة وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى. جوين ناحية بين خراسان وقهستان كثيرة الخيرات وافرة الغلات. وهي أربعمائة قرية على أربعمائة قناة. والقنوات منشأها من مرتفع من الأرض والقرى على متسفل أحدهما بجانب الآخر.ينسب إليها أبو المعالي عبد الملك بن محمد إمام الحرمين الإمام العلامة ما رأت العيون قبله ولا بعده مثله في غزارة العلم وفصاحة اللسان وجودة الذهن. من رآه من العلماء تحير فيه شاع ذكره في الآفاق فلما كان زمان أبي نصر الكندري وأمر بلعن المذاهب على رأس المنبر فارق الإمام خراسان وذهب إلى الحجاز ودرس بمكة. فانقضت تلك المدة سريعاً بموت طغرلبك وقتل الكندري فعاد إمام الحرمين إلى خراسان وبنى له نظام الملك مدرسة بنيسابور فظهرت تلامذته وانتشرت تصانيفه. وكان في حلقته ثلاثمائة فقيه من الفحول بلغوا مبلغ التدريس كأبي حامد الغزالي وصنف نهاية المطلب عشرين مجلداً. توفي سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. جيلان غيضة بين قزوين وبحر الخزر صعبة المسلك لكثرة ما بها من الجبال والوهاد والأشجار والمياه في كل بقعة ملك مستقل لا يطيع غيره والحرب بينهم قائمة والمطر كثير جداً ربما يستمر أربعين يوماً لا ينقطع ليلا ولا نهاراً ويضجر الناس منه. وبيوتهم من الأخشاب والاخصاص وسط الأشجار ولا حد لكثرة أشجارها الطوال لو كانت بأرض أخرى كان لها قيمة. ونساؤها أحسن النساء صورة لا يستترن عن الرجال يخرجن مكشوفات الوجه والرأس وبها من الخيل الهماليج ما لا يوجد في غيرها من البلاد ولم ير أحسن منها صورة ومشياً. ومن عجائبها ما سمعت ولا صدقت حتى جربت وهو ان المطر إذا دام عندهم ضجروا منه فإن سمعوا بالليل صوت ابن آوى وعقبه نباح كلب يبشر بعضهم بعضاً بصحو الغد وعندهم من بنات آوى والكلاب كثير وهذا شيء أشهر عندهم وجربت مراراً ما أخطأ شيء. مأكولهم الرز الجيد المولاني والسمك ويؤدون زكاة الرز ولا يتركونه أصلاً. ويقتنون دود الابريسم شغل رجالهم زراعة الرز وشغل نسائهم تربية دود القز والرزق الحلال في زماننا عندهم. ونساؤهم ينسجن الميازر والمشدات الفرية الملاح وتحمل منها إلى سائر البلاد. ومن عاداتهم أن فقهاءهم في كل سنة يستأذنون من الأمير الأمر بالمعروف فإذا أذن لهم أحضروا كل واحد كائناً من كان وضربوه مائة خشبة فربما يحلف الرجل أيماناً انه ما شرب ولا زنى فيقول الفقيه: ايش صنعتك فيقول: بقال أنا! فيقول: أما كان بيدك الميزان فيقول: نعم. فيأمر بضربه مائة! ينسب إليها الشيخ محمد بن خالد الملقب بنور الدين. كان شيخاً عظيم الشأن ظاهر الكرامات. رأيته في صغر سني كان شيخاً مهيباً وضيء الوجه طويل القامة كث اللحية طويلها ما رآه أحد ولو كان ملكاً إلا أخذته هيبته. له مصنفات في عجائب أحواله ومشاهدته الملائكة والجنة والنار وأحوال الأموات وخواص الأذكار والآيات. حكى بعض من صحبه قال: سرنا ذات يوم فرفع لنا خان فقصدناه فقال بعض السابلة: لا تدخلوا الخان فإن يأوي إليه سبع! فقال الشيخ: نتكل على الله. فدخلناها وفرش الشيخ مصلاءة يصلي فسمعت زئير الأسد فأنكرت في نفسي على الشيخ لدخول الخان فدخل الخان سبع هائل فلما رآنا جعل يأتينا إتياناً ليناً لا إتيان صائل وأنا أنظر إلى شكله فذهب عقلي فهربت إلى الشيخ وجعلته بيني وبين الأسد فجاء وافترش عند مصلى الشيخ فلما فرغ الشيخ من صلاته مسح رأسه وقال بالعجمية: فارق هذا الموضع ولا ترجع تفزع الناس ههنا! فقام السبع وخرج من الخان ولم يره أحد بعد ذلك هناك. الحضر مدينة كانت بين تكريت وسنجار مبنية بالحجارة المهندمة كان على سورها ستون برجاً كباراً بين البرج والبرج تسعة أبراج صغار بإزاء كل برج قصر وإلى جانبه حمام. وبجانب المدينة نهر الثرثار وكان نهراً عظيماً عليه جنان بناها الضيزن بن معاوية وكان من قضاعة من قبل شابور بن اردشير ملك الفرس وقد طلسمها أن لا يقدر على هدمها إلا بدم الحمامة الورقاء ودم حيض المرأة الزرقاء وإياها أراد عدي بن زيد: وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة تجبى إليه والخابور شاده جندلاً وجلّله كلساً وللطّير في ذراه وكور فاتفق أنه ظهر لشابور خصم بخراسان فذهب إليه وطالت غيبته فعصى ضيزن عليه واستوى على بلاد الجزيرة وأغار على بلاد الفرس وخرب السواد وأسر ماه أخت شابور الملك. فلما عاد شابور من خراسان وأخبر بما فعل ضيزن ذهب إليه بعساكره وحاصره سنين ولم يظفر بشيء فهم بالرجوع فصعدت النصيرة بنت الضيزن السطح ورأت شابور فعشقته فبعثت إليه أن ما لي عندك ان دللتك على فتح هذه المدينة فقال شابور: آخذك لنفسي وأرفعك على نسائي. فقالت: خذ من دم حمامة ورقاء واخلطه بدم حيض امرأة زرقاء واكتب بهما واشدده في عنق ورشان وأرسله فإنه إذا وقع على السور تهدم! ففعل كما قالت فدخل المدينة وقتل مائة ألف رجل وأسر البقية وقتل ضيزن وأنسابه فقال الحدس بن الدلهاث: ألم يجزيك والأبناء تمنى بما لاقت سراة بني العبيد أتاهم بالفيول مجلّلاتٍ وبالأبطال شابور الجنود فهدّم من بروج الحضر صخراً كأنّ ثقاله زبر الحديد! ثم سار شابور إلى عين التمر وعرس بالنصيرة هناك فلم تنم هي تلك الليلة تململاً على فراشها فقال لها شابور: ما أصابك فقالت: لم أنم قط على فراش أخشن من هذا! فنظر فإذا في الفراش ورقة آس لصقت بين عكنتين من عكنها فقال لها شابور: بم كان أبواك يغذوانك قالت: بشهد الأبكار ولباب البر ومخ الثنيان! فقال شابور: أنت ما وفيت لأبويك مع حسن صنيعهما بك فكيف تفين لي ثم أمر أن تصعد بناء عالياً وقال: ألم أرفعك فوق نسائي قالت: بلى! فأمر بفرسين جموحين وشدت ذوائبها في ذنبيهما ثم استحضرا فقطعاها قال عدي بن زيد: والحضر صبّت عليه داهيةً شديدة أيدٍ مناكبها ربيبةٌ لم ترقّ والدها بحبّها إذ ضاع راقبها فكان حظّ العروس إذ جشر الصّبح دما يجري سبايبها حصن حصين بطبرستان كان في قديم الزمان خزانة ملوك الفرس وأول من اتخذه منوجهر بن ايرج بن فريدون وهو نقب في موضع عال في جبل صعب المسلك والنقب يشبه باباً صغيراً فإذا دخله الإنسان مشى نحو ميل في ظلمة شديدة ثم يخرج إلى موضع واسع شبيه بمدينة قد أحاطت به الجبال من جميع الجوانب. وهي جبال لا يمكن صعودها لارتفاعها وفي هذه السعة مغارات وكهوف وفي وسطها عين غزيرة الماء ينبع من ثقبة ويغور في أخرى وبينهما عشرة أذرع. وكان في أيام الفرس يحفظ هذا النقب رجلان معهما سلم يدلونه من الموضع إذا أراد أحدهما النزول في دهر طويل وعندهما ما يحتاجان إليه لسنين كثيرة. ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن ملك العرب طبرستان فحاولوا الصعود عليه فتعذر عليهم ذلك إلى أن ولي المازيار طبرستان فقصد هذا الموضع وأقام عليه مدة حتى صعد رجل من أصحابه إليه فدلى حبالاً وأصعد قوماً فيهم المازيار فوقف على ما في تلك الكهوف من الأموال والسلاح والكنوز وكان بيده إلى أن مات. وانقطع السبيل إليه إلى هذه الغاية. ومن العجائب ما ذكره ابن الفقيه انه إلى جانب هذا الطاق شبيه بالدكان إذا لطخ بعذرة أو شيء من الأقذار ارتفعت في الحال سحابة فمطرت عليه حتى تغسله وتنظفه وان ذلك مشهور عندهم لا يتمارى فيه اثنان.مدينة بين همذان وبغداد. كانت عامرة طيبة والآن خراب وتينها ورمانها في غاية الطيب لم يوجد في شيء من البلاد مثلهما. وفي حواليها عدة عيون كبريتية ينتفع بها من عدة أدواء. وكان بها نخلتان مشهورتان على طريق السابلة وصل إليهما مطيع بن اياس فقال: أسعداني يا نخلتي حلوان وابكيا لي من ريب هذا الزّمان واعلما أنّ ريبه لم يزل يفرّق بين الألاّفي والجيران واسعداني وأيقنا أنّ نحساً سوف يأتيكما فتفترقان! حكى المدائني أن المنصور اجتاز عليهما وكان إحداهما على الطريق ضيقت على الأحمال والثقال فأمر بقطعها فأنشد قول مطيع فقال: والله لا كنت ذلك النحس! ثم اجتاز المهدي بهما واستطاب الموضع ودعا لحسنه المغنية وقال لها: أما ترين طيب هذا الموضع غنيني بحياتي! فغنت: أيا نخلتي وادي بوانة حبّذا إذا نام حرّاس النّخيل جناكما! فقال لها: أحسنت! لقد هممت بقطع هاتين النخلتين فمنعتني. فقالت: أعيذك بالله أن تكون نحسهما! وأنشدت قول مطيع ثم اجتاز بهما الرشيد عند خروجه إلى خراسان وقد هاج به الدم بحلوان فأشار عليه الطبيب بأكل الجمار فطلب ذلك من دهقان حلوان فقال: ليست أرضنا أرض نخل لكن على العقبة نخلتان فاقطعوا إحداهما. فقطعوا. فلما اجتاز الرشيد بهما وجد إحداهما مقطوعة والأخرى قائمة وعليها مكتوب: واعلما إن بقيتما أنّ نحساً سوف يأتيكما فتفترقان! فاغتم الرشيد لذلك وقال: لقد عز علي ان كنت نحسهما ولو كنت سمعت هذا الشعر ما قطعت هذه النخلة ولو قتلني الدم! فاتفق انه لم يرجع من ذلك السفر. الحويزة كورة بين واسط والبصرة وخوزستان في وسط البطائح في غاية الرداءة. كتب وفادار بن خودكام إلى صديق له كتاباً من الحويزة: وما أدراك ما الحويزة! دار الهوان ومنزل الحرمان! ثم ما أدراك ما الحويزة! أرضها رغام وسماؤها قتام وسحابها جهام وسمومها سهام ومياهها سمام وطعامها حرام وأهلها لئام وخواصها عوام وعوامها طغام! لا يروي ريعها ولا يرجى نفعها ولا يمري ضرعها ولا يرعى زرعها ولقد صدق الله قوله فيها: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات! وأنا منها بين هواء وبيء وماء رديء وشباب غمر وشيخ غوي يتخذون الغمر أدباً والزور إلى أرزاقهم سبباً يأكلون الدنيا سلباً إذا سقى الله أرضاً صوب غاديةٍ فلا سقاها سوى النّيران تضطرم ينسب إليها أبو العباس أحمد بن محمد الحويزي وكان من أعاجيب الزمان في الجمع بين الأمور المتضادة: كان ذا فضل وتمييز وجور وظلم مع إظهار الزهد والتقشف والتسبيح الدائم والصلاة الكثيرة. وإذا عزل اشتغل بمطالعة الكتب ويظهر انه أراد العزل وكره العمل وخدمة الظلمة فقال أبو الحكم الأندلسي: رأيت الحويزيّ يهوى الخمول ويلزم زاوية المنزل لعمري لقد صار حلساً له كما كان في الزّمن الأوّل يدافع بالشّعر أوقاته وإن جاع طالع في المجمل! وإذا خرج صار أظلم مما كان حتى انه في بعض ولاياته كان نائماً على سطح فصعدوا إليه ووجأوه بالسكين. الحيرة مدينة كانت في قديم الزمان بأرض الكوفة على ساحل البحر فإن بحر فارس في قديم الزمان كان ممتداً إلى أرض الكوفة والآن لا أثر للمدينة ولا للبحر ومكان المدينة دجلة.ينسب إليها النعمان بن امريء القيس صاحب الحيرة من ملوك بني لخم. بنى بالحيرة قصراً يقال له الخورنق في ستين سنة قصراً عجيباً ما كان لأحد من الملوك مثله. فبينا هو ذات يوم جالس على الخورنق إذ رأى البساتين والنخل والأشجار والأنهار مما يلي المغرب والفرات مما يلي المشرق والخورنق مكانه فأعجبه ذلك وقال لوزيره: أرأيت مثل هذا المنظر وحسنه فقال: ما رأيت أيها الملك لا نظير له لو كان دائماً! فقال له: ما الذي يدوم فقال: ما عند الله في الآخرة! فقال: بم ينال ذلك فقال: بترك الدنيا وعبادة الله! فترك النعمان الملك وليس المسح ورافقه وزيره ولم يعلم خبرهما إلى الآن قال عدي بن زيد: وتبيّن ربّ الخورنق إذ أشرف يوماً وللهدى تفكير سرّه ما رأى وكثرة ما يم لك والبحر معرضاً والسّدير فارعوى قلبه وقال: فما غب طة حيٍّ إلى الممات يصير ثمّ بعد الفلاح والملك والإ مّة وارتهم هناك القبور! ثمّ صاروا كأنّهم ورقٌ جفّ فألوت به الصّبا والدّبور وينسب إليها أبو عثمان إسماعيل الحيري. كان من عباد الله الصالحين. حكي من كرم أخلاقه ان رجلاً دعاه إلى ضيافته فذهب إليه فلما انتهى إلى باب داره قال: ما لي وجه الضيافة! فرجع ثم طلبه بعد ذلك مرة أخرى فأجابه فلما انتهى إلى باب داره قال له مثل ذلك ثم دعاه مرة ثالثة وقال له مثل ذلك. فعاد الشيخ فقال الداعي: اني أردت أن أجربك وجعل يمدحه فقال الشيخ: لا تمدحني على خلق يوجد في الكلاب إذا دعي الكلب أجاب وإن زجر انزجر! توفي سنة ثمان وتسعين ومائتين. حيزان بليدة ذات بساتين كثيرة ومياه غزيرة من بلاد ديار بكر بقرب إسعرت. بها الشاهبلوط وليس الشاهبلوط في شيء من بلاد الجزيرة والشام والعراق إلا بها. والبندق أيضاً بها كثير. خاوران ناحية ذات قرى بخراسان. بها خيرات كثيرة وينسب إليها الوزير أبو علي شاذان كان وزيراً لملوك بني سامان وبقي في الوزارة مدة طويلة حتى يوزر الآباء والأبناء منهم ولطول مدة وزارته قيل فيه: وقالوا العزل للعمّال حيضٌ نجاه الله من حيضٍ بغيض فإن يك هكذا فأبو عليٍّ من اللاّتي يئسن من المحيض وينسب إليها أسعد الميهني. كان عالماً فاضلاً مشهوراً بالعلم والعمل مدرساً للمدرسة النظامية ببغداد. وينسب إليها الشيخ أبو سعيد بن أبي الخير. وهو الذي وضع طريقة التصوف وبنى الخانقاه ورتب السفرة في اليوم مرتين وآداب الصوفية كلها منسوبة إليه وكذا الانقطاع عن الدنيا. ذكر في مقاماته انه قال: ان الله تعالى وكل بي أسود على عاتقه عصاً كلما فترت عن الذكر تعرض لي وقال لي: قل الله! وحكي انه كان لأبي سعيد رفيق أول أمره في طلب العلم فلما كان آخره قال له ذلك الرفيق: بم وصلت فقال له أبو سعيد: أتذكر وقتاً كنا نقرأ التفسير على أستاذنا فلان قال: نعم. قال: فلما انتهينا إلى قوله: قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون. عملت بهذه الآية! وحكي انه كان في خدمته رجلان: كان لأحدهما مئزران والآخر لا مئزر على رأسه فوقع في قلبه ان صاحب المئزرين يؤثر أحدهما له ثم منعه عن ذلك مانع حتى كان ذلك ثلاث مرات فقال للشيخ: الخاطر الذي يخطر لنا من الله أو من أنفسنا فقال: ان كان لخير فمن الله ولا يخاطب في مئزر أكثر من ثلاث مرات. ومشايخ الصوفية كلهم تلامذة أبي سعيد وآدابهم مأخوذة من أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم.وينب إليها الأنوري الشاعر شعره في غاية الحسن ألطف من الماء شعره بالعجمية كشعر أبي العتاهية بالعربية. خراسان بلاد مشهورة. شرقيها ما وراء النهر وغربيها قهستان. قصبتها مرو وهراة وبلخ ونيسابور. وهي من أحسن أرض الله وأعمرها وأكثرها خيراً وأهلها أحسن الناس صورة وأكملهم عقلاً وأقومهم طبعاً وأكثرهم رغبة في الدين والعلم. أخبرني بعض فقهاء خراسان أن بها موضعاً يقال له سفان به غار من دخله برأ من مرضه أي مرض كان. وبها جبل كلستان. حدثني بعض فقهاء خراسان أن في هذا الجبل كهفاً شبه ايوان وفيه شبه دهليز يمشي فيه الإنسان منحنياً مسافة ثم يظهر الضوء في آخره ويتبين محوط شبه حظيرة فيها عين ينبع الماء منها وينعقد حجراً على شبه القضبان. وفي هذه الحظيرة ثقبة يخرج منها ريح شديدة لا يمكن دخولها من شدة الريح. بها نهر الرزيق بمرو عليه سقي بساتينهم وزروعهم وعليه طواحينهم. وانه نهر مبارك تبرك به المسلمون في الوقعة العظيمة التي كانت بين المسلمين والفرس. قتل فيه يزدجرد بن شهريار آخر الأكاسرة في زمن عمر بن الخطاب. وذاك أن المسلمين كشفوا الفرس كشفاً قبيحاً فمنعهم النهر عن الهرب ودخل كسرى طاحونة تدور على الرزيق لما فاته الهرب وكان عليه سلب نفيس طمع الطحان في سلبه فقتله وأخذ سلبه. بها عين فراوور وفراوور اسم موضع بخراسان. حدثني بعض فقهاء خراسان قال: من المشهور عندنا أن من اغتسل بماء العين التي بفراوور أو غاص فيه يزول عنه حمى الربع. وينسب إليها أبو عبد الرحمن حاتم بن يوسف الأصم من أكابر مشايخ خراسان وكان تلميذ شقيق البلخي لم يكن أصم لكن تصامم فسمي بذلك وسببه أن امرأة حضرت عنده تسأله مسألة فسبقت منها ريح فقال لها: إني ثقيل السمع ما أسمع كلامك فارفعي صوتك! وإنما قال ذلك لئلا تخجل المرأة ففرحت المرأة بذلك. حكى عن نفسه انه كان في بعض الغزوات فغلبه رجل تركي وأضجعه يريد ذبحه. قال: ولم يشتغل قلبي به بل انتظر ماذا حكى الله تعالى قال: فبينا هو يطلب السكين من جفنه إذ أصابه سهم عرب قتله وقمت أنا. توفي سنة سبع وثلاثين ومائتين. وينسب إليها الشيخ حبيب العجمي وكان من الابدال ظاهر الكرامات. حكي ان حسناً البصري دخل عليه وقت صلاة المغرب فدخل مسجداً ليصلي فيه وكان حبيب العجمي يصلي فيه فكره أن يصلي خلفه لكونه عجمياً يقع في قراءته لحن فما صلى خلفه. فرأى في نومه: لو صليت خلفه لغفرنا ما تقدم من ذنبك وما تأخر! ورئي حبيب في النوم بعد وفاته فقيل له: ما فعل الله بك فقال: ذهبت العجمة وبقيت النعمة. وبها الثعلب الطيار. ذكر الأمير أبو المؤيد بن النعمان أن بخراسان شعباً يسمى بحراً ومن ناحية بروان بها صنف من الثعلب له جناحان يطير بهما فإذا ابتدأ بالطيران يطير مقدار غلوة سهم أو أكثر ثم يقع ويطير طيراناً دون الأول ثم يقع ويطير طيراناً دون الثاني. وبها فارة المسك. وهو حيوان شبيه بالخشف حين تضعه الظبية تقطع منه سرته فيصير مسكاً. خرقان مدينة بقرب بسطام بينهما أربعة فراسخ ينسب إليها الشيخ أبو القاسم الخرقاني من المشايخ الكبار المذكور في طبقاتهم. له بخرقان قبر ذكروا أن من حضر هناك يغلبه قبض شديد جداً. خوار بلدة من بلاد قهستان بين الري ونيسابور. بها قطن كثير يحمل منها إلى سائر البلاد. ينسب إليها الجلال الخواري. كان واعظاً عديم النظير في زمانه صاحب النظم والنثر والبديهة والقبول التام عند الخواص والعوام. حكي أن السلطان طغرل بن أرسلان وصل إلى الري وعساكره أرسلوا خيلهم في مزدرعاتهم فذهب صدر الدين الوزان وأخذ معه الجلال الخواري حتى يذكر عند السلطان فصلاً ويعرفه حال المزارع. فلما دخل صدر الدين على السلطان مع أصحابه تخلف الجلال منعه البواب فلما دخلوا أرادوا الجلال ليتكلم فقالوا: منعه البواب. فاستأذنوا له من السلطان فأذن فلما دخل شرع في الكلام. قال له السلطان: اجلس. فجلس وقال: داعي دولتت كه بفرمان نشسته است انجا بباي بوذ كي دربان نشسته است بروانه زشمع سلاطين بذو رسيد كفتاكي اندر آي كه سلطان نشسته است جون سجده كه بديذم بروانه سهو كفت كه اسكندر بجاي سليمان نشسته است دعوى همي كنم كه جوتو نيست درجهان واينك كواه عدل كه وزان نشسته است كردستور توكه جو مور اند وجون ملخ بر خوشهاء ودانه دهقان نشسته است باران عدل بار كه اين خاك بيالهاست تا براميد وعده باران نشسته است أنشد هذه الأبيات ارتجالاً فتعجب الحاضرون واستحسن السلطان ذلك وأمر بإزالة التعرض خواف مدينة بخراسان بقرب نسا كبيرة آهلة ذات قرى وبساتين ومياه كثيرة. ينسب إليها الإمام أبو المظفر الخوافي مشهور بالفضل سيما في علم الجدل. وكان من خيار تلامذة إمام الحرمين وكان إمام الحرمين تعجبه مناظرته ومطالبه الصحيحة وفنونه الدقيقة فاختاره لمصاحبته ومحادثته. حكي أن بعض الفضلاء حضر حلقة إمام الحرمين واستدل استدلالاً جيداً وقام مشهوراً وكان الخوافي غير حاضر فلما حضر ذكر له ذلك فقال: ان المقدمة الفلانية ممنوعة فكيف سلمتموها وذهب إلى المستدل وطلب منه إعادة الدليل وما قام من عنده حتى أفحمه. خوست مدينة من بلاد الغور بقرب باميان حدثني أوحد المقري الغزنوي ان في بعض السنين أصاب أهل هذه المدينة قحط فوجدوا صنفاً من الحب زرعوه وأكلوا منه ضرورة فأصابهم مرض في أرجلهم فصاروا جميعاً عرجاً فكان يأتي كل واحد بعصاتين. دامسيان من قرى قزوين بينهما عشرة فراسخ لأهل هذه القرية شبكة عظيمة جداً وهي مشتركة بين أهل القرية: لأحدهم حبة ولآخر نصف حبة وعلى هذا يبيعونها ويشترونها ويرثونها. وفي كل سنة أو مرتين ينصبون هذه الشبكة ويسوقون الصيد إليها فإذا دخلت فيها سدوا بابها ودخلوا فيها يرمونها بالنشاب والمقالع والعصي فيدخلها شيء كثير من الصيد فيقسمونها فيما بينهم على قدر ملكهم في الشبكة ويقددون لحومها. دامغان بلد كبير بين الري ونيسابور كثير الفواكه والمياه والأشجار قال مسعر ابن مهلهل: الرياح لا تنقطع بها ليلاً ونهاراً. من عجائبها مقسم للماء كسروي يخرج ماؤه من مغارة ثم ينقسم إذا انحدر منه على مائة وعشرين قسماً لمائة وعشرين رستاقاً لا يزيد أحد الأقسام على الآخر ولا يمكن تأليفه إلا على هذه النسبة وإنه مستطرف جداً. ومن عجائبها فلجة في جبل بين دامغان وسمنان تخرج منها في وقت من السنة ريح لا تصيب أحداً إلا أهلكته. وهذه الفلجة طولها فرسخ وعرضها نحو أربعمائة ذراع وإلى فرسخين ينال المارة أذاها ليلاً ونهاراً من إنسان أو دابة أو حيوان وقل من يسلم منها إذا صادف زمانها.وبها جبل قال صاحب تحفة الغرائب: هو جبل مشهور عليه عين ان ألقي فيها نجاسة يهب هواء قوي بحيث يخاف منه الهدم والخراب. وبها عين يقال لها باذخاني قال صاحب تحفة الغرائب: من أعمال دامغان قرية يقال لها كهن بها عين تسمى باذخاني إذا أراد أهل القرية هبوب الريح لتنقية الحب عند الدياس أخذوا خرقة الحيض ورموها في تلك العين فيتحرك الهواء ومن شرب من ذلك الماء ينتفخ بطنه ومن حمل معه شيئاً منه فإذا فارق منبعه يصير حجراً. داوردان بلدة كانت من غربي واسط على فرسخ منها قال ابن عباس: وقع فيها طاعون فهرب منها عامة أهلها ونزلوا ناحية منها فهلك بعض من أقام بها وسلم بعض. فلما ارتفع الطاعون رجع الهاربون فقال من بقي من المقيمين: أصحابنا الطاعنون احرم منا فلو وقع الطاعون مرة أخرى لنخرجن! فوقع الطاعون في القابل فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفاً حتى نزلوا ذلك المكان وكان واد أفيح فناداهم ملك من أسفل الوادي وأعلاه أن موتوا فماتوا عن آخرهم. فاجتاز عليهم حزقيل النبي عليه السلام فسأل الله تعالى أن يحييهم فأحياهم الله في ثيابم التي ماتوا فيها فرجعوا إلى قومهم أحياء ويعرفون أنهم كانوا موتى بوجوههم حتى حتى ماتوا بآجالهم المحتومة وذلك قوله تعالى: ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا فماتوا ثم أحياهم! وبنوا في الموضع الذي ذهبوا إليه ديراً يسمى دير حزقيل وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. دور قرية من قرى بغداد من أعمال دجيل. ينسب إليها يحيى بن محمد بن هبيرة وزير المقتفي. كان وزيراً ذا رأي وعلم ودين وثبات في الأمور. حكى الوزير وقال: تطاول علينا مسعود بن محمود السلجوقي فعزم المقتفي أن يحاربه فقلت: هذا ليس بصواب! ولا وجه لنا إلا الالتجاء إلى الله. فاستصوب رأيي فخرجت من عنده يوم الجمعة لأربع وعشرين من جمادى الأولى وقلت: ان النبي عليه السلام دعا شهراً فينبغي أن ندعو شهراً. ثم لازمت الدعاء كل ليلة إلى أن كان يوم الرابع والعشرين من جمادى الآخرة فجاء الخبر بأن السلطان مات على سرير ملكه وتبدد شمل أصحابه وأورثنا الله أرضهم وديارهم. حكي أنه قبل وزارته كان بينه وبين رجل بغدادي ساكن بالجانب الغربي صداقة فسلم الرجل إلى يحيى ثلاثمائة دينار وقال له: إذا أنا مت جهزني منها وادفني بمقبرة معروف الكرخي وتصدق بالباقي على الفقراء. فلما مات قام يحيى وجهزه ودفنه كما وصى والذهب في كمه عائداً إلى الجانب الشرقي قال: فوقفت على الجسر فسقط الذهب من كمي في الماء وهو مربوط في منديل فضربت بيدي على الأخرى وحولقت فقال رجل: ما لك فحكيت له فخلع ثيابه وغاص وطلع والمنديل في فمه فأخذت المنديل وأعطيته منها خمسة دنانير ففرح بذلك ولعن أباه فأنكرت عليه فقال: انه مات وأزواني! فسألته عن أبيه فإذا هو ابن الرجل الميت فقلت: من يشهد لك بذلك فأتى بمن شهد له انه ابن ذلك الميت فسلمت إليه المال. وكان كثيراً ما ينشد لنفسه: يا أيّها النّاس إني ناصحٌ لكم فعوا كلامي فإني ذو تجاريب لا تلهينّكم الدّنيا بزخرفها فما يدوم على حسنٍ ولا طيب! وحكى عبد الله بن زر قال: كنت بالجزيرة فرأيت في نومي فوجاً من الملائكة يقولون: مات الليلة ولي من أولياء الله! فتحدثت بها وأرختها فلما رجعت إلى بغداد وسألت قالوا: مات في تلك الليلة الوزير ابن هبيرة رحمة الله عليه! وحكى عبد الله بن عبد الرحمن المقري قال: رأيت الوزير ابن هبيرة في النوم فسألته عن حاله فأجاب: فوجدنا مضاعفاً ما كسبنا ووجدنا محمّصاً ما اكتسبنا دوراق بلدة بخوزستان. بها حمات كثيرة يقصدها أصحاب العاهات قال الشيخ عمر التسليمي: إنها عيون كثيرة تنبع في جبل كلها حارة فربما يصعد منها دخان يلتهب فترى شعلته أحمر وأخضر وأصفر وأبيض ويجتمع في حوضين أحدهما للرجال والآخر للنساء فمن نزل فيه يسيراً يسيراً ينتفع به ومن طفر فيه يحترق بطنه ويتنفط. ديار بكر ناحية ذات قرى ومدن كثيرة بين الشام والعراق قصبتها الموصل وحران وبها دجلة والفرات. من عجائبها عين الهرماس وهي بقرب نصيبين على مرحلة منها وهي مسدودة بالحجارة والرصاص لئلا يخرج منها ماء كثير فتغرق المدينة. حكي أن المتوكل على الله لما وصل إلى نصيبين سمع بأمر هذه العين وعجيب شأنها وكثرة مائها فأمر بفتح بعضها ففتح منها شيء يسير فغلب الماء غلبة عظيمة فأمر في الحال بسدها وردها إلى ما كانت فمن هذه العين تحصل عين الهرماس وتسقي نصيبين وفاضلها ينصب إلى الخابور ثم إلى الثرثار ثم إلى دجلة.دير بين الموصل وإربل يقصده الناس لدفع الصرع فيبرأ منهم كثير. دير الجودي وهو دير مبني على قلة الجودي وهو جبل استوت عليه سفينة نوح عليه السلام قيل: انه مبني منذ أيام نوح ولم تجدد عمارته إلى هذا الوقت زعموا أن سطحه يشبر فيكون عشرين شبراً مثلاً ثم يشبر فيكون اثنين وعشرين ثم يشبر فيكون ثمانية عشر فكلما شبر اختلف عدده. دير حزقيل دير مشهور بين البصرة وعسكر مكرم وهو بالموضع الذي ذهب إليه أهل داوردان الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا فماتوا ثم أحياهم. فبنوا ذلك الموضع ديراً وهو منسوب إلى حزقيل النبي عليه السلام حكى أبو العباس المبرد قال: اجتزت به فقلت لأصحابي: أريد أن أدخله. فدخلناه فرأينا منظراً حسناً وإذا في بعض بيوته كهل مشدود حسن الصورة عليه آثار النعمة فسلمنا عليه فرد علينا السلام وقال: من أين أنتم يا فتيان قلنا: من البصرة. فقال: ما أقدمكم هذا البلد الغليظ هواؤه الثقيل ماؤه الجفاة أهله لمّا اناخوا قبيل الصّبح عيسهم وثوّروها فسارت بالهوى الإبل وأبرزت من خلال السّجف ناظرها ترنو إليّ ودمع العين منهمل وودّعت ببنانٍ خلته عنماً فقلت: لا حملت رجلاك يا جمل! إني على العهد لم أنقض مودّتهم يا ليت شعري بطول العهد ما فعلوا فقال له فتى من المجان كان معنا: مات! قال: أفأموت أنا أيضاً قال له: مت راشداً! فتمطى وقضى نحبه. دير الخنافس قال الخالدي: هذا الدير بغربي دجلة بقرب الموصل على قلة جبل شامخ وهو دير صغير لا يسكنه أكثر من راهبين وهو نزه لعلوه على الضياع وإشرافه على أنهار نينوى. وله عيد في كل عام مرة يقصده أهل تلك الضياع ثلاثة أيام تسود حيطانه وسقوفه وفرشه من الخنافس الصغار اللواتي كالنمل فإذا انقضت تلك الأيام لا يوجد في تلك الأرض من تلك الخنافس واحدة. فإذا علم الرهبان بدنو تلك الأيام يخرج ما في الدير من القماش وهذا أمر مشهور هناك يعرفه أهل تلك الناحية.بغربي الموصل وهو دير حسن البناء واسع الفناء يكتسي أيام الربيع طرائف الأزهار وغرائب الأنوار. ولتربتها خاصية عجيبة في دفع أذية لدغ العقارب حتى لو ذرت في بيتها ماتت. دير العذارى بين الموصل وباجرمى وهو دير قديم به نساء عذارى قد ترهبن وأقمن به للعبادة. حكى أبو الفرج الأصفهاني انه بلغ بعض الملوك ان فيهن نساء ذوات جمال فأمر بحملهن إليه ليختار منهن ما شاء فبلغهن ذلك فقمن ليلتهن يصلين ويستكفين شره. فطرق ذلك الملك طارق أبلغه من ليلته فأصبحن صياماً فلذلك تصوم النصارى صوم العذارى إلى الآن. وحكى الجاحظ أن فتياناً من ثعلبة أرادوا القطع على مال يمر بهم بقرب دير العذارى فجاءهم من أخبرهم أن السلطان قد علم بهم وبعث الخيل في طلبهم فاختفوا في دير العذارى إلى أن عرفوا أن الخيل رجعت من الطلب فأمنوا فقال بعضهم: ما الذي يمنعكم أن تأخذوا هذا القس وتشدوه وثيقاً ثم يخلو كل واحد منكم بواحدة من هؤلاء الأبكار فإذا طلع الفجر تفرقتم في البلاد ففعلوا ما أجمعوا عليه فوجدوا كلهن ثيبات فرع القس منهن قبلهم فقال بعضهم: ودير العذارى فضوحٌ لهنّ وعند القسوس حديثٌ عجيب إذا هنّ يزهرن زهر الظّراف وباب المدينة فجٌّ رحيب وقد بات بالدّير ليل التّمام فحولٌ صلابٌ وجمعٌ مهيب وللقسّ حزنٌ يهيض القلوب ووجدٌ يدلّ عليه النّحيب وقد كان عيراً لذي عانةٍ فصبّ على العير ليثٌ هبوب دير القيارة بقرب الموصل في الجانب الغربي مشرف على دجلة تحته عين تفور بماء حار يصب في دجلة ويخرج معه القار فما دام القار في مائة فهو لين فإذا فارق الماء وبرد جف. ويحصل منها قير كثير يحمل إلى البلاد وأهل الموصل يقصدون هذا الموضع للنزه ويستحمون بهذا الماء فإنه يقلع البثور وينفع من أمراض كثيرة. دير كردشير في وسط مفازة معطشة مهلكة بين الري والقم. لولا هذا الدير لم يتيسر قطعها. بناها أردشير بن بابك وهو حصن عظيم هائل البناء عالي السور مبني بآجر كبار وفيه أبنية وآزاج وعقود وصحنه قدر جريبين أو أكثر. وحوله صهاريج منقورة في الحجارة واسعة تشرب السابلة منها طول السنة. وعلى بعض أساطينه مكتوب: كل آجرة من هذا الدير تقوم بدرهم وثلثين وثلاثة أرطال خبز ودانق توابل وقنينة خمر فمن صدق فبذلك وإلا فلينطح رأسه بأي أركانه شاء. دير متى بشرقي الموصل على جبل شامخ من أشرفه ينظر إلى جميع رستاق نينوى. وهو دير عجيب البناء أكثر بيوته منقورة في الصخر فيه نحو مائة راهب لا يأكلون إلا جمعاً في بيت الشتاء أو بيت الصيف وهما منقوران في صخر كل بيت منهما يسع جميع الرهبان وفي كل بيت عشرون مائدة منقورة من الصخر وفي ظهر كل واحدة منها بويت عليه باب مغلق فيه آلة المائدة من غضارة وظروفية وسكرجة لا تختلط آلة هذه بآلة هذه. ولرأس الدير مائدة لطيفة على دكان في صدر البيت يجلس إليها وحده. وكل ذلك منحوت من الحجر ملصق بالأرض. دير مر توما بميافارقين على فرسخين منها في جبل عال. له عيد يجتمع الناس إليه وينذر له النذور ومر توما شاهد فيه تزعم النصارى أن له ألف سنة وزيادة وانه ممن شاهد عيسى عليه السلام دير مر جرجيس على جبل عال بقرب جزيرة ابن عمر. على بابه أشجار لا يدرى ما هي لها ثمرة شبيهة باللوز طيبة الطعام وبها زرازير لا تفارقه صيفاً ولا شتاء ولا يقدر أحد على صيد شيء منها البتة وبالليل يظهر حوله أفاع لا يستطيع أحد أن يسير في جبله ليلاً من كثرة الأفاعي كل ذلك عن الخالدي. رأس العيس مدينة بين حران ونصيبين في فضاء من الأرض بها عيون كثيرة عجيبة صافية تجتمع كلها فيصير نهر الخابور وأشهرها عين الصرار فإنها لصفاء مائها تبين الحصاة في قعرها وعمقها أكثر من عشرة أذرع نثر المتوكل فيها عشرة آلاف درهم فأخرجها أهل المدينة جميعاً ما ضاع منها درهم ومنبع هذا الماء من صخر صلد يخرج منه ماء كثير بقوة. رحبة الشام مدينة مشهورة ينسب إليها أبو جابر الرحبي كان من أصحاب الكرامات الظاهرة. حكى أبو جابر قال: رأيت أهل الرحبة ينكرون كرامات الأولياء فركبت سبعاً ذات يوم ودخلت المدينة روذبار بلاد بأرض الجبال كلها جبال ووهاد وأشجار ومياه وعماراتها قرى وقلاع حصينة وسكانها ديالم. ينسب إليها أبو علي أحمد بن محمد الروذباري أصله من روذبار وسكن بغداد وسمع الحديث من إبراهيم الحربي وأخذ الفقه من أبي العباس بن شريح والأدب من ثعلب وصحب الجنيد. حكى أبو منصور معمر الأصفهاني انه قال: سمعت أبا علي الروذباري انه قال: أنفقت على الفقراء كذا وكذا ألفاً وما جعلت يدي فوق يد فقير بل كانوا يأخذونه مني ويدهم فوق يدي. توفي بمصر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. وينسب إليها أبو عبد الله أحمد بن عطاء الروذباري. كان ابن أخت أبي علي حكي انه كان راكباً على جمل فغاصت رجله في الرمل فقال: جل الله! فقال الجمل أيضاً: جل الله! وحكي أنه دعي يوماً هو وأصحابه إلى دعوة فإذا هم يمشون على الطريق فقال إنسان: هؤلاء الصوفية مستحلون أموال الناس! وبسط لسانه فيهم وقال: ان واحداً منهم استقرض مني مائة درهم ولم يردها إلي ولست أدري أين أطلبه فقال أبو عبد الله لصاحب الدعوة وكان محباً له ولهذه الطائفة: ائتني بمائة درهم! فأتى بها فقال لبعض أصحابه: احمل إلى ذلك الإنسان وقل له ان هذا الذي استقرض منك بعض أصحابنا وقد وقع لنا خبره عذر. روذراور كورة بقرب همذان على ثلاثة فراسخ منها. وهي ثلاث وتسعون قرية متصلة المزارع ملتفة الجنان مطردة الأنهار. في أشجارها جميع أنواع الفواكه لطيب تربتها وعذوبة مائها ولطافة هوائها. أرضها تنبت الزعفران وليس في جميع الأرض موضع ينبت به الزعفران إلا أرض روذراور منها يحمل إلى ميع البلاد. رويان ناحية بين طبرستان وبحر الخزر من بلاد مازندران ينسب إليها الإمام فخر الإسلام أبو المحاسن الروياني وهو أول من أفتى بإلحاد الباطنية لأنهم كانوا يقولون: لا بد من معلم يعلم الناس الطريق إلى الله وذلك المعلم يقول: لا يجب عليكم إلا طاعتي وما سوى ذلك فإن شئتم فافعلوا وإن شئتم لا تفعلوا. فالشيخ جاء إلى قزوين وأفتى بإلحادهم ووصى لأهل قزوين أن لا يكون بينهم وبين الباطنية اختلاط أصلاً وقال: إن وقع بينكم اختلاط فهم قوم عندهم حيل يخدعون بعضكم وإذا خدعوا بعضكم وقع الخلاف والفتنة. فالأمر كان على ما أشار إليه فخر الإسلام إن جاء من ذلك الجانب طائر قتلوه فلما عاد إلى رويان بعثوا إليه الفدائية وقتلوه. عاش حميداً ومات شهيداً. الري مدينة مشهورة من أمهات البلاد وأعلام المدن كثيرة الخيرات وافرة الغلات والثمرات قديمة البناء قال ابن الكلبي: بناها هوشنج بعد كيومرث. وقال غيره: بناها راز بن خراسان لأن النسبة إليها رازي. وهي مدينة عجيبة في فضاء من الأرض وإلى جانبها جبل أقرع لا ينبت شيئاً يقال له طبرك. قالوا: انه معدن الذهب إلا ان نيله لا يفي بالنفقة عليه ولهذا تركوا معالجته. ودور هذه المدينة كلها تحت الأرض ودورهم في غاية الظلمة وصعوبة المسلك وإنما فعلوا ذلك لكثرة ما يطرقهم من العساكر فإن كانوا مخالفين نهبوا دورهم وإن كانوا موافقين نزلوا في دورهم غصباً فاتخذوا مسالك الدور مظلمة ليسلموا من ذلك. والناس يحفرون بها يجدون جواهر نفيسة وقطاع الذهب وبها كنوز في كل وقت يظهر منها شيء لأنها ما زالت موضع سرير الملك. وفي سنة أربع عشرة وستمائة في زمن ايلقلمش ظهر بها حباب كان فيها دنانير عجيبة ولم يعرف انها ضرب أي ملك وذكر انها خربت مراراً بالسيف والخسف. وقال جعفر بن محمد الرازي: لما ورد المهدي في خلافة المنصور بنى المدينة التي بها الناس اليوم على يد عمار بن الخصيب وتمت عمارتها سنة ثمان وخمسين ومائة ومياه هذه المدينة جارية في نفس المدينة لكنها من أقذر المياه لأنهم يغسلون فيها جميع النجاسات وتمشي إليها مياه الحمامات وأهل المدينة لا يأخذون منها إلا نصف الليل لأنه في هذا الوقت يصفو عن النجاسات التي تلقى فيه. وهواؤها في فصل الخريف سهام مسمومة قلما تخطيء سيما في حق الغرباء فإن الفواكه في هذا الوقت بها كثيرة رخيصة كالتين والخوخ والعنب فإن العنب لا يقدرون على تحصيله إلى الشتاء. وبها نوع من العنب يسمونه الملاحي حباته كحبات البسر وعنقوده كعذق التمر ربما يكون مائة رطل. هذا النوع يبقى إلى الشتاء ويحمل من الري إلى قزوين طول الشتاء ومع كبر حباته قشره رقيق وطعمه طيب. وبها نوع آخر من العنب شبيه الرازقي إلا أن ثجيره ضعيف جداً إذا قطفوه تركوه في الظل حتى يتزبب ويكون زبيبه طيباً جداً يحمل إلى سائر البلاد.ويجلب من الري طين يغسل به الرأس في غاية النعومة يحمل هدية إلى سائر البلاد. وصناع المشط بالري لهم صنعة دقيقة يعملون أمشاطاً في غاية الحسن تحمل هدية إلى البلاد. والآلات والأثاث المتخذة من الخشب الخلنج خشبها بطبرستان يتخذون منها هناك وهي خشبة لا لطف فيها ويحملونها إلى الري فيتركها أهل الري في الخرط مرة أخرى ويلطفونها ثم يزوقونها بأنواع التزاويق من الري تحمل إلى جميع البلاد. وأهل الري شافعية وحنفية. وأصحاب الشافعي أقل عدداً من أصحاب أبي حنيفة والعصبية واقعة بينهم حتى أدت إلى الحروب وكان الظفر لأصحاب الشافعي في جميعها مع قلة عددهم. والغالب على أهل الري القتل والسفك ومعهم شيء من الأريحية من ذلك حكي أن رجلاً من أرباب الثروة كان جاراً لبعض العيارين فجاء وقت وضع حمل زوجة صاحب الثروة ومن عادتهم أنهم يزينون الدار في هذا الوقت ويظهرون الأثاث والقماش فلما أمسوا وكان لهم داران اجتمعوا كلهم عند صاحبة الطلق وخلت الدار الأخرى فقال العيار: ما منعكم أن تنزلوا وتجمعوا جميع ما في هذه الدار فنزلوا وأصعدوا جميع ما فيها إذ سمعوا ضجيج النساء يقلن: وضعت غلاماً! فقال العيار لأصحابه: إن هؤلاء فرحوا بهذا المولود وإذا أحسوا بالقماش يتبدل فرحهم بالترح ويعدون الولد شؤماً. ردوا القماش إليهم ليزداد فرحهم ويكون وينسب إليها الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي إمام الوقت ونادرة الدهر وأعجوبة الزمان: لقد وجدت مكان القول ذا سعةٍ فإن وجدت لساناً قائلاً فقل ذكر أبو القاسم علي بن حسن بن عساكر عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة في كل مائة سنة من يجدد لها دينها. قال: فكان على رأس المائة الأولى عمر بن عبد العزيز وعلى الثانية محمد بن ادريس الشافعي وعلى رأس المائة الثالثة أبو العباس أحمد ابن شريح وعلى رأس المائة الرابعة القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني وعلى رأس الخامسة أبو حامد محمد بن محمد الغزالي وعلى رأس المائة السادسة أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي. حكي أن فخر الدين الرازي ورد بخارى وحضر حلقة رضى الدين النيسابوري وكان في حلقته أربعمائة فاضل مثل ركن الدين العميدي وركن الدين الطاووسي ومن كان من طبقاتهم ومن كان دونهم واستدل في ذلك المجلس فلم يبق من القوم إلا من أورد عليه سؤالاً أو سؤالين فأعادها كلها فلما قال: والاعتداد عن هذه الفوائد قال رضى الدين: لا حاجة إلى الجواب فإنه لا مزيد على هذا. وتعجب القوم ضبطه وإعادته وترتيبه. وحكي انه قبل اشتهاره ذهب إلى خوارزم مع رسول فقال أهل خوارزم للرسول: سمعنا ان معك رجلاً فاضلاً نريد أن نسمع منه فائدة وكانوا في الجامع يوم الجمعة بعد الصلاة فأشار الرسول إلى فخر الدين بذلك فقال فخر الدين: افعل ذلك بشرط أن لا يبحثوا إلا موجهاً. فالتزموا ذلك. فقال: من أي علم تريدون قالوا: من علم الكلام فإنه دأبنا. قال: أي مسألة تريدون اختاروا مسألة شرع فيها وقررها بأدنى زمان وكان هناك من العوام خلق كثير وعوام خوارزم متكلمة كلهم عرفوا أن فخر الدين قرر الدليل وغلبهم كلهم. فاراد مرتب القوم أن يخفي ذلك محافظة لمحفل الرئيس فقال: قد طال الوقت وكثرت الفوائد. اليوم نقتصر على هذا وتمامه في مجلس آخر في حضرة مولانا فقال فخر الدين: أيها الخوارزمي إن مولانا لا يقوم من هذا المجلس إلا كافراً أو فاسقاً لأني ألزمته الحكم بالحجة فإن لم يعتقد فهو كافر على زعمه وان اعتقد ولم يعترف به فهو فاسق على زعمه. وحكي انه ورد بخارى وسمع أن أحداً من أهل بخارى ذكر اشكالات على إشارات أبي علي فلما ورد فخر الدين بخارى أوصى لأصحابه أن لا يعرضوا ذلك على فخر الدين فقال فخر الدين لأحد من أصحاب الرجل: اغزني ليلة واحدة. ففعل فضبطها كلها في ليلة واحدة وقام وذهب إليه أول النهار وقال له: سمعت أنك أوردت الاشكالات على أبي علي فمعنى كلام أبي علي هذا كيف تورد عليه الاشكال حتى أتى على جميعها ثم قال له: أما تتقي الله فهو كلام الرجل ما تعرف وتفسرها من عندك تفسيراً فاسداً وتورد عليه الاشكال فقال الرجل: أظن انك الفخر الرازي! فقال: ما أخطأت في هذا الظن! وقام وخرج. وحكي انه كان يعظ على المنبر بخوارزم وعوام خورازم كلهم متكلمة يبحثون بحثاً صحيحاً وكان يأتي بمسألة مختلفة بين المعتزلة والأشاعرة ثم يقررها تقريراً تاماً ويقول: أئمة المعتزلة لا يقدرون على مثل هذا التقرير. ويقول لهم: أما هذا تقرير حسن يقولون: نعم. فيقول: اسمعوا إبطاله! فيبطله بأدلة أقوى منها فالمعتزلة عزموا على ترك الاعتزال لأن الواجب عليهم اتباع الدليل فقال لهم مشايخهم: لا تخالفوا مذهبكم فإن هذا رجل أعطاه الله في التقرير قوة عجيبة فإن هذا لقوته. لا لضعف مذهبكم. وحكي انه كان على المنبر فنقل شيئاً من التوراة فقالوا له: كيف عرفت انه في التوراة فقال: أي سفر شئتم عينوا حتى أقرأه عليكم! وجاءته حمامة خلفها باشق يريد صيدها فدخلت الحمامة خلف ظهر الشيخ فقال بعض الحاضرين: جاءت سليمان الزّمان بشجوها والموت يلمع من جناح الخاطف من عرّف الورقاء أنّ جنابكم حرمٌ وأنّك مأمنٌ للخائف وينسب إليها أبو إسحق إبراهيم بن أحمد الخواص. كان من أقران الجنيد والنوري. كان إبراهيم متوكلاً يمشي في أسفاره بلا زاد وحكى منصور ابن عبد الله الهروي قال: كنت مع قوم في مسجد رسول الله. صلى الله عليه وسلم نتحدث في كرامات الأنبياء ومعنا رجل مكفوف يسمع حديثنا فلما فرغنا قال: آنسكم الله فإني أنست بحديثكم فاسمعوا عني أيضاً حديثاً عجيباً. قال: كنت رأيت قبل عماي رجلاً غريباً يخرج من المدينة يمشي مسرعاً فمشيت خلفه حتى أدركته قلت له: اخلع ثيابك! فقال لي: اذهب حتى لا يصيبك ضرر! فشددت عليه وكلفته خلع ثيابه فدفعني مراراً بالكلام فأبيت إلا خلع الثياب. فلما علم اني لست أندفع عنه أشار إلي عيني فعميتا وذهب عني فبت تلك الليلة فرأيته في النوم فقلت: يا عبد الله وحق من أكرمك هذه الكرامة من أنت قال: إبراهيم الخواص! وحكى الخواص رحمة الله عليه: انتهيت إلى رجل صرعه الشيطان فجعلت أؤذن في أذنه فناداني الشيطان من خوفه يقول: دعني أقتله فإنه يقول: القرآن مخلوق! وحكى بعضهم قال: صحب الخواص مع اثنين فانتهينا إلى مسجد في المفازة فأوينا إليه وكان الوقت شاتياً والمسجد لا باب له فلما أصبحنا وجدنا إبراهيم واقفاً على باب المسجد يستر الباب ببدنه قال: خشيت أن تجدوا البرد فسترت الباب ببدني.وحكى الخواص رحمه الله قال: رافقني في بعض أسفاري راهب فمضينا أسبوعاً ما أكلنا. فقال لي الراهب: يا راهب احنفية هات إن كان عندك انبساط فقد بلغنا في الجوع! فقلت: اللهم لا تفضحني عند هذا الكافر! فرأيت طبقاً فيه خبز وشواء ورطب وماء فأكلنا ومشينا أسبوعاً آخر فقلت: يا راهب النصارى هات إن كان عندك انبساط فالنوبة لك! فدعا فرأيت طبقاً فيه أكثر مما كان على طبقي فتحيرت وأبيت أن آكل منها فقال لي الراهب: كل فإني أبشرك ببشريين: أحدهما أني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله والثاني اني قلت يا رب ان كان لهذا الرجل خطر فافتح علي فتحاً! فأكلنا ومشينا إلى مكة فأقام بها مدة ثم توفي بها ودفن في البطحاء. وحكى إبراهيم قال: في بعض أسفاري انتهيت إلى شجرة قعدت تحتها فإذا سبع هائل يأتي نحوي فلما دنا مني رأيته يعرج فإذا يده منتفخة وفيها فنخ فهمهم وتركها في حجري وعرفت انه يقول: عالج هذه! فأخذت خشبة فتحت بها الفنخ ثم شددته بخرقة خرقتها من ثوبي فغاب ثم جاءني ومعه شبلان يبصبصان ورغيف تركه عندي ومشى. وحكى إبراهيم رحمه الله قال: ركبت البحر مرة فجاءنا ريح عاصف يمشي بالمركب على غير اختيارنا فالركاب كانوا يدعون الله تعالى وكل واحد ينذر نذراً وأنا قلت: ان نجاني الله تعالى من هذه لا آكل لحم الفيل! هكذا جرى على لساني فالريح رمتنا إلى جزيرة فرأينا في الجزيرة ولد فيل فالقوم أخذوه وذبحوه وجعلوا يأكلونه فأشاروا إلي بأكله فأبيت أن آكل لأجل النذر. فأكل القوم كلهم من لحم ولد الفيل فلما كان الليل جاء الفيل فما وجد الولد فرأى القوم فجعل يشم واحداً واحداً ويحطمه بخفه حتى فرغ عن الكل فأنا وقعت على وجهي حتى لا أراه وأيقنت بالهلاك. فلما شمتني لف خرطومه علي وحملني على ظهره وجعل يمشي طول الليل بي فلما أصبحت وصل إلى بيش فتركني هناك ومضى. وحكى أبو حامد الأسود قال: سافرت مع الخواص ذات مرة فانتهينا إلى ظل شجرة فأقبل إلينا سبع هائل فصعدت الشجرة خوفاً وإبراهيم نام تحت الشجرة فجاء السبع فشمه من رأسه إلى قدمه وذهب فلما كانت الليلة أوينا إلى مسجد فوقعت بقة على إبراهيم فأن أنيناً فقلت له: هذا عجب! البارحة ما كنت تئن من أسد والآن تئن من بقة فقال: هذه الحالة غير تلك الحالة البارحة كنت بالله والليلة أنا بنفسي! وحكي أن الخواص رحمة الله عليه لما دنت وفاته طلب الماء وتوضأ وتوفي سنة إحدى وتسعين ومائتين فرئي بعد وفاته في النوم فقيل له: ما فعل الله بك فقال: أثابني على كل عم عملته ثم أنزلني منزلاً فوق منازل أهل الجنة وقال: يا إبراهيم هذا المنزل بسبب انك قدمت إلينا بالطهارة! وينسب إليها يحيى بن معاذ الرازي. كان شيخ الوقت وصاحب اللسان في الوعظ والقبول عند الناس إلى أن اتصل بزين العارفين أبي يزيد البسطامي فرأى من حالاته ما تحير فيها فعلم أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء فلازم خدمته وذكر عنه حكايات عجيبة. وحكي انه رأى بايزيد من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر مستوفزاً على صدور قدميه رافعاً أخمصيه ضارباً بدفيه على صدره شاخصاً بعينيه لا يطرف ثم سجد عند الفجر فأطال ثم قعد وقال: اللهم إن قوماً طلبوك فأعطيتهم المشي على الماء والمشي على الهواء فرضوا منك بذلك وإني أوذ بك من ذلك وإن قوماً طلبوك فأعطيتهم كنوز الأرض ورضوا بذلك وإني أعوذ بك من ذلك وإن قوماً طلبوك فأعطيتهم طي الأرض فإنهم رضوا بذلك واني أعوذ بك من ذلك حتى عد نيفاً وعشرين مقاماً من مقامات الأولياء ثم التفت إلي فرآني فقال: يحيى! قلت: نعم يا سيدي! فقال: منذ متى أنت هنا قلت: منذ حين. فسكت فقلت: يا سيدي حدثني بشيء. فقال: أحدثك بما يصلح لك ادخلني في الفلك الأسفل فدورني في الملكوت السفلي وأراني الأرض وما تحتها إلى الثرى ثم أدخلني في الفلك العلوي فطوف في السموات وأراني ما فيها من الجنان إلى العرش ثم أوقفني بين يديه وقال: سلني أي شيء رأيت حتى أهبه لك! فقلت: يا سيدي ما رأيت شيئاً استحسنته فأسالك إياه. فقال: أنت عبدي حقاً بعبدي لأجلي صدقاً لأفعلن بك ولأفعلن! وذكر أشياء قال يحيى: فهالني ذلك وامتلأت به وعجبت منه فقلت: يا سيدي لم ما سألته المعرفة به وقد قال لك سلني ما شئت قال: فصاح في صيحة وقال لي: اسكت! ويلك غرت عليه مني لا أحب أن يعرفه سواه. وحكي أن من لطف الله تعالى في حق يحيى انه تكلم ببلخ وفضل الغنى على الفقر فأعطي ثلاثين ألف درهم فسمع بعض المشايخ ذلك فقال: ما أعجبه لا بارك الله له في هذا المال! فخرج من بلخ يريد نيسابور فوقع عليه اللصوص وأخذوا منه المال. وحكى يحيى انه دخل المسجد فوقعت جنية على باب المسجد فقلت: ان ذلك لذنب مني حتى تذكرت اني قدمت رجلي اليسرى فقلت: تبت لا أعود إلى مثله! فنوديت: يا يحيى أدركت سوء الأدب بحسن المعذرة فأدركناك بالفضل والمغفرة. توفي سنة ثمان وخمسين ومائتين. |
إذا ما هجاني ناقص لا أجيبه= فإني إذا جاوبته فلي الذنب أنزه نفسي عن مساواة سفلة= ومن ذا يعض الكلب إن عضه الكلب
|
|
|
#19 |
|
محمد العريفي
المؤسس المشرف العام لملتقى القبائل العربية ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
زاوه كورة بخراسان. ينسب إليها الشيخ حيدر وهو رجل مشهور كان عجيب الشأن: في الصيف يدخل في النار وفي الشتاء يدخل في وسط الثلج والناس من الأطراف يقصدونه لرؤية هذا الأمر العجيب. فمن رآه على تلك الحالة لا يملك نفسه أن يترك الدنيا ويلبس اللباد ويمشي حافياً وسمعت أن كثيراً ما يأتي الأمراء وأرباب الدنيا فكلما رأوه رموا أنفسهم من الفرس ولبسوا اللباد. ولقد رأيت من الأتراك مماليك في غاية الحسن وقد لبسوا اللباد يمشون حفاة قالوا: انهم أصحاب حيدر! وحكى بعض المتصوفة أن الشيخ رئي يوماً فوق قبة عالية لا يمكن صعودها فتعجبوا منه كيف صعد إليها ثم انه جعل ينزل منها كما يمشي أحدكم على الأرض المستوية! وكان هذا الشيخ باقياً إلى مجيء التتر سنة سبع عشرة وستمائة. زراعة قرية في شرقي الموصل قرب باعشيقا بها عين النيلوفر وهي عين فوارة يجتمع فيها ماء كثير ينبت في ذلك الماء النيلوفر ويعد نوعاً من أنواع دخل القرية ويضمنه العامل في القرية بمال. زز كورة بهمذان. يجلب منها الززي وهي ثمرة عجيبة مشهورة تربى بالخل لها منافع كثيرة ويكون طعم خلة طيباً جداً ولا يوجد في جميع البلاد إلا هناك ومنها يحمل إلى سائر البلاد. زنجان مدينة مشهورة بأرض الجبال بين أبهر وخلخال جادة الروم وخراسان والشام والعراق لا تزال الحرامية كامنة حواليها. والبلدة في غاية الطيب وأهلها أحسن الناس صورة وظرافة وبذلة. وفي جبالها معادن الحديد ويحمل منها إلى البلاد وإذا وقع عندهم جدب لا يبيعون الخبز إلا مع الحديد فمن أراد شري الخبز يزن ثمن الخبز والمسامير. وحكي انه وصل إليها قفل آخر النهار فقال بعضهم لبعض: المصلحة أن لا نبيت ها هنا ونرحل حتى إذا كان الغد بعدنا عن هذه الأرض. فدخلوا المدينة حتى يشتروا شيئاً من الخبز فما وجدوا الخبز إلا عند خباز واحد وكان عنده برذعة فقال: لست أبيع الخبز إلا مع البرذعة! وكل واحد يؤدي ثمن الخبز وثمن البرذعة يأخذ الخبز ويترك البرذعة حتى جاء رجل ظريف قال الخباز: هات ثمن البرذعة! فقال الرجل: حاجتي إلى البرذعة أمس من حاجتي إلى الخبز وأدى ثمنها وأخذها من عند الخباز وأحرقها. وحكي أن رجلاً طوالاً أراد شري البطيخ فأخذ يستامه وقال للبائع: انها صغار! فقال البائع: من الموضع الذي تنظر يرى الجمل عصفوراً وانها ليست بصغار. وحكي أن رجلاً من أوساط الناس حلف بأبيه فقال بعض الحاضرين: وهل كان لك أب فقال: وهل يكون الإنسان بلا أب قال: ما كان أباً يذكر في المحافل! ومن عجائبها ما ذكره أبو الريحان الخوارزمي عن أبي الفرج الزنجاني: أنه لا يرى بزنجان عقرب إلا في موضع يسمى مقبرة الطير فإن أخرجت منها عادت إليها سريعاً وما ذاك إلا لطيب تربتها ولطافة هوائها. وبها جبل بزاو قالوا: انه من أنزه المواضع وأطيبها وليس على وجه الأرض موضع أرق منه هواء ولا أعذب ماءً ولا أطيب رائحة نباته الرياحين فراسخ في فراسخ تفوح روائحها من بعد بعيد فإذا كان فصل الربيع يرى أديمه مثل الديباج المنقش من ألوان الرياحين. ينسب إليها جلال الطبيب. كان طبيباً عديم النظير في الآفاق كان في خدمة ازبك بن محمد بن ايلدكز صاحب آذربيجان وأران لا يفارقه يقول: ان حياتي محفوظة بهذا الرجل! وكان آية في المعالجات ما كان يمشي إلى المريض بل يستخبر عنه ويأمر بدواء حقير ويكون البرء حاصلاً كان وجوده فائدة عظيمة للناس ما وجد مثله بعده. ساباط بليدة كانت بقرب مدائن كسرى أصله بلاشاباد يعني عمارة بلاش وهو من ملوك الفرس فعربته العرب وقالوا ساباط. ينسب إليها حجام كان يحجم الناس نسيئة فإذا لم يأته أحد يحجم أمه حتى لا يراه الناس بطالاً فما زال يحجمها حتى ماتت فقالت العرب: افرغ من حجام ساباط! وكان كسرى ابرويز ألقى النعمان بن المنذر تحت أرجل الفيل بساباط لما قتل عدي بن زيد وجاء إلى كسرى مستغفراً فما قبل توبته قال الشاعر: فأدخل بيتاً سقفه صدر فيله بساباط والحيطان فيه قوائمه سامرا مدينة عظيمة كانت على طرف شرقي دجلة بين بغداد وتكريت بناها المعتصم سنة إحدى وعشرين ومائتين وسبب بنائها أن جيوشه كثروا حتى بلغ مماليكه سبعين ألفاً فمدوا أيديهم على حرم الناس. وإذا ركبوا انحطم كثير من الصبيان والعميان والضعفاء من ازدحام الخيل فاجتمع عامة أهل بغداد ووقفوا للمعتصم وقالوا: قد عمنا أذى جيوشك! إما تمنعهم أو تقلبهم عنا وإلا حاربناك بدعاء السحر! فقال: اما تقلبهم فلا يكون إلا بتقلبي ولكني أوصيهم بترك الأذى فما زادتهم الوصية إلا زيادة الفساد فوقفوا له مرةً أخرى وقالوا: إما تحولت عنا وإلا حاربناك بدعاء السحر! فقال: هذه الجيوش لا قدرة لي بها نعم أتحول وكرامةً. وساق من فوره حتى نزل سامرا وبنى بها داراً وأمر عسكره بمثل ذلك حتى صارت أعظم بلاد الله بناء وأهلاً. وأنفق على جامعها خمسمائة ألف دينار وجعل وجوه حيطانها كلها المينا وبنى المنارة التي كانت إحدى العجائب وحفر الاسحقي. وبنى الملوك والأمراء بها دوراً وقصوراً وبنى الخلفاء بها أيضاً قصوراً عجيبة وكان المعتصم والواثق والمتوكل بنوا بها قصوراً والمتوكل اشتق من دجلة قناتين شتوية وصيفية وتدخلان الجامع وتتخللان شوارع المدينة. وفي جامعها السرداب المعروف الذي تزعم الشيعة ان مهديهم يخرج منه لأنهم زعموا أن محمد بن الحسن دخل فيه وكان على باب هذا السرداب فرس أصفر سرجه ولجامه من الذهب إلى زمن السلطان سنجر بن ملكشاه. جاء يوم الجمعة إلى الصلاة فقال: هذا الفرس ههنا لأي شيء فقالوا: ليخرج من هذا الموضع خير الناس يركبه. فقال: ليس يخرج منه خير مني! وركبه. زعموا أنه ما كان مباركاً لأن الغز غلبته وزال ملكه. ولم تزل سامرا في زيادة عمارة من أيام المعتصم إلى أيام المستعين فعند ذلك قويت شوكة الأتراك ووقعت المخالفة في الدولة فلم تزل في نقص إلى زمان المعتضد بالله فإنه انتقل إلى بغداد وترك سامرا بالكلية فلم يبق بها إلا كرخ سامرا وموضع المشهد والباقي خراب يباب يستوحش الناظر إليها بعد ان لم يكن في الأرض أحسن ولا أجمل ولا أوسع ملكاً منها. فسبحان من يقلب الأمور ولا يتغير بتغير الأزمنة والدهور! قال ابن المعتز: غدت سرّ من را في العفاء فيا لها قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل تفرّق أهلوها ولم يعف رسمها لما نسجته من جنوبٍ وشمأل إذا ما امرؤٌ منهم شكا سوء حاله يقولون: لا تهلك أسىً وتجمّل! ساوه مدينة طيبة كثيرة الخيرات والثمرات والمياه والأشجار في وهدة من الأرض. وكانت في قديم الزمان على ساحل بحيرة غاضت عند مولد النبي صلى الله عليه وسلم ورأيت موضع البحيرة زرعوه شعيراً. وحدثني بعض مشايخها انه شاهد السفينة تجري فيها. وأهل ساوه مخصوصون بحسن الصورة واستقامة الطبع ومعرفة وزن الشعر وعلم الغناء وذلك يترشح منهم حتى من نسائهم وصبيانهم وكلهم على مذهب الشافعي ما فيها واحد يخالفهم إلا الغريب. وبها رباطات ومدارس ومارستانات والطاق الذي على باب الجامع وهو طاق عال جداً مثل طاق كسرى على طرفيه منارتان في غاية العلو ليس في شيء من البلاد مثله. وفي وسط الجامع خزانة الكتب المنسوبة إلى الوزير أبي طاهر الخاتوني فيها كل كتاب معتبر كان في زمانه مع أشياء نادرة من الخطوط المنسوبة والاصطرلابات والكرات. ومن عجائبها أن الترنجبين يقع في كل ثلاثين سنة بأرضها على الشوك الذي يختص به ويكثر حتى يجمع ويبتاع على الناس منه شيء كثير وأنا شاهدت ذلك مرة. وينسب إليها القاضي عمر بن سهلان. كان أديباً فقيهاً حكيماً خصه الله تعالى بلطافة الطبع وفطانة الذهن وفصاحة الكلام ومتانة البيان. جميع تصانيفه حسن وكان معاصر الإمام حجة الاسلام الغزالي. ومن عجائب ما حكي من لطف الله تعالى في حقه انه قال: أردت الاشتغال بالعلوم وما كان لي مال ولم يبن في ذلك الوقت شيء من المدارس وكان له خط في غاية الحسن قال: كتبت ثلاث نسخ من كتاب الشفاء لأبي علي بن سينا وكان إذ ذاك للشفاء رواج عظيم بعت كل نسخة بمائة دينار وأودعت ثمنها ثلاثمائة دينار عند بزاز صديق لي. وكلما احتجت أخذت منها وأنفقت حتى غلب علي ظبي اني استوفيتها فانقطعت عنه فرآني الرجل وقال: ما لي أراك تأخرت عن طلب النفقة قلت: لأني استوفيتها! قال: لا بعد أكثره باق! فكنت أمشي إليه بعد ذلك مرة أخرى ثم انقطعت لما علمت اني استوفيت أكثر من مالي فرآني وقال: ما سبب انقطاعك قلت: جزاك الله عني خيراً! اني استوفيت أكثر من مالي! فقال: لا تنقطع فإنه قد بقي منها بعد كثير! فكنت أمشي مرة أخرى مستحياً ثم انقطعت بالكلية فرآني الرجل وسأل ان لا أنقطع فامتنعت فلما ايس عن ذلك أخرج من كمه ثلاثمائة دينار وقال: هذا رأس مالك والذي أخذته مكسبها لأني كنت أتجر لك عليها ولله تعالى الحمد إذ وفقني لبعض قضاء حاجة مثلك. وينسب إليها القاضي عدة. كان واعظاً ظريفاً حلو الكلام يرى الملوك له. حكي انه كان يعقد مجلس الوعظ بهمذان وينفي التشبيه والقوم لم يقدروا عليه لمكانته عند السلطان فكانوا يكتبون إليه رقاعاً ويشتمونه فيها في نفسه وأهله وأولاده وهو يقول: قد كتبوا كيت وكيت وهذا ممكن لكن وجود الإله على العرش محال! وحكي أن بعض الملوك أراد رسولاً يبعثه إلى ملك آخر فعينوا على القاضي عدة فقالوا: انه جيد لكنه يفسد الرسالة بطلب المال! فقال: حلفوه أن لا يطلب شيئاً! فحلفوه وبعثوه فلما ذهب إليهم صبر أياماً لم يبعث إليه أحد شيئاً غير المرسل إليه فعقد مجلساً وقال: يا قوم إن مرسلي حلفني أن لا أطلب من أحد شيئاً فقولوا أنتم من حلفكم أن لا تبعثوا إلي شيئاً وله وينسب إليها التاج محمد الواعظ المعروف بشجويه. كان واعظاً فقيهاً حلو الكلام عذب اللهجة ذا قبول عند الخواص والعوام وكان وعظه معائب طبقات الناس فإذا حضر ملك يقول: أيها الملك ماذا تقول في عبد لبعض الملوك اصطفاه سيده في حال هوانه وأفاض إليه أنواع إحسانه وفوض إليه أمر البلاد وجعل بيده أزمة العباد ثم ان هذا العبد خرب بلاده وقهر بالظلم عباده وخالف أمر سيده وعصى وتجاوز عن حده واعتدى فهل يستحق هذا العبد من سيده إلا العذاب العظيم والعقاب الأليم ثم قال: أنت ذلك العبد أيها الملك إن الله اصطفاك على العباد وجعل بيدك أمر البلاد وأمرك بالعدل والإحسان ونهاك عن الظلم والطغيان وأنت نهارك مصروف في غصب الأموال وسفك الدماء وليلك بالفسق والفجور فما استحق من الله تعالى كفى بنفسك! وكان يقول في العالم: أيها العالم إذا جاءك المستفتي تقول لا مساغ لسؤالك في الشرع أصلاً وإذا ترك القرطاس تحت المصلى يكون ذلك وجهاً عن الصيدلاني أو الكرابيسي أو الاصطخري. ويقول في المتصوفية: أيها الشيخ إذا حضرت الدعوة تأكل أكل البعير ولو كان حراماً وتسمي ابن صاحب المنزل شاهداً وزوجته سكرجة وتترك العفاف خلف الزلى. وهذا من اصطلاحات الصوفية والعفاف ليس يتخذونه لمذاكيرهم بتركه خلف الزلى. وفي اليوم الثاني يمشي يقول: فقير قد نسي خرقة خلف الزلى ليعرفهم أنه صاحب العفاف الكبير فمن له إليه حاجة يطلبه فكان يتخذ لكل طبقة من طبقات الناس عيباً على هذا المثال. وينسب إليها جماعة ما كان لهم نظير في وقتهم مثل عماد الملك وزير السلطان خوارزمشاه كان وزيراً ذا رأي وعلم. وتاج الدين كمالان. كان عالماً ذا فنون من الخلاف والأصول والمذهب. وبها المسكوي الطبيب. كان طبيباً فاضلاً وحيد دهره. وسعد المغني فإنه جمع بين الصوت والصنعة وله أقوال يتعجب منها أهل تلك الصنعة. ومنها رتك المصارع. طاف أكثر البلاد وصارع كل مصارع فيها وغلبه ولم يغلب قط. ومنها الصفي كانون الشطرنجي فإنه كان يطرح الفرس لمن كان في الطبقة العالية. ومن عاداتهم المحاجزة وهي أن القوم إذا كان فصل الربيع كل جمعة بعد الصلاة خرج من محلتين من كل واحدة منهما مائتان أو ثلاثمائة غلام يلتقون صفين عراة ويتلاكمون أشد الملاكمة ولا يزال كذلك إلى أن ينهزم أحد الصفين. سبران صقع من نواحي الباميان بين بست وكابل قال نصر: به جبال فيها عيون ماء لا تقبل النجاسات وإذا ألقي فيها شيء من النجاسات ماج وغلا نحو جهة الملقي فإن أدركه أحاط به وغرقه. سرجهان قلعة على قلة جبل من جبال الديلم مشرف على قاع قزوين وابهر وزنجان وهي قلعة عجيبة من أحصن القلاع وأحكمها وعليها قلة وهي حصن على حصن بعد استخلاص الطبقة السفلى تبقى قلتها حصناً حيناً لا يسهل استخلاصها. سرخس مدينة بين مرو ونيسابور بناها سرخس بن جودرز وهي كبيرة آهلة غناء كثيرة الخيرات لا ماء لها في الصيف إلا من الآبار ولأهلها يد باسطة في عمل العصائب والمقانع المنقوشة بالذهب منها تحمل إلى سائر الآفاق. وينسب إليها أحمد بن الطيب السرخسي الحكيم الظريف الذي تظهر حكمته مع الظرافة. ذكر أنه سئل عن لذات الدنيا فقال: لذات الدنيا ثلاث: أكل اللحم وركوب اللحم وإدخال ألم تر لذّة الدّنيا ثلاثاً إليها مال كلٌّ بالطّباع فذلك كلّها في اللّحم توجد بأكلٍ أو ركوبٍ أو جماع ومن كلامه: أربعة أشياء لا قبل لها: الدين والمرض والنار والسلطنة. سلماس مدينة بآذربيجان بين تبريز وأرمية. بها ماء من اغتسل به ذهب عنه الجذام. سمعت أن مجذوماً موصلياً ذهب إليه فما رجع إلا سليماً نقي الجسد. سميرم كورة بين أصفهان وشيراز. بها عين ماء يدفع الجراد بها وهي من أعجب عجائب الدنيا: وهو أن الجراد إذا وقعت بأرض يحمل من ذلك الماء إلى تلك الأرض بشرط أن لا يوضع الظرف الذي فيه الماء على الأرض ولا يلتفت حامله إلى ورائه فيتبع ذلك الماء من الطير السودانية عدد لا يحصى ويقتل الجراد. ورأيت في سنة ست وستمائة بأرض قزوين جراداً كانت تستر شعاع الشمس عند طيرانها وما تركت بها ورقة خضراء وباضت بها قيل ان كل جرادة تبيض مائة بيضة فإذا تفرخت بيضها في السنة القابلة لا تقدر فراخها على الطيران فتقيم بها حتى تقوى ثم تطير عنها إلى أرض أخرى فبعث أهل قزوين رجلين أمينين في طلب ذلك الماء لدفع الجراد للسنة القابلة فأتيا به في إناء فجاء عقيب الماء من السودانية عدد لا يحصى وشرعت في قتل الجراد وأهلكتها عن آخرها. قيل: إن كل واحد من السودانية كان يقتل كل يوم من الجراد شيئاً كثيراً حتى قالوا قريباً من ألف لأنها كانت تأكل وتقذف ثم تأكل وتقذف ولا تفارق تلك الأرض حتى تقتل جميعها. وحدث حامل ذلك الماء انه ما رأى شيئاً من السودانية عند المنبع قال: فلما اغترفت وشرعت في الرجوع رأيت في كل منزل يحوم الطير حولنا وهذا من الخواص العجيبة الكثيرة النفع وانه مشهور ببلاد قهستان فسبحان من لا يطلع على أسرار حكمته إلا هو! سناباذ من قرى طوس على ميل منها بها قبر الرشيد حكي أن بعض المنجمين حكم أن موت الرشيد يكون بأرض طوس فقال: إذاً لا نطأ تلك الأرض أبداً! حتى ظهر بخراسان رافع بن الليث بن نصر بن سيار وعظم أمره فأشاروا إلى الرشيد أنه لا يندفع إن لم يمض إليه بنفسه. وكان الرشيد يكره ذلك قالوا: ان مصالح الملك لا تترك بقول منجم ونحن نجمع بينهما نمشي إلى خراسان على وجه يكون بيننا وبين طوس مسافة بعيدة. فلما وصلوا إلى نيسابور ضلوا عن الطريق في بعض الليالي فساقوا سوقاً شديداً فأصبحوا وهم على باب طوس فأتى الرشيد قشعريرة فأراد أن يتحول منها فما أمكنه وزاد به حتى مات ودفن هناك قال عباس بن الأحنف وكان مع الرشيد: قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ثمّ القفول فقد جئنا خراسانا أين الذي كنت أرجوه وآمله ذاك الذي كنت أخشاه فقد كانا وكان المأمون مع الرشيد بخراسان جعل قبر الرشيد وقبر علي بن موسى الرضا في قبة واحدة قال دعبل الخزاعي وهو شيعي: قبران في طوس: خير الناس كلّهم وقبر شرّهم هذا من العبر ما ينفع الرّجس من قرب الزّكيّ ولا على الزّكيّ بقرب الرّجس من ضرر وذكر بعض مشايخ طوس أن الرشيد في القبر الذي يعرفه الناس للرضا والرضا في القبر الذي يعرفه الناس للرشيد وذلك من تدبير المأمون. والقبران متقاربان في قبة واحدة وأهل تلك القرية شيعة بالغوا في تزيين القبر الذي اعتقدوا أنه للرضا وهو للرشيد! مدينة مشهورة بأرض الجزيرة بقرب الموصل ونصيبين في لحف جبل عال وهي طيبة جداً كثيرة المياه والبساتين والعمارات الحسنة كأنها مختصر دمشق وما رأيت أحسن من حماماتها. بيوتها واسعة جداً وفرشها فصوص وكذلك تأزيرها وتحت كل أنبوبة حوض حجرية مثمنة في غاية الحسن وفي سقفها جامات ملونة الأحمر والأصفر والأخضر والأبيض على وضع النقوش فالقاعد في الحمام كأنه في بيت مدبج. قال أحمد الهمذاني: إن سفينة نوح عليه السلام نطحت جبل سنجار بعد ستة أشهر وثمانية أيام فطابت نفسه عليه السلام وعلم أن الماء أخذ في النضوب فقال: ليكن هذا الجبل مباركاً! فصارت مدينة طيبة كثيرة الأنهار والأشجار والنخل والأترج والنارنج. وحكي أن جارية السلطان ملكشاه ضربها الطلق بأرض سنجار فقال المنجمون: إن كان وضعها لا يكون اليوم يكون ولدها ملكاً عظيماً! فأمر السلطان أن تجعل معلقة ففعلوا فولدت السلطان سنجر فسموا المدينة باسمه وكان ملكاً عظيماً كما قالوا. وبقرب سنجار قصر عباس بن عمرو الغنوي والي مصر. كان قصراً عجيب العمارة مطلاً على بساتين ومياه كثيرة من أطيب المواضع وأحسنها. وكان بعد العباس ينزل بها الملوك لطيب مكانها وحسن عمارتها حكى عمران بن شاهين قال: نزلنا بها مع معتمد الدولة قرواش بن يا قصر عبّاس بن عمروٍ كيف فارقك ابن عمرك قد كنت تغتال الدّهور فكيف غالك ريب دهرك واهاً لعزّك! بل لجودك بل لمجدك بل لفخرك! كتبه علي بن عبد الله بن حمدان بخطه سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وهو سيف الدولة ممدوح المتنبي وتحته مكتوب: يا قصر ضعضعك الزّمان وحطّ من علياء قدرك ومحا محاسن أسطرٍ شرفت بهنّ متون جدرك واهاً لكاتبها الكريم وقدره الموفي بقدرك! وكتبه الغضنفر بن الحسن بن عبد الله بن حمدان في سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وهو ناصر الدولة ابن أخي سيف الدولة وتحته مكتوب: يا قصر ما فعل الأولى ضربوا قبابهم بعقرك! أخنى الزّمان عليهم وطواهم تطويل نشرك! واهاً لقاصر عمر من يحتال فيك وطول عمرك يا قصر أين ثوى الكرام السّاكنون قديم عصرك ولقد أطال تفجّعي يا ابن المسيّب رقم سطرك! وعلمت أني لاحقٌ بك تابعٌ في صوب إثرك سهرورد بليدة بأرض الجبال بقرب زنجان. ينسب إليها أبو الفتوح محمد بن يحيى الملقب بشهاب الدين وكان حكيماً عالماً تاركاً الدنيا صاحب العجائب والأمور الغريبة. كان مرتاضاً منقطعاً عن الناس. حكى بعض فقهاء قزوين قال: نزلت برباط بأرض الروم في وقت الشتاء فسمعت صوت قراءة القرآن فقلت لخادم الرباط: من هذا القاريء فقال: شهاب الدين السهروردي. قلت: إني منذ مدة سمعت به وأردت أن أراه. فأدخلني عليه فقال: لا يدخل عليه أحد لكن إذا علت الشمس يخرج ويصعد السطح ويقعد في الشمس فأبصره! قال: فقعدت على طرف الصفة حتى خرج فرأيته عليه لباد أسود وعلى رأسه أيضاً قلنسوة من لباد أسود فقمت وسلمت عليه وعرفته أني قصدت زيارته وسألته أن يجلس معي ساعة على طرف الصفة فطوى مصلاي وجلس فجعلت أحدثه وهو في عالم آخر فقلت: لو لبست شيئاً غير هذا اللباد! فقال: يتوسخ. فقلت: تغسله. فقال: يتوسخ. فقلت: تغسله. فقال: ما حييت لغسل الثياب لي شغل أهم من ذلك. وكان معاصراً لفخر الدين الرازي جرى بينهما مباحثات ورأى فخر الدين بعد موته كتابه التلويحات في الحكمة فقبله. وحكي انه كان جالساً على طرف بركة مع جمع فتحدثوا في معجزات الأنبياء فقال بعضهم: فلق البحر أعجبها. فقال الشهاب: ليس ذلك شيئاً بالنسبة إلى معجزات الأنبياء. وأشار إلى البركة فانشق الماء فيها نصفين حتى رأوا أرض البركة. وحكي انه لما قبض عليه بحلب حبس في دار فرأوا مكتوباً على جائزة لا يوصل إليها إلا بالسلاليم: بيت الظالم خراب ولو بعد حين! وكان كذلك: ذهب الملك عن الملك الظاهر عن قريب وخرب بيتهم. شاذياخ اسم مدينة بخراسان على قرب نيسابور. كانت بستاناً لعبد الله بن طاهر بن الحسين. ذكر الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور أن عبد الله بن طاهر قدم نيسابور بعساكره فنزلوا في دور الناس غصباً فاتفق أن بعض أصحابه دخل دار رجل له زوجة حسناء وكان رجلاً غيوراً لا يفارق داره غيرةً على زوجته فقال له الجندي يوماً: اذهب بفرسي واسقه ماء! فلم يجسر على خلافه ولم يستطع مفارقة أهله فقال لزوجته: اذهبي أنت بفرسه واسقيه حتى احفظ أنا أمتعتنا! فمضت المرأة وكانت وضيئة حسناء فاتفق ركوب عبد الله بن طاهر فرأى المرأة تقود الفرس فقال لها: ما شأنك لست أهلاً لهذا! فقالت: هذا فعل عبد الله بن طاهر! فأخبرته الحال فغضب وحولق فأمر العرفاء في عسكره: من بات بالمدينة حل ماله ودمه! وسار إلى شاذياخ وبنى بها قصراً والجند كلهم بنوا بجنبه دوراً فعمرت وصارت أحسن الأماكن وأطيبها قال الشاعر: فاشرب هنيئاً عليك التّاج مرتفقاً بالشّاذياخ ودع غمدان لليمن فأنت أولى بتاج الملك تلبسه من ابن هوذة فيها وابن ذي يزن فلما استولى الغز على خراسان في عهد سنجر بن ملكشاه سنة ثمان وأربعين وخمسمائة وخربوا نيسابور وأحرقوها انتقل من بقي منهم إلى شاذياخ وعمروها حتى صارت أحسن بلاد الله وأطيبها وكانت ذات سور حصين وخندق وكثرة خلق إلى سنة ثمان عشرة وستمائة استولى عليها التتر وخربوها فإنا لله وإنا إليه راجعون! قلعة حصينة كانت على قلة جبل بقرب أصفهان بناها السلطان ملكشاه ابن ألب ارسلان سنة خمس مائة. وسبب بنائها أن رجلاً من بطارقة الروم جاء إلى السلطان وأسلم وصار من مقربيه وكان معه يوماً في الاصطياد فهرب منهم كلب حسن الصيد وصعد هذا الجبل فتبعه السلطان والبطريق فقال للسلطان: لو كان مثل هذا الجبل عندنا لاتخذنا عليه معقلاً وانتفعنا به ! فأمر السلطان أن يبنى عليه قلعة فمنعه نظام الملك فلم يقبل قوله فبنوا عليه قلعة في غاية الحصانة لا حيلة في استخلاصها. ففرح السلطان به وجعل كوتواله بعض من كان من خواص السلطان أميراً معتبراً وكان ابن عطاش أحمد بن عبد الملك معلماً لوشاقية هذا الأمير وهو داع من دعاة الباطنية حمله الأمير معه إلى القلعة. فلما استقر فيها دعا القوم إلى مذهب الباطنية فأجابوه وبعث الدعاة إلى أصفهان فأجابه من أصفهان أيضاً خلق كثير. فلما علم نظام الملك ذلك قال للسلطان: منعتك عن بناء القلعة فما قبلت والآن أقول استدرك أمر هذا الملحد وإلا يفضي إلى فساد لا يمكن دفعه! فنزل السلطان على القلعة وحاصرها سبع سنين حتى استخلصها وأنزل ابن عطاش منها وكان عالماً بعلم النجوم وقد أركبوه على جمل وأدخلوه في أصفهان واستقبله جميع أهل أصفهان بالطبول والبوقات والدفوف والمساخرة يرقصون قدامه والعوام يرمونه بالأبعار والأقذار قيل له: ما رأيت هذا في طالعك قال: رأيت في طالعي ارتقاء لكن ما رأيت انه يكون على هذا الوجه! وصلب في أصفهان وكفي شره فقالوا للسلطان: قلعة دل عليها كلب وأشار إلى عمارتها كافر وملكها ملحد لا يرجى منها الخير! فأمر بخرابها. شكمبة بليدة من ناحية دنباوند كثيرة المزارع والبساتين والثمار والأعناب. وهي أشد تلك النواحي برداً يضرب أهل جرجان وطبرستان بقاضيها المثل في تشويش الصورة واضطراب الحلقة فإذا رأوا أحداً كريه الصورة قالوا: مثل قاضي شكمبة! قال قائلهم: رأيت رأساً كدبّةٍ ولحيةً كمذبّه فقلت: ذا التّيس من هو فقال: قاضي شكمبه! شهرزور كورة واسعة في الجبال بين اربل وهمذان. بها قرى ومدن. أهلها أكراد قطاع الطريق قال مسعر بن مهلهل: بلدهم ينشيء ستين ألف بيت من الأكراد وقصبتها دزدان. وكانت مدينة ذات سور عريض عال حتى تركض الخيل على سورها لسعته وكان رئيسها عاصياً على السلاطين قال: وكنت أنظر إلى رئيسها وهو جالس على برج مبني على بابها عال ينظر إلى عدة فراسخ وبيده سيف مجرد فمتى رأى خيلاً من بعض الجهات لمع بسيفه. فانجفلت المواشي والقوافل إلى المدينة وقالوا: انها مدينة منصورة ممتنعة عمن يرومها. دعا لها داود وسليمان عليهما السلام. ينسب إليها طالوت الذي بعثه الله تعالى ملكاً إلى بني إسرائيل فقالوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه والمتغلبون عليها إلى اليوم يزعمون أنهم من ولد طالوت. وهي مخصوصة بقلة رمد العين والجدري هذا آخر كلام مسعر. وبها جبل ينبت حب الزلم الصالح لأدوية الباه لم يعرف في مكان غيره. وبها نوع من الكرم يأتي سنة بالعنب وسنة بثمرة شبيهة بالجزر شديدة الحمرة أسود الرأس يقولون له الودع. وبها عقارب قتالة أضر من عقارب نصيبين. شهرستان مدينة بخراسان بين نيسابور وخوارزم على طرف بادية الرمل. وبساتينها ومزارعها بعيدة عنها والرمال متصلة بها لا تزال تسف. ولها وقف على رجال وثيران ينحون الرمل عنها أبداً. وربما يغشاها في يوم واحد أضعاف ما ينحون عنها زماناً طويلاً والناس ينظرون إليه وهو وينسب إليها الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل وكان رجلاً فاضلاً متكلماً ويزعم أنه انتهى إلى مقام الحيرة وهو القائل: لقد طفت في تلك المعاهد كلّها وصيّرت طرفي بيت تلك المعالم فلم أر إلاّ واضعاً كفّ حائرٍ على ذقنٍ أو قارعاً سنّ نادم! شيز مدينة بآذربيجان بين المراغة وزنجان قال مسعر بن مهلهل: بها معدن الذهب والفضة والزئبق والزرنيخ الأصفر والاسرب. ولها سور محيط بها. وفي وسطها بحيرة لا يدرك قعرها. وإني أرسيت فيه أربعة عشر ألف ذراع وكسوراً من ألف ما استقر واستدارتها نحو جريب بالهاشمي. ومتى بل بمائها تراب صار لوقته حجراً صلداً. بها بيت نار عظيم الشأن عند المجوس منها تذكى نيران المجوس من المشرق إلى المغرب وعلى رأس قبته هلال فضة قيل هو طلسم حاول كثير من المتغلبين قلعه فلم يقدروا. ومن عجائب هذا البيت انهم يوقدون منه منذ سبعمائة سنة فلا يوجد فيه رماد البتة ولا ينقطع الوقود عنه ساعة من الزمان.ومن عجائب هذه المدينة انه إذا قصدها عدو ونصب المنجنيق عليها فإن حجر المنجنيق يقع خارج السور ولا يصل إليه وإن كان يرمى إليه من مسافة ذراع. إلى ههنا كلام مسعر وكان رجلاً سياحاً طاف البلاد ورأى عجائبها وأكثر عجائب البلدان منقول منه. وحكى غير مسعر أن بالشيز نار اذرخس وهي نار عظيمة عند المجوس كان إذا الملك منهم زارها أتاها راجلاً. وينسب إليها زرادشت نبي المجوس قيل: انه كان من شيز ذهب إلى جبل سبلان معتزلاً عن الناس وأتى بكتاب اسمه باستا وهو بالعجمية لم يفهم معناه إلا من المفسر. وأتى يدعي النبوة في عهد كشتاسف بن لهراسف ابن كيخسروا ملك الفرس واراد الوصول إليه فلم يتمكن من ذلك وكان كشتاسف جالساً في ايوان فانشق سقف الإيوان ونزل زرادشت منه والناس الذين كانوا عند الملك ما بين هارب ومغشي عليه والملك ما تحرك عن مكانه وقال له: من أنت فقال زرادشت: إني رسول الله إليكم! فقال الملك: نحن وإن رأينا هذا العجب يعني النزول من السقف لكن لا نقتصر على ذلك بل عندنا علماء وحكماء يناظرونك فإن شهدوا لك الحق اتبعناك! فرضي زرادشت به وأمر الملك العلماء والحكماء في ذلك الزمان أن يسمعوا كلامه ويعرفوا الملك. فسمعوا كلامه وقالوا للملك: سمعنا كلامه وانه مستقيم ولم يبق إلا شيء واحد وهو طلب معجزة على نبوته فقالوا: اخترنا أن نطلي بدنه بما أردنا من الأدوية ونأخذ شيئاً من النحاس المذاب ونشد وثاقه ونصب ذلك القطر عليه فإن تلف فقد كفينا أمره وإن سلم من ذلك فيجب علينا متابعته. فرضي زرادشت بذلك واختار الملك هذا الرأي فعروه وشدوا وثاقه وصبوا عليه قطراً فصار القطر كرات وتشبثت بكل شعرة كرة وما ضربه شيء ومع المجوس من تلك الكرات يتبركون بها. فعند ذلك قالوا: لم يبق إلا إجابة دعوته! فأمر في جميع مملكة كشتاسف ببناء بيوت النار وجعل النار قبلةً لا إلهاً وبقيت تلك الملة إلى مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم والآن يقولون بأرض سجستان منها بقية. صيمرة كورة بها عدة قرى من أعمال البصرة على فم نهر معقل. أهلها موصوفون بقلة العقل حتى جاءهم رجل يقال له ابن شاس في حدود سنة خمسين وأربعمائة وادعى أنه إله فعبدوه! ينسب إليها أبو العنبس وهو محمد بن إسحق كان شاعراً أديباً ظريفاً ذا تصانيف في الهزل والنزهات وقد حظي بذلك عند المتوكل. حكي أنه مات له حمار فحزن عليه ورثاه بمرثية وقال: رأيته في النوم قلت: يا حماري! أما أحسنت علفك وماءك فقال: ما مت إلا في وحكي أن البحتري دخل على المتوكل وأنشد قصيدته في مدحه وقال في مطلعها: عن أيّ ثغرٍ تبتسم وبأيّ طرفٍ تحتكم فقال أبو العنبس: عن أيّ سلحٍ تلتقم وبأيّ كفٍّ تلتطم فقال: حسنٌ يضنّ بحسنه والحسن أشبه بالكرم فقال أبو العنبس: نهمٌ يفوه بهجوه والصّفع أليق بالنّهم فقال البحتري: انتقلت إلى مدح الخليفة وتركت النسيب لعله يسكت فقلت: قل للخليفة أيّها المتوكّل بن المعتصم فقال أبو العنبس: قل للمماليك الضّخام وذي النّشاط من الخدم! قال البحتري: فالتفت يميناً وشمالاً حتى أرى هل ينكر عليه أحد فما رأيت إلا مبتسماً فعلمت إن أنشدت زيادة يأتي بزيادة شتم وهتك فسكت وخرجت فلما رآه أبو العنبس قال: فضحك الخليفة والحاضرون وأمر لأبي العنبس بألف دينار فقال الفتح بن خاقان: يا أمير المؤمنين والبحتري أنشد وشوتم وصفع يرجع بخفي حنين فأمر له أيضاً بألف دينار. ومن شعر أبي العنبس: كم مريضٍ قد عاش من بعد موت الطّبيب والعوّاد قد يصاد القطا فينجو سليماً ويحلّ القضاء بالصّيّاد! طالقان كورة ذات قرى بقهستان بين قزوين وجيلان في جبال الديلم. في جبالهم الزيتون والرمان يجلب إلى قزوين منها الزيتون وحب الرمان الكثير. ينسب إليها أبو الخير أحمد بن إسماعيل الملقب برضى الدين. كان عالماً فاضلاً ورعاً صاحب كرامات. حكي انه كان في بدء أمره يتفقه فأستاذه يلقنه الدرس ويكرر عليه مراراً حتى يحفظه فما حفظ حتى ضجر الأستاذ وتركه لبلادته فانكسر هو من ذلك ونام الأستاذ فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: لم آذيت أحمد قال: فانتبهت وقلت: تعال يا رضى الدين حتى ألقنك! فقال: بشفاعة النبي تلقنني! ففتح الله تعالى عليه باب الذكاء حتى صار أوحد زمانه علماً وورعاً ودرس بالمدرسة النظامية ببغداد مدة وأراد الرجوع إلى قزوين فما مكنوه فاستأذن للحج وعاد إلى قزوين بطريق الشام. وكان له بقزوين قبول ما كان لأحد قبله ولا بعده. يوم وعظه يأتي الناس بالضوء حتى يحصلوا المكان ويشتري الغني المكان من الفقير الذي جاء قبله وما سمعوا منه يروونه عنه كما كانت الصحابة تروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكي أن الشيخ كثيراً ما كان يتعرض للشيعة وكان على باب داره شجرة عظيمة ملتفة الأغصان فإذا في بعض الأيام رأوا رجلاً على ذلك الشجر فإذا هو من محلة الشيعة قالوا: ان هذا جاء لتعرض الشيخ! فهرب الرجل وقال الشيخ: لست أقيم في قزوين بعد هذا! وخرج من المدينة فخرج بخروجه كل أهل المدينة والملك أيضاً. فقال: لست أعود إلا بشرط أن تأخذ مكواة عليها اسم أبي بكر وعمر وتكوي بها جباه جمع من أعيان الشيعة الذين أعين عليهم. فقبل منه ذلك وفعل فكان أولئك يأتون والعمائم إلى أعينهم حتى لا يرى الناس الكي. وحكى الشيخ عز الدين محمد بن عبد الرحمن الوارني وكان من المشايخ الكبار بقزوين أن الشيخ عقد المجلس يوم الجمعة أول النهار الثاني عشر من المحرم سنة تسعين وخمسمائة وذكر تفسير قوله تعالى: واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله وان النبي صلى الله عليه وسلم ما عاش بعد ذلك إلا سبعة أيام وكان ذلك تعريضاً ينعى نفسه فرجع إلى بيته محموماً وبقي سبعة أيام ورفع نعشه في اليوم الثامن. ولما بلغوا به الوادي قرب تربته أنار الله تعالى من فضله عليه ورحمته له آيات بينات وأمارات واضحات أنواراً متلألئة وأضوا متضاعفة وألواناً غريبة في السماء ولقد عددت النور الساطع والوميض المتلأليء في سبعة مواضع من الهواء. وعند ذلك صار الخلق حيارى مبهوتين ودمعت العيون ووجلت القلوب وضجت الأصوات والخلق بين ساجد وممرغ في التراب خده لا يستطيع المتحرك سكوناً ولا الساكن حراكاً إلى أن وضع في لحده فعادت السماء إلى حالها وعاد الهواء لهيئته وما ذلك بعجيب من لطف الله تعالى بأرباب العلوم وأصحاب الديانات عليه رحمة الله ورضوانه. الطاهرية قرية من قرى بغداد. بها مستنقع يجتمع فيه في كل سنة ماء كثير عند زيادة دجلة فيظهر فيه السمك المعروف بالبني فيضمنه السلطان بمال وافر. ولسمكه فضل على سائر السمك لطيب لحمه وانه غلة من حاصل هذه القرية مع سائر غلاتها والله الموفق. طبرستان بلاد معروفة والعجم يقولون مازندران وهي بين الري وقومس وبحر الخزر. أرضها كثيرة الأشجار والمياه والأنهار إلا أن هواءها وخم جداً. حكي أن بعض الأكاسرة اجتمع في حبسه جناة كثيرون فقال وزيره: غربهم إلى بعض البلاد ليعمروها فإن عمروها كان العمران لك وانتلفوا برئت من دمهم! واختار أرض طبرستان وهي يومئذ جبال وأشجار فأرادوا قطع الأشجار فطلبوا فؤوساً والفأس بالعجمية تبر فكثرت بها الفؤوس فقالوا: طبرستان وطبر معرب تبر. وقالوا: كانت أيمانهم مغلولة فكانوا يعملون بشمالهم فلهذا ترى فيها أكثرهم عسراً. ونفوا الفواجر أيضاً إليها فتزوجوا بهن فلهذا قلة الغيرة بينهم. وأكثرهم يتعانون تربية دود القز فيرتفع منها الابريسم الكثير ويحمل إلى سائر البلاد. وبها الخشب الخلنج يتخذ منه الظروف والآلات والأطباق والقصاع ثم يحمل إلى الري وصناع بلد الري يجعلونه في الخرط مرة أخرى حتى يبقى لطيفاً ويزوقونه ومن الري يحمل إلى سائر البلاد ومن هذا الخشب تتخذ النشاشيب الجيدة. وبها المآزر والمناديل الرفيعة الطبرية تحمل منها إلى سائر البلاد وكذلك الثياب الابريسمية والأكسية والصوف. وبها شجر إذا ألقيت شيئاً من خشبها في الماء يموت ما فيه من السمك وتطفو. وبها جبل طارق قال أبو الريحان الخوارزمي: بطبرستان جبل فيه مغارة فيها دكة تعرف بدكان سليمان بن داود عليه السلام إذا لطخت بشيء من الأقذار انفتحت السماء ومطرت حتى تزيل الأقذار منها هذا في الآثار الباقية من تصانيف أبي الريحان الخوارزمي. وقال صاحب تحفة الغرائب: بها حشيش يسمى جوز ماثل من قطعه ضاحكاً وأكله غلب عليه الضحك ومن قطعه باكياً وأكله في تلك الحالة يغلب عليه البكاء ومن قطعه راقصاً وأكله كذلك على كل حال قطعه وأكله تغلب عليه تلك الحالة. حكى أبو الريحان الخوارزمي أن أهل طبرستان أجدبوا في أيام الحسن ابن زيد العلوي فخرجوا للاستسقاء فما فرغوا من دعائهم حتى وقع الحريق في أطراف البلد وبيوتهم من الخشب اليابس فقال أبو عمر في ذلك: خرجوا يسألون صوب غمامٍ فأجيبوا بصيّبٍ من حريق! جاءهم ضدّ ما تمنّوه إذ جاءت قلوبٌ محشوّةٌ بالفسوق! وحكى الشيخ الصالح محمد الهمداني قال: رأيت بطبرستان أمراً عجيباً من الأمور وهو: شاهدت بطبرستان دودة إذا وطئها من كان حامل ماء صار الماء مراً وأعجب من هذا انه لو كان خلف الواطيء حمال الماء صار كل المياه مراً ولو كانوا مائة فترى نساءهم يحملن الماء من النهر في الجرار وقدامهن واحدة معها مكنسة تكنس الطريق والنساء الحاملات للماء يمشين وحكى علي بن رزين الطبري وكان حكيماً فاضلاً قال: عندنا طائر يسمونه ككو وهو على حجم الفاختة وذنبه ذنب الببغاء يظهر أيام الربيع فإذا ظهر نبعه صنف من العصافير موشاة الريش يخدمه طول نهاره يأتي له بالغداء فيزقه فإذا كان آخر النهار وثب على ذلك العصفور وأكله وإذا أصبح صاح فجاء آخر فإذا أمسى أكله فلا يزال كذلك مدة أيام الربيع فإذا زال الربيع فقد ذلك النوع واتباعه إلى الربيع القابل. وينسب إليها أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ الطبري والمصنفات الكثيرة وكان كثيراً ما ينشد: أاقتبس الضّياء من الضّراب وألتمس الشّراب من الشراب أريد من الزّمان النّذل بذلاً وأرياً من جنى سلعٍ وصاب! أأرجو أن ألاقي لاشتياقي خيار النّاس في زمن الكلاب وينسب إليها أبو الحسن المعروف بالكيا الهراسي. كان عالماً فاضلاً تالي أبي حامد الغزالي إلا أن الغزالي أثقب منه ذهناً وأسرع بياناً وأصوب خاطراً. كان مدرساً بالمدرسة النظامية ببغداد دخل ديوان الخليفة والقاضي أبو الحسن اللمغاني كان حاضراً ما قام له فشكا إلى الخليفة الناصر لدين الله فقال الخليفة: إذا دخل القاضي أنت أيضاً لا تقم له! ففعل ذلك ونظم حجابٌ وحجّابٌ وفرط حماقةٍ ومدّ يدٍ نحو العلى بالتّكلّف فلو كان هذا من وراء تكلّفٍ لهان ولكن من وراء التّخلّف فشكا القاضي إلى الخليفة فأمر الكيا أن يمشي إليه ويعتذر فقال الكيا: والله لأمشين على وجه يود لو كنت لم أمش! فلما وصل إلى باب دار القاضي أخبر القاضي بأن الكيا جاء إليه فقام واستقبله وواجهه بالكلية. قال الكيا: حفظ الله الخليفة فإنه تارة يشرفنا وتارة يشرف بنا! فانكسر ابن اللمغاني انكساراً شديداً. فلما مات الكيا وقف ابن اللمغاني عند دفنه وقال: فما تغني النّوادب والبواكي وقد أصبحت مثل حديث أمس! ومن عجائب ما حكي أن بعض السلاطين غضب على صاحب طبرستان فبذل الطبري جهده في إزالة ذلك فما أمكنه. فبعث السلطان إليه جيشاً كثيفاً فعلم الطبري أن الجيش لا ينزلون إلا بغيضة معينة تحت جبل فأمر بقطع أشجار تلك الغيضة وتركها كما كانت قائمة وستر موضع القطع بالتراب. فلما وصل الجيش ونزلوا بها كمن الطبري هو وأصحابه خلف ذلك الجبل وشد الجيش دوابهم في أشجار تلك الغيضة وكانت كلها مقطوعة فخرج عليهم الطبري بأصحابه وصاح بهم فنفرت الدواب وتساقطت الأشجار لأن الدواب جرتها فولى الجند هاربين فزعين لا يلوي أحد إلى أحد وتبعهم الطبري بالقتل والأسر فنجا أقلهم وتلف أكثرهم. فلما رجعوا إلى السلطان سألهم عن شأنهم فقالوا: نزلنا بالموضع الفلاني أتانا في جنح الليل جند من الشياطين تضربنا بالأشجار الطويلة! فلم يجسر أحد من المتقومين بعد ذلك على المشي إلى طبرستان! طبس مدينة بين أصفهان ونيسابور مشهورة. ينسب إليها فخر الأئمة أبو الفضل محمد بن أحمد الطبسي صاحب كتاب الشامل في تسخير الجن. وهو كتاب كبير يذكر فيه كيفية تسخير الجن ولكل واحد من رؤسائهم طريق من الطرق يذكر في ذلك الكتاب وحاصله أنه يذكر عزائم وشرائطها ويقول: من أتى بها على هذا الوجه سلط الله تعالى عليهم ناراً تحرقهم ولا يندفع عنهم إلا بالإجابة. وذكروا أن الجن كانوا مسرين لفخر الأئمة وكان هو معاصراً للإمام الغزالي قال له: أريد أن تعرض الجن علي! فأجابه إلى ذلك قال الغزالي: رأيتهم مثل الظل على الحائط. فقلت له: إني أريد أن أحادثهم وأسمع كلامهم. فقال: أنت لا تقدر ترى منهم أكثر من ذلك.وينسب إليها شمس الطبسي الشاعر. كان شاباً حسن الصورة حلو الكلام جيد الشعر من تلامذة الشيخ رضى الدين النيسابوري وكان معاصر الخاقاني فرأى شعر الخاقاني وسلك ذلك المسلك إلا أن شعر الشمس كان ألطف وأعذب فقال له رضى الدين: داوم على هذا الفن فإنه يجيء منك وترى منه الخير. وله أشعار في غاية الحسن وأسلوب هو منفرد به. وكان قاضي مدينة بخارى صدر الشريعة شاعراً مفلقاً عديم النظير نظم قصيدة حسنة قافيتها ضيقة بالعجمية وهذا مطلعها: بر خير كه شمعست وشرابست ومن تو اواز خروسان سحر خاست زهر سو بر خير كه برخاست بياله بيكي باي بنشين كه نشستست صراحي بد وزانو بر خير اران بيس كه معشوقه شب را باروز بكيرند وببرند دو كيسو واين قصيده در بخارى مشهور كست همه معترف شدند بخوى آن شمس طبس مثل اين قصيده بكفت وهذا مطلعها: ازروى تو جون كرد صبا طره بيكسو فرياد براورد شب غاليه كيسو از زلف سياه تو مكر شد كرهي باز كر مشك براورد صبا تعبيه هر سو اخر دل رنجور مرا جند براري زنجير كشان تا بسرطاق دوابرو فلما عرف صدر الشريعة بهذه القصيدة نادى: من قائلها وما كان يقدر أن يقول شيئاً لأنها كانت في مدح وزير بخارى. وسمعت انه كان شاباً مثل القمر. مات فجأة وديوانه صغير لأنه ما وجد العمر. طرابلس مدينة على شاطيء بحر الروم عامرة كثيرة الخيرات والثمرات لها سور منحوت من الصخر وبساتين جليلة ورباطات كثيرة يأوي إليها الصالحون. بها مسجد الشعاب وهو مسجد مشهور مقصود يأتيه الناس لبركته واحترامه. وبها بئر الكنود وهي بئر زعموا أن من شرب من مائها يتحمق فإذا أتى رجل من أهل طرابلس بما يلام عليه يقولون له: لا نعيبك فإنك شربت من بئر الكنود! طرق مدينة بقرب أصفهان. لأهلها يد باسطة في الآلات المستظرفة من العاج والآبنوس يحمل منها إلى سائر البلاد كل آلة ظريفة يعجز عن مثلها صناع غيرها من البلاد. ينسب إليها تاج الطرقي. كان أديباً شاعراً ظريفاً. له حكايات عجيبة وأشعار فصيحة مثل إذا ما رآني العاذلون وغرّدت حمائم دوحٍ أيقظتها النّسائم يقولون: مجنونٌ جفته سلاسلٌ وممسوس حيٍّ فارقته التّمائم فتعجب من ذلك وقال: ما ظننت أن أحداً من العجم يوصل كلامه إلى هذا الحد! فبعث إليه خلعة سوداء فوصل إليه خلعة الخليفة بغتةً فجأة فلبسها وعمل قصيدة طويلة في مدح الخليفة وبعثها إلى بغداد مطلعها: ترتاح أندية النّدى والباس في مدح مولانا أبي العبّاس وحكي انه سافر إلى همذان وكان ابن قاضي قزوين ورئيسها بهمذان فسمع أن تاجاً الطرقي وصل فأحب أن يراه لأنه كان مشهوراً بالفضل فقيل انه ذهب إلى دار الكتب فمشى إليه فوجده يطالع كتاباً فسلم عليه فقال: عليك السلام! وما تحرك له ولا نظر إليه. وإنه كان رجلاً ذا هيئة وجثة وغلمان ومماليك واشتغل بمطالعة الكتاب فتأذى الرجل من ذلك وقال من أذيته: تاج الدين ما تعرفني قال: لا! قال: أنا رجل من أعيان قزوين ذو أمر ونهي وقطع ووصل فقال: مدينتكم لا يكون لها شحنة قال: نعم. قال: فلم لا يصلبنك فقام الرجل وقال: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه! وحكي انه كان في دار وحده فقام في جنح الليل ينادي: اللص! اللص! فاجتمع الجيران فإذا الأبواب والاغلاق بحالها والدار فقالوا له: أين اللص فقال: إني سمعت أن اللصوص إذا دخلوا بيوت الناس شدوا قطاع اللباد على أقدامهم لئلا يسمع دبيبهم وإني لما انتبهت ما سمعت شيئاً من الدبيب قلت: لعل اللص دخل وشد على رجله اللباد! وله حكايات مثل هذه رحمه الله. طرزك قرية من قرى قزوين مشهورة. حكي أن بعض الصلحاء رأى في نومه أو في واقعة أن هناك صحابياً وما كان بها قبر ولا عرف أحد ذلك فلما كشفوا إذا رجل طويل القامة عليه درع والدم ينزف من جراحته فبنوا عليه مشهداً واشتهر بين الناس أن الدعاء فيه مستجاب فصار مقصوداً يقصده الناس من الأطراف كلها. وحدثني أبي رحمة الله عليه انه ذهب إليه زائراً وقدام المشهد مسجد قال: فتركت الدابة مع الغلام ودخلت المسجد أصلي وفرشت مصلاي في المحراب قال: فرفعت رأسي من السجود فرأيت على مصلاي رمانة كبيرة طرية كأنها قطعت من شجرها في الحال وشجرها لا ينبت بأرض قوين ونواحيها وإنما يجلب إليها من الري وكان الوقت صيفاً لا يوجد الرمان في شيء من البلاد أصلاً قال: فلما فرغت من الزيارة خرجت وقلت للغلام: هل دخل المسجد أحد قال: لا. قلت: هل خرج منه أحد قال: لا. فتعجبت والرمانة معي حتى وصلت إلى ضيعتنا وطروز كان على طريقي والرمانة بعد معي فعرضتها على أخي وجمع كانوا هناك فتعجبوا منه فتركتها مع رحلي ومضيت لحاجة وعدت فما رأيتها فسألت غلامي عنها فقال: لا علم لي بها! ومر على ذلك مدة حتى كنت في بعض أسفاري وحدي فإذا أنا برجل شيخ طويل القامة كث اللحية يناديني: يا محمد! ما صنعت بتلك الرمانة فقصدت نحوه لأتبرك به فغاب عن عيني ولم أدر أين ذهب عليه رحمة الله. طروز قرية كبيرة من قرى قزوين غناء كثيرة المياه والأشجار والبساتين والثمار. ولطيبها ونزاهتها اتخذها أتراك العجم مماليك السلاطين مسكناً وبنوا بها قصوراً وتوالدوا وتناسلوا هناك فمن دخلها تحير فيها من كثرة خيراتها وفواكهها وثمارها وحسن عمارتها وطيب هوائها وحسن صور أهلها فكأن فيها من أولاد الأتراك صوراً مليحة ووجوهاً صبيحة فمن دخلها ما أراد الخروج عنها وكان الأمر على ذلك إلى ورود التتر.مدينة مشهورة كبيرة من بلاد الترك ذات قرى كثيرة وقراها بين جبلين في مضيق لا سبيل إليها إلا من ذلك المضيق ولا يمكن دخولها لو منع مانع فلا يتعرض لها أحد من ملوك الترك لعلمهم بأن قصدها غير مفيد وسلطانها ذو قدر ومكانة عند ملوك الترك. بها معادن الذهب فلذلك كثر الذهب عندهم حتى اتخذوا منه الظروف والأواني. وأهلها زعر لا شعر على جسدهم ورجالهم ونساؤهم على السواء في ذلك. وفي نسائها خاصية عجيبة وهي أنهن يوجدن كل مرة عند غشيانهن أبكاراً. وحكى بعض التجار أنه اشترى جارية تركية وجدها كذلك. وحكى الأمير أبو المؤيد بن النعمان أنه بها عينان: إحداهما عذب والأخرى ملح وهما تنصبان إلى حوض وتمتزجان فيه ويمتد من الحوض ساقيتان: إحداهما عذب ولا ملوحة فيه والأخرى ملح. وذكر انه من كرامات رجل صالح اسمه مليح الملاح وصل إلى تلك الديار ودعا أهلها إلى الإسلام وظهر من كراماته أمر هذا الحوض والسواقي فأسلم بعض أهلها وهم على الإسلام إلى الآن. طوس مدينة بخراسان بقرب نيسابور مشهورة ذات قرى ومياه وأشجار والمدينة تشتمل على محلتين يقال لإحداهما طابران والأخرى نوقان. وفي جبالها معادن الفيروزج وينحت منها القدور البرام وغيرها من الآلات والظروف حتى قال بعضهم: قد ألان الله لأهل طوس الحجر كما ألان لداود عليه السلام الحديد. منها جمع عقم الزمان بمثلهم ممن ينسب إليها الوزير نظام الملك الحسن ابن علي بن إسحق لم ير وزير أرفع منه قدراً ولا أكثر منه خيراً ولا أثقب منه رأياً. وكان مؤيداً من عند الله. حكي أن قيصر الروم جاء لقتال السلطان الب أرسلان فقال السلطان لنظام الملك: ماذا ترى يقولون عسكره أكثر من عسكرنا! فقال نظام الملك: ليس النصر من الكثرة إنما النصر من عند الله نحن نتوكل على الله ونلتقيه يوم الجمعة وقت تقول الخطباء على المنابر: اللهم انصر جيوش المسلمين! ففعلوا ذلك فنصرهم الله. وحكي أن السلطان الب أرسلان دخل مدينة نيسابور فاجتاز على باب مسجد فرأى جمعاً من الفقهاء على باب ذلك المسجد في ثياب رثة لا خدموا للسلطان ولا دعوا له فسأل السلطان نظام الملك عنهم فقال: هؤلاء طلبة العلم وهم أشرف الناس نفساً لا حظ لهم من الدنيا ويشهد زيهم على فقرهم. فأحس بأن قلب السلطان لان لهم فعند ذلك قال: لو أذن السلطان بنيت لهم موضعاً وأجريت لهم رزقاً ليشتغلوا بطلب العلم ودعاء دولة السلطان! فأذن له فأمر نظام الملك ببناء المدارس في جميع مملكة السلطان وأن يصرف عشر مال السلطان الذي هو مختص بالوزير في بناء المدارس وهو أول من سن هذه السنة الحسنة. وحكى نظام الملك في كتابه سير الملوك أن بعض المفسدين قال للسلطان ملكشاه: ان في معيشك أربعمائة ألف فارس وأمر المملكة يتمشى بسبعين ألفاً فإن سبعين ألفاً لم يغلبوا من القلة فلو أسقطتهم امتلأت الخزانة من المال! ومال السلطان إلى قوله فلما عرفت ذلك قلت للسلطان: هذا قول من أراد اثارة الفتنة وفساد المملكة! إن ملكك خراسان وما وراء النهر إلى كاشغر من غور وخوارزم واللان واران وآذربيجان والجبال والعراق وفارس وكرمان والشام وارمن وأنطاكية وانها إنما تبقى محفوظة بهذه العساكر ولم يذكر أن دولة الخلفاء العظام والملوك الكبار قد خلت من خروج خارجي وظهور مخالف وهذه الدولة المباركة بسعادة السلطان سلمت عن الكدورات فلو كانت العساكر ثمانمائة ألف لكانت السند والهند والصين ومصر والبربر والحبشة والروم أيضاً في طاعتنا. ثم ان السلطان ان أثبت سبعين ألفاً وأسقط ثلاثمائة وثلاثين ألفاً فالساقطون ليسوا أصحاب حرف يشتغلون بصنعتهم يجتمعون على يد واحد ويدخلون تحت طاعته فنشأ من ذلك فساد عظيم ويكون الخصم في ثلاثمائة وثلاثين ألفاً ونحن في سبعين ألفاً فتمشي الأموال وتهلك ويكون ذلك نتيجة نصيحة هذا الناصح الذي ينصح بجمع الأموال وتفريق الرجال. وحكي انه كان شديد التعصب على الباطنية وقد خرج من أصفهان وبه عقابيل المرض في العمارية. فلما وصل إلى قرية من قرى نهاوند يقال لها قيدسجان تعرض له رجل ونادى: مظلوم! مظلوم! فقال الوزير: ابصروا ما ظلامته. فقال: معي رقعة أريد أسلمها إلى الوزير ! فلما دنا منه وثب عليه وضربه بالسكين وكانت ليلة الجمعة الحادي والعشرين من رمضان سنة خمس وثمانين وأربعمائة فحمل إلى أصفهان ودفن في مدرسته. وينسب إليها الإمام حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي. لم تر العيون مثله لساناً وبياناً وخاطراً وذكاء وعلماً وعملاً. فاق أقرانه من تلامذة إمام الحرمين وصار في أيام إمام الحرمين مفيداً مصنفاً وإمام الحرمين يظهر التبجح به. وكان مجلس نظام الملك مجمع الفضلاء فوقع لأبي حامد في مجلسه ملاقاة الفحول ومناظرة الخصوم في فنون العلوم فأقبل نظام الملك عليه وانتشر ذكره في الآفاق فرسم له تدريس المدرسة النظامية ببغداد وصنف كتباً لم يصنف مثلها ثم حج وترك الدنيا واختار الزهد والعبادة وبالغ في تهذيب الأخلاق ودخل بلاد الشام وصنف كتباً لم يسبق إلى مثلها كإحياء علوم الدين ثم عاد إلى خراسان مواظباً على العبادات إلى أن انتقل إلى جوار الحق بطوس سنة خمس وخمسمائة عن أربع وخمسين سنة. قيل: ان تصانيفه وزعت على أيام عمره فأصاب كل يوم كراس. حكى الشيخ أبو الفتح عامر الساوي قال: كنت بمكة سنة خمس وأربعين وخمسمائة فبينا أنا بين النوم واليقظة إذ رأيت عرضة عريضة فيها ناس كثيرون وفي يد كل واحد مجلد يحلقون على شخص فقالوا: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم! وهؤلاء أصحاب المذاهب يعرضون مذاهبهم عليه. فبينا أنا كذلك إذ جاء واحد بيده كتاب قيل إنه هو الشافعي فدخل وسط الحلقة وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد الجواب عليه وهو عليه السلام في ثياب بيض على زي أهل التصوف فقعد الشافعي بين يديه وقرأ من كتاب مذهبه واعتقاده عليه ثم جاء بعده رجل آخر قالوا انه أبو حنيفة وبيده كتاب فسلم وقعد بجنب الشافعي وقرأ مذهبه واعتقاده ثم يأتي صاحب كل مذهب حتى لم يبق إلا القليل وكل يقرأ ويقعد بجنب الآخر. ثم جاء واحد من الروافض وبيده كراريس غير مجلدة فيها مذهبهم واعتقادهم وهم أن يدخل الحلقة فخرج واحد ممن كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ الكراريس ورماها خارج الحلقة وطرده وأهانه. فلما رأيت أن القوم قد فرغوا قلت: يا رسول الله هذا لاكتاب معتقدي ومعتقد أهل السنة لو أذنت لي قرأت عليك. فقال: صلى الله عليه وسلم: أي شيء ذلك قلت: قواعد العقائد للغزالي. فأذن لي بالقراءة فقعدت وابتدأت: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المبديء المعيد الفعال لما يريد ذي العرش المجيد والبطش الشديد الهادي صفوة العبيد إلى النهج الرشيد والملك الشديد المنعم عليهم بعد شهادة التوحيد بحراسة عقائدهم من ظلمات التشكيك والترديد إلى أن وصلت إلى قوله: وانه تعالى بعث الأمي القرشي محمداً صلى الله عليه وسلم إلى العرب والعجم كافة من الجن والانس فرأيت البشاشة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتفت إلي وقال: أين الغزالي كأنه كان واقفاً في الحلقة! فقال: ها أنا ذا يا رسول الله! فقدم وسلم على رسول الله عليه السلام فرد عليه الجواب وناوله يده المباركة. فصار الغزالي يقبل يده المباركة ويضع خديه عليها تبركاً بها فما رأيت رسول الله عليه السلام أكثر استبشاراً بقراءة أحد مثل استبشاره بقراءتي فسأل الله تعالى أن يميتنا على عقيدة أهل الحق وأن يحشرنا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين قال الأبيوردي: بكى على حجّة الإسلام حين ثوى من كلّ حيٍّ عظيم القدر أشرفه مضى وأعظم مفقودٍ فجعت به من لا نظير له في النّاس يخلفه وينسب إليها ملك الابدال أحمد بن محمد بن محمد الغزالي. كان صاحب كرامات ظاهرة.كان أخوه حجة الإسلام يقول: ما حصل لنا بطريق الاشتغال ما حصل لأحمد بطريق الرياضة. حكي أن الشيخ محمداً كان يصلي والشيخ أحمد حاضر فلما فرغ من صلاته قال له: أيها الأخ قم أعد صلاتك لأنك كنت في الصلاة تحاسب حساب البقال! وحكي أن السلطان ملكشاه كان مريداً للشيخ أحمد فذهب ابنه سنجر إلى زيارة الشيخ وكان حسن الصورة جداً فالشيخ قبله في خده فكره الحاضرون ذلك وذكروه للسلطان فقال السلطان لابنه سنجر: الشيخ قبل خدك قال: نعم. قال: ملكت نصف الأرض ولو قبل الجانب الآخر ملكت كلها! وكان الأمر كذلك. وحكي أن رجلاً أراد أن يأخذ امرأة خاطئة ليلة بأجرة معلومة فالشيخ زاد في أجرتها وأخذها إلى بيته وأقعدها في زاوية من البيت واشتغل هو بالصلاة إلى الصباح. فلما كان النهار وقد أعطاها أجرتها قال لها: قومي واذهبي إلى حيث شئت! وغرضه دفع الزنا عنهما رحمة الله عليه ورضوانه. وينسب إليها الحكيم الفردوسي. كان من دهاقين طوس له ملك في ضيعة يظلمه عامل الضيعة فذهب إلى باب السلطان محمود بن سبكتكين لدفع ظلم العامل وكان يطلب وسيلة. قيل له: الشعراء مقربون الآن لأن السلطان يريد أن يجعلوا له تاريخ ملوك العجم منظوماً وأقربهم إلى السلطان العنصري فطلبه الفردوسي فوجده في بستان ومعه الفرخي والعسجدي فذهب إليهم وسلم وجلس عندهم فقالوا: نحن شعراء لا نجالس إلا من كان مثلنا! فقال: أنا أيضاً شاعر! فقالوا: أجز معنا هذا البيت: قال العنصري: جون روي تو خورشيذ نباشذ روشن قال الفرخي: مانند رخت كل نبود در كلشن قال العسجدي: مر كانت همي كذر كند بر جوشن قال الفردوسي: مانند سنان كيو در جنك بشن فقالوا: ما أدراك بحال كيو وجنك بشن قال: أنا عارف بوقائع ملوك العجم. فاستحسنوا ما أتى به الفردوسي وذكروه عند السلطان فأعطى السلطان لكل شاعر جزاء وأعطى للفردوسي أيضاً جزاء. فرأوا شعر الفردوسي خيراً من شعرهم وكان شعر كل واحد لا يشابه شعر الآخر لأن شأنها كان فصيحاً وشأنها كان ركيكاً فقال: إني أتولى نظم الكتاب كله ولا حاجة إلى غيري! فنظم الكتاب من أول زمان كيومرث وهو أول ملك ملك إلى زمان يزدجرد بن شهريار آخر ملوك العجم في سبعين ألف بيت مشتملاً على الحكم والمواعظ والزواجر والترغيب والترهيب بعبارة فصيحة وحمل الكتاب إلى السلطان فأعجبه وأمر له بحمل فيل ذهباً. فقال الوزير: جائزة شاعر حمل فيه ذهباً كثير ألا حمل فيل فضة وكان الفردوسي يطمع بمنصب رفيع من المناصب مثل الوزارة فلما رأى حمل فيه فضة اشترى به فقاعاً وشربه وألحق بالكتاب هذه الأبيات الثلاثة: برين سال بكذشت از سي وبنج بدرويشي وناتواني ورنج بذان تا بيري مرا بر دهذ مرا شاه مر تخت واسفر دهذ جو اندر نهاذش بزركي نبوذ نيارست نام بزركان شنوذ وحكي أن الشيخ قطب الدين أستاذ الغزالي اجتاز على قبر الفردوسي مع أصحابه فقال بعضهم: نزور الفردوسي! فقال الشيخ: دعه فإنه صرف عمره في مدح المجوس! فرأى ذلك القائل الفردوسي في نومه يقول له: قل للشيخ لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الانسان قتوراً.بليدة بين واسط وخوزستان قال داود بن أحمد الطيبي: مدينة طيب من عمارة شيث بن آدم عليه السلام وما زال أهلها على ملة شيث إلى أن جاء الإسلام. والمدينة قديمة أحدث القدماء بها أشياء وطلسمات منها ما زال ومنها ما بقي. ومما زال قالوا: كان بها طلسم لدفع العقارب والحيات وكان باقياً إلى قريب من زماننا. ومن عجائبها الباقية أن لا يدخلها زنبور البتة فإن دخلها مات ولا يدخلها غراب أبقع ولا عقعق. طيزناباد معناه عمارة الضراط.قرية بين الكوفة والقادسية على جادة الحاج من أنزه المواضع. وهي محفوفة بالكروم والأشجار والخانات والمعاصر كانت أحد المواضع المقصودة بالبطالة والآن خراب لم يبق بها إلا قباب يسمونها قباب أبي نواس قال أبو نواس: قالوا: تنسّك بعد الحجّ قلت لهم: أرجو الإله وأخشى طيزنابادا أخشى قضيّب كرمٍ أن ينازعني رأس الحطام إذا أسرعت إعدادا فإن سلمت وما نفسي على ثقةٍ من السّلامة لم أسلم ببغدادا! بطيزناباد كرمٌ ما مررت به إلاّ تعجبّت ممّن يشرب الماء فهتف هاتف أسمع صوته ولا أراه: وفي الجحيم حميمٌ ما تجرعه خلقٌ فأبقى له في البطن أمعاء! عانة بليدة بين هيت والرقة يطوف بها خليج من الفرات. وهي كثيرة الأشجار والثمار والكروم ولها قلعة حصينة ولكثرة كرومها تنسب العرب إليها الخمر. وأهل بغداد إذا شاهدوا ظلماً قالوا: الخليفة إذاً في عانة! لأن البساسيري استولى على بغداد وحمل القائم بأمر الله إلى عانة وخطب باسم خلفاء مصر سنة فجاء السلطان طغرلبك السلجوقي في سنة أربعين وأربعمائة وحارب البساسيري وقتله وجاء بالخليفة من عانة ورده إلى مقره ومشى قدام مهده راجلاً حتى خاطبه الخليفة بنفسه وقال: اركب يا ركن الدين! وهو أول سلاطين السلجوقية وأرفعهم قدراً وهو الذي انتزع الملك من سلاطين بني سبكتكين. عبادان جزيرة تحت البصرة قرب البحر الملح فإن دجلة إذا قاربت البحر تفرقت فرقتين عند قرية تسمى المحرزي: فرقة تذهب إلى ناحية البحرين وهي اليمنى واليسرى تذهب إلى عبادان وسيراف والحنابة وعبادان في هذه الجزيرة وهي مثلثة الشكل وإنما قالوا: ليس وراء عبادان قرية لأن وراءها بحراً. ومن عجائبها أن لا زرع بها ولا ضرع وأهلها متوكلون على الله يأتيهم الرزق من أطراف الأرض. وفيها مشاهد ورباطات وقوم مقيمون للعبادة منقطعون عن أمور الدنيا وأكثر موادهم من النذور. |
إذا ما هجاني ناقص لا أجيبه= فإني إذا جاوبته فلي الذنب أنزه نفسي عن مساواة سفلة= ومن ذا يعض الكلب إن عضه الكلب
|
|
|
#20 |
|
محمد العريفي
المؤسس المشرف العام لملتقى القبائل العربية ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
عبد الله اباذ قرية بين قزوين وهمذان. بها حمة عجيبة ليس في شيء من البلاد مثلها وذلك ان الماء يفور منها فوراناً شديداً قدر قامة وأكثر وإذا تركت البيضة على عمود الماء النابع تبقى عليها وتسلقها حرارة الماء. ويجتمع هذا الماء في حوض يأتيه أصحاب العاهات ويستحمون به ينفعهم نفعاً عظيماً بيناً. العراق ناحية مشهورة وهي من الموصل إلى عبادان طولاً ومن القادسية إلى حلوان عرضاً. أرضها أعدل أرض الله هواء وأصحها تربة وأعذبها ماء. وهي كواسطة القلادة من الاقليم وأهلها أصحاب الأبدان الصحيحة والأعضاء السليمة والعقول الوافرة والآراء الراجحة وأرباب البراعة في كل صناعة. والغالب عليهم الغدر لكثرة الأشرار ومكر الليل والنهار. أقام بها عبد الله بن المبارك سبعة عشر يوماً تصدق بسبعة عشر درهماً كفارة لذلك. وأهلها مخصوصون ببغض الغرباء خصوصاً العجم. ويقال لأهل العراب نبط قالوا: نبط كان اسم رجل شرير كثرت جناياته في زمن سليمان بن داود عليه السلام فأمر بحبسه فاستغاث منه أهل الحبس إلى سليمان من كثرة سعايته ونميمته والقائه الشر بين أهل الحبس فأمر سليمان عليه السلام بتقييده وحمله إلى حبس الشياطين فاستغاث الشياطين وقالوا: يا نبي الله لا تجمع بين الحبس ومقاساة نبط! فرأى سليمان أن يأمره بشغل حتى يقل شره. وكان في الحبس امرأة مومسة قيل لنبط: نريد منك أن تغسل هذا الصوف الأسود وتبيضه بالغسل وأن تروح هذه المرأة حتى يلتحم فرجها بالترويح فأمر بذلك ووكل به ففعل ذلك مدة طويلة حتى ضجر ثم أراد أن يجرب هل التحمت أم لا فباشرها فحملت منه وأتت بولد وصار له نسل بأرض العراق فلهذا ترى السعاية والنميمة والفجور في النبط كثيراً لأنها شيمة أبيهم نبط! وحكي أن عبد الله بن المبارك قيل له: كيف رأيت أهل العراق قال: ما رأيت بها إلا شرطياً غضبان! بها نهر دجلة مخرجه من جبل بقرب آمد عند حصن يعرف بحصن ذي القرنين وهي هناك ساقية كلما امتد ينضم إليها مياه جبال ديار بكر ثم يمتد إلى ميافارقين وإلى حصن كيفا ثم إلى جزيرة ابن عمر ويحيط بها ثم إلى الموصل ثم إلى تكريت وقبل ذلك ينصب إليه الزابان ويعظم بهما ثم إلى بغداد ثم إلى واسط ثم البصرة ثم إلى عبادان وينصب إلى البحر. وماء دجلة من أعذب المياه وأخفها وأكثرها نفعاً لأن مجراه من مخرجه إلى مصبه في العمارات وفي آخر الصيف يستعملونه كله بواسط والبصرة. وروي عن ابن عباس أن الله تعالى أوحى إلى دانيال عليه السلام أن فجر لعبادي نهرين واجعل مصبهما البحر فقد أمرت الأرض أن تطيعك. فأخذ خشبة يجرها في الأرض والماء يتبعه فكلما مر بأرض يتيم أو أرملة أو شيخ ناشده الله فيحيد عنها فعواقيل دجلة والفرات من ذلك. وبها نهر الفرات. مخرج الفرات من أرمينية ثم من قاليقلا ويدور بتلك الجبال حتى يدخل أرض الروم ويخرج إلى ملطية ثم إلى سميساط ثم إلى قلعة نجم ثم إلى الرقة ثم إلى عانة ثم إلى هيت فيصير أنهاراً تسقي زروع السواد وما فضل منها انصب في دجلة بعضه فوق واسط وبعضه بين واسط والبصرة فيصير الفرات ودجلة نهراً عظيماً يصب في بحر فارس. وروي أن أربعة أنهار من الجنة: النيل والفرات وسيحان وجيحان. وروي عن علي رضي الله عنه انه قال: يا أهل الكوفة إن نهركم هذا يصب إليه ميزابان من الجنة. وروي عن جعفر بن محمد الصادق انه شرب من الفرات فحمد الله وقال ما أعظم بركته! لو علم الناس ما فيه من البركة لضربوا على حافتيه القباب! ولولا ما يدخله من خطائين ما اغتمس فيه ذو عاهة إلا برأ. وحكى السدي أن الفرات مد في زمن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فألقى رمانة في غاية العظم فأخذت فكان فيها كر حب قسمها بين المسلمين فكانوا يرون أنها من الجنة. وهذا حديث مشهور في عدة كتب للعلماء. ينسب إليها هشام بن الحكم وكان معتزلياً يرجح علياً فقال رجل: إني ألزمه أن يقول عند الخليفة إن علياً كان ظالماً! فلما حضر هشام عند الخليفة قال: أبا محمد أنشدك بالله أما تعلم أن علياً نازع العباس عند أبي بكر قال: نعم. قال: فمن كان الظالم منهما فكره أن يقول العباس خوفاً من الخليفة وكره أن يقول علي خوفاً من مخالفة اعتقاده فقال: ما منهما ظالم! فقال الرجل: كيف يتنازعان ولا يكون أحدهما ظالماً فقال: كما اختصم الملكان إلى داود عليه السلام وما منهما ظالم وغرضهما تنبيه داود على الخطيئة هكذا كان العباس وعلي كان غرضهما تنبيه أبي بكر على خطيئته. وينسب إليها يحيى بن معمر أحضره الحجاج وقال: أنت الذي تقول الحسين بن علي من ذرية رسول الله قال: نعم. قال: فوالله لتأتين بالمخرج عما قلت أو لأضربن عنقك! فقال يحيى: إن جئت بالمخرج فأنا آمن قال: نعم. قال: اقرأ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم إلى قوله ومن ذريته داود وسليمان إلى قوله وزكريا ويحيى وعيسى فمن يعد عيسى من ذرية إبراهيم لا يعد الحسين من ذرية محمد عليه السلام فقال الحجاج: والله كأني ما قرأت هذه الآية قط! فولاه قضاء المدينة وكان قاضيها إلى أن مات. وينسب إليها أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش. قال عيسى بن يونس: ما رأينا في زماننا من الأعمش فكان الأغنياء والملوك في مجلسه أحقر شيء وهو محتاج إلى درهم! حكي انه يوم الشك من رمضان يأتيه الناس يستخبرون منه فضجر من ذلك وترك بين يديه رمانة كل من دخل عليه قبل أن يستخبر منه أخذ حبةً رماها في فمه ليعلم أن اليوم ليس يوم صوم. وحكي أن أبا حنيفة ذهب إليه فلما أراد الذهاب قال له: لا يكون ثقلت عليك! فقال: أنت وحكى أبو بكر بن عياش قال: دخلت على الأعمش في مرض موته فقلت: أدعو لك طبيباً فقال: ما أصنع به والله لو كانت نفسي بيدي لطرحتها في الحش! لا تؤذين أحداً واطرحني في لحدي! ولد الأعمش يوم قتل الحسين يوم عاشوراء سنة ستين وتوفي في سنة ثمان وأربعين ومائة وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وينسب إليها أبو الحسين سمنون بن حمزة صحب السري السقطي. كان من أولياء الله ذكر انه لما أنشد: وليس لي في سواك حظٌّ فكيفما شئت فاختبرني أخذ الأسر من ساعته وكان يدور على المكاتب للصبيان ويقول: ادعوا لعمكم الكاذب! وحكى أبو أحمد المغازلي أنه كان ببغداد رجل أنفق على الفقراء أربعين ألف درهم فقال لي سمنون: يا أبا أحمد أما ترى هذا أنفق أربعين ألف درهم ونحن ما نجد شيئاً فامض بي إلى موضع كذا نصلي بكل درهم أنفقه ركعة! فمضينا وصلينا أربعين ألف ركعة! وينسب إليها إبراهيم الآجري رحمه الله قال: أتاني يهودي له علي دين يتقاضاه وأنا عند الشاخورة أوقدت ناراً تحت الآجر فقال: يا إبراهيم أرني آية أسلم! قلت: أوتفعل ذلك قال: نعم. فأخذت ثيابه ولففتها في وسط ثيابي ورميتها في الشاخورة ثم دخلت الشاخورة وأخذت الثياب وخرجت من الباب الآخر فإذا ثيابه في وسط ثيابي صارت حراقاً وثيابي بحالها. فلما رأى اليهودي ذلك أسلم! وينسب إليها أبو الحسن علي بن الموفق كان يقول: اللهم إن كنت تعلم أني أعبدك خوفاً من نارك فعذبني بها وإن كنت تعلم اني أعبدك حباً لجنتك فاحرمنيها وإن كنت تعلم أني أعبدك حباً مني لك وشوقاً إلى وجهك فاحنيه واصنع ما شئت! وحكي أنه وجد قرطاساً في الطريق قال: فأخذته ووضعته في كمي وجلست أقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن الموفق تخاف الفقر وأنا ربك وحكي انه قال: تممت ستين حجة فلما فرغت من الطواف قعدت تحت الميزاب فأنكرت في حالي عند الله تعالى وكثرة ترددي إلى هذا المكان فغلبتني عيني فإذا قائل يقول: يا علي هل تدعو إلى بيتك إلا من تحبه فسري عني ما كنت فيه. حكى محمد بن إسحق السراج قال: سمعت علي بن الموفق يقول: حججت نيفاً وخمسين حجة فنظرت إلى ضجيج أهل الموقف فقلت: اللهم إن كان فيهم واحد لم تقبل حجه فقد وهبت حجتي له! فرجعت إلى المزدلفة وبت فيها فرأيت في نومي رب العزة تعالى فقال لي: يا علي بن الموفق أتتسخى علي قد غفرت لأهل الموقف ولأمثالهم وشفعت كل واحد في أهل بيته وذريته وعشيرته وإنا أهل التقوى وأهل المغفرة. توفي علي بن الموفق سنة خمس وستين ومائتين. عزان مدينة كانت على الفرات للزباء بنت مليح بن البراء. قتله جذيمة الأبرش صاحب الحيرة فلحقت الزباء بالروم وجمعت الرجال وبذلت الأموال وعادت إلى ملك أبيها وأزالت جذيمة عنها وبنت على طرف الفرات مدينتين متقابلتين من شرقي الفرات وغربيه وجعلت بينهما نفقاً تحت الفرات فكانت إذا رهقها الأعداء أوت إليه وجرت بينها وبين جذيمة مهادنة قال ابن الكلبي: لم يكن في نساء عصرها أجمل منها وكان اسمها فارغة وكانت تسحب شعرها وراءها إذا مشت وإذا نشرته جللها فسميت الزباء. فأراد جذيمة أن يتزوجها ويضم ملكها إلى ملكه فخطبها فأجابته على شرط أن يصير إليها. وكان لجذيمة وزير اسمه قصير. قال لجذيمة: لا تمش إلى هذه المرأة فإني لست آمنها عليك! فقال: لا يطاع لقصير أمر! فأرسلها مثلاً. فلما دخل عليها أمرت جواريها فأخذن يده. قالت له: أي قتلة تريد أن أقتلك فقال: إن كان لا بد فاقتليني قتلة كريمة! فأطعمته حتى شبع وسقته حتى ثمل وفصدت شريانه حتى نزف دمه ومات. فبلغ قصيراً خبره فجدع أنف نفسه وأظهر أنه جدعه عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة لأنه أشار إليه بتزويج الزباء. فراسل قصير الزباء وأطمعها في ملك جذيمة فركبت إليه وصار قصير إليها بأمان وأخبرها بسعة التجارات فدفعت إليه مالاً فأتاها بربح كثير ثم زادته في المال فأتاها بربح عظيم فأنست به وجعلته من بطانتها. وأخبرته: اني حفرت من قصري على الفرات هذا إلى القصر الآخر على الجانب الآخر من الفرات سرباً تحت الماء وجعلت باب السرب تحت سريري هذا ومخرجه تحت سريري الآخر فإن راعني أمر خرجت إلى الجانب الآخر. فحفظه قصير ومضى بالمال وحصل ألفي رجل في ألفي صندوق على ألف جمل وعلى الرجال الدروع ومعهم السيوف وأقبل بهم إلى الزباء. فلما قرب من مدينتها صعدت الزباء سور مدينتها تنظر إلى العير مثقلة فقالت: ما للجمال مشيها وئيدا أجندلاً يحملن أم حديدا أم صرفاناً بارداً شديدا أم الرّجال جثّماً قعودا فجاء قصير بالعير ودخل المدينة فأناخ الجمال وثار الرجال من الصناديق بالسيوف وضربوا من أدركوه فلما علمت الزباء قصدت السرب لتدخل فيه فبادرها عمرو بن عدي وكان من رجال الصناديق وقف على باب السرب بالسيف فعلمت انه قاتلها فمصت سماً تحت خاتمها وقالت: بيدي لا بيد عمرو! فأرسلته مثلاً. ومن الأمثال: لأمر ما جدع قصير أنفه! عقرقوف قرية قديمة من قرى بغداد قالوا: بناها عقرقوف بن طهمورث وإلى جانب هذه القرية تل عظيم من تراب يرى من خمسة فراسخ كأنه قلعة عظيمة. للناس فيه أقاويل كثيرة قال ابن قطيفة: ملك الروم كلما رأى أحداً من أهل العراق سأله عن تل عقرقوف فإن قال: انه بحاله يفرح ويقول: انه لا بد أن نطأه. غرشستان ناحية واسعة كثيرة القرى الغور في شرقيها وهراة في غربيها ومرو الروذ في شمالها وغزنة في جنوبها. والغرش بلغتهم الجبال ومعناه قهستان. والغالب على أرضها الجبال وبها دروب وأبواب لا يمكن دخولها إلا بإذن الشار والشار اسم ملوكهم. وأهلها صلحاء مجبولون على الخير عندهم بقية من عدل عمر. قال الاصطخري: غرج الشار مدينتان يقال لإحداهما نشين وللأخرى سورمين وهما وحكى بعض التجار قال: مشيت إلى غرشستان فاتفق لهم غرس فوضعوا دستاً عالياً وجاء الزوج وجلس فيه وأسبلوا على وجهه سجفاً سخيفاً شبه وقاية وجاء المغني يغني بالدفوف وغيرها وتأتي نساء أقاربهم وجيرانهم يرقصن بين يدي الزوج فرادى ومثنى وجماعة والزوج يراهن ويتفرج على رقصهن حتى لا تبقى واحد إلا رقصت ثم تأتي العروس في الآخر وترقص بين يديه أحسن رقص ثم خلوا بينها وبينه. غريان بناءان كالصومعتين بظهر الكوفة قرب مشهد أمير المؤمنين علي. بناهما المنذر بن امريء القيس بن ماء السماء وسببه انه كان له نديمان من بني أسد فثملا فراجعا الملك ببعض كلامه فأمر وهو سكران أن يحفر لهما حفرتان ويدفنا فيهما حيين. فلما أصبح استدعاهما فأخبر بما أمضى فيهما فغمه ذلك وقصد حفرتيهما وأمر ببناء طربالين عليهما وقال: لا يمر وفود العرب إلا بينهما! وجعل لهما في السنة يوم بؤس ويوم نعيم يذبح يوم بؤسه من يلقاه ويغري بدمه الطربالين فإن وقعت لهما الوحش طلبها بالخيل وإن وقع طائر أرسل عليه الجوارح. وفي يوم نعيمه يجيز من يلقاه ويخلع عليه. ولبث بذلك برهة من دهره فخرج يوماً من أيام بؤسه إذ طلع عبيد بن الأبرص الأسدي الشاعر جاء ممتدحاً فلما رآه قال: هلا كان الذبح لغيرك يا عبيد فقال بعض الحاضرين: أبيت اللعن! عنده من حسن القريض ما هو خير مما تريد منه! فاسمع فإن كان حسناً استرده وإن كان غير ذلك فالأمر بيدك. فأنزله حتى طعم وشرب وقال له: أنشدني فقد كان يعجبني شعرك! فقال عبيد: حال الجريض دون القريض. فقال المنذر: أنشدني قولك اقفر من أهله ملحوب. فقال عبيد: أقفر من أهله عبيد فاليوم لا يبدي ولا يعيد عنّت له منيّةٌ نكود وحان منه لهما ورود! فقال المنذر: يا عبيد لا بد من الموت! ولقد علمت لو أن النعمان ابني عرض لي يوم بؤسي لا بد لي من ذبحه! واستدعى له الخمر فلما أخذت منه نفسه وطابت وقدم للقتل أنشد. ألا أبلغ بنّي وأعمامهم بأنّ المنايا هي الوارده! لها مدّةٌ فنفوس العباد إليها وإن كرهت قاصده فلا تجزعوا لحمامٍ دنا فللموت ما تلد الوالده فأمر به ففصد حتى نزف دمه وغرى بدمه الغريين. وحكي أن في بعض أيام بؤسه وقع رجل من طيء يقال له حنظلة فقال له المنذر: لا بد من قتلك! سل حاجتك. فقال: أجرني سنة حتى أرجع إلى أهلي وأفعل ما أريد ثم أصير إليك ! فقال المنذر: ومن يكفلك أنك تعود فنظر إلى جلسائه فعرف شريك بن عمرو بن شراحيل الشيباني فقال: يا شريكٌ يا ابن عمروٍ ويا أخا من لا أخا له يا أخا المنذر فكّ اليوم رهناً قد أنى له إنّ شيبان قبيلٌ أكرم النّاس رجاله وأبو الخيرات عمروٌ وشراحيل الحماله ورثاك اليوم في المجد وفي حسن المقاله فوثب شريك وقال: أبيت اللعن! يدي بيده ودمي بدمه! فأطلقه المنذر فلما كان من القابل قعد المنذر ينتظر حنظلة فأبطأ فقدم شريك ليقتل فلم يشعر إلا براكب قد طلع فإذا هو حنظلة قد تكفن وجاء بنادبته. فلما رآه المنذر عجب من وفائه فقال: ما حملك على قتل نفسك فقال: إن لي ديناً يمنعني من الغدر! قال له: ما دينك قال: النصرانية! فاستحسن ذلك منه وأطلقهما معاً وأطلق تلك السنة. وكان المنذر بنى الغريين على مثال ما بناهما ملوك مصر وقد مر ذكرهما في موضعهما. ونظر لو أنّ شيئاً مقيماً لا يبيد على طول الزّمان لما باد الغريّان قد خرّب الدّهر بالتّصريف بينهما فكلّ إلفٍ إلى بينٍ وهجران! غزنة ولاية واسعة في طرف خراسان بينها وبين بلاد الهند مخصوصة بصحة الهواء وعذوبة الماء وجودة التربة وهي جبلية شمالية بها خيرات واسعة إلا أن البرد بها شديد جداً. ومن عجائبها العقبة المشهورة بها فإنها إذا قطعها القاطع وقع في أرض دفئة شديدة الحر ومن هذا الجانب برد كالزمهرير ومن خواصها أن الأعمار بها طويلة والأمراض قليلة وما ظنك بأرض تنبت الذهب ولا تولد الحيات والعقارب والحشرات المؤذية وأكثر أهلها أجلاد وأنجاد. ومن عجائبها أمر الصفارين يعقوب وعمرو وظاهر وعلي. كان يعقوب غلام صفار وعمرو مكارياً صاروا ملوكاً عظماء واستولوا على بلاد فارس وكرمان وسجستان وخراسان وبعض العراق يقال لهم بنو الليث الصفار. وبها تفاح في غاية الحسن يقال له الأميري لم يوجد مثله في شيء من البلاد قال أبو منصور تفّاخ غزنة نفّاعٌ ونفّاح كأنّه الشّهد والرّيحان والرّاح! أحبّه لصفاتٍ حازها قمرٌ في وجهه أبداً وردٌ وتفّاح! وينسب إليها مجدود بن آدم السنائي. كان حكيماً عارفاً شاعراً تاركاً للدنيا وله ديوان كبير كله حكم ومواعظ من حقها أن تكتب بالذهب ليس فيها مدح أصلاً. وكان يحب العزلة والانزواء عن الناس ويسكن الخرابات ويمشي حافياً وكان بعض الوزراء يرى له والسنائي يأتيه في أوقات فإذا جاءه يقوم الوزير ويجلسه مكانه في دسته وهو ربما كانت ملطخة بالطين فقعد في مسند الوزير ومد رجليه لئلا يتلطخ المطرح بالطين. وحكي أن السنائي كان يمشي حافياً ولا يقبل من أحد شيئاً فاشترى له بعض أصدقائه مداساً وألح عليه بالشفاعة أن يلبسه ففعل فاتفق أنه تلاقاه في اليوم الثاني وسلم على السنائي فخلع المداس ورده إليه فسئل عن ذلك فقال: سلامه في اليوم الثاني ما كان يشبه السلام الذي كان قبل ذلك وما كان له سبب إلا المداس! وبها عين إذا ألقي فيها شيء من القاذورات يتغير الهواء ويظهر البرد والريح العاصف والمطر في أوانه والثلج في أوانه وتبقى تلك الحالة إلى أن تنحى عنها النجاسة. وحكي أن السلطان محمود بن سبكتكين لما أراد فتح غزنة كلما قصدها بادر أهلها وألقوا شيئاً من القاذورات في هذه العين ولم تمكن الإقامة عندهم للعسكر. وكان الأمر على ذلك حتى عرف السلطان ذلك منهم وتلك العين خارج المدينة بقربها فبعث أولاً على العين حفاظاً ثم سار نحوها فلم ير شيئاً مما كان قبل ذلك فافتتحها. الغور ولاية بين هراة وغزنة عامرة ذات عيون وبساتين كثيرة خصبة جداً والجبال محتوية عليها من جميع جوانبها مثل الحظيرة ونهر هراة يقطعها يدخلها من جانب ويخرج من آخر. وإنها شديدة البرد جداً لا تنطوي على مدينة مشهورة وأكبر ما فيها قلعة يقال لها فيروزكوه وحكى الأمير عماد الدين والي بلخ أن بأرض الغور عيناً يذهب الناس إليها في ليلة من السنة معلومة بقسي وسهام ويرمي كل واحد إليها نشابة وعليها علامة فإذا أصبحوا وجدوا النشابات خارجة من العين وعلى نصل بعضها رؤوس الحيوانات من الذهب إما رأس طير أو سمك أو إوز أو حيوان آخر وبعض الناس لا يصيب على نشابه شيئاً والله أعلم بصحته في ذلك والعهدة على الراوي. وبها السمندل وهو حيوان كالفأر يدخل النار ولا يحترق ويخرج والنار قد أزالت وسخه وصفت لونه وزادته بريقاً. يتخذ من جلده مناديل الغمر للملوك فإذا توسخت تلقى في النار ليزول وسخها. ينسب إليها أبو الفتح محمد بن سام الملقب بغياث الدين. كان ملكاً عالماً عادلاً مظفراً في جميع وقائعه وحروبه كانت مع كفار خطاء. وكان كثير الصدقات جواداً شافعي المذهب وقد بنى مدارس ورباطات وكتب بخطه المصاحف وقفها عليها. وكان من عادته إذا مات غريب في بلده لا يتعرض لتركته حتى يأتي وارثه ويأخذها. وكان أول أمره كرامي المذهب وفي خدمته أمير عالم عاقل ظريف شاعر يقال له مباركشاه الملقب بعز الدين علم أن هذا الملك الجليل القدر على اعتقاد باطل وكان يأخذه الغبن لأنه كان محسناً في حقه وكان في ذلك الزمان رجل عالم فاضل ورع يقال له محمد بن محمود المروروذي الملقب بوحيد الدين عرفه إلى الملك وبالغ في حسن أوصافه حتى صار الملك معتقداً فيه ثم ان الرجل العالم صرفه عن ذلك الاعتقاد الباطل وصار شافعي المذهب. وينسب إليها أبو المظفر محمد بن سام بشهاب الدين. كان ملكاً عادلاً حسن السيرة. كان يقعد حتى يفصل قاضيه الحكومات بحضوره. ومن مات أو قتل من مماليكه وعليه دين لا يقطع معيشته حتى يستوفى الدين. وحكي أن صبياً علوياً لقيه في طريقه وقال له: إني منذ خمسة أيام ما أكلت شيئاً! فغضب وحولق وعاد في الحال وأخذ الصبي معه وأطعمه أطيب الطعام وأعطاه من المال ما أغناه. فراهان قرية من قرى همذان مشهورة بها مملحة عجيبة وهي بحيرة أربعة فراسخ في أربعة فإذا كان أيام الخريف واستغنى الناس من أهل تلك الناحية عن سقي المزارع والبساتين صوبوها إلى تلك البحيرة. فإذا جاء الربيع والصيف واحتاج الناس إلى الماء انقطع عن البحيرة انصبابه فما بقي فيها يصير ملحاً يأخذه الناس ويحملونه إلى البلاد. ومن عجائبها أن الناس إن منعوا عنها لم تنعقد ملحاً بل ينصب ولا يبقى له أثر وإن لم يمنع الناس عنها تصير ملحاً قال ابن الكلبي: إنه طلسم من عمل بليناس. وكان بفراهان سبخة يغوص فيها الراكب بفرسه والجمل بحمله فاتخذ لذلك طلسماً استراح الناس عنه. فم الدبل قرية من قرى واسط على شاطيء شعبة من دجلة منسوبة إلى الرفيعية وهم مشايخ تلك الناحية وبيتهم بيت مبارك. عادتهم ضيافة الناس وخدمة الصلحاء والفقراء والمسافرين والقاطنين وفي فقرائهم جمع قالوا يأكلون الحيات وقوم قالوا يدخلون النار وغير ذلك من الأمور العجيبة. وهم أقوام في زي الفقراء براء من التكلف ولا أدب لهم إلا خدمة الناس ولا يفرحون إلا به. فنك قلعة حصينة على قلة جبل عال بقرب جزيرة ابن عمر على فرسخين منها وعلى القلعة قلة مرتفعة عنها ارتفاعاً كثيراً من صخرة كبيرة وهي قلعة مستقلة بنفسها وإنها بيد الأكراد البشنوية من ثلاثمائة سنة وهم قوم فيهم مروة وعصيبة يحمون من التجأ إليهم. وكانت هذه القلعة في شهور ستمائة بيد رجل اسمه إبراهيم وله أخ اسمه عيسى أراد أن ينتزعها من يد إبراهيم. وكان إبراهيم مع خواصه يسكن القلة وباقي الأجناد في نفس القلعة فأطاع عيسى جمع من بطانة إبراهيم وفتح باب القلة حتى صعدها نيف وعشرون رجلاً وقبضوا على إبراهيم ومن عنده وحبسوا إبراهيم في بيت وحبست زوجته في بيت آخر. ولهذا البيت شباك إلى القلعة فملك أصحاب عيسى القلة وينتظرون مجيء عيسى فقلعت زوجة إبراهيم الشباك وكان عندها ثياب خام فأوصلت بعضها ببعض ودلتها إلى القلعة وجعلت تسعى الرجال ولا علم لأصحاب القلة بها. فحضر عيسى وأصحابه تحت القلعة فرأوا الرجال يصعدون القلة بالحبل فصاحوا إلى أصحاب القلة ليعرفوا ذلك فكلما صاح أصحاب عيسى صاح أصحاب القلعة معهم لتتزاحم الأصوات فلا يفهم أصحاب القلة كلامهم حتى صعد بالحبل عشرون رجلاً فأخرجوا إبراهيم من الحبس وفتحوا باب القلة حتى صعد إليه أصحابه وأهلكوا قوم عيسى ورجع عيسى خائباً وبقيت القلعة إلى إبراهيم. قاشان مدينة بين قم وأصفهان.أهلها شيعة إمامية غالية جداً. وألف أحمد بن علي ابن بابه القاشاني كتاباً ذكر فيه فرق الشيعة فلما انتهى إلى الإمامية وذكر المنتظر قال: من العجب أن في بلادنا قوماً وأنا شاهدتهم على هذا المذهب ينتظرون صباح كل يوم طلوع القائم عليهم ولا يقنعون بالانتظار بل يركبون خيلهم متوشحين بالسيوف شاكين السلاح ويخرجون من مساكنهم إلى خارج البلد مستقبلين للإمام كأنهم قد أتاهم بريد أخبرهم بوروده فإذا طلع النهار عادوا متأسفين وقالوا: اليوم أيضاً ما جاء! ومنها الآلات الخزفية المدهونة ولهم في ذلك يد باسطة ليس في شيء من البلاد مثلهم. تحمل الآلات والظروف من قاشان إلى سائر البلاد. بها مشمش طيب جداً يتخذ منه المطوي المجفف ويحمل للهدايا إلى سائر البلاد ليس في شيء من البلاد إلا بها. وبها من العقارب السود الكبار المنكرة ما ليس في غيرها. قرميسين بقرب كرمانشاهان بليد بين همذان وحلوان على جادة الحاج ذكر ابن الفقيه أن قباذ بن فيروز نظر في بلاده فلم يجد بين المدائن وبلخ موضعاً أطيب هواء ولا أعذب ماء ولا أصح تربة من قرميسين فاختاره لسكناه وبنى به قصراً يقال له قصر اللصوص. ومن عجائبه الدكة التي كانت به مائة ذراع في مائة ذراع في ارتفاع عشرين ذراعاً مربعاً. وحجارتها كانت مهندمة مسمرة بمسامير الحديد لا تبين دروز الأحجار منها ويظن الناظر انها حجر واحد. اجتمع عليها ملوك الأرض عند كسرى ابرويز وهم: فغفور ملك الصيف وخاقان ملك الترك وداهر ملك الهند وقيصر ملك الروم. وكان في هذا القصر أبواب وجواسق وخزائن حكي أن مطبخ كسرى كان في موضع بينها وبين هذا الموضع أربعة فراسخ فإذا أراد أن يتغدى اصطف الغلمان من القصر إلى المطبخ وتناول الغضائر والصحون بعضهم من بعض إلى محل جلوس الملك وهذا بعيد لأن الطبيخ لا يبقى حاراً إلى أن يحمل إلى فراسخ فلعله قد فعل ذلك مرة ليذكر ذلك من قوة ملكه. قزوين مدينة كبيرة مشهورة عامرة في فضاء من الأرض طيبة التربة واسعة الرقعة كثيرة البساتين والأشجار نزهة النواحي والأقطار بنيت على وضع حسن لم يبن شيء من المدن مثلها. وهي مدينتان: إحداهما في وسط الأخرى والمدينة الصغرى تسمى شهرستان لها سور وأبواب والمدينة الكبيرة المحيطة بها. ولها أيضاً سور وأبواب والكروم والبساتين محيطة بالمدينة العظمى من جميع الجوانب والمزارع محيطة بالبساتين ولها واديان: أحدهما وادي درج والآخر وادي اترك وهذه صورتها: قال ابن الفقيه: أول من استحدث قزوين شابور ذو الأكتاف وبناء شابور في زماننا هذا يسمى شهرستان. فلما اجتاز الرشيد بأرض الجبال قاصداً خراسان اعترضه أهل قزوين وأخبروه بمكانهم من أرض الديلم فسار إلى قزوين وبنى سور المدينة العظمى وجامعها سنة أربع وخمسين ومائتين. وأول من فتحها البراء ابن عازب الأنصاري وقد وقع النفير وقت كان الرشيد بها فرأى أهلها أغلقوا حوانيتهم وأخذوا أسلحتهم وخرجوا إلى وجه العدو مسرعين فأشفق عليهم وبنى لهم السور وحط عنهم خراجهم جاعلاً إياه عشرة آلاف دينار في كل سنة وقد ورد في فضائل قزوين أحاديث كثيرة تتضمن الحث على المقام بها لكونها ثغراً. منها ما رواه علي بن أبي طالب عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بالإسكندرية أو بقزوين فإنهما ستفتحان على يد أمتي وإنهما بابان من أبواب الجنة من رابط فيهما أو في إحداهما ليلة خرج عن ذنوبه كيوم ولدته أمه! وعن سعيد بن المسيب مرفوعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: سادات الشهداء شهداء قزوين! وأمثال هذه كثيرة. وبين قزوين وبين الديلم جبل كان ملوك الفرس يجعلون عليه رابطة إذا لم يكن بينهم هدنة وذلك الجبل هو الحاجز بين القزاونة والإسماعيلية أحد جانبيه لهؤلاء والجانب الآخر لهؤلاء. وبها مواضع يرجى فيها إجابة الدعاء منها مسجد شالكان ومسجد شهرستانك ومسجد دهك ومسجد باب المشبك الملصق بالسور فإنها مواضع يأتيها الابدال. ومن عجائبها مقصورة الجامع التي بناها الأمير الزاهد خمارتاش مولى عماد الدولة صاحب قزوين فإن قبتها في غاية الارتفاع على شكل بطيخ ليس مثلها في بلاد الإسلام ولا في بلاد الكفر أكبر منها ولا أحسن عمارة. وحكي أن الصناع لما رفعوا قواعدها وأرادوا انضمام رأسها عجزوا عن ذلك لفرط سعتها وعمقها فلم يكن شيء من الاجذاع والسلاليم يفي بها فوقفت العمارة حتى مر بها صبي وقال: لو ملؤوها تبناً يمكنهم إتمامها! فتعجب الصناع من حذقه وقالوا: لا طريق لها إلا ما ذكره الصبي! فملؤوها تبناً وتمموها. ومن عجائبها أمر باغاتها فإنها لا تشرب في السنة إلا مرة واحدة وتأتي بفواكه غضة طرية وربما لا تشرب في السنة وتأتي بعنب ضعيف. ومن عجائبها مقابر اليهود فإنها فضاء واسع ليس بها آثار القبور فإذا وجعت بطون دوابهم قادوها إليها وذهبوا بها في ذلك الفضاء يمنة ويسرة فإنه يزول وجعها. ومن عجائبها سوق الخيل بموضع يسمى رستق الشعير. ذكروا أن كل فرس يحمل إليه للبيع فإن كان به حران يظهر في الحال. ومن عجائبها مقبرة باب المشبك فإنها مقبرة شريفة بها قبور العلماء والشهداء والصلحاء والزهاد. يأتيها الناس ليلة الجمعة فيرون بها أنواراً عجيبة تصعد من القبور وتنزل فيها وهذا أمر ظاهر يراه كل من يمشي إليها صالحاً أو طالحاً. ولقد رأيت في بعض الليالي عجيباً وهو انه قد طلع من بعض القبور كرة قدر إبريق وصعدت نحو الهواء أكثر من غلوة سهم وأضاءت الجوانب من نورها ورآها غيري خلق كثير شرعوا في التكبير والتهليل وما كانت على لون النار بل كانت على لون القمر ضارباً على الخضرة ثم عادت إلى مكانها. ينسب إليها الشيخ أبو بكر المعروف بشابان. كان شيخاً عظيم الشأن يأتيه الابدال. كان له كرم وقطعة أرض وبقرة: ويزرع قطعة الأرض حنطة ويأخذ عنب الكرم ولبن البقرة وانها شيء يسير يضيف بها من زاره. استشهد على يد الفداية يوم الجمعة في جامع دمشق بعد الصلاة في ازدحام الناس سنة إحدى وستمائة عن اثنتين وتسعين سنة. وينسب إليها أبو حاتم محمود بن الحسن القزويني. كان فقيهاً أصولياً وكان من أصحاب القاضي أبي الطيب طاهر الطبري له كتاب في حيل الفقه مشهور. وكان من أولاد أنس بن مالك وابن عمي. وينسب إليها الشيخ أبو القاسم بن هبة الله الكموني. كان عالماً عابداً ورعاً من أولاد أنس بن مالك. حكي انه جاء في زماه وال إلى قزوين وبقزوين واديا ماء وهما من السيل وسقي كروم أهل قزوين من هذين الواديين وهما مباحان فأراد هذا الوالي أن يجعل عليهما خراجاً فشكا أهل قزوين إلى الشيخ فذهب الشيخ إلى دار الوالي وقال لحاجبه: إن هذا الماء لم يزل مباحاً لا يحل بيعه وأصحاب هذه الكروم أرامل وأيتام والكروم ضعيفة لها في السنة سقية واحدة حاصلها لا يفي بمال الخراج. فدخل الحاجب على الملك وقال: ههنا شيخ ما يخلي ان هذا الأمر يتمشى! فغضب الملك وسل سيفه وخرج بسيفه المسلول وقال: من الذي يمنع من بيع هذا الماء فقام الشيخ وقال: أنا! فعاد الملك إلى داخل وقال: افعلوا ما يقول هذا الشيخ! فإنه لما قام رأيت على يمينه ويساره ثعبانين يقصدانني! فبطل ذلك العزم وذاك الماء مباح إلى الآن. وهذا الشيخ جدي الخامس. وينسب إليها أبو محمد بن أحمد النجار. كان عالماً فاضلاً أديباً فقيهاً أصولياً ذا فهم مستقيم وذهن وقاد وكان عديم المثل في زمانه مع كثرة فضلاء قزوين. كان أبوه نجاراً وهو أيضاً كان بالغاً في صنعة النجارة وصاحب قزوين كان يرى له وبنوا له بقزوين مدرسة وأصابه في آخر عمره الفالج. وله تصانيف كثيرة كلها حسن. وحكي أن صاحب قزوين أخذ قاصداً من الباطنية ومعه كتاب فلما فتحوا كان الكتاب أبيض فأخبر الشيخ أبو محمد عن ذلك فأمر أن يعرض على النار فلما عرضوه على النار ظهر عليه كتابة كتبوها إلى رجل من أهل قها وطلبوا منه الإبل والحمام. وقها ناحية من أعمال الري. فقال الملك: الإشكال بعد بحاله لأنه ليس بقها الإبل ولا الحمام! فقال الشيخ أبو محمد: طلبوا القسي والنبال. فقيل له: من أين قلت حوصٌ كأشباح الحنايا ضمّر وتشبيه النبل بالحمام في قوله: وإذا رمت ترمي تموّت طائر وينسب إليها الشيخ أبو القاسم محمد بن عبد الكريم الرافعي. كان عالماً فاضلاً ورعاً بالغاً في النقليات كالتفسير والحديث والفقه والأدب. وله تصانيف كثيرة كلها حسن. كان يعقد مجلس العلم في جامع قزوين كل يوم بعد العصر ويحضر عنده أكثر من مائتي نفس يذكر لهم تفسير القرآن. ومن عجيب أحواله انه جاء ذات يوم على عادته فلما فرغ من وظيفته بكى وقال: يا قوم قد وقعت لي واقعة ما وقعت لي مثلها عاونوني بالهمة! فضاقت صدور القوم وسأل بعضهم بعضاً عن الواقعة فقالوا: ان تاجراً أودع عنده خمسمائة دينار وغاب مدة طويلة والآن قد جاء وطلبها فذهب الشيخ إلى مكان الوديعة ما وجدها والذي أخذها أمين لطول المدة فيخبر القوم حتى قال أحدهم: ان امرأة ضعيفة كانت خدامة لبيت الشيخ والآن ترى حالها أحسن مما كانت. فطلبوا منها فوجدوا عندها فجاء الشيخ في اليوم الثاني وأخبر القوم بأن همتهم أثرت والواقعة اندفعت. وحكي أن وزير خوارزمشاه كان معتقداً فيه فقبل يده فقال له الشيخ: قبلت يداً كتبت كذا وكذا مجلداً تصنيفاً! فوقع من الدابة وانكسرت يمناه وكان يقول: مدحت يدي فأبلاني الله تعالى بها! توفي سنة ثلاث وعشرين وستمائة عن نيف وستين سنة. وينسب إليها الشيخ أبو علي حسنويه بن أحمد بن حسنويه الزبيري الملقب بمعين الدين. كان شيخاً معتبراً من أعيان قزوين. ومن أعجب ما روي عنه أن أحداً إذا أصابه مس من الجن هو يحضر الجن ويشفع إليهم ويخلونه. وينسب إليها الشجاع باك باز. كان صاحب آيات وعجائب وكان ذا هيبة. من رآه يمتليء من هيبته وكان الملك والفقير عنده سواء يخاطب هذا كما يخاطب ذاك. وإذا رأى أحداً يقول: معك دنانير وزنها كذا اخرجها للفقراء! فيخرجها فيكون كما قال. وحكي انه طلب يوماً من رجل تاجر شيئاً وكان الرجل حنفياً معتزلياً لا يقول بكرامات الأولياء فتخاشن في الجواب فحرد وشتم فقال له: المال الذي مع ابنك في السفر وقع عليه اللصوص الآن وأخذوه! فازداد الرجل غيظاً وشتماً. قال: وابنك قد قتل على يد الحرامية! فأرخوا ذلك فجاء الخبر بأخذ المال وقتل ابنه. وحكي انه كان في رباط اربل فجاء الشيخ شهاب الدين عمر السهروردي إلى اربل فاستقبله أهل اربل فجاء إلى الرباط ودخل بين الجماعة ووقف على المصلى يصلي ركعتين والخف في رجليه. فلما رأى باك باز ذلك قال: أيها الشيخ كيف تقف مع الخف على مصلى المشايخ أليس هؤلاء القوم إذا رأوا منك ذلك اعتقدوا أنه جائز في الطريقة فوثب عليه الصوفية وهم تلامذة الشيخ وأسبغوه ضرباً ومدوه برجله إلى خارج الرباط. فلما عرف الشيخ ذلك أنكر على الصوفية وقال: انه كان على الصواب مروا إليه واعتذروا منه! فمروا إليه فإذا هو قاعد في السوق على دكة فاعتذروا مستغفرين فقال: ما جرى شيء يحتاج إلى العذر وإن جرى فأنتم في أوسع الحال. فقالوا: ارجع إلى الباط إن أنت راض. فقال: إني كنت على عزم السفر وتوقفي لإصلاح هذا المثقل لمداسي وإذا فرغ منه لبست وسافرت! فعاد القوم إلى الرباط فعرف الحال الملك فأمر شيخ الرباط مع جميع الصوفية بالمشي إليه معتذرين فذهبوا وما أجابهم فقال الملك: أنا أمشي! فركب وجاء إلى السوق وهو قاعد على دكة والمثقل يعمل في نعله فقال: إني قد جئت شفيعاً فاسلك مع القوم مسلك التصوف وعد إلى المكان راضياً منافساً! فقال: لا أرجع حتى تفعل ما أريده. فقال الملك: ما تريد قال: أريد ثلاثمائة دينار! قال: لك ذلك! قال: احضره الآن! فأحضره وقال: أريد جوقتين من المغنين. فأحضروا وقال: أريد أن يحملني فلان على رقبته والمغنون يغنون قدامي والقوم خلفي وقدامي يؤدونني إلى الرباط على هذه الحال! ففعلوا ذلك كله فلما دخل الرباط والذهب معه قال: من الذي ضربني فيقول كل واحد: أنا ما ضربت شيئاً! فقال: من ضربني ضربة فله دينار ومن ضربني ثنتين فله ديناران ومن ضربني ثلاثاً فله ثلاثة دنانير! فجاء كل واحد يقول: أنا لكمت كذا وكذا. ففرق الذهب عليهم وسافر. توفي في نيف وعشرين وستمائة. قصران اسم قرية من قرى الري. وهي قسمان: يقال لأحدهما قصران الداخل وللآخر قصران الخارج. قال صاحب تحفة الغرائب: بأرض الري قرية تسمى قصران بيروني عند بابها الأعلى يرى كل ليلة سراج مشعل بحيث يبصره كل أحد من البعيد من جميع الجوانب وإذا دنا منه لا يبين شيء. ينسب إليها القصراني المهندس. كان عالماً بالهندسة وكان عديم المثل في زمانه وله كتب مصنفة في الهندسة مشهورة. قصر شيرين بين بغداد وهمذان في فضاء من الأرض على طرف نهر جار. بناها كسرى أبرويز لشيرين وهي خطيبة كانت له من أجمل خلق الله تعالى والفرس يقولون: كان لكسرى أبرويز ثلاثة أشياء لم تكن لملك قبله ولا بعده: خطيبته شيرين ومغنيه بلهبد وفرسه شبديز وقصر شيرين باق إلى الآن وهي أبنية عظيمة شاهقة وايوانات عالية وعقود وقصور وأروقة ومتشرفات واختلفوا في سبب بنائه: ذكر في كتب العجم أن شيرين كانت من بنات بعض ملوك أرمن وكانت أجمل خلق الله صورة ذكر لكسرى أبرويز وكان مشغوفاً بالنساء بعث إليها من خدعها فهربت على ظهر شبديز. فلما وصلت إلى العراق وكان كسرى غائباً فرأتها أزواج كسرى وولائده علمن أن كسرى يختارها عليهن فأخذهن من الغيرة ما يأخذ الضرات فاخترن لها أرضاً سبخة وهواء ردياً وقلن: ان الملك أمرنا أن نبني لك ها هنا قصراً. وهي موضع قصر شيرين على طرف نهر عذب الماء. وحكي أن شيرين كانت تحب اللبن الحليب وكان القصر بعيداً عن مرعى المواشي فإلى أن حمل إلى القصر زالت سخونته فطلبوا الحيلة في ذلك فاتفق رأيهم على أن يتخذوا جدولاً حجرياً من المرعى إلى القصر فطلبوا صانعاً يعمل ذلك فدلوا على صانع اسمه فرهاذ فطلبت اتخاذ جدول مسافته فرسخان من المرعى إلى القصر على أن يأتي اللبن منها إلى القصر بسخونته وكان القصر على نشز من الأرض والمرعى في منحدر فاتخذ حائطاً طوله أكثر من فرسخين وارتفاعه عند المرعى عشرون ذراعاً وعند القصر مساوياً لأرضه وركب على الحائط جدولاً حجرياً وغطى رأسه بالصفائح الحجرية واتخذ عند المرعى حوضاً كبيراً وفي القصر أيضاً مثله وهذا كله باق إلى زماننا رأيته عند اجتيازي به لا شك في شيء منه. وذكر محمد الهمذاني انه كان سبب بناء قصر شيرين وهو أحد عجائب الدنيا أن كسرى أبرويز وكان مقامه بقرميسين أمر أن يبنى له باغ فرسخين في فرسخين وأن يجعل فيه من الطيور والوحوش حتى تتناسل فيه ووكل بذلك ألف رجل أجرى عليهم الرزق حتى عملوا فيه سبع سنين. فلما تم نظر إليه الملك وأعجبه وأمر للصناع بمال. فقال في بعض الأيام لشيرين: سليني حاجة فقالت: أريد أن تبني لي قصراً في هذا البستان لم يكن في ملكك لأحد مثله وتجعل فيه نهراً من حجارة يجري فيه الخمر! فأجابها إلى ذلك ونسي ولم تجسر شيرين على أن تذكره به فقالت للبلهبد المار ذكره: حاجتي في غناء ولك ضيعتي التي بأصفهان! فأجابها إلى ذلك وعمل شعراً وصوتاً في ذلك. فلما سمع كسرى قال له: لقد ذكرتني حاجة شيرين. فأمر ببناء القصر وعمل النهر فبنى على أحسن ما يكون وأتقنه ووفت شيرين للبلهبد بالضيعة فنقل إليها عياله وله نسل بأصفهان ينتمون إلى بلهبد. ودخل بعض الشعراء قصر شيرين فرأت تلك العمارات الرفيعة ورأى ايوان شيرين وصورتها يا طالبي غرر الأماكن حيّوا الدّيار ببرزماهن وسلوا السّحاب تجودها وتسحّ في تلك الأماكن واهاً لشيرين التي قرعت فؤادك بالمحاسن! واهاً لمعصمها المليح وللسّوالف والمغابن! في كفّها الورق الممسّك والمطيّب والمداهن وزجاجةٌ تدع الحكيم إذا انتشى في زيّ ماجن وشغفت حين رأيتها واهتاج مني كلّ ساكن فسقى رباع الكسرويّة بالجبال وبالمدائن دانٍ يسفّ ربابه وتناله أيدي الحواضن قم مدينة بأرض الجبال بين ساوة وأصفهان وهي كبيرة طيبة خصبة مصرت في زمن الحجاج بن يوسف سنة ثلاث وثمانين. أهلها شيعة غالية جداً والآن أكثرها خراب. ومياههم من الآبار أكثرها ملح فإذا أرادوا حفرها وسعوا في حفرها وبنوا من قعرها بالأحجار إلى شفيرها فإذا وبها بساتين كثيرة على السواقي وفيها الفستق والبندق. بها ملاحة طلسمها بليناس في صخرة ليدوم جريان مائها ولا ينقطع ما لم يخطر عليه وماء هذه العين ينعقد ملحاً ويأخذه كل مجتاز. أخبرني بعض الفقهاء أن بقرب قم معدن ملح من أخذ منه الملح ولم يترك هناك ثمنه يعرج حماره الذي حمل عليه ذلك الملح. وبها معدن الذهب والفضة أخفوه عن الناس حتى لا يشتغلوا به ويتركوا الزراعة والفلاحة. وبها طلسم لدفع الحيات والعقارب وكان أهل قم يلقون منها ضرراً عظيماً فانحازت إلى جبل هناك فإلى الآن لا يقدر أحد أن يجتاز بذلك الجبل من كثرة الحيات والعقارب. من عجائبها أن العود لا يكون له في هواء قم أثر كثير ولو كان من أذكى العود. وبها واد كثير الفهود. وحكي أنه أتاهم في بعض الأوقات وال سني وقال لهم: بلغني أنكم لشدة بغضكم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسمون أولادكم بأسمائهم فإن لم تأتوني منكم بمن اسمه عمر أو كنيته أو بكر لأفعلن بكم! فداروا في جميع المدينة وفتشوا ثم أتوا بواحد أحول أقرع كريه اللقاء معوج الأعضاء وكان أبوه غريباً ساكن قم فكناه أبا بكر. فلما رآه الوالي غضب وشتمهم وقال: إنكم إنما كنيتموه بأبي بكر لأنه أسمج خلق الله منظراً! وهذا دليل على بغضكم لصحابة رسول الله. فقال بعض الظرفاء منهم: أيها الأمير اصنع ما شئت فإن تربة قم وهواءها لا يأتي بصورة أبي بكر أحسن من هذا! فضحك الوالي عفا عنهم. ولقاضيها قال الصاحب ابن عباد: أيّها القاضي بقم قد عزلناك فقم وكان القاضي يقول: أنا معزول السجع! كران بلدة بأرض الترك من ناحية تبت قال الحازمي: بها معدن الفضة. وبها عين ماء لا يغمس فيها شيء من الجواهر المنطبعة إلا ذاب. كرخ قرية فوق بغداد على ميل منها. أهلها شيعة غالية ويهود. وبها دكاكين الكاغد والثياب الابريسمية. ينسب إليها أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي. وكان من المشايخ الكبار مستجاب الدعوة من موالي علي بن موسى الرضا. كان أستاذ السري السقطي فقال له يوماً: إذا كان حكي أن زبيدة بنت جعفر عبرت على معروف مع مواليها وخدمها فدعا عليها بعض الحاضرين فقال له معروف: يا رجل كن عون رسول الرحمن ولا تكن عون رسول الشيطان إن رسول الرحمن يريد نجاة الخلق كلهم. قال الله تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. ورسول الشيطان يريد هلاك الخلق كلهم. قال الله تعالى مخبراً عنه: بعزتك لأغوينهم أجمعين! إن الذي أعطاهم الدنيا على هواهم قادر أن يعطيهم الآخرة على مناهم. وحكى إبراهيم الأطروش انه قال لمعروف: أبا محفوظ بلغني أنك تمشي على الماء! فقال: ما مشيت على الماء ولكن إذا هممت بالعبور يجمع لي طرفها. وحكى خليل الصياد قال: غاب ابني إلى الانبار فوجدت أمه وجداً شديداً فذكرت ذلك لمعروف فقال: ما تريد قلت: أن تدعو الله ليرده علينا. فقال: اللهم إن السماء سماؤك والأرض أرضك وما بينهما لك فأت به! قال خليل: أتيت باب الشام فإذا ابني قائم منبهر يقول: الساعة كنت بالانبار. وحكى محمد بن صبيح انه مر بمعروف رجل سقاء ينادي: رحم الله من شرب! فشرب منه وكان صائماً وقال: لعل الله أن يستجيب منه. وحكى عبد الله بن سعيد الأنصاري أنه رأى معروفاً في النوم واقفاً تحت العرش فيقول الله لملائكته: من هذا فقالت الملائكة: أنت أعلم يا ربنا هذا معروف الكرخي قد سكر من حبك لا يفيق إلا بلقائك! وحكى أمد بن أبي الفتح قال: رأيت بشراً الحافي في المنام قاعداً في بستان وبين يديه مائدة يأكل منها فقلت: أبا نصر ما فعل الله بك فقال: رحمي وغفر لي وأباحني الجنة بأسرها وقال: كل من ثمرها واشرب من أنهارها وتمتع بجميع ما فيها لما كنت تحرم نفسك شهوات الدنيا! قلت: أين أحمد بن حنبل قال: قائم على باب الجنة يشفع لأهل السنة ممن يقول القرآن كلام الله غير مخلوق! قلت: وما فعل معروف الكرخي فحرك رأسه وقال: هيهات! حالت بيننا وبينه الحجب إن معروفاً ما كان يعبد الله شوقاً إلى جنته ولا خوفاً من ناره وإنما عبده شوقاً إليه فرفعه الله إلى الرفيع الأعلى ووقعت الحجب بيننا وبينه ذاك الترياق المقدس المجرب فمن كانت له إلى الله حاجة فليأت قبره وليدع فإنه يستجاب له. وحكي انه قال: إذا مت تصدقوا بقميصي فإني أحب أن أخرج من الدنيا عرياناً كما دخلتها. توفي سنة إحدى ومائتين. |
إذا ما هجاني ناقص لا أجيبه= فإني إذا جاوبته فلي الذنب أنزه نفسي عن مساواة سفلة= ومن ذا يعض الكلب إن عضه الكلب
|
|
|
#21 |
|
محمد العريفي
المؤسس المشرف العام لملتقى القبائل العربية ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
كركان قرية كانت بقرب قرميسين قال ابن الفقيه: كانت قرية كثيرة العقارب وكان يقول بها سوق في كل سنة يتأذى بها خلق كثير من لدغ العقارب فأمر بعض الأكاسرة بليناس الحكيم أن يدفع عنها العقارب بطلسم ففعل ذلك فلم يوجد بعد ذلك بها شيء من العقارب أصلاً. ومن أخذ من ترابها وطين به حيطان داره في أي بلد كان لم ير في داره عقرب وإذا لدغت عقرب أحداً يؤخذ من تراب هذه القرية ويطرح في الماء ويشربه الملدوغ فيبرأ في الحال ومن أخذ من هذا التراب شيئاً وأخذ العقرب بيده لا تضره. كسكر ناحية بين واسط والبصرة على طرف البطيحة. وهي نيف وثلاثون فرسخاً في مثلها. وهذه البطيحة كانت قرى ومزارع في زمن الأكاسرة. وكان لها بثق ففي السنة التي قتل فيها كسرى اضطربت الأمور وتقاعدوا عن عمارة البثوق وظهر الماء على تلك المواضع فصارت بطيحة والآن منابت القصب ومصيد السمك وطير الماء يتولد فيها أشكال من الطيور غريبة وصور غريبة لم يعرفها أحد ولا يراها الناس كما قال تعالى: ويخلق ما لا تعلمون. فاسفلها ميسان وأعلاها كسكر وربما فصل المركب في هذه البطيحة شهراً أو أكثر وربما يأخذه اللصوص.ويجلب من كسكر الرز الجيد والسمك الشبوط والجواميس والفراريج والجدي والبطوط والبقر والصحناة والربيثي فإن هذه الأشياء بكسكر فاقت أنواعها في غيرها. كشم قرية من رستاق بشت من أعمال نيسابور كانت بها سروة من غرس كشتاسب الملك لم ير مثلها في حسنها وطولها وعظمها وكانت من مفاخر خراسان. جرى ذكرها عند المتوكل فأحب أن يراها ولم يقدر له المسير إلى خراسان فكتب إلى طاهر بن عبد الله وأمره بقطعها وحمل قطاع جذعها وأغصانها إليه على الجمال لتنصب بين يديه حتى يبصرها فأنكر عليه ذلك وخوف بالطيرة فلم تنفع السروة شفاعة الشافعين وحكي ان أهل الناحية اجتمعوا وتضرعوا وقدموا مالاً على إعفائها فلم ينفع فقطعت وعظمت المصيبة لمن حولها وارتفع الصياح والبكاء عليها فلفوها في اللباد وبعثوها إلى بغداد على الجمال فقال علي بن جهم: قالوا: سرى لسبيله المتوكّل فالسّرو يجري والمنيّة تنزل ما سربلت إلاّ لأنّ إمامنا بالسّيف من أولاده متسربل فقتل المتوكل على يد مماليكه قبل وصول السرو والفأل على ما جرى. قرية من قرى خراسان كثيرة الخيرات وافرة الغلات ينسب إليها الوزير أبو نصر الكندري. كان وزيراً ذا رأي وعقل استوزره السلطان طغرلبك السلجوقي. ولما ملك الملوك السلجوقية خراسان وأخذوها من ملوك بني سبكتكين لم يجسر أحد أن يدخل معهم خوفاً من سلاطين بني سبكتكين. فابتدأ أبو نصر الكندري فاستوزره طغرلبك وكان قد هجاه أبو الحسن الباخرزي بأبيات أولها: أقبل من كندر مسخرةٌ للشّؤم في وجهه علامات فطلب أبا الحسن وأحسن إليه وولاه وقال: إني تفاءلت بشعرك كان أوله أقبل. إلا أنه كان شيعياً غالياً متعصباً وكان السلطان معتزلياً فأمر بلعن جميع المذاهب يوم الجمعة على المنبر فشق ذلك على المسلمين وفارق إمام الحرمين نيسابور وذهب إلى مكة وكذلك الأستاذ أبو القاسم القشيري ودخل على الناس من ذلك أمر عظيم وأثار همة صلحاء المسلمين. كانت أيام طغرلبك أياماً قلائل مات وقام مقامه ابن أخيه ألب أرسلان بن داود. واستوزره نظام الملك الحسن بن علي بن إسحق وقبض على الكندري وقتله سنة ست وخمسين وأربعمائة وانقطع لعن المسلمين على رؤوس المنابر وعاد أرباب الدين إلى أماكنهم وشكروا الله تعالى.بليدة بين همذان وقرميسين في فضاء واسع طيبة الهواء عذبة الماء صحيحة التربة كثيرة الخيرات والثمرات. ولذلك اتخذها كسرى ابرويز مسكناً وأمر أن يبنى له قصر لا يكون لأحد من الملوك مثله. فاتخذ للقصر أساساً مائة ذراع في مائة ذراع في ارتفاع عشرين ذراعاً يراه الناظر كأنه حجر واحد لا يظهر فيه أثر الدرز وبنى فيه ايوانات وجواسق وخزائن على اسطوانات حجرية تحير الناظر في صنعته وحسن نقوشه. قال صاحب عجائب الأخبار: إذا أردت أن ترى عجباً من العجائب فانظر إلى أسطوانات هذا القصر إلى رؤوسها وأسافلها وتعجب من تسخير الحجر الصلد لهؤلاء الصناع. وحكي انه لما حضر عند كسرى فغفور ملك الصين وخاقان ملك الترك وداهر ملك الهند وقيصر ملك الروم أحضرهم في هذا القصر ليبصروا عجائبه وقوة ملك بانيه وصنعة صناعه وعجزهم عن بناء مثله. وذكر أن المسلمين لما وصلوا إليها في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سرقت دوابهم في ذلك المكان فسموه قصر اللصوص. وحكي انه لما قتل كسرى ابرويز بقي من هذا القصر بقية قال الحاكي: نظرت إلى بعض أساطينها نحت أكثرها وهندم وبقي أقلها على حاله فسألت عنها فذكروا انه لما قتل ابرويز انصرف الصناع عنها وتركوها ثم طلبوهم لإتمامها فما كانت تعمل كوثى قرية بسواد العراق قديمة. ينسب إليها إبراهيم الخليل عليه السلام وبها كان مولده وطرح في النار بها ولذلك قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: من كان سائلاً عن نسبنا فإنا نبط من كوثى. ومن الاتفاقات العجيبة اتفاق عامل كوثى. حكى بعض أهلها: انه جاءنا عامل واشتد في المطالبات وكان للعرب عندنا مزارعة وكان العمال الذين قبله يسامحونهم. فهذا العامل طالبهم وأهانهم بالضرب فانصرفوا إلى بني أعمامهم شاكين وتوافقوا على الكبس على العامل ليلاً فورد الناحية عامل آخر صارفاً للأول وطالباً بالبقايا فقبض عليه وقيده وضربه بالخشب وحمله إلى قرية أخرى ووكل به عشرة من الغلمان. فلما أصبح المصروف دخل عليه غلامه وقال له: أخرج رجلك حتى أكسر القيد! قال: أين الموكلون قال: هربوا والعرب الذين أخذت منهم الخراج كبسوا البارحة دار العمالة وقتلوا العامل على أنه أنت ولم يكن عندهم خبر صرفك. فقام الرجل وورد بغداد وذكر أن العامل الصارف أساء السيرة وأثار فتنة من العرب فأقر على حاله في الناحية وضم إليه جيشاً فعاد إلى كوثى وأرب العرب وأرهب لنبان قرية من قرى أصفهان ينسب إليها الأديب الفاضل البارع عبد العزيز الملقب بالرفيع له أشعار في غاية الحسن وديوان ورسائل. ورد جمال الدين الخجندي قزوين وعقد مجلس الوعظ بالجامع وذكر هذه الأبيات على المنبر وذكر أنها للرفيع: بأبي أين أنت ألقاك طال شوقي إلى محيّاك! ورد الورد يدّعي سفهاً أنّ ريّاه مثل ريّاك! ووقاح الأقاح يوهمنا أنه افترّ عن ثناياك! ضحك الورد هاتها عجلاً قهوةً مثل عبرة الباك لست أدري لفرط خمرتها أمحيّاك أم حميّاك هام قلبي بهذه وبذاك آه من هذه ومن ذاك! فهذه الأبيات حفظها أهل قزوين ويقولون هدية جمال الدين الخجندي من أصفهان. وحكي أن صدر الدين الخجندي عزل خازن دار كتبه فأراد الرفيع اللنباني أن يكون مكانه فكتب إلى صدر الدين: سمع العبد أن خازن دار الكتب اختزل حتى اعتزل وخان حتى هان ولم يزالوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير والعبد خير منه زكاة وأقرب رحماً! وإن له أباً شيخاً كبيراً فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين. وحكي أن الرفيع كان في خدمة الخجندية فلما وقع الخلاف بين السلطان طغرل وأولاد أتابك محمد كان صدر الدين الجندي مع السلطان فظفر أمير من أمراء أتابك محمد بجمع من أصحاب صدر الدين الخجندي وكانوا يمشون من أصفهان إلى بغداد وعليهم الرفيع فظفر بهم قيماز الأتابكي فنهبهم وقتل الرفيع فلما عرف أنه كان رجلاً فاضلاً من أهل العلم ندم والرفيع كان قد نظم هذين البيتين: جون كشته بينم دولت كرده فران وار جان تهي اين قالب برورده بنان بر بالينم نشين ومي كوي بران اي من تو بكشته ونشيمان شده بان فكان الفأل على ما جرى. ليخواست قرية من قرى نهاوند.كان بها صورة فرس من حشيش يراه الناس أخضر في الشتاء والصيف قالوا: انه كان طلسم الكلأ وكانت أكثر بلاد الله كلأ وحشيشاً.موضع بأرض قومس قال مسعر بن مهلهل: بين سمنان والدامغان في بعض الجبال فلجة يخرج منها ريح شديدة في أوقات من السنة فلا تصيب حيواناً إلا أتلفته ولو كان مشتملاً بالوبر. وهذه الفلجة فرسخ واحد وفتحها نحو أربعمائة ذراع ومقدار ما ينال أذاها فرسخان لا تأتي على شيء إلا جعلته كالرميم. يقال لهذه الفلجة وما يقرب منها ماذران قال مسعر بن مهلهل: كنت مجتازاً بها في قفل فيه نحو مائتي إنسان ودواب فهبت علينا الريح فما سلم منهم غيري ورجل آخر. كانت تتنا دابتان جيدتان فوافتا بنا ازج صهريج كان في الطريق فاستكنا بالازج وسدرنا ثلاثة أيام بلياليهن ثم رجعنا إلى حالنا والدابتان نفقتا ومن الله علينا بالنجاة. ماذروستان موضع على مرحلتين من حلوان به ايوان عظيم وبين يديه دكة عظيمة وأثر بستان يقولون إنه بستان بهرام بن جور زعموا أن الثلج يقع على نصفه الذي من ناحية الجبال وأما النصف الذي يلي جانب العراق فلا يقع به الثلج أبداً والله الموفق. ماهاباذ قرية كبيرة قرب قاشان. أهلها شيعة امامية ينسب إليها الأستاذ الفاضل البارع الحسن بن علي بن أحمد الملقب بافضل الماهاباذي. كان بالغاً في علم الأدب عديم النظير في زمانه. وكان يقصده الناس من الأطراف للاشتغال وكان عنده حلقة من الأدباء وكان مخصوصاً بلطافة الطبع مع وفور الذكاء وحسن الشعر ويوصي تلامذته بتحصيل العلم وتحقير المال. ومن شعره: يا ساعياً وطلاب المال همّته إني أراك ضعيف العقل والدّين! عليك بالعلم لا تطلب به بدلاً واعلم بأنّك فيه غير مغبون العلم يجدي ويبقى للفتى أبداً والمال يفنى وإن أجدى إلى حين! هذاك عزٌّ وذا ذلٌّ لصاحبه! ماذا من البعد بين العزّ والهون ماوشان كورة من كور همذان في واد بسفح جبل أروند مسيرة أيام كثيرة الأشجار والمياه والثمار ذكرها عين القضاة أبو المعالي عبد الله بن محمد رحمه الله في رسالته فقال: وكأني بالركب العراقي يوافون همذان ويحطون رحالهم في محاني ماوشان وقد اخضرت منها التلاع والوهاد وألبسها الربيع حبرة يحسدها عليها البلاد وهي تفوح كالمسك أزهارها ويجري بالماء الزلال أنهارها فنزلوا منها في رياض مؤنقة واستظلوا بظلال أشجار مورقة فجعلوا يكررون إنشاد هذا البيت وهم يتنعمون بنوح الحمام وتغريد الهزار: حباك يا همذان الغيث من بلدٍ سقاك يا ماوشان القطر من وادي ومن عادة أهل همذان الخروج إلى ماوشان في الصيف وقت إدراك المشمش وأصحاب الأشجار لا يمنعون عنها أحداً ويمكثون هناك أيام المشمش للتفرج والتنزه ويأكلون من ثمارها ويكسرون من أشجارها ولا يمنعهم مانع فإذا انتهت أيام المشمش رجعوا وذكر أن صاحب ماوشان منع الناس عنها في بعض السنين فلما كان من القابل لم تثمر أشجارها شيئاً فعادوا لإطلاق الناس فيها. المدائن كانت سبع مدن من بناء الأكاسرة على طرف دجلة وقيل: إنها من بناء كسرى الخير أنوشروان. سكنها هو وملوك بني ساسان بعده إلى زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وإنما اختار هذا الموضع للطافة هوائه وطيب تربته وعذوبة مائه قال حمزة: هذا الموضع سمته العرب مدائن لأنها كانت سبع مدن بين كل واحدة والخرى مسافة وآثارها إلى الآن باقية وهي: فلما ملك العرب ديار الفرس واختطت الكوفة والبصرة انتقل الناس إليهما ثم اختط الحجاج واسطاً وكانت دار الامارة فانتقل الناس إليها فلما اختط المنصور بغداد انتقل أكثر الناس إليها. فأما في وقتنا هذا فالمسمى بالمدائن بليدة شبيهة بقرية في الجانب الغربي من دجلة. أهلها فلاحون شيعة إمامية. ومن عادتهم أن نساءهم لا يخرجن نهاراً أصلاً. وبها مشهد رفيع البناء لأحد العلويين وفي الجانب الشرقي منها مشهد سلمان الفارسي رضي الله عنه وله موسم في منتصف شعبان ومشهد حذيفة ابن اليمان مشير رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان للأكاسرة هناك قصر اسمه أبيض كان باقياً إلى زمن المكتفي في حدود سنة تسعين ومائتين فأمر بنقضه وبنائه التاج الذي بدار الخلافة ببغداد وتركوا منه الإيوان المعروف بإيوان كسرى. ذكر أنه من بناء انوشروان كسرى الخير وانه تعاون على بنائه الملوك وهو من أعظم الأبنية وأعلاها والآن قد بقي منه طاق الإيوان وجناحات وازجة قد بنيت بآجر طوال عراض. وحكي أن أنوشروان لما أراد بناء هذا القصر أمر بشري ما حوله وأرغب الناس في الثمن الوافر ومن جملتهم عجوز لها بيت صغير قالت: لست ابيع جوار الملك بالدنيا كلها! فاستسحسن أنوشروان منها هذا القول وأمر بترك ذلك البيت على حاله وإحكام عمارته وبناء الإيوان محيطاً به. وإني رأيت الإيوان وفي جانب منه قبة محكمة العمارة يعرفها أهل الناحية بقبة العجوز. وكان على افيوان نقوش وصور بالتزاويق وصورة مدينة أنطاكية وانوشروان يحاصرها ويحارب أهلها راكباً على فرس أصفر وعليه ثياب خضر وبين يديه صفوف الفرس والروم وكانت هذه النقوش على الإيوان باقية إلى زمان أبي عبادة البحتري فإنه شاهدها وذكرها في قصيدته السينية: حضرت رحلي الهموم فوجّه ت إلى أبيض المدائن عنسي أتسلّى عن الخطوب وآسى لمحلٍّ من آل ساسان درس حللٌ لم تكن كأطلال سعدى في قفارٍ من البسابس ملس لو تراه علمت أنّ اللّيالي جعلت فيه مأتماً بعد عرس فإذا ما رأيت صورة أنطا كيّة ارتعت بين رومٍ وفرس والمنايا مواثلٌ وأنوشر وان يزجي الصّفوف تحت الدّرفس في اخضرارٍ من اللّباس على اص فر يختال في صبيغة ورس وعراك الرّجال بين يديه في خفوتٍ منهم وإغماض جرس من مشيحٍ يهوي بعامل رمحٍ ومليحٍ من السّنان بترس وكأنّ الإيوان من عجب الصّن عة جوبٌ في جنب أرعن جلس لم يعبه أن بزّ من بسط الدّيبا ج واستلّ من ستور الدّمقس مشمخرٌّ تعلو له شرفاتٌ رفعت من رؤوسٍ رضوى وقدس وحكي أن غلمان الدار شكوا إلى أنوشروان وقالوا: إن العجوز تدخن في بيتها ودخانها يفسد نقوش الإيوان! فقال: كلما أفسدت أصلحوها ولا تمنعوها من التدخين! وكان للعجوز بقرة تأتيها آخر النهار لتحلبها فإذا وصلت إلى الإيوان طووا فرشه لتمشي البقرة إلى باب قبة العجوز فإذا فرغت من حلبها رجعت البقرة وسووا البساط. وكان هذا مذهبهم في العدل والرفق بالرعايا ولولا مخالفة النبوة التي شرفها الله تعالى وشرف بها عباده كانت معدلتهم تقتضي دوام دولتهم. مرو الروذ ناحية بين الغور وغزنة واسعة. ينسب إليها القاضي الإمام العالم الفاضل حسين المروروذي عديم النظير في العلم والورع: عقرت حوامل أن يلدن نظيره إنّ النّساء بمثله عقم حكي أن رجلاً جاء القاضي حسيناً وقال له: إني حلفت بالطلاق ثلاثاً ان ليس في هذا الزمان أعلم منك! فماذا تقول وقع طلاقي أم لا فأطرق رأسه ساعة ثم رفع رأسه وبكى وقال: يا هذا لا يقع طلاقك وإنما ذلك لعدم الرجال لا لوفور علمي! مرو من أشهر مدن خراسان وأقدمها وأكثرها خيراً وأحسنها منظراً وأطيبها مخبراً. بناها ذو القرنين وقهندزها أقدم منها. قيل: إنه من بناء طهمورث. وروى بريدة بن الحصيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا بريدة إنه ستبعث من بعدي بعوث فإذا بعثت فكن في بعث المشرق ثم في بعث خراسان ثم في بعث أرض يقال لها مرو فإذا أتيتها فانزل مدينتها فإنه بناها ذو القرنين وصلى فيها عزير وأنهارها تجري بالبركة على كل نقب منها ملك شاهر سيفه يدفع عن أهله السوء إلى يوم القيامة. فقدمها بريدة غازياً وأقام بها إلى أن مات. حكي أن قهندزها عمارة عظيمة ولما أراد طهمورث الملك بناء قهندز مرو بني بألف رجل وأقام لها سوقاً فيه ما يحتاجون إليه فكان إذا أمسى الرجل أعطي درهماً فيشتري به ما يحتاج إليه فتعود الدراهم إلى أصحاب الملك حتى إذا تم لم يخرج على البناء إلا ألف درهم. وحكى أبو إسحق الطالقاني قال: كنت على الزربق في مسجد العرب عند عبد الله بن المبارك فانهار ركن من القهندز فسقطت منها جماجم فتناثرت من جمجمة أسنانها فوزنت سنان منها فكان في كل واحدة منهما منوان فجعل عبد الله بن المبارك ينقلهما بيده ويتعجب منها ويقول: إذا كانت هذه سنهم فكيف تكون بقية أعضائهم وقال: أتيت بسنّين قد قدما من الحصن لمّا أثاروا الدّفينا على وزن منوين إحداهما لقد كان يا صاح سنّاً رزينا ثلاثون أخرى على قدرها تباركت يا أحسن الخالقينا فماذا يقوم بأفواهها وما كان يملأ تلك البطونا إذا ما تذكّرت أجسامهم تصاغرت النّفس حتى تهونا فكلٌّ على ذاك لاقى الرّدى فبادوا جميعاً وهم خامدونا وأما المدينة فطيبة كثيرة الخيرات وافرة الغلات. في أهلها من الرفق ولين الجانب وحسن المعاشرة. وكانت كرسي ملك بني سلجوق لهم بها آثار خيرات حكى صاحب عجائب الأخبار انه كان بمرو بيت كبير ارتفاعه قدر قامة وكان محمولاً على صور أربع من الخشب في جوانبه الأربعة وكانت الصور تمثال رجلين وامرأتين فزعم قوم أن ذلك البيت بيت ملكهم فنقضوه وانتفعوا بأخشابه فأصاب مرو وقراها جوائح وآفات وقحط متواتر فعلموا أن ذلك البيت كان طلسماً لدفع الآفت. وليس لهذه المدينة عيب إلا ما يعتري أهلها من العرق المديني فإنهم في شدة عظيمة منه قل ما ينجو منهم أحد في كل عام. ينسب إليها عبد الله بن المبارك الإمام العالم العابد حكي انه كان بمرو قاض اسمه نوح بن مريم وكان رئيسها أيضاً وكانت له بنت ذات جمال خطبها جماعة من الأعيان والأكابر وكان له غلام هندي ينطر بستانه فذهب القاضي يوماً إلى البستان وطلب من غلامه شيئاً من العنب فأتى بعنب حامض فقال له: هات عنباً حلواً! فأتى بحامض فقال له القاضي: ويحك ! ما تعرف الحلو من الحامض فقال: بلى ولكنك أمرتني بحفظها وما أمرتني بأكلها ومن لم يأكل لم يعرف. فتعجب القاضي من كلامه وقال: حفظ الله عليك أمانتك! وزوج ابنته منه فولدت عبد الله بن المبارك المشهور بالعلم والورع. كان يحج في سنة ويغزو في أخرى. وحكي انه كان معاصراً لفضيل بن عياض وفضيل قد جاور مكة وواظب على العبادة بمكة والمدينة فقال عبد الله بن المبارك: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنّك بالعبادة تلعب من كان يخضب خدّه بدمائه فنحورنا بدمائنا تتخضّب وغبار خيل الله في أنف امريءٍ ودخان نار جهنّمٍ لا يذهب حكي عنه قال: خرجت للغزوة فلما تراءت الفتيان خرج من صف الترك فارسل يدعو إلى البراز فخرجت إليه فإذا قد دخل وقت الصلاة قلت له: تنح عني حتى أصلي ثم افرغ لك! فتنحى فصليت ركعتين وذهبت إليه فقال لي: تنح عن حتى أصلي أنا أيضاً! فتنحيت عنه فجعل يصلي للشمس فلما خر ساجداً هممت أن أغدر به فإذا قائل يقول: اوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً. فتركت الغدر. فلما فرغ من صلاته قال لي: لم تحركت قلت: أردت أن أغدر بك! فقال: لم تركته قلت: لأني أمرت بتركه. قال: الذي أمرك بترك الغدر أمرني بالإيمان. وآمن والتحق بصف المسلمين. وحكى الحسن بن الربيع انه خرج ذات سنة مع جيوش المسلمين إلى الغزوة فلما تقاتل الصفان خرج من صف الكفار فارس يطلب القرن فذهب إليه فارس من المسلمين فما أمهله فأحجم الناس عن مبادرته ودخل المسلمين منه حزن. فإذا فارس خرج إليه من صف المسلمين وجال معه زماناً ثم رماه وحز رأسه فكبر المسلمون وفرحوا ولم يكن يعرفه أحد فعاد إلى مكانه ودخل في غمار الناس! قال الحسن: فبذلت جهدي حتى دنوت منه وحلفته أن يرفع لثامه فإذا هو عبد الله بن المبارك فقلت له: يا إمام المسلمين كيف أخفيت نفسك مع هذا الفتح الذي يسر الله على يدك فقال: الذي فعلت له لا يخفى عليه.وحكي أن عبد الله بن المبارك عاد من مرو إلى الشام لعلم رآه معه بمرو صاحبه بالشام. ورئي سفيان الثوري في المنام بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك قال: رحمني! فقيل: ما حال عبد الله بن المبارك قال: هو ممن يدخل على ربه كل يوم مرتين. ولد سنة مائة وعشرين وتوفي سنة مائة وإحدى وثمانين. وينسب إليها أبو زيد المروزي أستاذ أبي بكر القفال المروزي حج سنة فعادله أبو بكر البزاز النيسابوري من نيسابور إلى مكة. قال: ما علمت أن الملك كتب عليك خطيئة قال أبو زيد: فلما فرغت من الحج وعزمت الرجوع إلى خراسان قلت في نفسي: متى تنقطع هذه المسافة وقد طعنت في السن لا أحتمل مشقتها! فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قاعداً في صحن المسجد الحرام وعن يمينه شاب قلت: يا رسول الله عزمت على الرجوع إلى خراسان والمسافة بعيدة. فالتفت النبي عليه السلام إلى الشاب الذي بجنبه وقال: يا روح الله تصحبه إلى وطنه قال أبو زيد: فأريت انه جبريل فانصرفت إلى مرو ولم أحس بشيء من مشقة السفر. وينسب إليها أبو بكر عبد الله بن أحمد بن عبد الله القفال المروزي. كان وحيد زمانه فقهاً وعلماً. رحل إليه الناس وصنف كتباً كثيرة وانتشر علمه في الآفاق. حكي أن القفال الشاشي صنع قفلاً وفراشة ومفتاحاً وزنها دانق فأعجب الناس ذلك وسار ذكره في البلاد فسمع به القفال المروزي فصنع قفلاً وزنه طسوج فاستحسنه الناس ولكن ما شاع ذكره فقال ذات يوم: كل شيء يحتاج إلى الحظ! قفل الشاشي طنت به البلاد وقفلي بقدر ربعه ما يذكره أحد فقال له صديق له: إنما الشاشي شاع بعلمه لا بقفله. فعند ذلك رغب في العلم وهو ابن أربعين سنة فجد في طلب العلم حتى وصل إلى ما وصل وعاش تسعين سنة: أربعين سنة قفالاً وخمسين سنة عالماً ومتعلماً. ومات سنة سبع عشرة وأربعمائة. وينسب إليها أبو الحرث سريج المروزي. كان شيخاً صالحاً صدوقاً. جاء له ولد فذهب إلى بقال بثلاثة دراهم: يريد بدرهم عسلاً وبدرهم سمناً وبدرهم سويقاً. فقال البقال: ما عندي من ذلك شيء لكن احصله لك في الغد. فقال للبقال: فتش لعلك تجد قليلاً! قال: فمشيت فوجدت البراني والجرار مملوءة فأعطيته منها شيئاً كثيراً. فقال: أوليس قلت ما عندي شيء منها قلت له: خذ واسكت. فقال: لا آخذ حتى تصدقني. فأخبره بالحال فقال: لا تحدث به ما دمت حياً. وحكى أبو الحرث قال: رأيت في المنام كأن الناس وقوف بين يدي الله تعالى صفوفاً وأنا في الصف الأخير ونحن ننظر إلى رب العزة فقال: أي شيء تريدون أصنع بكم فسكت الناس. قال أبو الحرث: فقلت في نفسي: ويحهم! قد أعطاهم كل ذا من نفسه وهم سكوت! فجعلت أمشي حتى جزت الصفوف إلى الأول فقال لي: أي شيء تريد فقلت: يا رحمن إن أردت أن تعذبنا فلم خلقتنا خلقتكم ولا أعذبكم أبداً. ثم غاب في السماء. المشان بليدة قريبة من البصرة كثيرة التمر والفواكه. وجرى المثل فيها بعلة الورشان تأكل رطب المشان قيل: ان بعض الملوك مرض فأمره الأطباء بلحم الورشان فأمر أن لا يمنع من يطلب له الوراشين في البساتين من النخيل وكان طالب الوراشين يمد يده إلى الاعذاق فقالوا: بعلة الورشان تأكل رطب المشان وهي وخمة جداً ومما يحكي العوام: قيل لملك الموت أين نجدك قال: عند قنطرة حلوان قيل: فإن لم نجدك قال: لا أبرح عن مشرعة المشان. وإذا سخط ببغداد على أحد من أهل الفساد ينفى إلى المشان ليتأدب بالغربة ووخامة الهواء وملوحة الماء وكثرة المرض. وينسب إليها أبو محمد القاسم بن علي الحريري صاحب المقامات الحريرية التي هي من الأعاجيب. ومن عجيب ما حكي عنه انه كان مشغوفاً بنتف اللحية وهو مرض من غلبة السوداء فوكل به شخص يمنعه من ذلك. فلما عرض المقامات على الوزير وأعجب الوزير المطيرة من قرى سامرا أشبه أرض الله بالجنان من لطافة الهواء وعذوبة الماء وطيب التربة وكثرة الرياحين. وهي من متنزهات بغداد يأتيها أهل الخلاعة. وصفها بعض الشعراء فقال: سقياً ورعياً للمطيرة موضعاً! أنوارها الخيريّ والمنشور فيها البهار معانقاً لبنفسجٍ فكأنّ ذلك زائرٌ ومزور وكأنّ نرجسه عيونٌ كحلها بالزّعفران جفونها الكافور تحيا النّفوس بطيبها فكأنّها وصل الحبيب يناله المهجور الموصل المدينة العظيمة المشهورة التي هي إحدى قواعد بلاد الإسلام رفيعة البناء ووسيعة الرقعة محط رحال الركبان. استحدثها راوند بن بيوراسف الازدهاق على طرف دجلة بالجانب الغربي. والآن لها سور وفصيل وخندق عميق وقهندز وحواليها بساتين. وهواؤها طيب في الربيع أما في الصيف فأشبه شيء بالجحيم! فإن المدينة حجرية جصية تؤثر فيها حرارة الصيف تبقى كالشاخورة وخريفها كثير الحمى تكون سنة سليمة والأخرى موبئة يموت فيها بها أبنية حسنة وقصور طيبة على طرف دجلة. وفي نفس المدينة مشهد جرجيس النبي عليه السلام. وفي الجانب الشرقي منها تل التوبة وهو التل الذي اجتمع عليه قوم يونس لما عاينوا العذاب وتابوا وآمنوا فكشف الله تعالى عنهم العذاب. وعلى التل مشهد مقصود يقصده الناس كل ليلة جمعة وينذر له النذور. وبها بساتين نزهة. وفيها جواسق في غاية الحسن والطيب. وأهل الموصل انتفعوا بدجلة انتفاعاً كثيراً مثل شق القناة منها ونصب النواعير على الماء يديرها الماء بنفسه ونصب العربات وهي الطواحين التي يديرها الماء في وسط دجلة في سفينة وتنقل من موضع إلى موضع وفي الجانب الشرقي عند انتقاص الماء يبقى على طرف دجلة ضحضاح على أرض ذات حصباء يتخذ الناس عليها سرراً وقباباً من القصب في وسط الماء يسمونها السواريق ويبيتون فيها ليالي الصيف. يكون هواؤها في غاية الطيب وإذا نقص الماء وظهرت الأرض زرعوا بها القثاء والخيار فتكون حول القباب مقثاة ويبقى ذلك إلى أول الشتاء. وأهلها أهل الخير والمروءة والطباع اللطيفة في المعاشرة والظرافة والتدقيق في الصناعات وما فيهم إلا من يحب المختطين قال الشاعر: كتب العذار على صحيفة خدّه سطراً يلوح لناظر المتأمّل ينسب إليها جمال الدين الموصلي. كان من كرام الدنيا أصله من أصفهان. توزر من صاحب الموصل وكان يعطي أكثر من عبر الموصل فعرف الناس أن عنده الكيمياء وكل من سأله أعطاه. وحكي أن رجلاً صوفياً قال له: أنت الجمال الموصلي قال: نعم. قال: اعطني شيئاً ! قال له: سل ما شئت. فنزع طرطوره وقال: املأ هذا دراهم! فقال: اتركه عندي وارجع غداً خذه! فتركه عنده فلما عاد أعطاه إياه مملوءاً من الدراهم فأخذه وخرج ثم عاد وقال: ما لي إلى هذا حاجة وإنما أردت أن أجربك هل أنت أهل لهذه الصنعة أم لا فعرفت أنك أهل وأنت ما تعرف إلا عمل الفضة أريد أن أعلمك عمل الذهب أيضاً. فعلمه وذهب. وحكي انه استأذن من الخليفة أن يلبس الكعبة في بعض السنين فأذن له فأخذ للكعبة لباساً أخضر ونثر على الكعبة مالاً كثيراً وأعطى أهل مكة وضعفاء الحاج أموالاً وسار ذكره. في الآفاق. وحكي أنه كان بينه وبين بعض الأمراء صداقة فتعاهدا على أن من مات منهما أولاً فصاحبه يحمله إلى البقيع فمات الجمال الموصلي أولاً في سنة خمسين وخمسمائة. فاشترى ذلك الأمير جمالاً كثيرة. وعين قوماً من الصلحاء وأقواماً من المقرئين وأموالاً للصدقة عنه في كل منزل وقال: الجمال الموصلي لا يبعث إلى البقيع إلا هكذا. ودفنه بالبقيع بهذا الاحترام.وينسب إليها الشيخ كمال الدين بن يونس. كان جامعاً لفنون العلوم عديم النظير في زمانه في أي فن باحثته فكأنه صاحب ذلك الفن من المنقول والمعقول. وأما فن الرياضيات فكان فيه منفرداً. ومن عجيب ما رأيت منه أن الفرنج في زمن الملك الكامل بعثوا إلى الشام مسائل ارادوا جوابها: منها طبية ومنها حكمية ومنها رياضية. أما الطبية والحكمية فأجاب عنها أهل الشام والهندسية عجزوا عنها. والملك الكامل أراد أن يبعث جواب الكل فبعثوا إلى الموصل إلى المفضل ابن عمر الأبهري أستاذنا وكان عديم النظير في علم الهندسة فأشكل الجواب عليه فعرضه على الشيخ ابن يونس فتفكر فيه وأجاب عنه والمسألة هذه نريد أن تبين قوساً أخرجنا لها وتراً والوتر أخرج من الدائرة عملنا عليه مربعاً تكون مساحة المقوس كمساحة المربع هذه صورتها: فكتب برهانه المفضل وجعله رسالة بعث بها إلى الشام إلى الملك الكامل فلما مشيت إلى الشام رأيت فضلاء الشام يتعجبون من تلك الرسالة ويثنون على استخراج ذلك البرهان فإنه كان نادر الزمان. وينسب إليها الشيخ فتح الموصلي. كان الغالب عليه الخوف والبكاء وفي أكثر أوقاته كان باكياً. فلما توفي رئي في المنام قيل له: ما فعل الله بك قال: أوقفني بين يديه وقال: ما الذي أبكاك فقلت: يا رب الخجالة من ذنوبي! فقال: وعزتي وجلالي أمرت ملك الذنوب أن لا يكتب عليك أربعين سنة لبكائك من هيبتي! ميسان كورة كثيرة القرى والنخيل بين البصرة وواسط أهلها شيعة طغاة بها مشهد عزير النبي عليه السلام مشهور معمور يقوم بخدمته اليهود وعليه وقوف وتأتيه النذور. وحكي أن النعمان بن عدي كان من صلحاء الصحابة من مهاجرة الحبشة وكان عمر بن الخطاب يولي أحداً من بني النعمان لصلاحة ميسان فأراد النعمان أن يخرج معه زوجته فأبت فكتب النعمان إليها من ميسان ما يحرضها على المجيء إلى زوجها: ألا هل أتى الحسناء أنّ حليلها بميسان يسقى من زجاجٍ وحنتم إذا شئت عنّيني دهاقين قريةٍ وصنّاجةٍ يجثو على حرف ميسم فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ولا تسقني بالأصغر المتثلّم لعلّ أمير المؤمنين يسوءه ينادمنا في الجوسق المتهدّم! فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فكتب إليه: أما بعد فقد بلغني قولك لعل أمير المؤمنين يسوءه. وايم الله قد ساءني وعزلتك! فلما قدم وسأله عن ذلك قال: والله ما كان من ذلك شيء وما شربتها قط وإنما كان ذلك فضل شعر! فقال عمر: أظن ذلك لكن لا تعمل لي عملاً قط. ناووس الظبية موضع بقرب همذان وقال ابن الفقيه: هذا الموضع عند قصر بهرام جور وهو على تل مشرف حوله عيون كثيرة وأنهار غزيرة ومن حديثه: انه خرج بهرام جور وهو أحد الأكاسرة متصيداً وكان حاذقاً بالرمي وأخرج معه جارية من أحظى جواريه. فعن له سرب ظباء فقال لها: كيف تريدين أن أرمي ظبية منها فقالت: أريد أن تلصق ظلفها بأذنها! فتحير بهرام وقال في نفسه: إن لم أفعل قيل انه شهى جارية ولم يف بها. فأخذ الجلاهق وعين ظبية فرماها ببندقية فأصاب أذنها فرفعت رجلها تحك بها أذنها فانتزع سهماً فرماها فخاط به ظلفها بأذنها ثم قتل الجارية ودفنها مع الظبية في ناووس واحد وبنى عليهما علماً من حجارة وكتب عليها قصتها وقال: إنما قتلت الجارية لأنها قصدت تعجيزي وكادت تفضحني! قال ابن الفقيه: والموضع معروف إلى وقتنا بناووس الظبية. نسا مدينة بخراسان بقرب سرخس وابيورد بناها فيروز بن يزدجرد أحد الأكاسرة. وكان يقال لها شهر فيروز وهي مدينة طيبة كثيرة الأنهار والأشجار إلا أنها وبئة ويكثر بها العرق المديني حتى انه في الصيف قل من ينجو منه. بها رباط بناه رئيسها عماد الدين حمزة النسوي وهو رباط عظيم خارج المدينة بين الباغات ليس في شيء من البلاد مثله في عظم العمارة وكثرة الخير. حكي عنه انه قال: كنت على عزم أن أبني موضعاً لأهل الخير متردداً في أن أجعله مدرسة أو خانقاهاً حتى رأيت في نومي أن قائلاً يقول: من آتاه الله روحاً فأعطه الخير! فأمر بعمارة بناء عظيم للفقهاء موضعاً وللصوفية موضعاً وللقدرية موضعاً وللعلويين موضعاً وللقفل السابلة موضعاً ولدوابهم موضعاً. وأجرى الخبز والمأكول على كل من له روح وجعل فيها حمامات ولها بساتين. واشترى لها مماليك برسم الفرش والخدمة والطبخ وفلاحة البساتين فكل من نزل بها يمشي إلى مكانه ويقوم القوام بخدمته. ولها قراء ومغنون ولا تزال قدورها على النار فربما نزل بهم قفل عظيم أو جيش كثيف فأخرجوا وظائفهم حتى لدوابهم وكلابهم. ومن أراد من أهل المدينة خرج إليها وتفرج في بساتينها واستحم في حمامها وتغدى أو تعشى فيها وعاد إلى مكانه. وكان الأمر على ذلك إلى ورود التتر. والآن سألت بعض فقهاء خراسان نخشب مدينة مشهورة بأرض خراسان. منها الأولياء والحكماء ينسب إليها الحكيم ابن المقفع الذي أنشأ بنخشب بئراً يصعد منها قمر يراه الناس مثل القمر واشتهر ذلك في الآفاق والناس يقصدون نخشب لرؤيته ويتعجبون منه وعوام الناس يحسبونه سحراً وما كان إلا بطريق الهندسة وانعكاس شعاع القمر لأنهم وجدوا في قعر البئر طاساً كبيراً مملوءاً زئبقاً وفي الجملة قد اهتدى إلى أمر عجيب سار في الآفاق واشتهر حتى ذكره الناس في الأشعار والأمثال وبقي ذكره بين الناس. وينسب إليها أبو تراب عسكر بن الحصين النخشبي صاحب حاتم الأصم. كان يقول: بيني وبين الله عهد أن لا أمد يدي إلى حرام إلا وقد قصرت عنه حكي انه دخل بادية البصرة يريد مكة فسئل عن أكله بمكة فقال: خرجت من البصرة فأكلت بالنباج ثم بذات عرق ومن ذات عرق إليك. وحكي عنه انه قال: كنت في بعض أسفاري فاشتهيت الخبز السميد مع بيض الدجاج فعدلت عن طريقي وقصدت قرية لتحصيل ذاك فإذا أنا في الطريق إذ تعلق بي شخص وقال: هذا لص قاطع الطريق أخذ مني متاعي في الطريق! فحملوني إلى رئيس القرية فضربني سبعين خشبة فإذا رجل منهم عرفني وقال: هذا أبو تراب النخشبي ليس من شأنه ما تدعون عليه فنزعني من يدهم وأدخلني بيته وجعل بين يدي الخبز السميد وبيض الدجاج فقلت لنفسي: خذ شهوتك مع سبعين خشبة! وتبت أن أشتهي بعد ذلك. توفي سنة خمس وأربعين ومائتين. نصراباذ من قرى خراسان ينسب إليها أبو القاسم إبراهيم بن محمد النصراباذي من مشايخ خراسان. صحب الشبلي وأبا علي الروذباري والمرتعش. حج ستين حجة قال: فلما تممت الستين أراد الشيطان أن يلقي إلي شيئاً من العجب فقال: من مثلك وقد حججت ستين حجة فقام على ملإ من الناس ونادى: أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أبو القاسم النصراباذي حججت ستين حجة من يشتري ثوابها برغيفين فقام واحد وقال: خذ ثمنها يا أبا القاسم. فأخذ منه ورماهما إلى كلب فسمع هاتف يقول: غفرنا لك يا أبا القاسم وأثبتنا ثواب الحج لك ولمن اشتراها وقبلنا حج كل من حج في هذه السنة لأجلك! جاور مكة سنة ست وثلاثين وثلاثمائة. وتوفي بها سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة.مدينة عامرة من بلاد الجزيرة بقرب سنجار. وهي كثيرة المياه والأشجار والبساتين مسورة ولا قهندز. ذكر أن لها ولقراها أربعين ألف بستان ظاهرها في غاية النزاهة وباطنها يضاد ظاهرها. وهي وخمة لكثرة مياهها وأشجارها مضرة سيما بالغرباء فإنه قلما تخطيء سهامها في الغرباء. وحكي أن بعض التجار أراد دخول نصيبين وكان به عقابيل المرض وصفرة اللون فتمسك بكمه بعض ظرفاء نصيبين وقال: ما أخليك تدخل حتى تشهد على نفسك شاهدين عدلين انك ما دخلت نصيبين إلا على هذه الصفة كيلا يقال امرضته نصيبين! وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: رفعت لي ليلة أسري بي مدينة فأعجبتني فقلت لجبريل: ما هذه المدينة فقال: نصيبين. قلت: اللهم عجل فتحها واجعل فيها بركة للمسلمين! ومن خاصية نصيبين أنها لا تقبل العدل البتة بل سوق الظلم بها قائم ولو كان واليها كسرى الخير ولهذا قال بعض الشعراء: نصيب نصيبين من ربّها ولاية كلّ ظلومٍ غشوم! فباطنها منهم في لظىً وظاهرها من جنان النّعيم! وعقارب نصيبين مما يضرب بها المثل حكى أحمد بن الطيب السرخسي أن أنوشروان حاصر نصيبين فامتنع أهلها ولم يستطع فتحها فأشار إليه بعض الحكماء ان يحمل عقارب طيرانشاه وهي قرية من أعمال شهرزور كثيرة العقارب في جرار وتحمل إلى نصيبين وترمى إليها بالعرادة ففعل ذلك فانتشرت العقارب في جميع المدينة ولدغت أهلها فأصابوا منها بلاء عظيماً وتقاعدوا عن القتال ففتحها أنوشروان وذلك أصل عقارب نصيبين. وحكي أن عامل معاوية بنصيبين كتب إلى معاوية أن جماعة كثيرة من المسلمين الذين كانوا معه أصيبوا بالعقارب فكتب إليه معاوية يأمره أن يوظف على كل أهل خير من المدة عدة عقارب في كل ليلة ففعل ذلك فهم يأتون بها وهو يأمر بقتلها حتى قلت. نضيراباذ قرية من قرى قزوين قريبة منها كثيرة الخيرات والغلات وكانت ملكاً لفخر المعالي بن نظام الملك. وكان شيخ القرية رجلاً ظريفاً وفخر المعالي أيضاً كذلك كانا يتظارفان حكي أن شيخ القرية دخل على فخر المعالي فوجده يسرح لحيته بمشط فقال: أيها المولى لم تسرح اللحية فقال: لأنه يزيل الغم. فقال: من كان لهغم يسرح لحيته فيزول غمه قال: نعم فقد اتفق انه جاء ذات مرة عسكر وأكلوا زرع القرية ونهبوها فجاء شيخ القرية إلى فخر المعالي وقال: وحكي أنه استقرض شيخ القرية من فخر المعالي شيئاً من الحنطة فقال فخر المعالي: ابعث إليك. فبعث إليه أحمالاً من البعر! فلما كان وقت النيروز وعادتهم ان الاكرة يحملون إلى الدهخدا هدايا من جملتها سلال فيها أقراص مدهونة وكليجات وجرادق فبعث شيخ القرية في السلال أقراصاً من السرجين فلما رآها فخر المعالي غضب. قال له شيخ القرية: يا مولاي لا تغضب انها من الحنطة التي بعثتها إلي! ولهم مثل هذا تظارف كثيرة يعرفها أهل قزوين وبهذا مقنع. النعمانية بليدة بين بغداد وواسط كثيرة الخيرات وافرة الغلات ولها قرى ورساتيق. بناها النعمان بن المنذر بن قيس بن ماء السماء. سكنها زماناً رافيء الحال فارغ البال في أيام الأكاسرة إلى أن قضى الله تعالى ما شاء. وصلت ذات مرة إليها فنزلت في جامعها فاجتمع علينا من النمل الكبير الأسود شيء كثير فقال بعض أهلها: نصف البلد هكذا والنصف الآخر لا يوجد فيه شيء منها. وحكي أن النعمان كان له صاحبان: أحدهما عدي بن زيد العبادي والآخر الربيع بن زياد.والربيع كان أقرب إليه حتى كان يأكل معه في قصعة واحدة فحسدهما الحاسدون. أما الربيع فرموه بالبرص لأن النعمان كان شديد التنفر من البرص. كتبوا إليه: يا ابن الملوك السادة الهبنقعه الضاربين الهام تحت الخيضعه مهلاً أبيت اللعن لا تأكل معه! ان استه من برص ملمعه وانه يدخل فيه إصبعه كأنه يطلب شيئاً ضيعه! فأبعده النعمان وتنفر منه أشد التنفر فقال الربيع: أبيت اللعن! لا تسمع كلام الأعداء وقل لمن يبصرني ويجربني! فقال النعمان: شرّد برجلك عنّا حيث شئت ولا تكثر عليّ ودع عنك الأقاويلا فقد رميت بداءٍ لست غاسله ما جاوز النّيل يوماً شطّ ابلبلا قد قيل ذلك إن حقّاً وإن كذباً فما اعتذارك عن قولٍ إذا قيلا وأما عدي بن زيد فقد سعوا به حتى أبعده النعمان وكان ابنه زيد بن عدي كاتباً لكسرى في المكاتبات العربية فذكر لكسرى حبس أبيه فبعث كسرى إلى النعمان يأمره بالإفراج فلما وصل الرسول بعث عدي إلى الرسول يقول: أبصرني قبل أن تمشي إلى النعمان حتى لا يقول النعمان انه مات! فقال الرسول: أخاف من مؤاخذة كسرى فإنه ما بعثني إلا إلى النعمان. فلما أدى الرسول الرسالة قال النعمان: عدي من زمان مات! وأمر بقتله. وعرف الحال زيد بن عدي فطلب فرصة لينتقم من النعمان وكان كسرى مشغوفاً بالنساء أي امرأة حسناء ذكرت عنده يرسل إلى تحصيلها فكان يجري في مجلسه ذكر النساء. قال زيد بن عدي: ان لعبدك النعمان بنات في غاية الحسن والجمال إن اقتضى رأي الملك يبعثني إليه أخطب بناته للملك! فبعثه كسرى مع بعض خواصه من العجم فقال النعمان: إن للملك في مها العجم لمندوحة عن سودان العرب! فقال زيد للعجمي: احفظ ما يقوله حتى تقول لكسرى! فلما عاد إلى كسرى قال: ما معنى هذا الكلام قال زيد: يقول الملك له بقر العجم ما له ولكحلاوات العرب فتأذى كسرى من هذا وبعث إليه يطلبه فهرب النعمان في البرية فما كان حي من الأحياء يحويه خوفاً من كسرى وكلما أتى عليه الوقت ذهب ماله وقل عدده فرأى أن يأتي كسرى تائباً. فلما وصل أمر كسرى بنصب القباب وإخراج جميع جواريه يرقصن في غناء عجمي معناه: من له كلنا أي حاجة له إلى البقر فلما دخل دهليز كسرى قبض عليه وأمر بإلقائه تحت أرجل الفيل قال الشاعر: فأدخل بيتاً سقفه صدر فيلةٍ بساباط والحيطان منه قوائمه نهاوند مدينة بقرب همذان قديمة قالوا: إنها من بناء نوح عليه السلام واللفظ دل عليه وأصله نوح اوند أي نوح وضع. بها عجائب. بها موضع يقال له وازوان البلاعة به حجر كبير فيه ثقبة فتحها أكبر من شبر يفور منها الماء كل يوم مرة فيخرج وله صوت عظيم يسقي أراضي كثيرة ثم يتراجع حتى يدخل ذلك الموضع الذي خرج منه. وحكى ابن الكلبي أن هذا الحجر مطلسم لا يخرج الماء منه إلا وقت الحاجة ويفور حتى يستغنى عنه قال: وهذا مشهور في تلك الناحية. وبها صخرة عظيمة في جبلهم من غاب له غائب أو أبق له آبق أو مرض له مريض أو سرق منه شيء فياتي تلك الصخرة ويبيت عندها فإنه يرى في نومه حاصل ذلك الأمر من خير وشر قال صاحب تحفة الغرائب: بقرب نهاوند عين في شعب جبل من احتاج إلى الماء لسقي الأرض يمشي إليها ويدخل الشعب ويقول بصوت رفيع: إني محتاج إلى الماء. ثم يمشي نحو زرعه فالماء يمشي نحوه فإذا انقضت حاجته يرجع إلى الشعب نحو العين ويقول: قد كفاني الماء. ويضرب برجله على الأرض فالماء ينقطع هذا كلام صاحب تحفة الغرائب. ومن عجائبها ما ذكره ابن الفقيه من أمر قصب الذريرة فما دام بنهاوند أو شيء من رساتيقها فهو بمنزلة الخشب لا رائحة له فإذا حمل منها وجاوزوا به العقبة التي يقال لها عقبة الركاب فاحت رائحته فإن سلكوا به غير تلك العقبة يبقى بحاله لا يصلح إلا للوقود.ومن عجائبها طين أسود يوجد على حافات نهر نهاوند. له خواص كثيرة: زعم أهل الناحية أن ذلك الطين تخرجه السراطين من جوف النهر وتلقيه ولو حفروا جميع جوانب النهر وقراره لم يجدوا شيئاً من ذلك الطين. وحكى مسعر بن مهلهل أن على جبل نهاوند ثوراً وسمكة منحوتة من الحجر في أحسن صنعة قالوا: إنهما طلسمان لآفات المدينة. ويكثر بنهاوند شجر الخلاف ما في شيء من البلاد بكثرتها تتخذ منها الصوالج وتحمل إلى سائر البلاد. النهروان كورة واسعة بين بغداد وواسط في شرقي دجلة كانت من أجمل نواحي بغداد وأكثرها دخلاً وأحسنها منظراً وأبهاها فخراً. أصابتها عين الزمان فخربت بسبب الاختلاف بين الملوك السلجوقية وقتال بعضهم بعضاً. وكانت ممر العساكر فجلا عنها أهلها واستمر خرابها والآن مدنها وقراها تلال والحيطان قائمة ثم بعد خرابها من شرع في عمارتها من الملوك مات قبل تمامها حتى اشتهر ذلك واستشعر الملوك من تجديد عمارتها وتطيروا بها إلى زمن المقتفي. فاراد بهرور الخادم عمارتها فقالوا له: ما شرع في عمارتها أحد إلا مات قبل تمام عمارتها! فشرع في عمارتها غير ملتفت إلى هذا القول فمات أيضاً قبل تمامها فبقيت على حالها إلى زماننا هذا. ينسب إليها القاضي أبو الفرج بن المعافى بن زكرياء النهرواني. كان عالماً فاضلاً مشهوراً وحيد دهره. قال: حججت سنة فإذا أنا بمنى ينادي مناد يقول: يا أبا الفرج! قلت: يطلب غيري. ثم قال: يا أبا الفرج بن المعافى! قلت: لعل شخصاً وافق اسمه واسم أبيه اسمي واسم أبي. ثم قال: يا أبا الفرج بن المعافى بن زكرياء! فما أجبت. ثم قال: يا أبا الفرج بن المعافى بن زكرياء النهرواني! فقلت: الآن اتضح اني أنا المطلوب. فقلت: ها أنا ذا ماذا تريد فقال: لعلك أنت من نهروان الشرق! قلت: نعم! قال: إني أريد من هو من نهروان الغرب. نيسابور مدينة من مدن خراسان ذات فضائل حسنة وعمارة كثيرة الخيرات والفواكه والثمرات جامعة لأنواع المسرات وعتبة الشرق ولم يزل القفل ينزل بها. وانها كانت مجمع العلماء ومعدن الفضلاء. وكان عمرو بن الليث الصفار يقول: أقاتل على بلدة حشيشها الريباس وترابها البقل وحجرها الفيروزج. وإنما قال ذلك لأن بها ريباساً ليس في جميع الأرض مثله قد يكون واحدها خمسة أرطال وأكثرها رطلان أو ثلاثة. وهي صادقة البياض كأنها الطلع وإنما عنى بالبقل الطين المأكول الذي لا يوجد مثله في جميع الأرض. يحمل إلى أداني الأرض وأقاصيها لتحفة الملوك وربما بيع رطل منه بمصر بدينار واحد وبالغ محمد بن زكرياء في خواص هذا الطين ومنافعه. وقال أبو طالب المأموني: خذ لي من البقل فذاك الذي منها خلقنا وإليها نصير كأنّه للعين لمّا بدا أحجار كافورٍ عليها عبير وبها معادن الفيروزج. ذكروا أن تلك المعادن آبار ظهر فيها العقارب فامتنع الناس عنها ولما دخلها إسماعيل بن أحمد الساماني. وكان ملكاً عادلاً قال: يا لها من مدينة لو لم يكن بها عيبان! قيل: ما هما قال: كان ينبغي أن تكون مياهها التي في باطن الأرض على ظاهرها ومشايخها الذين على ظاهرها في باطنها. وكانت نيسابور من أحسن بلاد الله وأطيبها. خرج الغز على السلطان سنجر ابن ملكشاه السلجوقي وكسروه وأسروه وبعثوا جمعاً إلى مدينة نيسابور وذلك في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة فقاتلهم أهل نيسابور أشد القتال لأنهم كانوا كفاراً نصارى فجاءهم ملك الغز وحاصرهم حتى استخلصها عنوة وقتلوا كل من وجدوه وخربوها وأحرقوها فانتقل الناس إلى الشاذياخ وعمروها وسوروها حتى بقيت مدينة طيبة أحسن من المدينة الأولى وصارت المدينة الأولى متروكة وصارت مجامع أهلها مكان الوحوش ومراتع البهائم فسبحان من لا يعتريه الزوال وكل ما سواه يتغير من حال إلى حال! ينسب إليها الإمام العلامة رضى الدين النيسابوري قدوة العلماء وأستاذ البشر. كان أصله من نيسابور ومسكنه بخارة وكان على مذهب الإمام أبي حنيفة وكان في حلقة درسه أربعمائة فقيه فضلاء وانه سلك طريقاً لم يسلكه من كان قبله. وكان علم المناظرة قبله غير مضبوط فأحدث له ضبطاً وترتيباً وبذلك فاقت تلامذته جميع علماء زمانهم. وله على كل من يسمى باسم الفقيه منة لأن الفقهاء بعده على طريقه وترتيبه. وينسب إليها الأستاذ قدوة المشايخ أبو القاسم القشيري صاحب الرسالة القشيرية كان وحيد دهره علماً وورعاً. حكي انه إذا دخل على نظام الملك الحسن بن علي بن إسحق قام من مكانه وقعد بين يديه وإذا دخل عليه إمام الحرمين يقوم له ويقعده بجنبه فسئل نظام الملك عن ذلك فقال: لأن أبا القاسم القشيري إذا دخل علي يذمني فيما أعمله وأما إمام الحرمين فإنه يمدحني فيما أعمله. فيا لله من شيخ إذا دخل على وزير المشرق والمغرب يذم أفعاله ولا يبالي بسلطنته! ويا لله من وزير من ذمه في أفعاله أكرم عليه ممن مدحه! وحكي أن الملك لما صار لطغرلبك السلجوقي واستوزر أبا نصر الكندري كان السلطان معتزلياً والوزير شيعياً أمرا بلعن جميع المذاهب يوم الجمعة على رؤوس المنابر. فعند ذلك فارق الأستاذ أبو القاسم مملكة طغرلبك وقال: لا أقيم في أرض يلعن بها المسلمون! وإمام الحرمين أيضاً ذهب إلى أرض الحجاز. وتوفي أبو القاسم سنة خمس وستين وأربعمائة. ينسب إليها من الحكماء عمر الخيام. كان حكيماً عارفاً بجميع أنواع الحكمة سيما نوع الرياضيات. وكان في عهد السلطان ملكشاه السلجوقي سلم إليه مالاً كثيراً ليشتري به آلات الرصد ويتخذ رصد الكواكب فمات السلطان وما تم ذلك. وحكي انه نزل ببعض الربط فوجد أهلها شاكين من كثرة الطير ووقوع ذرقها وتنجس ثيابهم بها فاتخذ تمثال الطير من الطين ونصبه على شرفة من شرفات الموضع فانقطع الطير عنها. وحكي أن بعض الفقهاء كان يمشي إليه كل يوم قبل طلوع الشمس ويقرأ عليه درساً من الحكمة فإذا حضر عند الناس ذكره بالسوء فأمر عمر بإحضار جمع من الطبالين والبوقيين وجباهم في داره فلما جاء الفقيه على عادته لقراءة الدرس أمرهم بدق الطبول والنفخ في البوقات فجاءه الناس من كل صوب فقال عمر: يا أهل نيسابور هذا عالمكم يأتيني كل يوم في هذا الوقت ويأخذ مني العلم ويذكرني عندكم بما تعلموني فإن كنت أنا كما يقول فلأي شيء وينسب إليها أبو حمزة الخراساني. كان من أقران الجنيد وأبي تراب النخشبي وأبي سعيد الخراز. قال: حججت في بعض السنين فبينما أنا أمشي في الطريق إذ وقعت في بئر فنازعتني نفسي أن أستغيث حتى يأتيني أحد فخالفت النفس وقلت: والله لا أستغيث فما استتمت هذه الخطرة حتى أتى برأس البئر رجلان أحدهما يقول للآخر: تعال تى نسد رأس هذه البئر كيلا يقع إنسان فيها. فأتيا بقصب وبارية وسدا رأس البئر فهممت أن أصيح ثم قلت في نفسي: أصيح إلى من هو أقرب منهما.فسكت. فبينما أنا بعد ساعة إذ جاء شيء وكشف رأس البئر وأدلى رجليه فكأنه يقول في همهمته: تعلق بي! فتعلقت به فأخرجني فإذا هو سبع فهتف بي هاتف: أليس هذا أحسن نجيناك بالمتلف من التلف! وينسب إليها أبو القاسم المنادي. وينسب إليها أبو الطيب سهل الصعلوكي. تصدر للقضاء والتدريس بنيسابور واجتمع عليه فقهاء خراسان ووضع في مجلسه خمسمائة محبرة عند إملائه. قيل: جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى على رأس كل مائة يبعث من يجدد دينه. فذكر الأصحاب انه على رأس المائة عمر ابن عبد العزيز وعلى المائتين محمد بن ادريس الشافعي وعلى الثلاثمائة أبو العباس أحمد بن سريج ونظم هذا المعنى بعض أهل العلم فقال: الشّافعيّ الألمعيّ محمّدٌ إرث النّبوّة وابن عمّ محمّد وابشر أبا العبّاس إنّك ثالثٌ من بعدهم سقياً لتربة أحمد فقام رجل في مجلس أبي الطيب سهل الصعلوكي وأنشد تلك الأبيات وألحق بها: والرّابع المشهور سهلٌ بعدهم أضحى إماماً عند كلّ موحّد لا زال فيما بيننا علم الهدى للمذهب المختار خير مؤيّد فسكت الشيخ وغمه ذلك وتوفي في تلك السنة. حكى أبو سعيد الشحامي قال: رأيت أبا الطيب الصعلوكي في النوم بعد وفاته فقلت: أيها الشيخ! فقال: دع الشيخ! قلت: وتلك الأحوال التي شاهدتها قال: لم تغن عنا شيئاً! قلت: ما فعل الله بك قال: غفر لي بمسائل كانت تسألها العجائز! وينسب إليها أبو سعيد بن أبي عثمان الخركوشي. كان من مشاهير علماء خراسان بالعلم والزهد والورع وحسن الطريقة. صنف كتباً كثيرة في العلوم الشرعية وبنى مدرسة ودار مرضى ووقف عليهما أملاكاً كثيرة. وفي آخر عمره اختار الفقر وكان يأكل من كسب يده: يعمل القلانس ويبيعها خفية حتى لا يدرى أنها عمله. حكى أبو الفضل محمد بن عبد الله الصرام قال: رأيت الأستاذ أبا سعيد خرج مع القوم إليك جئنا حسبنا ربّنا وليس ربٌّ سواك يغنينا بابك رحبٌ فناؤه كرمٌ إرحم على بابك المساكينا ثم قال: اللهم اسقنا! فما أتم ثلاثاً حتى سقينا كأفواه القرب. وينسب إليها أبو محمد عبد الله بن محمد المرتعش. كان عظيم الشأن. صحب الجنيد قيل له: إن فلاناً يمشي على الماء! فقال: عندي من مكنة الله تعالى من مخالفة الهواء ما هو أعظم من المشي على الماء. توفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. نينوى بلاد وقرى كانت بشرقي دجلة عند الموصل. في قديم الزمان بعث الله تعالى إليهم يونس النبي عليه السلام فدعاهم إلى الله تعالى فكذبوه فخوفهم بعذاب الله في وقت معين وفارقهم. فلما دنا ذلك الوقت وشاهدوا آثار عذاب الله خرجوا بالنساء والذراري إلى تل هناك في شرقي دجلة وكشفوا رؤوسهم وتابوا وآمنوا فكشف الله عنهم العذاب. والتل باق إلى الآن ويسمى تل التوبة وعليه مشهد مقصود ينذر له ويقصده الناس كل ليلة جمعة. حكى صاحب تحفة الغرائب انه كان بها طاحونة جميع آلاتها من الحجر وكانت سبيلاً فإذا أراد الطحان وقوف الحجر قال: اسكن بحق يونس! فوقف الحجر والماء يجري على حاله ولا تدور الرحى حتى يفرغ الطحان من شغله فإذا فرغ قال: إني فرغت من شغلي فشرع في الدوران. |
إذا ما هجاني ناقص لا أجيبه= فإني إذا جاوبته فلي الذنب أنزه نفسي عن مساواة سفلة= ومن ذا يعض الكلب إن عضه الكلب
|
|
|
#22 |
|
محمد العريفي
المؤسس المشرف العام لملتقى القبائل العربية ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
واسط مدينة بين الكوفة والبصرة من الجانب الغربي كثيرة الخيرات وافرة الغلات. تشقها دجلة. وإنها في فضاء من الأرض صحيحة الهواء عذبة الماء وكثيراً ما يفسد هواؤها باختلاف هواء البطائح بها فيفسده. وأما نفس المدينة فلا يرى أحسن منها صورة فإن كلها قصور وبساتين ومياه وعيبها أن حاصلها يحمل إلى غيرها فلو كان حاصلها يبقى في يد أهلها لفاقت جميع البلاد. بناها الحجاج سنة أربع وثمانين وفرغ منها سنة ست وثمانين وسكنها إلى سنة خمس وتسعين وتوفي في هذه السنة. وحكي عن سماك بن حرب انه قال: استعملني الحجاج على ناحية نادوربا فبينا أنا يوماً على شاطيء دجلة إذا أنا برجل على فرس من الجانب الآخر فصاح باسمي واسم أبي فأجبت فقال: الويل لأهل مدينة تبنى ههنا! ليقتلن فيها ظلماً سبعون ألفاً! كرر ذلك ثلاث مرات ثم أقحم فرسه في دجلة وغاب في الماء. فلما كان العام القابل ساقني القضاء إلى ذلك الموضع فإذا أنا برجل صاح بي كما صاح وقال كما قال وزاد: سيقتل ما حولها ما يستقل الحصى لعددهم! ثم أقحم فرسه في الماء وغاب. فلما بنى الحجاج واسطاً أحصي في حبسه ثلاثة وثلاثون ألف إنسان لم يحبسوا في دم ولا دين ولا تبعة وأحصي من قتله صبراً فبلغوا مائة وعشرين ألف إنسان! وحكي انه كان يقرأ القرآن فانتهى إلى قوله تعالى: انه عمل غير صالح. فاشتبه عليه انه قرأ اسماً أو فعلاً فبعث إلى بعض المقرئين وأمر بإحضاره ليسأل عنه فلما حضر المقريء قام الحجاج من مجلسه فقال الأعوان: كيف نعمل به وقد طلبه الحجاج فأوقفوه حتى يتبين أمره فبقي في الحبس ستة أشهر إلى أن فرغ الحجاج في النظر إلى المحبوسين فلما انتهى إلى اسمه سأل عن ذنبه فقالوا: لا نعرف! فأمر بإحضاره وقال له: على أي شيء حبست قال: على ذنب ابن نوح! فضحك الحجاج وخلى سبيله. ينسب إليها جماعات من القراء يعرفون علم القراءة السبعة والعشرة والشواذ منهم أبو العز القلانسي حكي انه جاءه رجل وقال له: أنت القلانسي المقريء قال: نعم. قال: إني أريد أن أقرأ عليك قراءة القرآن. قلت له: كيف اخترت هذه القراءة قال: إني سمعتها في بعض أسفاري عن رجل فأعجبتني. فقلت له: على من قرأتها قال: على القلانسي. فكان يأتيني كل يوم آخر النهار.قلت: ائتني أول النهار.فقال: أرضي شاسعة. فكنت أدخل داري وأغلق الباب وأصعد السطح فأراه داخل الدار فأقول له: كيف دخلت والباب مغلق فيقول: ما كان مغلقاً. فلما ختم قال لي: اكتب خطك اني قرأت عليك. فقلت: ما لي عادة أكتب خطي إلا بخمسة عشر ديناراً. فجاءني بجدع من العود وقال: خذ هذا واكتب لي خطك. فأخذت وكتبت والجدع كان يسوى حمله. وكان زمن الناصر لدين الله فأشهر هذا الحديث واشترى الجدع مني. وينسب إليها أبو الحسين بنان بن محمد بن حمدان الحمال. ذهب إلى مصر فأمر ابن طولون صاحب مصر بالمعروف فغضب عليه وأمر بإلقائه بين يدي السبع فكان السبع يشمه ولا يضره. فلما أخرج من بين يدي السبع قالوا له: ما الذي كان في قلبك وقت يشمك السبع قال: كنت أتفكر في سؤر السبع ولعابه أطاهر أم لا وحكى عمر بن محمد بن عراك انه كان لرجل على رجل مائة دينار بوثيقة فكان يطلب الوثيقة ولم يجدها فجاء إلى بنان الحمال أن يدعو له فقال له بنان: إني رجل شيخ أحب الحلاوى فاشتر لي رطل حلواء حتى أدعو لك! فذهب الرجل واشترى الحلواء وجعله في وسط القرطاس فجاء به فقال له بنان: افتح القرطاس. ففتحه فإذا القرطاس في وسطه الوثيقة. فقال: هذه وثيقتي! فقال له بنان: خذ وثيقتك واطعم الحلاوى صبيانك. توفي بمصر سنة ست عشرة وثلاثمائة. وحكي انه احتاج إلى جارية تخدمه فانبسط مع إخوانه فجعلوا له ثمن جارية وقالوا: إذا جاء السفر تكون معه جوار نشتري لك منهم جارية. فلما جاء السفر ومعه جوار اجتمعوا على واحدة وقالوا: انها صالحة له. فقالوا لصاحبها: بكم تبيعها فقال: انها ليست للبيع. فألحوا عليه فقال: إنها لبنان الحمال بعثتها له امرأة من سمرقند فحملت إلى بنان وذكرت له القصة. وينسب إليها يزيد بن هارون. كان عالماً عابداً مقرئاً محدثاً. قال: سافرت عن أهلي في طلب الحديث سنين كثيرة فلما عدت إلى بغداد سمعت أن بعسكر أحد التابعين فمشيت إليه فقال: حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ابتلاه الله ببلاء فليصبر ثم ليصبر ثم ليصبر! وقال: ما أحدثك غير هذا. قال: فعدت إلى واسط ووصلت ليلاً ووقفت على بابي كرهت دق الباب كراهة انزعاج القوم فعالجت فتح الباب ودخلتها. وكان أهلي على السطح فصعدت السطح فوجدت زوجتي نائمة وبجنبها شاب فأخذت حجراً وقصدت أضرب به فتذكرت الحديث الذي سمعت من العسكري ثم قصدت ثانياً وثالثاً فتذكرت الحديث ثانياً وثالثاً فانتبهت زوجتي فلما رأتني أيقظت الشاب وقالت: قم إلى أبيك! إني تركتها املاً فعلمت أن ذلك من بركة حديث العسكري. وحكي أنه رئي في النوم بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك قال: غفر لي قيل: بأي شيء قال: بالقرآن والحديث ودعاء السحر. فقيل له: هل أخذ عليك شيئاً قال: نعم قال لي تروي الحديث عن حريز بن عثمان وهو يبغض علي بن أبي طالب. وأتاني الملكان وقالا: من ربك قلت: أنا يزيد بن هارون أما تريان هذه اللحية البيضاء تسألاني عن الذي كنت أدعو الناس إليه سبعين سنة! فقالا: نم نومة العروس لا يوقظها إلا من هو أحب إليها. ورجند قرية من أعمال همذان.من عجائبها أن من به علة البواسير والأطباء عجزوا عن معالجتها يمشي إلى ورجند يعالجه أهلها فيبرأ بأيام قلائل. قالوا: إن لأهلها في ذلك يداً باسطة من مشى إليها عالجوه وذلك برقية عندهم وحشيش يدخنونه بالحشيشة ويقرأون عليه الرقية فينتفع في أيام قلائل. وهو مشهور عندهم.مدينة عظيمة من مدن خراسان. ما كان بخراسان مدينة أجل ولا أعمر ولا أحصن ولا أكثر خيراً منها. بها بساتين كثيرة ومياه غزيرة. بناها الاسكندر ولما دخل بلاد الشرق ذاهباً إلى بلاد الصين أمر كل قوم ببناء سور يحصنهم عن الأعداء. وعلم أن أهل هراء قوم شماس عندهم قلة القبول فعين لهم مدينة بطولها وعرضها وسمك حيطانها وعدد أبوابها ليوفيهم أجورهم عند عوده. فلما رجع قال: ما أمرت على هذه الهيئة وأظهر الكراهية وما أعطاهم شيئاً. ومن عجيب ما ذكر أن هراة كانت في يد سلاطين الغور بني سام فجاءها خوارزمشاه محمد نزل عليها يحاصرها وكانت العجلة تمشي على سورها لفرط عرضه. فأمر خوارزمشاه بنصب المنجنيق عليها وأشار بمقرعته إلى برج من أبراجها فكما أشار إليه انهار ذلك البرج فاستخلصها من ذلك الموضع وعد ذلك من عجيب آثار دولته. ومن عجائبها أرحية مبنية على الريح تديرها الريح بنفسها كما يديرها الماء ويحمل منها إلى سائر البلدان كل ظريف سيما الأواني الصفرية المطعمة بالفضة وأنواع الدبابيج والحواصل ومن المأكول الزبيب والمشمش قال الأديب الزوزني: هراة أردت مقامي بها لشتّى فضائلها الوافره: ولم تزل هراة من أحسن بلاد الله حتى أتاها عين الزمان عند ورود التتر فخربوها حتى أدخلوها في خبر كان. وحكى من كان بها أن التتر لما نزلوا عليها راسلهم أحد أعيان المدينة أن يفتح لهم باباً من أبوابها على شرط أن يأمن هو وأهله فأجابوه إليه فلما فتح لهم دفعوا إليه رجلاً ليقف على باب داره ويمنع التتر من دخولها. وكان لصاحب الدار نسيب بعث إليه أن عجل إلى داري بأهلك فإنها مأمن. فقال النسيب: ان حالوا بيننا وبينكم فأرسل الرجل التتري إلينا ليحملنا إليكم. فأرسله إليهم فلما غاب عن باب داره نزل عليها قوم من التتر وقتلوا كلهم. فلما جاء الرجل التتري بالنسيب وجد القوم قتلوا عن آخرهم فتركهم ومر على وجهه وقتل النسيب أيضاً ولم ينج منهم أحد. وينسب إليها إبراهيم ستنبه من البراهمة الأربعة الذين يشفع بهم إلى الله تعالى وهم: إبراهيم بن أدهم بمكة وإبراهيم الخواص بالري وإبراهيم شيبان بقرميسين وإبراهيم ستنبه بقزوين. حكى إبراهيم بن دوحة قال: دخلت مع إبراهيم ستنبه بادية مكة وكان معي دينار ذهب فقال لي: اطرح ما معك فطرحته. ثم قال لي: اطرح ما معك فما كان معي إلا شسع نعل فطرحته. فما احتجت في الطريق إلى شسع إلا وجدته بين يدي فقال: هكذا من يعامل الله صدقاً! وحكى بعضهم قال: كنا عند مسجد أبي يزيد البسطامي فقال لنا: قوموا نستقبل ولياً من أولياء الله تعالى. فمشينا فإذا هو إبراهيم ستنبه الهروي فقال له أبو يزيد: وقع في خاطري أن أستقبلك وأشفع لك إلى ربي! فقال له إبراهيم: لو شفعت لجميع الخلق ما كان كثيراً فإنهم كلهم قطعة من طين. فتحير أبو يزيد من حسن جواب إبراهيم وقال: اللهم ارفع درجاتهم وانفعنا بمحبتهم ومحبة أمثالهم! همذان مدينة مشهورة من مدن الجبال. قيل: بناها همذان بن فلوج بن سام بن نوح عليه السلام. ذكر علماء الفرس أنها كانت أكبر مدينة بأرض الجبال وكانت أربعة فراسخ في مثلها فالآن لم تبق على تلك الهيئة لكنها مدينة عظيمة لها رقعة واسعة وهواء لطيف وماء عذب وتربة طيبة ولم تزل محل سرير الملوك ولا حد لرخصها وكثرة الأشجار والفواكه بها. أهلها أعذب الناس كلاماً وأحسنهم خلقاً وألطفهم طبعاً. ومن خصائصها ألا يكون الإنسان بها حزيناً ولو كان ذا مصائب. والغالب على أهلها اللهو والطرب لأن طالعها الثور وهو بيت الزهرة والغالب على أكثرهم البلاهة ولهذا قال قائلهم: وحكي أن دارا لما تأهب لمحاربة الإسكندر أحكم عمارة همذان وجعل في وسطها حصناً لحرمه وخزانته ووكل بها اثني عشر ألف رجل من ثقاته لحفظها متى قصدها قاصد وذهب إلى قتال الإسكندر. فلما قتل دارا في القتال بعث الإسكندر إلى همذان قائداً اسمه صقلاب في جيش كثيف فحاصرها فلما عجز عنها أخبر الإسكندر بحصانة الموضع وعجزه عنه فكتب إليه الإسكندر أن صور المدينة بجبالها ومياهها وعيونها وابعث بالصورة إلي وأقم هناك حتى يأتيك أمري. ففعل صقلاب ذلك فأرسلها الإسكندر إلى أستاذه أرسطاطاليس وقال له: دبر لي فتح هذه المدينة. فأمره أرسطاطاليس أن يحبس مياهها حتى يجتمع منها شيء كثير ثم يرسلها إلى المدينة. ففعل صقلاب ذلك كما قال فهدم سورها وحيطانها فدخلها صقلاب وسبى ونهب وبقيت المدينة تلاً وأما المدينة الموجودة في زماننا هذا فلا شك في أنها أحسن البلاد وأنزهها وأطيبها ولهذا لم تزل محل الملوك ولكل ملك من ملوك الجبال بها قصر يأتيه فصل الربيع والصيف. فإنها في هذين الفصلين تشبه الجنة في طيب هوائها وبرودة مائها وكثرة فواكهها وأنواع رياحينها قال محمد ابن بشار: ولقد أقول تيامني وتشامي وتواصلي ديماً على همذان فإذا تبجّست الثّلوج تبجّست عن كوثرٍ شبمٍ وعن حيوان فكسا الرّبيع بلادها من روضةٍ يفترّ عن نفلٍ وعن حوذان حتى تعانق من خزاماه الّذي بالجلهتين شقائق النّعمان بها ناحية ماوشان وهي كورة بقرب همذان. فراسخ في فراسخ يمشي إليها أهل همذان أوان الصيف وقت إدراك المشمش. وحكي أن أعرابياً أقام بهمذان سنين فسئل عن همذان فقال: أقمت بها سبعاً كانوا يقولون الصيف يجيء وما جاء وذلك لأن الأعرابي رأى صيف الحجاز وصيف همذان يكون مثل شتاء الحجاز. وحكى عبد القاهر بن حمزة الواسطي صفة همذان في الشتاء فقال: خص الله همذان في الشتاء من اللعن بأوفره ومن الطرد بأكثره فما أكدر هواءها وأشد بردها وأذاها وأكثر مؤونتها وأقل منفعتها! سلط الله تعالى عليها الزمهرير الذي أعده للكفار والعتاة من أهل النار. إذا هاجت الرياح العواصف وحدثت البروق والرعود القواصف وقعت الثلوج والدمق وعم الاضطراب والقلق وانقطعت السبل وعم طرقاتها الوحل فترى وجوه أهلهم متشققة وشعورهم من البرد متفتقة وأنوفهم سائلة وحواسهم زائلة وأطرافهم خضرة وروائحهم قذرة ولحاهم دخانية وألوانهم باذنجانية. وهم في شتائهم في الأليم من العذاب والوجيع من الحظ والعقاب. وأي عذاب أشد من مقاساة العدو الحاصر والكلب الكلب الحاضر قال أحمد بن بشار يصف همذان: لقد أتى همذان البرد فانطلق وارحل على شعب شملٍ غير متّفق أرضٌ يعذّب أهلوها ثمانيةً من الشّهور بأنواعٍ من الوهق فإن رضيت بثلث العمر فارض بها وقد تعدّ إذاً من أجهل الحمق إذا ذوى البقل هاجت في بلادهم من جربيائهم مشّاقة الورق فالبرد يرمي سهاماً ليس يمنعها من المروق بلبس الدّرع والدّرق حتّى تفاجئهم شهباء معضلةٌ تستوعب النّاس في سربالها اليقق أمّا الغنيّ فمحصورٌ يكابدها طول الشّتاء مع اليربوع في نفق والمملقون بها سبحان ربّهم ممّا يقاسون من بردٍ ومن أرق فكلّ غادٍ بها أو رائحٍ تعبٌ ممّا يكابد من بردٍ ومن دمق فالماء كالصخر والأنهار جامدةٌ والأرض عضّاضةٌ بالضرس في الطّرق فإذا انتقلت الشمس إلى برج الحمل وقد امتلأت دروبهم من الثلج حتى سد عليهم الطرق فيه من الثلج ويذهب به ويكون ذلك اليوم عيداً عظيماً عندهم يسمونه حمل بندان فصعدوا سطوحهم بالغناء والرقص في كل محلة واتخذوا من الثلوج شبه قلاع يرقصون عليها والماء يدخل عليهم ويرميهم وهم على تل الثلج فيقعون في وسط الماء والثلج فيدخل الماء درباً درباً حتى تنقى المدينة كلها من الثلج. ومن عجائبها أسد من صخر على باب المدينة عظيم جداً. حكى الكيا شيرويه أن سليمان بن داود عليه السلام اجتاز بموضع همذان قال: ما بال هذا الموضع مع كثرة مائه وسعة ساحته لا تبنى به مدينة قالوا: يا نبي الله إن ههنا لا يكون مقام الناس لأن البرد به شديد والثلج به يقع قدر قامة رمح. فقال عليه السلام لصخر الجني: هل من حيلة فقال: نعم يا نبي الله فاتخذ أسداً من صخر ونصبه طلسماً للبرد وبنى مدينة همذان. وقال غيره: إنه من علم بليناس صاحب الطلسمات حين طلبه قباذ ليطلسم بلاده وكان الفارس يغرق في الثلج بهمذان فلما عمل هذا الأسد قل ثلجها. وقالوا: عمل على يمين الأسد طلسماً للحيات فقلت وآخر للعقارب فنقصت وآخر للبراغيث فهي قليلة بها جداً قال ابن حاجب يذكر الأسد: ألا أيّها اللّيث الطّويل مقامه على نوب الأيّام والحدثان أراك على الأيّام تزداد جدّةً كأنّك منها آخذٌ بأمان أقبلك كان الدّهر أم كنت قبله فنعلم أم ربّيتما بلبان بقيت فما تفنى وآمنت عالماً سطا بهم موتٌ بكلّ مكان فلو كنت ذا نطقٍ جلست محدّثاً تحدّثنا عن أهل كلّ زمان ولو كنت ذا روحٍ تطالب مأكلاً لأفنيت أكلاً سائر الحيوان أحبّبت شرّ الموت أم أنت منظرٌ وإبليس حتى يبعث الثّقلان فلا هرماً تخشى ولا الموت تتّقي بمضرب سيفٍ أو شباة سنان وحكي انه لما كان سنة تسع عشرة وثلاثمائة عصى أهل همذان على مرداويج الديلمي وكان صاحب الجبال فدخل همذان ونهبها وسأل عن الأسد فقيل: انه طلسم لدفع الآفات عن المدينة. فأراد حمله إلى الري فلم يتمكن من ذلك فأمر بكسر ديه بالفطيس. قيل: إنما كسر يديه لأن الدواب كانت تنفر منه. وحكي أن المكتفي بالله نظر إليه فاستحسنه فأمر بنقله على عجلة تجرها الفيلة إلى بغداد فهم عامل البلد بذلك فاجتمع وجوه تلك البلاد وقالوا: هذا طلسم لبلدنا من آفات كثيرة. فكتب العامل بذلك إلى الخليفة وصعب عليه بعثه فعفا عنهم.وحكي أن في زماننا عدا رجل في وسط همذان ويقول: يا قوم ادركوا الأسد فإني رأيته يهرب. فخرج من المدينة خلق كثير فرأوا الأسد بحاله فيقول بعضهم: عدا من ثم إلى ههنا. وهذا دليل على بلاهة القوم. وينسب إليها أبو الفضل بديع الزمان. كان أديباً فاضلاً ظريفاً والمقامات التي جمعها دلت على غزارة فضله وفصاحة كلامه ولطافة طبعه. ولهذا قال أبو القاسم الحريري: إن البديع سباق غايات وصاحب آيات. وحكي أن صديقاً له كتب إليه يشكو ويقول: إن الزمان قد فسد! فأجابه البديع: أتزعم أن الزمان قد فسد ما تقول لي متى كان صالحاً: أفي الدولة العباسية وقد رأينا آخرها وقد سمعنا أولها أم في الأيام المروانية وفي أخبارها ما يكسع الشول بأغبارها أم في الأيام الحربية والسيف يغمد في الطلى والرمح يركز في الكلى أم في الأيام الهاشمية وعلي عليه السلام يقول: ليت لي بعشرة منكم واحداً من بني فراس بن غنم أم في أيام عثمان وقد قام النفير بالحجاز وشخصت العيون من الإعجاز أم في الخلافة العدوية وصاحبها يقول: بعد النزول إلى النزول أم في الخلافة التيمية وأبو بكر يقول: طوبى لمن مات في نأنأة الإسلام أم في عهد الرسالة وقد قيل فيه: اسكتي يا فلانة فقد ذهبت الأمانة أم في الجاهلية ولبيد يقول: أم قبل الجاهلية وأخو عاد يقول: بلادٌ بها كنّا وكنّا نحبّها إذ النّاس ناسٌ والبلاد بلاد أم قبل ذلك وقد روي عن أبينا آدم عليه السلام أنه قال: تغيّرت البلاد ومن عليها ووجه الأرض مغبرٌّ قبيح أم قبل خلق أبينا آدم وقد قالت الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيها فاعلم أن الزمان ما فسد لكن القياس قد اطرد. وقال البديع: همذان لي بلدٌ أقول بفضله لكنّه من أقبح البلدان! صبيانه في القبح مثل شيوخه وشيوخه في العقل كالصّبيان! توفي البديع سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة. وأنشد عبد الله بن محمد بن زنجويه لنفسه في بعض الصور المطلسمة وقد ذكرنا كل واحدة منها في موضعها بشرحها: أأرقت للبرق اللّموع. اللاّئح وحمائمٍ فوق الغصون صوادح بل قد ذهلت بليث غابٍ دائباً مذ كان عن همذان ليس بنازح موفٍ على صمّ الصّخور كأنّه يبغي الوثوب على الغزال السّائح شبديز إذ هو واقفٌ في طاقه يعلوه برويزٌ بحسنٍ واضح برويز عن شبديز ليس برائحٍ واللّيث عن همذان ليس بنازح وكذا بتدمر صورتان تناهتا في الحسن شبّهتا ببدرٍ لائح لا يسأمان عن القيام وطالما صبرا على صرف الزّمان الكالح وبأرض عادٍ فارسٌ يسقيهم بالعين عذباً كالفرات السّائح في الأشهر الحرم العظيمة حقّها يغنون عن شرب الزّعاق المالح فإذا انقضى الشّهر الحرام تطفّحت تلك الحياض بماء عين الدّافح وبأرض وادي الرّمل بين مهامهٍ يلقاك قبل الحتف نصح النّاصح طرفٌ هنالك باسطٌ بيمينه أن ليس بعدي مسلكٌ للسّائح خذها إليك مقالةً من صادقٍ فيها عجائب من صحيح قرائح يل ضيعة من ضياع قزوين على ثلاثة فراسخ منها. بها جبل يقال له يله بشم حدثني من صعد هذا الجبل قال: رأيت عليها صور حيوانات مسخها الله تعالى حجراً صلداً: منها راع متكيء على عصاه يرعى غنمه وامرأة تحلب بقرة ويغر ذلك من صور الإنسان والبهائم مسخ الله تعالى كلها حجراً وهذا شيء يعرفه جميع أهل قزوين. وبها عين تخرج من شعب جبل وماؤها غزير حار جداً يجتمع في حوض هناك يقصدها الزمنى والجربى وغيرهم من أصحاب العاهات ينفعهم نفعاً بيناً. وأهل تلك البلاد يسمونها يله كرماب. يمكان مدينة حصينة في وسط الجبال بقرب بذخشان لا قدرة لأحد عليها قهرت الصعوبة مسلكها. بها معادن الفضة والبلخش الذي يشبه اللعل حكى الأمير حسام الدين أبو المؤيد بن النعمان أن الحكيم الناصر خسرو تحصن بها وكان ملكاً لبلخ فخرج عليه أهل بلخ فانتقل إلى يمكان لحصانتها واتخذ بها عمارات عجيبة من القصور والبساتين والحمامات. وذكر انه نزل في بعض تلك القصور فرأى في إيوان عظيم صوراً وتماثيل تتحرك فمنعه أهل القصر أن ينظر إليها. وذكروا أن من ينظر إليها يصاب في عقله أو بدنه. وقال: كان صغار مماليك ينظرون إليها يخبرون بأشياء تأباها العقول! وقال: رأيت خلف ذلك القصر بستاناً كنت طول الليل أسمع منه أصواتاً عجيبة لا تشبه أصوات الحيوانات المعهودة منها ما كان طيباً ومنها ما كان كريهاً. وحكي أن بها حماماً من عجائب الدنيا من بناء ناصر خسرو لا يدرى كيف بناؤه ولا يصدق السامع وصفها حتى يراها. وهي باقية في زماننا وصفتها أن من دخل مسلخها رأى بيتاً مربعاً منقشاً بصور حيوانات لا يرى باب الحمام لكن يرى على حيطانها أربعاً وعشرين حلقة مغلقة فيسأل الحمامي عن باب الحمام فيقول: أي حلقة جذبتها ينفتح لك باب الحمام. فيجذب إحداها فينفتح باب وتنكسر صورة الحيوان التي على الباب لأن بعضها على الباب وبعضها على الجدار فلهذا لا يعرف الغريب باب الحمام فإذا دخل من باب من تلك الأبواب أيها كان ينتهي إلى قبة على مثال المسلخ إلا أن حلقها سبع عشرة فأي حلقة يجذب يفتح له باب فإذا دخله يفضي به إلى قبة أخرى على مثال ما قبلها إلا أن حلقها اثنتا عشرة فأي حلقة منها يجذب يفضي إلى قبة على مثال ما تقدم إلا أن فيها تسع حلق فأي حلقة منها يجذب يفضي إلى قبة إلى مثال ما قبلها إلا أن حلقها سبع حلق وهي القبة الأخيرة أحد أبوابها يفضي إلى الحمام وذلك يعرفه الحمامي: فإن فتح غيره يرى نفسه في المسلخ وهو البيت الأول المربع.وذكر الأمير أبو المؤيد أنه شاهد هذا الحمام مراراً على هذه الهيئة وأنه أشهر شيء بخراسان وهو باق إلى زماننا. وإنما صار أمر هذا الحمام مشهوراً بخراسان لأنه عام لا يمنع ان يدخله أحد ويستحم به فيدخله كل أحد للاستحمام ومشاهدة العجب ولا يؤخذ ممن دخله أجرة الحمام. وله آلات من السطول والطامات والمآزر والطين والأمشاط والمناشف وجميع ما يحتاج إليه المستحم. فإذا استحم وخرج يؤتى له بجلاب ومأكول على قدره ولا يقبلون من المستحم شيئاً وإن أصر على ذلك بل له أوقاف كثيرة وانها بيد أحفاد الناصر خسرو. ومن عجائبها أمر آخر وهو أن ثلاثين بيتاً منها يضيء بجام واحد ولا يمكنون أحداً أن يرى سطحها البتة ولا يهتدي أحد إلى كيفية بنائها إلا من عرف ذلك بحقيقة. والله المستعان وعليه التكلان. |
إذا ما هجاني ناقص لا أجيبه= فإني إذا جاوبته فلي الذنب أنزه نفسي عن مساواة سفلة= ومن ذا يعض الكلب إن عضه الكلب
|
|
|
#23 |
|
محمد العريفي
المؤسس المشرف العام لملتقى القبائل العربية ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
الاقليم الخامس أوله حيث يكون الظل نصف النهار إذا استوى الليل والنهار خمسة أقدام وثلاثة أخماس قدم وسدس خمس قدم وآخره حيث يكون الظل نصف النهار شرقاً أو غرباً ستة أقدام ونصف عشر وسد عشر قدم. ويبتديء من أرض الترك المشرقين ويمر على أجناس الترك المعروفين إلى كاشغر وفرغانة وسمرقند وخوارزم وبحر الخزر إلى باب الأبواب وبرذعة وإلى ميافارقين وارمينية وبلاد الروم. وأطول نهار هؤلاء في أول الإقليم أربع عشرة ساعة ونصف وربع وفي أوسطه خمس عشرة ساعة وفي آخره خمس عشرة ساعة وربع. وطول وسطه من المشرق إلى المغرب سبعة آلاف ميل وستمائة وسبعون ميلاً وبضع عشرة دقيقة وعرضه مائتان وأربعة وخمسون ميلاً وثلاثون دقيقة ومساحتها مكسر ألف ألف وثمانية وأربعون ألفاً وخمسمائة وأربعة وثمانون ميلاً واثنتا عشرة دقيقة ولنذكر أحوال بعض المدن الواقعة فيه مرتبة على حروف المعجم: آمد مدينة حصينة مبنية بالحجارة من بلاد الجزيرة على نشز من الأرض ودجلة محيطة بها من جوانبها إلا من جهة واحدة على شكل الهلال. وفي وسطها عيون وآبار عمقها ذراعان. وإنها كثيرة الأشجار والبساتين والثمار والزروع. من عجائبها ما ذكره ابن الفقيه أن بأرض آمد جبلاً من بعض شعابه صدع فيه سيف من أدخل يده في ذلك الصدع وقبض على قائم ذلك السيف اضطرب السيف في يده وارتعد هو وان كان من أشد الناس. وذكر أن هذا السيف يجذب الحديد أكثر من جذب المغناطيس فإذا حك به سيف أو سكين جذبه وحجارة ذلك الصدع ما يجذب هذا ما ذكره ابن الفقيه ولست أعرف انه باق إلى الآن أم لا. ومن العجب أن في سنة سبع وعشرين وستمائة انهزم جلال الدين خوارزمشاه عن التتر فانتهى إلى آمد فجاءه من أخبره بأن التتر خلفك قريب منك. فقال: إن هذا المخبر من عند صاحب آمد يريد إبعادنا من أرضه. فما أصبح إلا والتتر محيط بهم فانصبوا إلى آمد هاربين من التتر فقتلهم أهل آمد من السور وفي تلك الواقعة قتل جلال الدين خوارزمشاه. فلما رجع التتر جاء الملك الكامل بعساكره وحاصرها وأخذها من صاحبها وزال ملك صاحبها بشؤم ما عمل بالهاربين من التتر اللائذين به.موضع ببلاد الروم يزار من الآفاق قال الهروي: بلغني أمره فقصدته فوجدته في لحف جبل يدخل إليه من باب ويمشي الداخل تحت الأرض إلى أن ينتهي إلى موضع مكشوف واسع تبين فيه السماء من فوقه وفي وسطه بحيرة حولها بيوت الفلاحين ومزروعهم خارج الموضع. وهناك مسجد وبيعة فإن جاءهم مسلم يمشي إلى المسجد وإن جاءهم نصراني يمشي إلى البيعة. والزوار يأتون إلى هذا الموضع كثيراً ويدخلون إلى بهو فيه جماعة مقتولون فيهم آثار طعن الأسنة وضرب السيوف ومنهم من فقدت بعض أعضائه وعليهم ثياب من القطن لم تتغير! وهناك أيضاً امرأة على صدرها طفل حلمة ثديها في فيه وخمسة أنفس قيام ظهورهم على حائط الموضع وهناك أيضاً موضع عال عليه سرير وعلى السرير اثنا عشر رجلاً فيهم صبي مخضوب اليدين والرجلين بالحناء فالروم يزعمون أنهم منهم والمسلمون يقولون انهم من الغزاة استشهدوا في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه. أران ناحية بين آذربيجان وأرمينية وبلاد ابخاز. بها مدن كثيرة وقرى. قصبتها جنزة وشروان وبيلقان. بها نهر الكر وهو نهر بين أرمينية وأران يبدأ من بلاد خزران ثم يمر ببلاد الأبخاز من ناحية اللان فيمر بمدينة تفليس يشقها ثم بجنزة وشمكور ويجري على باب برذعة ثم يختلط بالرس والرس أصغر منه وينصب في بحر الخزر على ثلاثة فراسخ من برذعة موضع الشورماهيج الذي يحمل إلى الآفاق مملحاً. وهو نوع من السمك طيب مختص بذلك الموضع. وزعموا أن الكر نهر سليم أكثر ما يقع فيه من الحيوان يسلم. ومن ذلك ما حكى بعض فقهاء نقجوان قال: وجدنا غريقاً من الكر يجري به الماء فبادر القوم إلى إمساكه فأدركوه وقد بقي فيه رمق فحملوه إلى اليبس فاستقر نفسه وسكن جاشه. قال لنا: أي موضع هذا قالوا: نقجوان. قال: إني وقعت في الماء في موضع كذا وكان بينه وبين نقجوان مسيرة خمسة أيام أو ستة وطلب طعاماً فذهبوا لإحضار الطعام فانقض عليه الجدار الذي كان قاعداً تحته فتعجب القوم من مسامحة النهر وتعدي الجدار! أرزنجان بلدة من بلاد أرمينية آهلة طيبة كثيرة الخيرات أهلها مسلمون ونصارى. وبها جبل فيه غار ينزل الماء من سقفه ويصير ذلك الماء حجراً صلداً. أرزن الروم مدينة مشهورة من مدن ارمينية بقرب خلاط قديمة البناء. بينها وبين خلاط موضع يسمى ياسي جمن به عين يفور الماء منها فوراناً شديداً يسمع صوته من بعيد فإذا دنا الحيوان منها يموت في الحال. وحولها من الحيوانات الموتى ما شاء الله وقد وكلوا بها من يمنع الغريب من الدنو منها. بها عين الفرات وهي عين مباركة مشهورة. زعموا أن من اغتسل بمائها في الربيع يأمن من أمراض تلك السنة. ارطانة من قرى بلنسية. بها عين ارطانة وهي عين ينبع ماؤها من غار على فمه حوض يظهر في ذلك الحوض أنه يكثر تارة ويقل أخرى كالمد والجزر وذلك يرى في كل يوم مراراً. أرمية بلدة كبيرة من بلاد آذربيجان كثيرة الخيرات وافرة الغلات. بقربها بحيرة تعرف ببحيرة أرمية وإنها كريهة الرائحة لا نبات عليها ولا سمك فيها. استدارتها خمسون فرسخاً مادتها من أودية من جبال تلك البلاد وفي وسط البحيرة جزيرة وعلى تلك الجزيرة قلعة حصينة وحواليها قرى ورساتيق ومزارع. وفي أكثر الأوقات كان صاحب تلك القلعة عاصياً على ولاة آذربيجان إذ لا سبيل إليها قهراً. ويخرج من هذه البحيرة ملح بحلو شبه التوتيا وعلى ساحلها مما يلي الشرق عيون ينبع ماؤها ويستحجر إذا أصابها الهواء وفيها حيوان يقال له كلب الماء. وينسب إليها الشيخ أبو أحمد الملقب بتاج الدين الأرموي كان عديم المثل في زمانه بالأصول والفقه والحكمة والأدب ذا عبارة فصيحة وتقرير حسن وطبع لطيف وكلام ظريف كان الاجتماع به سبباً للذات النفس من كثرة حكاياته الطيبة والأمثال اللطيفة والتشبيهات الغريبة والمبالغات العجيبة وكثيراً ما كان يقول: ان دفع التتر عن هذه البلاد لكثرة صدقات الخليفة المستنصر بالله فإن الصدقة تدفع البلاء ولولا ذلك لكان من دفع العساكر الخوارزمشاهية كيف يقف له عسكر العراق وكان الأمر كما قال. فلما مضى المستنصر وقلت الصدقة جاؤوا وظفروا. وحكي أن الشيخ دخل يوماً على ابن الوزير القمي وكان ابن الوزير دقيق النظر كثير المآخذ قال للشيخ: أراك تقتني المماليك المرد وليس هذا طريقة المشايخ! قال الشيخ: لا. قعودي بين يديك من طريقة المشايخ وإنما هذا لذلك لولا ميلي إلى شيء من زينة الدنيا ما قعدت بين يديك.ناحية بين آذربيجان والروم ذات مدن وقلاع وقرى كثيرة. أكثر أهلها نصارى. بها عجائب كثيرة ذكر أكثرها عند مدنها وقراها. والذي نزيده ههنا: بها جبل الحارث والحويرث لا يقدر أحد على ارتقائهما قالوا: إنهما مقبرة ملوك أرمينية ومعهم أموالهم وذخائرهم. بليناس الحكيم طلسمها لئلا يظفر بها أحد. وحكى ابن الفقيه انه كان على نهر الرس بأرمينية ألف مدينة فعث الله تعالى إليهم نبياً اسمه موسى وليس بموسى بن عمران فدعاهم إلى الله تعالى فكذبوه وعصوا أمره فدعا عليهم فحول الله تعالى الحارث والحويرث من الطائف وأرسلهما عليهم فيقال إن أهل الرس تحت هذين الجبلين. وبها البحيرة قال مسعر بن مهلهل: هذه البحيرة منتنة قليلة المنافع عليها قلاع حصينة وجانب من هذه البحيرة يأخذ إلى موضع يقال له وادي الكرد. فيه طرائف من الأحجار وعليه مما يلي سيماس جمة يقال لها عين زراوند وهي جمة شريفة جليلة القدر كثيرة المنفعة وذلك لأن الإنسان أو الدابة إذا ألقي فيها وبه كلوم وقروح يندمل ويلتحم وإن كان فيها عظام موهنة مرضضة كامنة وشظايا غامضة تتفجر أفواهها وينقيها عن كل وسخ ويلحمها. قال مسعر ابن مهلهل: عهدي بمن توليت حمله إليها وبه علل من جرب وسلع وقولنج وحزاز وضربان في الساقين واسترخاء في العصب وفيه سهم قد نبت اللحم على نصله كنا نتوقع موته ساعة فساعة فأقام بها ثلاثاً فخرج النصل من خاصرته وعوفي من بقية العلل. قال: ومن شرف هذه الجمة أن الإنسان إذا شرب منها أمن الخوانيق وأسهل السوداء من غير مشقة. وحكى صاحب تحفة الغرائب أن بأرض أرمينية بيت نار له سطح من الصاروج وميزاب من النحاس وتحت الميزاب حوض كبير من الرخام وفي البيت مجاورون كلما قل المطر بتلك الناحية أوقدوا نارهم وغسلوا سطح البيت بماء نجس حتى ينصب من الميزاب إلى الحوض ثم يرشون البيت بذلك الماء النجس فعند ذلك تستر السماء بالغمام وتمطر حتى يغسل السطح والميزاب والحوض ويمتليء من الماء الطاهر. الأشبونة مدينة بالأندلس بقرب باجة طيبة. بها أنواع الثمرات وضروب صيد البر والبحر. وهي على ضفة البحر تضرب أمواج البحر حائط سورها قال أحمد ابن عمر العذري وهو صاحب الممالك والمسالك الأندلسية: على أحد أبواب الأشبونة المعروف بباب الجمة جمة قريبة من البحر يجري بماء حار وماء بارد فإذا فار البحر واراها. وقال أيضاً: بقرب الأشبونة غار عظيم تدخل أمواج البحر فيه وعلى فم الغار جبل عال فإذا ترادفت أمواج البحر في الغار ترى الجبل يتحرك بتحرك الموج فمن نظر إليه رآه مرة يرتفع ومرة ينخفض. وبقربها جبل يوجد فيه حجر البرادي وهو حجر يضيء بالليل كالمصباح. قال: أخبر من صعد هذا الجبل ليلاً قال كان هذا الحجر فيه يضيء كالمصباح. قال: وهذا الجبل معدن الجزع. اشبيلية مدينة بالأندلس بقرب لبة كبيرة. تباينت بلاد الأندلس بكل فضيلة وامتازت عنها بكل مزية من طيب الهواء وعذوبة الماء وصحة التربة والزرع والضرع وكثرة الثمرات من كل نوع وصيد البر والبحر بها زيتون أخضر يبقى مدة لا يتغير به حال ولا يعروه اختلال وقد أخذ في الأرض طولاً وعرضاً فراسخ في فراسخ ويبقى زيته بعذوبته أعواماً. وكذلك بها عسل كثير جداً وتين يابس. ينسب إليها الشيخ الفاضل محمد بن العربي الملقب بمحيي الدين. رأيته بدمشق سنة ثلاثين وستمائة. وكان شيخاً فاضلاً أديباً حكيماً شاعراً عارفاً زاهداً. سمعت أنه يكتب كراريس فيها أشياء عجيبة. سمعت أنه كتب كتاباً في خواص قوارع القرآن.ومن حكاياته العجيبة ما حكى انه كان بمدينة اشبيلية نخلة في بعض طرقاتها فمالت إلى نحو الطريق حتى سدت الطريق على المارين فتحدث الناس في قطعها حتى عزموا أن يقطعوها من الغد قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة في نومي عند النخلة وهي تشكو إليه وتقول: يا رسول الله ان القوم يريدون قطعي لأني منعتهم المرور! فمسح رسول الله عليه السلام بيده المباركة النخلة فاستقامت فلما أصبحت ذهبت إلى النخلة فوجدتها مستقيمة فذكرت أمرها للناس فتعجبوا منها واتخذوها مزاراً متبركاً به! أفرنجة بلدة عظيمة ومملكة عريضة في بلاد النصارى بردها شديد جداً وهواؤها غليظ لفرط البرد. وإنها كثيرة الخيرات والفواكه والغلات غزيرة الأنهار كثيرة الثمار ذات زرع وضرع وشجر وعسل صيودها كثيرة الانواع. بها معادن الفضة وتضرب بها سيوف قطاعة جداً وسيوف افرنجة أمضى من سيوف الهند. وأهلها نصارى. ولهم ملك ذو بأس وعدد كثير وقوة ملك له مدينتان أو ثلاث على ساحل البحر من هذا الجانب في وسط بلاد الإسلام وهو يحميها من ذلك الجانب كلما بعث المسلمون إليها من يفتحها يبعث هو من ذلك الجانب من يحميها. وعساكره ذوو بأس شديد لا يرون الفرار أصلاً عند اللقاء ويرون الموت دون ذلك. لا ترى أقذر منهم وهم أهل غدر ودناءة أخلاق لا يتنظفون ولا يغتسلون في العام إلا مرة أو مرتين بالماء البارد ولا يغسلون ثيابهم منذ لبسوها إلى أن تتقطع. ويحلقون لحاهم وإنما تنبت بعد الحلق خشنة مستكرهة. سئل واحد عن حلق اللحى فقال: الشعر فضلة أنتم تزيلونها عن سوءاتكم فكيف نتركها نحن على وجوهنا أفسوس مدينة مشهورة بأرض الروم وهي مدينة دقيانوس الجبار الذي هرب منه أصحاب الكهف وبين الكهف والمدينة مقدار فرسخين والكهف مستقبل بنات نعش لا تدخله الشمس فيه رجال موتى لم يتغيروا وعددهم سبعة: ستة منهم نيام على ظهورهم وواحد منهم في آخر الكهف مضطجع على يمينه وظهره إلى جدار الكهف وعند أرجلهم كلب ميت لم يسقط من أعضائه شيء وهو باسط ذراعيه بالوصيد كافتراش السباع وعلى الكهف مسجد يستجاب فيه الدعاء يقصده الناس وأهل المدينة يرون بالليل على الكهف نوراً عظيماً ويعرفون أن ذلك وكان من بداية أمرهم ما حكى وهب بن منبه أن سليمان بن داود عليه السلام لما قبض ارتد ملك الروم إلى عبادة الأصنام ودقيانوس أحد قواده رجع أيضاً معه ومن خالفه عذبه بالقتل والحرق والصلب. فاتفق أن بعض الفتيان من أولاد البطارقة خرجوا ذات يوم لينظروا إلى المعذبين من الموحدين فقدر الله هدايتهم وفتح أبصارهم فكانوا يرون الرجل الموحد إذا قتل هبطت إليه الملائكة من السماء وعرجوا بروحه فآمنوا ومكثوا على ذلك حتى ظهر أمر إسلامهم. فأرسل الملك إلى آبائهم وعتب عليهم بسبب إسلام أولادهم فقالوا: أيها الملك نحن تبرأنا منهم شأنك وشأنهم! فأحضرهم الملك وقال لهم: لكم المهل ثلاثة أيام وإني شاخص في هذه الأيام من البلد فإن وجدتكم في اليوم الرابع عند رجوعي مخالفين لطاعتي عذبتكم عذاب من خالفني فلما كان اليوم الثالث اجتمع الفتية وقالوا: إنما يومنا هذا هو وليلته وعزموا على الهرب في تلك الليلة فلما جنهم الليل حمل كل واحد شيئاً من مال أبيه وخرجوا من المدينة يمشون فمروا براعي غنم لبعض آبائهم فعرفهم فقال: ما شأنكم يا سادتي فأظهروا أمرهم للراعي ودعوه إلى التوحيد فأجابهم فأخذوه معهم. وتبع الراعي كلبه فساروا ليلتهم وأصبحوا على باب كهف دخلوا فيه وقالوا للراعي: خذ شيئاً من الورق وانطلق إلى المدينة واشتر لنا طعاماً فإن القوم لا علم لهم بخروجك معنا. فأخذ الدراهم ومضى نحو المدينة وتبعه كلبه وكان على باب المدينة صنم لا يدخل أحد المدينة إلا بدأ بالسجود لذلك الصنم قبل دخوله فبقي الراعي متفكراً في السجود للصنم فألهم الله الكلب ان عدا بين يديه حتى دخل المدينة وجعل الراعي يعدو خلفه ويقول: خذوه خذوه! حتى جاوز الصنم ولم يسجد. فلما انتهى إلى السوق واشترى بعض حوائجه سمع قائلاً يقول: ان راعي فلان أيضاً تبعهم. فلما سمع ذلك فزع وترك استتمام ما أراد شراءه وخرج من المدينة مبادراً حتى وافى أصحابه فأخبرهم بما كان من أمره. فأكلوا طعامهم وأخذوا مضاجعهم فضرب الله على آذانهم. فلما رجع الملك أخبروه بهربهم فخرج يقفو آثارهم حتى انتهى إلى باب الكهف ووقف على أمرهم فقال: يكفيهم من العذاب أن ماتوا جوعاً! فأهلك الله دقيانوس وأنزل على باب الكهف صخرة وبعث إلى أهل ذلك العصر ثلاثة عشر نبياً فدعوا الناس إلى التوحيد فأجابهم إلى ذلك خلق كثير وكان الملك الذي أحيا الله الفتية في أيامه موحداً. فلما كانت السنة التي أراد الله فيها احياء الفتية انطلق رجل من أهل المدينة وأقام بذلك المكان يرعى غنمه فأراد أن يتخذ لغنمه حظيرة فأمر أعوانه بتنحية الصخرة التي كانت على باب الكهف فعند ذلك قام الفتية كمن يبيت ليلة صافية الألوان نقية الثياب ورأوا كلبهم باسطاً ذراعيه بالوصيد وكان ذلك بعد ثلاثمائة سنة بحساب الروم وزيادة تسع بحساب العرب لأن حساب الروم شمسية وحساب العرب قمرية يتفاوت في كل مائة سنة ثلاث سنين. وكان انتباههم آخر النهار ودخولهم أول النهار فقال بعضهم لبعض: كم لبثتم قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم! لأنهم رأوا الشمس غير غاربة فقالوا بعض يوم فلما نظروا إلى طول شعورهم وأظافيرهم قالوا: ربكم اعلم بما لبثتم. فقالوا للراعي: إنك أتيت البارحة بطعام قليل لم يكفنا فخذ شيئاً من هذا الورق وانطلق إلى المدينة واشتر لنا طعاماً! فانطلق خائفاً حتى أتى باب المدينة وقد أزيل عنه الصنم ثم دخل المدينة وجعل يتصفح وجوه الناس فما كان يعرف أحداً. فانتهى إلى سوق الطعام ودفع إليه الورق فرده عليه وقال: هذا عتيق لا يروح اليوم! فناوله ما كان معه وقال: خذ حاجتك منها. فلما رأى صاحب الطعام ذلك همس إلى جاره وقال: احسب ان هذا قد وجد كنزاً! فلما رآهما يتهامسان ظن أنهما عرفاه فترك الدراهم وولى هارباً فصاح به الناس أن خذوه فإنه وجد كنزاً فأخذوه وانطلقوا به إلى الملك فأخبروا الملك بأمره والدراهم فتركه الملك حتى سكنت روعته ثم قال: ما شأنك يا فتى أخبرني بأمرك ولا بأس عليك! فقال الفتى: ما اسم هذه المدينة قالوا: افسوس. قال: وما فعل دقيانوس قالوا: أهلكه الله منذ ثلاثمائة سنة! فأخبرهم بقصته وقصة أصحابه. فقال الملك: أرى في عقل هذا الرجل نقصاناً قال الراعي: إن أردت تحقيق ما أقول انطلق معي إلى أصحابي لتراهم في الكهف! فركب الملك وعامة أهل المدينة فقال الراعي: إن أصحابي إذا سمعوا جلبة الناس خافوا فأذن لي أيها الملك حتى أتقدم وأبشرهم. فأذن له فتقدم حتى انتهى إلى باب الكهف فدخل عليهم وأخبرهم بهلاك دقيانوس وظهور الإسلام وأن القوم في ولاية ملك صالح وها هو قد أقبل إليكم ومعه عامة أهل المدينة. فلما سمعوا ذلك كبروا وحمدوا الله ووافاهم الملك وأهل المدينة. والملك سلم عليهم وسألهم عن حالهم وعانقهم. وعامة الناس سلموا عليهم فبادروا بذكر قصتهم حتى إذا فرغوا من ذلك خروا موتى. فبنوا على الكهف مسجداً واتخذوا ذلك اليوم عيداً وانهم على حالهم إلى زماننا هذا. أفلوغونيا مدينة كبيرة من نواحي أرمينية أهلها نصارى. من خواصها إسراع الجذام إلى أهلها لأن أكثر أكلهم الكرنب والغدد فيهم طبع وفيهم خدمة للضيف وقرى وحسن الطاعة لرهبانهم والرهابين يلعبون بعقولهم حكي انه إذا مرض أحدهم أحضر الراهب ودفع مالاً إليه ليستغفر له ويحضر القس وانه يبسط كساء ويعترف المريض بذنب ذنب مما عمله والقس قاعد يضم كفيه كلما فرغ المذنب ينفض كفيه في الكساء إلى أن فرغ من تمام ذنوبه. وبعد فراغه يضم القس أطراف الكساء ويخرج بها وينفض في الصحراء فيظنون أن الذنوب قد انمحت بالصدقة ودعاء القس. وحكي أن فيهم من إذا تزوج ببكر يريد أن يفترعها الراهب لتكون مباركة على زوجها ببركة الراهب. إلبيرة مدينة بالأندلس بقرب قرطبة من أكرم المدن وأطيبها شديدة الشبه بغوطة دمشق في غزارة الأنهار والتفاف الأشجار وكثرة الثمار. في ساحلها شجر الموز ويحسن بها نبت قصب السكر وبها معادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والصفر ومعدن التوتيا ومقطع الرخام وتحمل هذه الأشياء منها إلى سائر بلاد الأندلس. وحكى أحمد بن عمر العذري: من أعمال البيرة موضع يسمى لوشة فيه غار يصعد إليه أربعة أذرع ثم ينزل في غار نحو قامتين يرى أربعة رجال موتى لا يعرف الناس حالهم ألفوهم كذلك قديماً والملوك يتبركون بهم ويبعثون إليهم الأكفان ولا ريب أنهم من الصلحاء لأن بقاءهم على حالهم مدة طويلة بخلاف سائر الموتى لا يكون إلا لأمر قال العذري: حدثني من دخل عليهم وكشف عن وجه أحدهم فرأى دراعة على وجهه وقال: نقرت بإصبعي على بطنه فصوت كالجلد اليابس. ألش مدينة بالأندلس بقرب تدمير من خواصها أن النخل لا ينجح بجميع بلاد الأندلس إلا بها. ويوجد بها زبيب ليس في جميع البلاد مثله يحمل منها إلى سائر بلاد الأندلس. وبها صناع البسط الفاخرة وليس مثلهم في شيء من بلاد الأندلس. الأندلس جزيرة كبيرة بالمغرب فيها عامر وغامر. طولها دون الشهر في عرض نيف وعشرين مرحلة ودورها أكثر من ثلاثة أشهر. ليس فيها ما يتصل بالبر إلا مسيرة يومين والحاجز بين بلاد الأندلس وافرنجة جبل.قال أحمد بن عمر العذري صاحب المسالك والممالك الأندلسية: إن الأندلس وقعت متوسطة بين الأرض كما هي متوسطة بين الأقاليم فبعضها في الإقليم الرابع وبعضها في الإقليم الخامس. وبها مدن كثيرة وقرى وأنهار وأشجار وبها الرخص والسعة. وبها معادن الذهب والفضة والرصاص والحديد في كل ناحية ومعدن الزئبق والكبريت الأحمر والأصفر والزنجفر الجيد والتوتيا والشبوب على أجناسها والكحل المشبه بالأصفهاني. وبها من الأحجار الياقوت والبلور والجزع واللازورد والمغناطيس والشادنج والحجر الذي يقطع الدم والحجر اليهودي والمرقشيثا وحجر الطلق. وبها أصناف الرياحين حتى سنبل الطيب والقسط والاشقاقل وبها الانبرباريس والعود. حكى العذري أن بعض الولاة ولى ناحية بشرة فشم رائحة العود فوجدوا من دار رجل ضعيف ووجدوا عنده عوداً كثيراً يتقد به فرأوه فإذا هو ذكي من عود الهند فسئل عن موضع احتطابه فحملهم إلى جبل من جبال وفر فحفروا وأخرجوا بقيته واشتهر بين الناس. وأهل الأندلس زهاد وعباد والغالب عليهم علم الحديث ويقع في بلاد الأندلس من الخدم والجواري المثمنات على غير صناعة بل على حسنهم بألف دينار. ولأهلها إتقان في جميع ما يصنعونه إلا أن الغالب عليهم سوء الخلق.ومن عجائب الدنيا أمران: أحدهما المملكة الإسلامية بالأندلس مع إحاطة الفرنج من جميع الجوانب والبحر بينهما وبين المدد من المسلمين والآخر المملكة النصرانية بساحل الشام مع إحاطة المسلمين من جميع الجوانب والبحر بينهما وبين المدد من الإفرنج. قال العذري في وصف الأندلس: إنها شامية في طيبها وهوائها يمانية في اعتدالها واستوائها هندية في أفاويهها وذكائها اهوازية في عظم اجتنائها صنفية في جواهرها عدنية في سواحلها. بها آثار عجيبة وخواص غريبة تذكر في مواضعها. وبها البحر الأسود الذي يقال له بحر الظلمات محيط بغربي الأندلس وشماليه وفي آخر الأندلس مجمع البحرين الذي ذكره الله في القرآن. وعرض مجمع البحرين ثلاثة فراسخ وطوله خمسة وعشرون فرسخاً وفيه يظهر المد والجزر في كل يوم وليلة مدان وجزران وذلك ان البحر الأسود عند طلوع الشمس يعلو ويفيض في مجمع البحرين ويدخل في بحر الروم وهو قبلى الأندلس وشرقيها ولونها أخضر ولون البحر أسود كالحبر. وإذا أخذته في الإناء لا ترى فيه السواد فلا يزال البحر الأسود يصب في البحر الأخضر إلى الزوال فإذا زالت الشمس عاد الأمر معكوساً فيصب البحر الأخضر في البحر الأسود إلى مغيب الشمس ثم يعلو البحر الأسود ويفيض في البحر الأخضر إلى نصف الليل ثم ينعكس الأمر فيعلو البحر الأخضر ويصب في البحر الأسود إلى طلوع الشمس وهكذا على التواتر ذلك تقدير العزيز العليم وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: ملك على قاموس البحر إذا وضع رجله فيه فاض وإذا رفعها غاض. وبها جبل فيه غار لا يرى أحد فيه النار وإذا أخذت فتيلة مدهونة وشدت على رأس خشبة طويلة وأدخلت الغار اشتعلت الفتيلة وتخرج مشتعلة. وبها جبل بقرب الجبل الذي سبق ذكره ترى على قلته النار مشتعلة بالليل وبالنهار يصعد منه دخان عظيم. وبها جبل عليه عينان بينهما مقدار شبرين ينبع من إحداهما ماء حار ومن الأخرى ماء بارد. ذكرهما صاحب تحفة الغرائب وقال: أما الحارث فلو رميت فيه اللحم ينطبخ وأما البارد فيصعب شربه لغاية برودته. وبها جبل شلير لا يفارقه الثلج صيفاً ولا شتاء وهو يرى من اكثر بلاد الأندلس لارتفاعه وشموخه وفيه أصناف الفواكه من التفاح والعنب والتوت والجوز والبندق وغير ذلك والبرد به شديد جداً قال بعض المغاربة وقد اجتاز بشلير فوجد ألم البرد: يحلّ لنا ترك الصّلاة بأرضكم وشرب الحميّا وهي شيءٌ محرّم إذا هبّت الرّيح الشّمال بأرضكم فطوبى لعبدٍ في اللّظى يتنعّم أقول ولا ألحى على ما أقوله كما قال قبلي شاعرٌ متقدّم: فإن كنت يوماً في جهنّم مدخلي ففي مثل ذاك اليوم طاب جهنّم! وبها جبل الكحل. إنه بقرب مدينة بسطة قالوا: إذا كان أول الشهر أخذ الكحل يخرج من نفس الجبل وهو كحل أسود لا يزال كذلك إلى نصف الشهر فإذا زاد على النصف نقص الكحل ولا يزال الذي خرج يرجع إلى تمام الشهر. وبها نهر ابره قال أحمد بن عمر العذري صاحب المسالك والممالك الأندلسية: مخرج هذا النهر من عين يقال لها فونت ايبرهي ومصبه في البحر الشامي بناحية طرطوشة وامتداده مائتا ميل وعشرة أميال يوجد فيه صنف من السمك عجيب يقال له الترحته لا يوجد في غيره البنة وهو سمك أبيض ليس له إلا شوكة واحدة كل ذلك عن العذري صاحب الممالك والمسالك الأندلسية. وبها نهر أنه. مخرجه من موضع يعرف بفج العروس ثم يغيض بحيث لا يبقى له أثر على وجه الأرض ويحرج بقرية من قرى قلعة رباح يقال لها أنه ثم يغيض ويجري تحت الأرض ثم يبدو هكذا مراراً في مواضع شتى إلى أن يغيض بين ماردة وبطليوس ثم يبدو وينصب في البحر أنقرة مدينة مشهورة بأرض الروم تقول العجم انكورية غزاها الرشيد وفتحها قال بسيل الترجمان: كنت مع الرشيد لما فتحها. رأيت على باب الحصن كتابة باليونانية فجعلت أنقلها والرشيد ينظر إلي فإذا هي: بسم الله الرحمن الرحيم الملك الحق المبين. يا ابن آدم غافص الفرصة عند إمكانها وكل الأمور إلى واليها ولا يحملنك إفراط السرور على ما تم ولا تحملن على نفسك هم يوم لم يأتك فإنه إن لم يأت من أجلك يأت الله برزقك فيه ولا تكن أسوة للمغرورين في جمع المال فكم قد رأينا من جمع لبعل حليلته على أن يعتبر المرء على نفسه توفير الخوان غيرة. وحكي أن في زمن المعتصم تعدوا على رجل من أهل العراق بأرض أنقرة ينادي يا معتصماه! فقالوا: اصبر حتى يأتي المعتصم على الابلق ينصرك! فوصل هذا القول إلى المعتصم فأمر بشري كل فرس أبلق في مملكته وذهب إلى الروم ونهب أنقرة وكان على باب مدينتها مصراعان من الحديد مفرطا الطول والعرض حملهما إلى بغداد وهما الآن على باب العامة باب من أبواب حرم الخلافة.مدينة عجيبة على ضفة بحر الخزر مبنية بالصخور وهي مستطيلة يصيب ماء البحر حائطها. طولها مقدار ثلثي فرسخ وعرضها غلوة سهم عليها أبواب من الحديد ولها أبراج كثيرة على كل برج مسجد للمجاورين والمشتغلين بالعلوم الدينية وعلى السور حراس تحرس من العدو. بناها أنوشروان كسرى الخير وهي أحد الثغور العظيمة لأنها كثيرة الأعداء من الذين حفوا بها من أمم شتى وإلى جانب المدينة جبل أرعن يعرف بالذنب يجمع على قلته كل سنة حطب كثيرة ليشعلوا فيه النار إذا احتاجوا إلى إنذار أهل اران وآذربيجان وأرمينية بمجيء العدو. وكانت الأكاسرة شديدة الاهتمام بهذا المكان لعظم خطره وشدة خوفه. وحكى أبو العباس الطوسي أن الخزر كانت تعبر على ملك فارس حتى وصلوا إلى همذان والموصل. فلما ملك أنوشروان بعث إلى ملك الخزر وخطب إليه ابنته على أني زوجه ابنته ويتفرغا لأعدائهما. فأجابه إلى ذلك فعمد أنوشروان إلى جارية من جواريه نفيسة فوجه بها إلى ملك الخزر على أنها ابنته وحمل معها ما يحمل مع بنات الملوك. وأهدى خاقان ملك الخزر إلى أنوشروان ابنته فلما وصلت إليه كتب إلى خاقان: لو التقينا أوجبنا المودة بيننا! فأجابه إلى ذلك فالتقيا وأقاما أياماً. وأنوشروان أمر قائداً من قواده يختار ثلاثمائة رجل من أشداء فلما أصبح بعث خاقان إلى أنوشروان أن أتيت عسكري البارحة. فبعث إليه أنوشروان انه لم يأت من قبلنا فابحث وانظر. ففعل ولم يقف على شيء ثم أمهله أياماً وعاد لمثلها حتى فعل ثلاث مرات وفي كلها يعتذر فدعا خاقان قائداً من قواده وأمره بمثل ما أمر به أنوشروان. فلما فعل أرسل أنوشروان: ما هذا استبيح عسكري الليلة! فأرسل إليه خاقان يقول: ما أسرع ما ضجرت! فقد عمل مثل هذا بعسكري ثلاث مرات وإنما فعل بك مرة واحدة. فبعث إليه أنوشروان يقول: إن هذا عمل قوم يريدون إفساد ما بيننا! وعندي رأي ان قبلته وهو أن تدعني أبني بيني وبينك حائطاً وأجعل عليه أبواباً فلا يدخل بلادك إلا من تريد ولا يدخل بلادي إلا من أريد. فأجابه إلى ذلك وانصرف خاقان إلى مملكته. وأقام أنوشروان وشرع في بناء حائط من الصخر والرصاص وجعل عرضه ثلاثمائة ذراع وعلاه حتى ألحقه برؤوس الجبال ثم قاده في البحر. فيقال: انه نفخ في الزقاق وبنى عليها حتى استقرت على الأرض ثم رفع البناء حتى استوى مع الذي على الأرض في عرضه وارتفاعه فجعل أحد طرفيه في البحر وأحكمه وقد مده سبعة فراسخ إلى موضع أشب وهو جبل وعر لا يتهيأ سلوكه وبنى بالحجارة المهندمة نقل أصغرها خمسون رجلاً وأحكمها بالرصاص والمسامير وجعل في هذه السبعة فراسخ سبعة مسالك على كل مسلك مدينة ورتب فيها قوماً من مقاتلة الفرس على كل مدينة مائة رجل يحرسونها بعد أن كان محتاجاً إلى مائة ألف رجل. ثم نصب سريره على القيد الذي صنعه على البحر وسجد شكراً لله على ما تم على يده وكفاه شر الترك وهجومهم واستلقى على ظهره وقال: الآن استرحت. ومدينة باب الأبواب من تلك المدن. والعجم يسمونه دربند. وبها صور مطلسمة لدفع الترك وكانت عساكر الترك لا تزال تأتي من تلك الجهة وتنهب بلاد إيران فلما بنى أنوشروان ذلك السد وطلسمه لم يذكر أن دخل الترك من تلك الجهة بلاد إيران منها صورة أسدين على حائط باب الجهاد فوق أسطوانتين من حجر وأسفل منهما حجران على كل حجر تمثال لبوءتين وبقرب الباب صورة رجل بين رجليه صورة ثعلب في فمه عنقود عنب لعله لدفع الثعلب عن أعنابهم! وإلى جانب المدينة صهريج له درجات ينزل بها إلى الصهريج إذا قل ماؤه وعلى جنبي الدرجة صورتا أسدين من حجارة يقولون: إنهما طلسم اتخذ للسور ما دام باقياً لا يصيب المدينة من الترك آفة. وخارج المدينة تل عليه مسجد في محرابه سيف يقولون: إنه سيف مسلمة ابن عبد الملك بن مروان. يزوره الناس لا يزار إلا في ثياب بيض فمن قصده في ثياب مصبوغة جاءت الأمطار والرياح وكاد يهلك ما حول التل. وعليه حفاظ يمنعون من يذهب إليه بالثياب المصبوغة. وبقرب هذا التل عين يخرج الناس إليها كل ليلة جمعة فيرون في بعض ناشئة الليل في تلك العين ضياء ونوراً حتى يتبين لهم الحصى والحجر ويسمون تلك العين الثواب. |
إذا ما هجاني ناقص لا أجيبه= فإني إذا جاوبته فلي الذنب أنزه نفسي عن مساواة سفلة= ومن ذا يعض الكلب إن عضه الكلب
|
|
|
#24 |
|
محمد العريفي
المؤسس المشرف العام لملتقى القبائل العربية ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بتم حصن منيع بناحية فرغانة.به معدن الذهب والفضة والنوشاذر الذي يحمل إلى سائر البلاد. وهو في جبل شبه غار قد بني عليه بيت يستوثق من بابه وكواه يرتفع منه بخار شبيه بالدخان في النهار وبالنار في الليل فإذا تلبد هذا البخار يكون منه النوشاذر ولا يتهيأ لأحد أن يدخل هذا البيت من شدة حره إلا أن يلبس لبوداً يرطبها بالماء ثم يدخله كالمختلس فيأخذ ما يقدر عليه ويسرع الخروج. بجانة مدينة بالأندلس بقرب المرية.بها جمة غزيرة الماء يقصدها الزمنى ويسكنون بها وأكثر من يواظب عليها يبرأ من زمانته. وبها فنادق مبنية بالحجارة لسكان قاصدي تلك الجمة وربما لم يوجد بها المسكن لكثرة قاصديها. وعلى الجمة بيتان: أحدهما للرجال وهو على الجمة نفسها والآخر للنساء يدخله الماء من بيت الرجال. وقد بني بيت ثالث مفروش بالرخام الأبيض يأتيه الماء من قناة ويختلط بماء الجمة حتى يصير فاتراً ويدخله من لا يستطيع دخول ماء الجمة وتخرج فضلتها تسقي الزروع والأشجار. بخارى مدينة عظيمة مشهورة بما وراء النهر قديمة طيبة. قال صاحب كتاب الصور: لم أر ولا بلغني أن في جميع بلاد الإسلام مدينة أحسن خارجاً من بخارى. بينها وبين سمرقند سبعة أيام وسبعة وثلاثون فرسخاً هي بلاد الصغد أحد متنزهات الدنيا. ويحيط ببناء المدينة والقصور والبساتين والقرى المتصلة بها سور يكون اثني عشر فرسخاً في مثلها بجميع الأبنية والقصور والقرى والقصبة فلا يرى في خلال ذلك قفار ولا خراب ومن دون ذلك السور على خاص القصبة وما يتصل بها من القصور والمحال والبساتين التي تعد من القصبة ويسكنها أهل القصبة شتاء وصيفاً سور آخر نحو فرسخ في مثله ولها مدينة داخل هذا السور يحيط بها سور حصين. روى حذيفة بن اليمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ستفتح مدينة خلف نهر يقال له جيحون يقال له بخارى محفوفة بالرة ملفوفة بالملائكة منصور أهلها النائم فيها على الفراش كالشاهر سيفه في سبيل الله. وخلفها مدينة يقال لها سمرقند فيها عين من عيون الجنة وقبر من قبور الأنبياء وروضة من رياض الجنة يحشر موتاها يوم القيامة مع الشهداء. وفي الحديث: أن جبريل عليه السلام ذكر مدينة يقال لها فاخرة وهي بخارى فقال صلى الله عليه وسلم: لم سميت فاخرة فقال: لأنها تفخر يوم القيامة على المدن بكثرة شهدائها. ثم قال: اللهم بارك في فاخرة وطهر قلوبهم بالتقوى واجعلهم رحماء على أمتي! فلهذا يقال: ليس على وجه الأرض أرحم للغرباء منهم. ولم تزل بخارى مجمع الفقهاء ومعدن الفضلاء ومنشأ علوم النظر. وكانت الرئاسة في بيت مبارك يقال لرئيسها خواجه إمام أجل. وإلى الآن نسلهم باق ونسبهم ينتهي إلى عمر بن عبد العزيز بن مروان وتوارثوا تربية العلم والعلماء كابراً عن كابر يرتبون وظيفة أربعة آلاف فقيه ولم تر مدينة كان أهلها أشد احتراماً لأهل العلم من بخارى. ينسب إليها الشيخ الإمام قدوة المشايخ محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح الذي هو أقدم كتب الأحاديث. كان وحيد عصره وفريد دهره. حكي انه لما جمع هذا الكتاب بحسنه وصحته أراد أن يسمع منه أحد حتى يروي عنه بعد موته فما كان أحد يوافقه أن يسمع منه ذلك حتى ذهب إلى شخص يعمل طول نهاره على بقر فقال له: أنا أقرأ هذا الكتاب وأنت تسمعه مني فلعله ينفعك بعد ذلك! وكان الشيخ يقرأ كتاب الصحيح والبقر يعمل والفربري يسمع منه حتى أسمعه جميع الكتاب. فلهذا ترى كل من يروي صحيح البخاري تكون روايته عن الفربري. وينسب إليها أبو خالد يزيد بن هارون. كان أصله من بخارى ومقامه بواسط العراق. حكى عاصم بن علي أن يزيد بن هارون كان إذا صلى العشاء لا يزال قائماً حتى يصلي الغداة بذلك الوضوء وداوم على ذلك نيفاً وأربعين سنة. وحكى أبو نافع ابن بنت يزيد بن هارون قال: كنت عند أحمد بن حنبل وكان عنده رجل قال: رأيت يزيد بن هارون فقلت: يا أبا خالد ما فعل الله بك قال: غفر لي وشفعني وعاتبني! فقلت له: فيم عاتبك قال: قال لي يا يزيد أتحدث عن جرير بن عثمان فقلت: يا رب ما علمت منه إلا خيراً! فقال: إنه كان يبغض أبا الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وحكى آخر قال: رأيت ابن هارون في المنام فقلت له: هل أتاك منكر ونكير قال: إي والله ! وسألاني: من ربك وما دينك ومن نبيك فقلت: ألمثلي يقال هذا وأنا يزيد بن هارون اعلم الناس هذا سبعين سنة فقال: صدقت نم نومة العروس! توفي يزيد بن هارون بواسط سنة ست ومائتين عن سبع وثمانين سنة.كورة بين أران وآذربيجان كثيرة الضباب قلما تصحو السماء بها منها كان مخرج بابك الخرمي في أيام المعتصم بالله. بها موقف رجل لا يقوم أحد فيه يدعو الله تعالى إلا استجيب له. ومنها يتوقعون خروج المهدي وذكر أن تحتها نهراً عظيماً إن اغتسل فيه صاحب الحمى العتيقة ذهبت حماه. برذعة مدينة كبيرة بأران أكثر من فرسخ في فرسخ.أنشأها قباذ الملك وهي خصبة نزهة كثيرة الثمار. وبها القرنفل والبندق والشاهبلوط وبها صنف من الفواكه يقال له الدرقال على قدر الغبيراء حلو الطعم لا يوجد في شيء من غير هذا الموضع. وبقربها نهر الكر يصاد منه الشورماهيج ويحمل منها إلى سائر البلاد. وبها بغال فاقت بغال جميع النواحي في حسنها وصحة قوائمها. وبها سوق الكركي يقام كل يوم أحد على باب الأكراد مقدار فرسخ في فرسخ يجتمع الناس إليه من كل وجه وأوب للتجارة وهذه كانت صفتها القديمة وأما الآن فاستولى عليها الخراب إلا أن آثار الخير بها كثيرة. وبأهلها صعلكة ظاهرة ومثل هذا يذكر للاعتبار. فسبحان من يحيل ولا يحال ويزيل ولا يزال.مدينة بالأندلس بقرب جيان كثيرة الخيرات. بها بركة تعرف بالهوتة فيها ما بين وجه الماء إلى الأرض نحو قامة لا يعرف لهذه البركة قعر أصلاً. قال أحمد بن عمر العذري: بين بسطة وبياسة غار يسمى بالشيمة لا يوجد قعره. وبناحية بسطة جبل يعرف بجبل الكحل إذا كان أول الشهر برز من نفس الجبل كحل أسود ولا يزال كذلك إلى منتصف الشهر فإذا زاد على النصف نقص الكحل ولا يزال يرجع إلى آخر الشهر. بلقوار قرية من قرى تدمير بأرض الأندلس.بها حمة شريفة حسنة عليها ديماس للرجال وآخر للنساء وأصل العين في ديماس الرجال يخرج منها ماء غزير يفضل عن حاجة الديماسين ويسقي زرع القرية. بلنسية مدينة قديمة بأرض الأندلس ذات خطة فسيحة جمعت خيرات البر والبحر والزرع والضرع طيبة التربة ينبت بها الزعفران ويزكو بها ولا ينبت في جميع أرض الأندلس إلا بها كأرض روذراور بأرض الجبال.مدينة بالأندلس متقنة البناء بالحجر الأبيض المهندم قالوا: إنها من بناء الجن بنوها لسليمان بن داود عليه السلام من عجائبها أن لا يرى بها حية ولا عقرب ولا شيء من الهوام المؤذية. حكى محمد بن عبد الرحمن الغرناطي أن برستاقها صنفاً من العنب وزن الحبة منه عشرة مثاقيل. بيلقان مدينة كبيرة مشهورة ببلاد أران حصينة ذات سور عال بناها قباذ الملك قالوا: ليس بها ولا في حواليها حجر واحد. ولما قصدها التتر ورأوا حصانة سورها أرادوا خرابه بالمنجنيق فما وجدوا حجراً يرمى به الحائط. ورأوا أشجاراً من الدلب عظاماً قطعوها بالمناشير وتركوا قطاعها في المنجنيق ورموا بها السور حتى خربوا سورها ونهبوا وقتلوا والآن عادت إلى عمارتها. ينسب إليها مجير البيلقاني. كان رجلاً فاضلاً شاعراً وصل إلى أصفهان وذكر في شعر له أن أهل أصفهان عمي فسمع رئيس أصفهان ذلك وأمر لكل شاعر في أصفهان أن يقول فيه شيئاً ففعلوا فجمعها في مجلد وبعثه إليه.اسم جامع لجميع بلاد الترك وحدها من الإقليم الأول ضارباً في المشرق عرضاً إلى الإقليم السابع وأكثرهم أهل الخيام ومنهم أهل القرى وسنذكر بلادهم وقبائلهم في الإقليم السادس إن شاء الله تعالى وإنهم سكان شرقي الأقاليم كلها من الجنوب إلى الشمال ممتازة عن جميع الأمم بكثرة العدد وزيادة الشجاعة والجلادة وصورة السباع عراض الوجوه فطس الأنوف عبل السواعد ضيقو الأخلاق والغالب عليهم الغضب والظلم والقهر وأكل لحوم الحيوانات لا يريدون لها بدلاً ولا يراعون فيها نضجاً ولا يرون إلا ما كان اغتصاباً كما هي عادة السباع. وليس عيشهم إلا شن غارة أو طلب ظبي نافر أو طير طائر حتى إذا ظن بهم الكلال رأيتهم على نشاطهم الأول في ركض الخيل وتسلم الجبال. وحسبك ما ترى من كبر همتهم أن أحدهم إذا سبى لا يرضى أن يكون زعيماً أو متقدماً لعسكر سيده بل يريد انتزاع الملك من سيده والقيام مقامه. حكى بعض التجار قال: خرج من خوارزم قفل عظيم فلما ذهبوا أياماً وبعدوا عن خوارزم ساروا ذات يوم فلما نزل القوم رأوا مماليكهم الترك خرجوا عن وسط القوم وكان عددهم أكثر من عدد التجار يرمون القوم بالنشاب. قالوا: ما شأنكم قالوا: نريد نقتلكم ونأخذ هذه الأموال نشتري منها الخيل والسلاح ونمشي إلى خدمة السلطان! فقال القوم لهم: أنتم لا تحسنون بيع هذا القماش فاتركوه معنا حتى نحسن نشتري لكم منها الخيل والسلاح ونجعل أحدكم أميراً وتمشون إلى خدمة السلطان! فخدعوهم وبعثوا إلى خوارزم من يخبر شحنة خوارزم بالحال فما كان إلا أيام قلائل حتى وصل الشحنة. قبض على المماليك ورد القفل إلى خوارزم وصلب المماليك ونادى في خوارزم أن لا يشتري من التجار أحد مملوكاً رجلاً! وحسبك من غلبتهم في الأمور وصعوبة جانبهم قوله صلى الله عليه وسلم: اتركوا الترك ما تركوكم! والترك ليسوا من الديانات في شيء فمنهم عبدة الكواكب ومنهم عبدة النيران ومنهم من على مذهب النصارى ومنهم مانوية ومنهم ثنوية ومنهم سحرة وصنعتهم الحرب والطعن والضرب الذي هو صنعة المريخ فإنه صاحبهم. وحكي أن هشام بن عبد الملك بعث رسولاً إلى ملك الترك يدعوه إلى الإسلام قال الرسول: دخلت عليه وهو يتخذ بيده سرجاً. قال للترجمان: من هذا فقال: إنه رسول ملك العرب. فأمرني إلى بيت كثير اللحم قليل الخبز ثم بعد أيام استدعاني وقال: ما بغيتك فتلطفت له وقلت: إن صاحبي يريد نصيحتك ويرى أنك في ضلال يريد أن تدخل في دين الإسلام! فقال: ما الإسلام فأخبرته بأركانه وشرائطه وحلاله وحرامه فتركني أياماً ثم ركب ذات يوم مع عشرة أنفس ومع كل واحد لواء وحملني معه فمضينا حتى صعدنا تلاً وحول التل غيضة.فلما طلعت الشمس أمر واحداً من أولئك أن ينشر لواءه ففعل فوافى عشرة آلاف فارس متسلحين ثم أمر غيره فما زال واحد بعد واحد ينشر لواءه ويأتي عشرة آلاف حتى صار تحت التل مائة ألف مدجج. ثم قال للترجمان: قل لهذا الرسول ارجع إلى صاحبك وأخبره أن هؤلاء ليس فيهم إسكاف ولا حجام ولا خياط فإذا أسلموا والتزموا الشرائط للإسلام فمن أين مأكلهم وحكى داود بن منصور الباذغيسي وكان رجلاً صالحاً قال: اجتمعت بابن ملك الغز فوجدته رجلاً ذا فهم وعقل وذكاء واسمه لقيق بن جثومة وقلت له: بلغنا أن الترك يجلبون المطر والثلج متى شاءوا كيف سبيلهم إلى ذلك فقال: الترك أحقر وأذل عند الله تعالى من أن يستطيعوا هذا الأمر والذي بلغك حق وأنا أحدثك به: بلغني أن بعض أجدادي راغم أباه وكان أبوه ملكاً فاتخذ لنفسه أصحاباً وموالي وغلماناً وسار نحو المشرق يغير على الناس ويصيد ما ظهر له فانتهى به المسير إلى موضع ذكر أهله أن لا مسير له بعده وكان عندهم جبل تطلع الشمس من ورائه وتحرق كل شيء وقعت عليه وكان سكانها في الأسراب تحت الأرض والغيران في الجبال بالنهار. وأما الوحش فتلتقط حصى هناك قد ألهمها الله تعالى معرفتها فتأخذ كل وحشية حصاة في فيها وترفع رأسها إلى السماء فتظلها غمامة عند ذلك تحجب بينها وبين الشمس قال: فقصد أصحاب جدي حتى عرفوا ذلك الحجر فحملوا من معهم ما قدروا إلى بلادنا فهو معهم إلى الآن. فإذا أرادوا المطر حركوا منه شيئاً فينشأ الغيم ويوافي المطر وإن أرادوا الثلج زادوا في تحريكها فيوافيهم الثلج والبرد فهذه قصة المطر والحجر وليس ذلك من حيلة الترك بل من قدرة الله تعالى! وحكى إسماعيل بن أحمد الساماني وكان ملكاً عادلاً غازياً قال: غزوت الترك ذات مرة في عشرين ألف فارس من المسلمين فخرج علي منهم ستون ألفاً في السلاح الشاك فواقعتهم أياماً وإني ليوماً في قتالهم إذ جاءني قوم من مماليكي الأتراك وقالوا: إن لنا في معسكر الكفار قرابات وقد أنذرونا بموافاة فلان وأنه ينشيء السحاب والمطر والثلج والبرد وقد عزم أن يمطر علينا غداً برداً عظيماً لا يصيب الإنسان ألا يقتله فانتهرتهم وقلت: هل يستطيع هذا أحد من البشر فلما كان الغد وارتفع النهار نشأت سحابة عظيمة من جبل كنت مستنداً إليه بعسكري ولم تزل تتنشر حتى أظلت عسكري فهالني سوادها وما رأيت فيها من الهول وما سمعت من الأصوات المزعجة فعلمت أنها فتنة فنزلت عن دابتي وصليت ركعتين والعسكر يموج بعضهم في بعض ثم دعوت الله تعالى معفراً وجهي بالتراب وقلت: اللهم أغثنا فإن عبادك يضعفون عن محنتك! وإني أعلم أن القدرة لك وان النفع والضر لا يملكهما إلا أنت! اللهم إن هذه السحابة إن أمطرت علينا كانت فتنة للمؤمنين وسطوة للمشركين. فاصرف عنا شرها بحولك وقوتك يا ذا الحول والقوة! قال: وأكثرت من الدعاء رغبة ورهبة إلى الله تعالى ووجهي على التراب. فبينا أنا كلك إذ بادر إلي الغلمان يبشروني بالسلامة وأخذوا بعضدي ينهضوني. وكنت ثقيلاً من عدة الحديد فرفعت رأسي فإذا السحابة قد زالت عن عسكري. وقصدت عسكر الترك وأمطرت برداً عظيماً فإذا هم يموجون وتنفر دوابهم وما وقعت بردة على أحد إلا أوهنته أو قتلته. فقال أصحابي: نحمل عليهم فقلت: لا فإن عذاب الله أدهى وأمر! فمات منهم خلق كثير ولم يفلت إلا القليل. فلما كان من الغد دخلنا معسكرهم فوجدنا من الغنائم ما شاء الله فحملناها وحمدنا الله تعالى على السلامة. بها جبل زانك قال صاحب تحفة الغرائب: بأرض تركستان جبل به جمع من أهل بيت يقال لهم زانك وهم أناس ليس لهم زرع ولا ضرع وفي جبالهم معدن الذهب والفضة فربما توجد قطعة كرأس شاة فمن أخذ القطاع الصغار تمتع بها ومن أخذ من الكبار يفشو الموت في كل بيت فيه تلك القطعة. فإن ردها إلى مكانها ينقطع عنهم الموت ولو أخذها الغريب لا يضره وبها جبل النار هذا الجبل بأرض تركستان فيه غار شبه بيت كبير كل دابة تدخله تموت في الحال لشدة وهج النار في ذلك البيت. وبها جبل كيلسيان ذكر صاحب تحفة الغرائب أن بهذا الجبل موضعاً كل طير طار مسامتاً له يقع في الحال ميتاً فيرى حوله من الحيوانات الميتة ما شاء الله. وبها جبل ذكره أبو الريحان الخوارزمي في كتابه المسمى بالآثار الباقية: إن بأرض الترك جبلاً إذا اجتاز عليه الغنم شدت أرجلها بالصوف لئلا تصطك حجارة فيعقبها المطر. وبها معدن البلحش ومعدن اللازورد والبيجاذق من خصائصها المسك الذكي الرائحة والسنجاب والسمور والقاقم والفنك والثعالب السود والأرانب البيض والبزاة الشهب والحجر اليشب والخيل الهماليج والرقيق الروقة. وحكى بعض التجار أن بأرض الترك موضعاً يزرع فيه نوع من الحب فيأتي بثمرة كالبطيخ فإذا ظهرت ثمرته يزرع حولها شيء من الحشيش اللين حتى يكون عند إدراك الثمرة الحشيش موجوداً فعند ذلك تنشق الثمرة ويخرج منها رأس حمل ويجعل يرعى من ذلك الحشيش الذي بقربه أياماً حتى يقوى ويخرج من ذلك القشر وقد حدث من رأى من هذا الغنم وقال: انه لا يخالف الغنم إلا بطول القوائم وفقد الألية فإن عند أليتها شبه ذنب وتحدث به كثير من تفليس مدينة حصينة لا إسلام وراءها. بناها كسرى أنوشروان وحصنها إسحق ابن إسماعيل مولى بني أمية. يشقها نهر الكر. أهلها مسلمون ونصارى: من أحد جانبي الكر يؤذنون ومن الجانب الآخر يضربون بالناقوس وذكروا أن المدينة كانت مسقفة بالصنوبر فلما أرسل المتوكل إليها بغا لقتال إسحق بن إسماعيل خرج إسحق لمحاربة بغا فأمر بغا النفاطين فرموا المدينة بالنار وأحرقوها فاحترقت المدينة كلها لأنها كانت من خشب الصنوبر وهلك خمسون ألف إنسان. ومن عجائبها حمام شديد الحرارة لا يوقد ولا يستقى له ماء لأنه بني على عين حارة. وذكر بعض التجار أن هذا الحمام يختص بالمسلمين لا يدخله كافر البتة. والملة النصرانية بها ظاهرة والمدينة في إيالتهم وبها من الصوامع والبيع والدينار الذي يسمونه بربره وهو دينار حسن مفروغ مقعر عليه كتابة سريانية وصورة الأصنام كل دينار مثقال ذهب جيد لا يقدر أحد على التلبيس به وإنه نقد بلاد الابخاز وضرب ملوكهم. ويجلب من تفليس الزئبق والخلنج والعبيد والدواب الفره وأنواع اللبود والأكسية والبسط الرقيقة والفرش والصوف الرفيع والخز وما شابه ذلك.قصبة ناحية خوارزم. مدينة عظيمة مشهورة على شاطيء جيحون من أمهات المدن جامعة لأشتات الخيرات وأنواع المسرات. جاء في فضائلها ما ذكره الزمخشري في كتابه ربيع الأبرار عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ليلة أسري بي رأيت على السماء الرابعة قصراً مزخرفاً حواليه قناديل من نور. قلت: يا جبريل ما هذا القصر المزخرف قال: هذا رباط ستفتحه أمتك بأرض خراسان من مات حول ذلك النهر على فراشه قام يوم القيامة شهيداً. قلت: يا جبريل ولم ذاك قال: لهم عدو يقال له الترك شديد كلبهم قليل سلبهم من وقع في قلبه فزعة منهم قام شهيداً يوم القيامة من قبره مع الشهداء. وعن الحسن: مدينة بالمشرق يقال لها خوارزم على شاطيء نهر يقال له جيحون ملعون الجانبين ألا وإن تلك المدينة محفوفة مكفوفة بالملائكة تهدى إلى الجنة كما تهدى العروس إلى بيت زوجها يبعث الله تعالى منها مائة شهيد كل شهيد منهم يعدل شهيد بدر. وجرجانية مدينة عظيمة كثيرة الأهل.وأهلها كلهم أجناد حتى البقال والقصاب والخباز والحائك. وحكي أن السلطان محمد بن تكش أوقع به الخطأ في بعض وقائعه وقتلوا من المسلمين مقتلة عظيمة وما أفلت منهم إلا السلطان في نفر يسير فدخل البلد ليلاً لئلا يرى الناس قلة عدده وأهل جرجانية كلهم معتزلة والغالب عليهم ممارسة علم الكلام حتى في الأسواق والدروب يناظرون من غير تعصب بارد في علم الكلام. وإذا رأوا من أحد التعصب أنكروا عليه كلهم وقالوا: ليس لك إلا الغلبة بالحجة وإياك وفعل الجهال! وأهلها أهل الصناعات الدقيقة كالحداد والنجار وغيرهما فإنهم يبالغون في التدقيق في صناعاتهم والسكاكون يعملون الآلات من العاج والآبنوس لا يعمل في غير خوارزم إلا بقرية يقال لها طرق من أعمال أصفهان. ونساؤها يعملون بالإبرة صناعات مليحة كالخياطة والتطريز والأعمال الدقيقة. وحكي أن السبب في بناء هذه المدينة أن بعض الملوك غضب على جمع من أصحاب مملكته فأمر بنفيهم إلى موضع بعيد عن العمارات فنفوهم إلى هذا المكان وتركوهم وكان موضعاً منقطعاً عن البلاد لا زرع به ولا ضرع. فلما كان بعد مدة جرى ذكرهم عند الملك فأمر بكشف خبرهم فجاؤوا إليهم فوجدوهم قد بنوا أكواخاً ويتقوتون بصيد السمك وكان عندهم حطب كثير فقالوا لهم: كيف حالكم قالوا: لنا هذا السمك وهذا الحطب. فسمي الموضع خوارزم لأن بلغتهم خوار اللحم ورزم الحطب فبعث الملك إليهم أربعمائة جارية من سبي الترك على عدد الرجال المنفيين فتوالدوا وتناسلوا فلهذا ترى صورهم صور الأتراك وطباعهم طباع الترك. وفيهم جلادة وقوة فعمروا ذلك الموضع حتى صار من أحسن بلاد الله تعالى وأكثرها عمارة حتى لم ير بها خراب فإنها معما هي عليه من سباخة أرضها وكثرة برودها متصلة العمارة متقاربة القرى كثيرة القصور والبيوت وقلما يقع النظر في رستاقها على أرض لا عمارة فيها هذا مع كثرة الأشجار. والغالب عليها التوت والخلاف لأجل دود القز فإن لهم يداً باسطة في تربيتها والخلاف لأجل العمارات فإن عماراتهم من الاخصاص والخلاف لأن أرضها كثيرة النزور لا تحتمل البناء الثقيل فإن الماء ينبع إذا حفرت ذراعين. وبها زحمة وغلبة شديدة من كثرة الناس حتى لا فرق بين أسواقها ورستاقها على المارين. وأما البرد فإنه شديد عندهم جداً حتى ان الإنسان إذا أراد إكرام غيره يقول: بت عندنا فإن عندنا ناراً طيبة! وقد لطف الله تعالى بهم برخص الحطب يكون حمل عجلة بدرهمين. والغريب إذا خرج من بيته أول النهار مكشوف الوجه يضرب البرد وجهه فيسقط أنفه! وأما أهل المدينة فقد عرفوا ذلك فلا يخرجون إلا مستوري الوجه. ومن عجائبها زراعة البطيخ فإن المدينة تحيط بها رمال سائلة ثمانون فرسخاً في ثمانين فرسخاً شبه الرمال التي دون ديار مصر تنبت شوكاً طويل الإبر يقال له بالعجمية اشترغاز وهو الشوك الذي يقع عليه الترنجبين بأرض خراسان فإذا كان أوان زرع البطيخ يذهب أهل خوارزم إليها ويحجر كل أحد قطعة من الأرض أي مقدار شاء لا ملك لأحد فيها ويشق أصول هذا الشوك وقضبانه ويدع فيها بزر البطيخ ويتركها فإن البزر ينبت فيها بنداوة الشوك ولا يحتاج أصحابها إلى السقي ولا إلى شيء من أعمال الزراعة. فإذا كان أوان البطيخ ذهبوا إليها ورأوا وجه الأرض ممتلئاً من البطيخ الذي لا يوجد مثله في شيء من البلاد حلاوة وطيباً ويكون رخيصاً جداً لكثرته وقلة مؤونته وقد يقدد ويحمل إلى البلاد للهدايا. جنبذق قرية من أعمال المراغة بينها وبين قلعة روين دز فرسخ. بها بئر عجيبة يخرج منها حمام كثير فنصب على رأس البئر شبكة يقع فيها من الحمام ما شاء الله وهي بئر لا يدرى قعرها حكى بعض فقهاء المراغة أنهم أرسلوا فيها رجلاً ليعرف حال الحمام فنزل حتى زادت الحبال على خمسمائة ذراع ثم خرج فأخبر أنه لم ير شيئاً وأحس بهواء قوي ورأى في آخرها ضوءاً وشيئاً كثيراً من الحيوانات الموتى. جنزة بلدة حصينة قديمة من بلاد أران من ثغور المسلمين لقربها من الكرج وهي مدينة كثيرة الخيرات وافرة الغلات. أهلها أهل السنة والجماعة أهل الصلاح والخير والديانة ولا يتركون أحداً يسكن بلدهم إذا لم يكن على مذهبهم واعتقادهم حتى لا يشوش عليهم مذهبهم واعتقادهم. والغالب عليهم ممارسة السلاح واستعمال آلات الحرب لكونهم في الثغر بقرب أرض الكفار. بها نهر قردقاس جيئه من حاجين ولاية الكرج يجري ستة أشهر وينقطع ستة أشهر ومجيئه وقت معلوم وانقطاعه كذلك. ولأهلها يد باسطة في تربية دود القز وعمل الابريسم وابريسم جنزة يفوق ما لغيرها من البلاد حسناً. وفي نفس المدينة قناة ينزل إليها من طريقين: أحدهما موضع يعرف بباب المقبرة والآخر بباب البردعة. يؤخذ الماء من باب المقبرة ويجذب به الابريسم تزيد قيمته على الابريسم الذي يجذب بماء باب البردعة وإن حملوا ماء باب المقبرة إلى باب البردعة لا يفيد شيئاً وإن حملوا ماء باب البردعة إلى باب المقبرة يفيد ويخرج ابريسمه جيداً. وبها قلعة هرك على مرحلة منها. حولها رياض ومياه وأشجار. هواؤها في الصيف طيب يقصدها أهل جنزة في الصيف. لكل أهل بيت فيها موضع يقيم فيه حتى تنكسر سورة الحر ولأعيان جنزة بها دور حسنة.وإنها على نهر يقال له دروران والنهر ينزل من جبل يسمى مرا ولا يزال عليه الضباب وهو شامخ جداً. وذكروا أن كل من علا القلعة يرى الجبل ومن علا الجبل لا يرى القلعة وعلى هذا الجبل شجرة لها ثمرة يقال لها الموز ليس في جميع الدنيا إلا بها وهي شبيهة بالتوت الشامي إلا أنها مدورة تنفع من أمراض الكبد. وعلى طرف دروران صخرة عظيمة مدورة شبه قلعة تسمى سنك نيم دانك تصيبها نداوة مثل الصدإ تخضب بها الأطراف تفعل فعل الحناء ومن العجب أن هذه النداوة لا تعلم هذا العمل إلا إذا كان المختضب جالساً عليها فإن حمل إلى موضع آخر لم يفد شيئاً. وذكر أن الناس يحملون العرائس إليها إذا أرادوا أن يخضبوا أطرافهن. ويجلب من جنزة إلى سائر البلاد الابريسم الجيد والأطلس والثياب التي يقال لها الكنجي والعجم يسمونها القطني والعمائم الخز ونحوها. ينسب إليها أبو ممد النظامي. كان شاعراً مفلقاً عارفاً حكيماً. له ديوان حسن وأكثر شعره إلهيات ومواعظ وحكم ورموز العارفين وكناياتهم. وله داستان خسرو وشيرين وله داستان ليلى ومجنون وله مخزن الأسرار وهفت بيكر. ولما نظم فخري الجرجاني داستان ويس ورامين للسلطان طغرلبك السلجوقي وإنه في غاية الحسن شعره كالماء الجاري كأنه يتكلم بلا تعسف وتكلف أراد النظامي داستان خسرو وشيرين على ذلك المنوال وأكثر فيها من الإلهيات والحكم والمواعظ والأمثال والحكايات الطيبة وجعله للسلطان طغرل ابن أرسلان السلجقوي وكان السلطان مائلاً إلى الشعر والشعراء فوقع عنده موقعاً عظيماً واشتهر بين الناس وكثرت نسخه. وأما داستان ليلى ومجنون فطلب منه صاحب شروان فقد نظمها له وكان في فنه عديم النظير. توفي بقرب تسعين وخمسمائة. |
إذا ما هجاني ناقص لا أجيبه= فإني إذا جاوبته فلي الذنب أنزه نفسي عن مساواة سفلة= ومن ذا يعض الكلب إن عضه الكلب
|
|
|
#25 |
|
محمد العريفي
المؤسس المشرف العام لملتقى القبائل العربية ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
ختلان مدينة بأرض الترك مشهورة.حكي أن بها شعباً بين جبلين قال صاحب تحفة الغرائب: يأتي في كل سنة ثلاثة أيام من ذلك الشعب في وقت معلوم صيد كثير فإذا كانت تلك الأيام تمتليء دورهم وسطوحهم من الصيد ثم ينقطع إلى سنة أخرى هكذا ذكره. ويجلب منها خيل هماليج ليس في شيء من النواحي مثلها. خلاط مدينة كبيرة مشهورة قصبة بلاد أرمينية ذات خيرات واسعة وثمرات يانعة بها المياه الغزيرة والأشجار الكثيرة. وأهلها مسلمون ونصارى. وكلام أهلها العجمية والأرمنية والتركية. ذات سور حصين قصدها الكرج في زمن الملك الكامل الأوحد ونزلوا عليها يحاصرونها وكان خارج المدينة نهر عليه قنطرة فأهل خلاط نقضوها وستروها بشيء من الحشيش ليقع فيها من يجتاز عليها من الكرج وجلسوا تحت القنطرة منتظرين لمن يقع فيها حتى يأخذوه. وكان لملك الكرج ويقال له الإيواني منجم فاضل جربه مراراً كان ذا حكم صحيح قال للإيواني: اركب الآن وحارب فإنك في آخر النهار تكون جالساً على سرير خلاط. فقام وركب وهو سكران فأول من اجتاز في القنطرة كان الإيواني وقع في القنطرة. اجتمعوا عليه وأخذوه قال: لا تقتلوني فإني أنا الإيواني فحملوه إلى خلاط وأجلسوه على السرير فقال لهم: إن كنتم تخلصونني فافعلوا سريعاً قبل أن يمشي الخبر إلى الكرج ويقيموا مقامي أحداً ولكم كل ما سألتم. فطلبوا منه فك أسارى المسلمين كلهم ومالاً عظيماً عمروا به سور خلاط وعاهدوا بالمهادنة سنين كثيرة وخلصوه. ومن عجائبها بحيرتها التي يجلب منها السمك الطريخ إلى جميع البلاد قال ابن الكلبي: بحيرة خلاط من عجائب الدنيا فإنها عشرة أشهر لا ترى فيها سمكة ولا ضفدعة وشهران في السنة تكثر بها حتى تقبض باليد وتحمل إلى سائر البلاد حتى إلى بلاد الهند قيل: إنه لطلسم عمله بليناس الحكيم لقباذ الملك وأما أهل خلاط فالفسق عندهم ظاهر وصناعها يعملون أقفالاً ما في شيء من البلاد مثلها.ناحية مشهورة ذات مدن وقرى كثيرة وسيعة الرقعة فسيحة البقعة جامعة لأشتات الخيرات وأنواع المسرات قال جار الله الزمخشري: بخوارزم فضائل لا توجد في غيرها من سائر الأقطار وخصال محمودة لا تتفق في غيرها من الأمصار قد اكتنفها أهل الشرك وأطافت بها قبائل الترك فغزو أهلها معهم دائم والقتال فيما بينهم قائم وقد أخلصوا في ذلك نياتهم وأمحضوا فيه طوياتهم وقد تكفل الله بنصرهم في عامة الأوقات ومنحهم الغلبة في جميع الوقعات وقد خصها بجيحون واد عسر المعبر بعيد المسالك غزير الماء كثير المهالك. وأهلها أصحاب قلوب جرية ونفوس أبية ولهم السداد والديانة والوفاء والأمانة ودينهم محبة الأخيار ومقت الأشرار والإحسان إلى الغرباء والتعطف على الضعفاء. ومما اختصت به خوارزم أنواع الرقيق الروقة والخيل الهماليج الفرهة وضروب الضواري من البزاة والصقور وأجناس الوبر وألوان الثياب وثمارها أطيب الثمار وأشهاها وألذها وأحلاها وأنماها وأمراها وهواؤها أصح هواء وماؤها أعذب ماء وناهيك ببطيخها الذي لا يوجد مثله. انتهى كلام الزمخشري. بها نهر جيحون قال الأعمود: نهر جيحون يعرف بجريان يخرج من حدود بذخشان وينضم إليها أنهار في حدود الختل ووحش فتصير نهراً عظيماً وترتفع إليها أنهار البتم وأنهار صغانيان وماء وحشاب الذي يخرج من بلاد الترك ويصير في أرض وحش في جبل هناك يعبر قنطرة ولا يعلم في الدنيا ماء في كثرته يضيق مثل ضيقه في هذا الموضع وهذه القنطرة هي الحد بين الختل وواشجرد ثم يمر على مدن كثيرة حتى يصل إلى خوارزم ولا ينتفع شيء من البلاد إلا خوارزم فإنها تستقل عنه ثم ينحدر عن خوارزم وينصب في بحيرة تسمى بحيرة خوارزم بينها وبين خوارزم ستة أيام. وحكي أن جيحون مع كثرة مائه يجمد في الشتاء وكيفية جموده أنه إذا اشتد البرد وقوي كلبه جمد أولاً قطعاً ثم تسري تلك القطع على وجه الماء وكلما ماست قطعة من تلك القطاع أخرى التصقت بها ولا تزال تنضم حتى صار جيحون كله سطحاً واحداً ثم يثخن ويصير ثخنه في أكثر الأوقات خمسة أشبار قال ابن فضلان في رسالته: رأيت جيحون وقد جمد سبعة عشر شبراً. والله أعلم بصحته. ثم يبقى باقي الماء تحته جارياً فيحفر أهل خوارزم فيه آباراً بالمعاول حتى يخرقوه إلى الماء ثم يسقون منها كما يسقى من البئر لشربهم ويحملونه في الجرار وإذا استحكم جمود هذا النهر عبرت عليه القوافل والعجل الموقرة بالبقر ولا يبقى بينه وبين الأرض فرق ويتظاهر عليه الغبار كما يكون في البوادي ويبقى على ذلك نحو شهرين. فإذا انكسرت سورة البرد عاد ينقطع قطعاً كما بدا في أول أمره إلى أن يعود إلى حاله الأولى.وبها جبل على ثمانية فراسخ من المدينة قال أبو حامد الأندلسي: هذا الجبل فيه شعب كبير وفي الشعب تل عال وعلى التل شبه مسجد عليه قبة له أربعة أبواب آزاج كبار ويتراءى للناظر كأن بنيان ذلك المسجد من الذهب ظاهره وباطنه وحوله ماء محيط بالتل راكه لا مادة له إلا من ماء المطر والثلج زمان الشتاء. وإن ذلك الماء ينقص ويزيد ذراعاً في الصيف والشتاء في رؤية العين. والماء ماء عفن نتن عليه طحلب لا يستطيع أحد أن يخوضه ومن دخل في ذلك استلبه الماء ولا يظهر أثره البتة ولا يدرى أين ذهب. وعرض الماء مقدار مائة ذراع. وحكي أن السلطان محمود بن سبكتكين وصل إلى هذا الموضع وأقام به زماناً وألقى يه الزوارق فغاصت فيه فأمر السلطان جميع عساكره بحمل التراب والخشب ونفضها في ذلك الماء فكل شيء ألقي فيه غاص ولم يظهر له أثر. وقالوا: إن ذلك الماء إذا وقع فيه حيوان لم يقدر أحد على إخراجه البتة وان كان مشدوداً بالجبال وجره الرجال. وكل من سافر من خوارزم في طريق سخسين يرى ذلك الماء في طريقه ولا حيلة في ذلك إلا ما شاء الله وانه من عجائب الدنيا. وبقرب خوارزم على ست مراحل منها بحيرة تستمد من جيحون. يخرج منها حجر على صورة البطيخ يعرف بالحجر اليهودي. لهذا الحجر فوائد كثيرة ذكرت في كتاب الخواص وأشهرها ما يستعمله الأطباء لوجع الحصاة في المثانة نعوذ بالله منه وهو نوعان: ذكر وأنثى فالذكر للرجال والأنثى للنساء. خوي مدينة معمورة من مدن آذربيجان ذات سور حصين ومياه وأشجار كثيرة الخيرات وافرة الغلات كثيرة الأهل. وأهلها أهل السنة والجماعات على مذهب واحد ليس بينهم اختلاف المذاهب. يعمل بها الديباج الذي يسمونه الجولخ. بها عين كنكلة حدثني بعض فقهاء خوي أن هذه العين ينبع منها ماء كثير جداً بارد في الصيف حار في الشتاء. ينسب إليها القاضي شمس الدين الخوي. كان عالماً فاضلاً ذا فنون من العلم شرعياته وعقلياته ذا تصانيف حسنة. فلما كان هجوم التتر هرب من خراسان وذهب إلى الشام وما عرفوا قدره رتبوه معيداً في مدرسة دمشق. حكي أن ابن الجوزي بعث رسولاً إلى الملك المعظم من دار الخلافة فلما وصل إلى دمشق التمس أن يستدل بين يدي الملك المعظم وكان الملك فقيهاً حنفياً فجمع له أعيان دمشق وكان ابن الجوزي واعظاً فصيحاً قادراً على الكلام وما كان في القوم من يناقش بالمنوع الدقيقة. فلما قام قال: هذه مدينة حسنة ليس فيها فقيه! فتأذى الملك المعظم من ذلك وقال: ان هذا يعتقد انه قال شيئاً! فقالوا له: ههنا فقيه عجمي جمع بينهما وتفرج عليهما. فلما حضر ابن الجوزي طلبوا شمس الدين فأراد تمشية مقدمة معه فما قدر ثم ان شمس الدين أخذ مقدماته وقلبها عليه ثم عارضه في المقدمات وفي الحكم حتى جعله مبهوتاً. فقال ابن الجوزي: هذا الفقيه في أي شيء شغل قالوا: ما هو في شيء من الأشغال. فقال: مثل هذا يترك عاطلاً فولاه قضاء دمشق وتدريس العادلية. توفي قريباً من أربعين وستمائة شاباً رحمة الله عليه. خيوق قرية من قرى خوارزم.ينسب إليها الشيخ الإمام قدوة المشايخ أبو الجناب أحمد بن عمر بن محمد الخيوقي المعروف بكبرى. كان أستاذ الوقت وشيخ الطائفة وفريد العصر. له رسالة الهائم من لومة اللائم من حقها أن تكتب بالذهب ما صنف مثلها في الطريقة. ومن عجائبها ما ذكر أن للشيطان لطائف عجيبة في اضلال الناس فيضل كل واحد حسبما يليق بحاله: أما الجهال فيضلهم بجهلهم وأما العلماء فيقول اشتغل بتحصيل العلوم أما عرفت قول النبي صلى الله عليه وسلم: لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد فاصرف عمرك في تحصيل العلوم فإذا كان آخر عمرك اشتغل بالعمل فيأتيه الموت يعبه فجأة فيكون له علم بلا عمل. وحكى رحمه الله أنه كان يجاهد نفسه فجاء الشيطان ليوسوس عليه الحال فقال: إنك رجل عالم تتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم فاشتغل بسمع أحاديث النبي وآثار المشايخ الكبار الحفاظ فإنك إن اشتغلت بمجاهدة النفس فإن عليك إدراك المشايخ الكبار والأستاذ العالي وأما المجاهدة فلا تفوتك فيما بعد! فكدت أعمل بوسوسته فهتف بي هاتف: ومن يسمع الأخبار من غير واسطٍ حرامٌ عليه سمعها بوسائط! فعرفت أن ذلك الخاطر من وساوسه فتركته. توفي الشيخ قريباً من سنة عشر وستمائة. وينسب إليها الشيخ الفاضل العالم شهاب الدين الخيوقي. كان نائب السلطان خوارزمشاه في جميع مملكته والقضاة والمدرسون والمفتون في جميع مملكة السلطان نوابه فإذا دخل مدينة كان المدرسون والقضاة والعلماء يحضرون درسه وكان شافعي المذهب متعصباً لأصحابه وكان من عادته انه إذا دخل مدينة ذهب إليه الفقهاء وقرأوا عليه محفوظهم وكان الشيخ يوليهم الأشغال من كان صالحاً لها.على قلة جبل ببلاد الروم بقرب ملطية. وهذا دير معتبر عند النصارى فإنهم يقولون ان برصوما كان من الحواريين وهو الدير الذي ينادى بطلب نذره في بلاد الروم وديار بكر وربيعة والشام. فيه رهبان كثير يؤدون كل عام إلى صاحب الروم عشرة آلاف دينار من نذره. حكى العفيف مرجى التاجر الواسطي قال: اجتزت بهذا الدير قاصداً بلاد الروم فسمعت كثرة ما ينذرون له وان النذر له لا يخطيء فألقى الله على لساني ان قلت: هذا القماش الذي معي مشتراه خمسة آلاف درهم فإن بعته بسبعة آلاف درهم فلبرصوما من خالص مالي خمسون درهماً! فدخلت ملطية وبعته بسبعة آلاف درهم فلما رجعت سلمت إلى رهبانه خمسين درهماً وسألته عن برصوما فذكر أنه مسجى على سرير وأن أظافيره تطول كل عام وانهم يقلمونها ويحملونها إلى صاحب الروم مع ما له عليهم من القطيعة. الروم بلاد واسعة من أنزه النواحي وأخصبها وأكثرها خيراً وعجائب ذكرت في مواضعها. مياهها أعذب المياه وأخفها وهواؤها أصح الأهوية وأطيبها وترابها أطيب الأتربة وأصحها. ومن خواصها نتاج الدواب والنعم. وليس في شيء من البلاد مثل مائها يحمل منها إلى سائر الآفاق وأهلها مسلمون ونصارى. وشتاؤها يضرب المثل به حتى وصفه بعضهم فقال: الشتاء بالروم بلاء وعذاب وعناء! يغلظ فيها الهواء ويستحجر الماء تذوي الوجوه وتعمش العيون وتسيل الأنوف وتغير الألوان وتقشف الأبدان وتميت كثيراً من الحيوان. أرضها كالقوارير اللامعة وهواؤها كالزنابير اللاسعة وليلها يحول بين الكلب وهريره والأسد وزئيره والطير وصفيره والماء وخريره ويتمنى أهلها من البرد الأليم دخول حر الجحيم! وبلاد الروم بلاد واسعة ومملكة عظيمة ولبعدها عن بلاد الإسلام وقوة ملكها بقيت على كفرها كما كانت وانه أحد معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: أما فارس فلا نطحة أو نطحتان ثم لا فارس بعدها! وأما الروم فإنها ذات قرون كلما مر قرن يخلفه قرن آخر ! وأهل الروم سكان غربي الإقليم الخامس والسادس ولبرد بلادهم ودخولها في الشمال ترى الغالب على ألوانهم البياض وعلى شعورهم الشقرة وعلى أبدانهم الصلابة. والغالب على طبعهم مباشرة اللهو والطرب لأن المنجمين زعموا ان الروم تتعلق بالزهرة. وحكي أن أهل الروم كانوا لا يملكون إلا من كان أكثرهم عقلاً وأوفرهم علماً وأصحهم بدناً وإذا اختل منه شيء من هذه ملكوا غيره وعزلوه وكانوا على هذا إلى أن أصاب ملكهم آفة فهموا بعزله فقال الملك: اصبروا علي زماناً فإن داويت مرضي فأنا أولى من غيري وإلا فافعلوا ما شئتم! فذهب إلى بلاد الشام ليتداوى بحمة كانت بها فرأى الملة النصرانية قد ظهرت بها فأخذ جمعاً من القسوس والرهابين ورجع بهم إلى الروم ودعا الناس إلى الملة النصرانية ولم يزل يجيب قوم بعد قوم حتى صاروا أمة واحدة. وحكي عن أهل الروم أنهم يتخذون صور الملوك والحكماء والرهابين يستأنسون بها بعد موتهم. ولهم في التصوير يد باسطة حتى يصورون صورة الإنسان ضاحكاً وباكياً وصورته مسروراً حزيناً. وحكي أن مصوراً دخل بلداً ليلاً ونزل بقوم فضيفوه فلما سكر قال: إني صاحب مال ومعي كذا وكذا ديناراً فسقوه حتى طلح وأخذوا ما كان معه وحملوه إلى موضع بعيد منهم. فلما أصبح وكان غريباً لم يعرف القوم ولا المكان ذهب إلى والي المدينة وشكا فقال له الوالي: هل تعرف القوم قال: لا. قال: هل تعرف المكان قال: لا. قال: فكيف السبيل إلى ذلك فقال الرجل: إني أصور صورة الرجل وصورة أهله فاعرضها على الناس لعل أحداً يعرفهم! ففعل ذلك وعرض الوالي على الناس فقالوا: انها صورة فلان الحمامي وأهله. فأمر بإحضاره فإذا هو صاحبه فاسترد منه المال.ويقام بالروم سوق كل سنة أول الربيع أربعين يوماً يقال لذلك السوق بيله يأتيها الناس من الأطراف البعيدة من الشرق والغرب والجنوب والشمال. والتجار يجهدون غاية جهدهم حتى يدركوا ذلك السوق فمتاع أهل الشرق يشتريه أهل المغرب وبالعكس ومتاع أهل الشمال يشتريه أهل الجنوب وبالعكس. ويقع فيه من المماليك والجواري التركية والرومية ومن الخيل والبغال الحسنة ومن الثياب الأطلس ومن السقلاط ومن الفراء الفندر وكلب الماء والبرطاس ويدلسون تدليسات عجيبة. ومن عادة هذا السوق ان من اشترى شيئاً فلا يرده البتة وحكي أن بعض التجار اشترى مملوكاً حسن الصورة بثمن بالغ فلما غاب عنه بائعه وجده جارية مستحسنة! وبها الخانات على طرق القوافل على كل فرسخ خان بنتها بنات السلاطين للثواب فإن البرد بالروم ثمانية أشهر والثلج كثير والقفل لا ينقطع في الثلج فيمشون كل يوم فرسخاً وينزلون في خان من الخانات ويكون فيه من الطعام والشعير والتبن والحطب والبزر والاكاف والنعال والمنقل وانها خير عظيم لم يبن مثلها في شيء من البلاد. ومن خواص الروم أن الإبل لا تتولد بها وإذا حملت إليها تسوء حالها وتتلف. بها جبل أولستان. في وسط هذا الجبل شبه درب فيه دوران من اجتاز فيه وفي حال اجتيازه يأكل الخبز بالجبن ويدخل من أوله ويخرج من آخره لا يضره عضة الكلب الكلب وإن عض إنساناً غيره فعبر من بين رجلي المجتاز يأمن أيضاً غائلته. وهذا حديث مشهور بالروم. وبها عين النار بين أقشهر وانطاكية إذا غمست فيه قصبة احترقت. حدثني من شاهدها أنه قد ذكر للسلطان علاء الدين كيخسرو عند اجتيازه بها فوقف عليها وأمر بتجربتها فكان الأمر كما قالوا. رندة مدينة حصينة بأرض الأندلس من أعمال تاكرنا قديماً.استجلب إليها المياه من ناحية المشرق وناحية المغرب فتوافي المياه داخلها. بها نهر رندة وهو نهر يتوارى في غار لا يرى جريه أميالاً ثم يخرج إلى وجه الأرض ويجري. وبها نهر البرادة وهو نهر يجري في أول الربيع إلى آخر الصيف فإذا دخل الخريف يبس إلى أول الربيع من القابل وهو على فرسخين من رندة. روين دز قلعة في غاية الحصانة على ثلاثة فراسخ من المراغة في فضاء من الأرض.ضرب بحصانتها وإحكامها المثل. وهي بين رياض على يمينها نهر وعلى يسارها نهر. وعلى القلعة بستان يسمى عميداباذ ومصنع بئر الماء من تحتها. وفيها عين في صخرة صماء ينبع منها ماء يسير. وبحذاء القلعة جبل وفي ذلك الجبل عين غزيرة الماء ينزل عن الجبل ويصعد القلعة بطريق الفوارات بصنعة عجيبة ومنها شرب أهل القلعة والقلعة لغاية حصانتها في أكثر الأوقات لا يعطي صاحبها الطاعة لصاحب المراغة. زمخشر قرية من قرى خوارزم.ينسب إليها العالم الفاضل أبو القاسم محمود بن عمر جار الله الزمخشري. كان بالغاً في علم العربية وعلم البيان وله تصانيف حسنة ليس لأحد مثلها في فصاحة الألفاظ وبلاغة المعاني مع إيجاز اللفظ حتى لو أن أحداً أراد أن ينقص من كلامه حرفاً أو يزيد فيه بان الخلل. ذهب إلى مكة وجاور بها مدة فسمي جار الله وصنف بمكة كتاب الكشاف في الحرم الشريف حتى وقع التأويل حيث وجد التنزيل وإنه كتاب في غاية الحسن لولا التعصبات الباردة على وقف الاعتزال وانه كان من أهل العلم والفضل. هذا منه عجيب.مدينة من بلاد الأندلس على شاطيء مجمع البحرين قال محمد بن عبد الرحيم الغرناطي: مدينة سبتة مدينة عظيمة كثيرة الأهل حصينة مبنية بالحجر وفيها خلق كثير من أهل العلم وعندها كانت الصخرة التي قال يوشع لموسى عليه السلام: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت واتخذ سبيله في البحر عجباً. وهو الحوت الذي أكلا نصفه والنصف الآخر أحياه الله تعالى فوثب في البحر وارتفعت المياه كالقنطرة والحوت يمشي تحتها فلهذا قال: واتخذ سبيله في البحر عجباً. ولها نسل في ذلك الموضع إلى الآن وهي سمكة أطول من ذراع وعرضها شبر نصفها عظام وشوك عليها غطاء رقيق يحفظ أحشاءها. ومن رآها من ذلك الجانب يحسب انها ميتة مأكولة والنصف الآخر صحيح كما يكون السمك الصحيح والناس يتبركون بها ويهدونها إلى المحتشمين. وأما اليهود فإنهم يشترونها ويقددونها ويهدونها إلى البلاد البعيدة. سبرى حصار قلعة حصينة بالروم مشهورة على مرحلتين من قونية بها بيعة كمنانوس. حدثني بعض الفقهاء من أهلها أن الدابة إذا احتبس ماؤها يطاف بها حول هذه البيعة سبعاً فينفتح ماؤها وذلك سرقسطة مدينة كبيرة من أطيب بلاد الأنلدس بقعة وأحسنها بنياناً وأكثرها ثماراً وأغزرها مياهاً. حكى أحمد بن عمر العذري أنها لا يدخلها حنش ولا يعيش بها. ومن أعمالها قرية يقال لها بلطش قال العذري: بها عين يابسة العام كله فإذا كان أول ليلة من شهر اغشت انبعثت بالماء تلك الليلة ومن الغد إلى وقت الزوال فعند ذلك يبدو فيها النقصان وإلى أول الليل يجف ويبقى كذلك إلى تلك الليلة من العام القابل. وسرقسطة بيد الإفرنج ملكوها سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. سمرقند مدينة مشهورة بما وراء النهر قصبة الصغد قالوا: أول من أسسها كيكاوس ابن كيقباذ وليس على وجه الأرض مدينة أطيب ولا أنزه ولا أحسن من سمرقند. عن أنس بن مالك أنه قال: مدينة خلف نهر جيحون تدعى بسمرقند لا تقولوا لها سمرقند ولكن قولوا المدينة المحفوظة. فقالوا: يا أبا حمزة وما حفظها قال: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مدينة خلف النهر تسمى المحفوظة لها أبواب على كل باب خمسة آلاف ملك يحفظونها وخلف المدينة روضة من رياض الجنة وخارج المدينة ماء حلو عذب من شرب منه شرب من ماء الجنة ومن اغتسل به خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ومن تعبد فيها ليلة يقبل منه عبادة ستين سنة ومن صام فيها يوماً فكأنما صام الدهر ومن أطعم فيها مسكيناً لا يدخل الفقر منزله أبداً. حكي أن شمر بن افريقيش بن أبرهة جمع جنوده خمسمائة ألف رجل وسار نحو بلاد الصين فلما وصل إلى الصغد عصى عليه أهل تلك البلاد وتحصنوا بسمرقند فأحاط بها من جميع الجهات وحاصرها فلم يظفر بها. وسمع أن ملكها أحمق وله ابنة تدبر أمر الملك فأرسل إليها هدية عظيمة وقال: إني إنما قدمت هذه البلاد لأتزوج بك ومعي أربعة آلاف صندوق ذهباً وفضة أدفعها إليك وأمضي إلى الصين فإن ملكت كنت امرأتي وإن هلكت فالمال لك! فأجابته إلى ذلك فأرسل إليها أربعة آلاف صندوق فيها أربعة آلاف رجل ولسمرقند أربعة أبواب إلى كل باب ألف صندوق وجعل العلامة بينهم ضرب الجرس. فلما دخلوا باب المدينة ضربوا الجرس فخرج الرجال وملكوا الأبواب حتى اتصل بهم جنود شمر وملكوا المدينة ونهبوها وقتلوا وهدموا فسميت شمركند فعربته العرب وقالوا: سمرقند. ثم سار شمر نحو الصين فمات في الطريق هو وأصحابه عطشاً.فلما هلك تبع بن أبي مالك أراد أن يأخذ بثأر جده فسار نحو الصين فلما وصل إلى سمرقند وجدها خراباً فأمر بعمارتها وردها إلى ما كانت وأحسن منها. فلما كان زمن الإسكندر وجدها موضعاً شريفاً فبالغ في عمارتها وبنى لها سوراً محيطاً بها استدارته اثنا عشر فرسخاً فيها بساتين ومزارع وارحاء ولها اثنا عشر باباً من الباب إلى الباب فرسخ وعلى أعلى السور آزاج وأبرجة للحرب. وإذا جزت المزارع جزت إلى الربض وفيه أبنية وأسواق. وبها الجامع والقهندز ومسكن السلطان. وفي المدينة الداخلة نهر من رصاص يجري على مسناة عالية من حجر ويدخل المدينة من باب كش وأكثر دروبها ودورها فيها الماء الجاري ولا تخلو دار من بستان حتى لو صعدت قهندزها لا ترى أبنية المدينة لاستتارها بالبساتين والأشجار. وأما داخل سور المدينة الكبيرة ففيه أودية وأنهار وعيون وجبال. وبسمرقند أشياء ظريفة تنقل إلى سائر البلاد: منها الكاغد السمرقندي الذي لا يوجد مثله إلا بالصين وحكى صاحب الممالك والمسالك انه دفع من الصين إلى سمرقند سبي وكان فيهم من يعرف صنعة الكاغد فاتخذها ثم كثرت حتى صارت متجراً لأهل سمرقند فمنها تحمل إلى سائر البلاد. بها جبل قال صاحب تحفة الغرائب: في هذا الجبل غار يتقاطر منه الماء في الصيف ينعقد من ينسب إليها الإمام الفاضل البارع ركن الدين العميدي أعجوبة الزمان انتشر صيته في الآفاق وفاق كل مناظر بالطبع السليم والذهن المستقيم. قال أستاذنا أثير الدين المفضل بن عمر الأبهري: ما رأيت مناظراً مثل العميدي في فصاحة الكلام وبلاغة المعاني وحسن التقرير وتنقيح البيان! وحكي أن زين الدين عبد الرحمن الكشي وكان من فحول العلماء استدل في محفل وكان العميدي حاضراً فصب عليه من الملازمات حتى بهره فقال الكشي: قل واحداً واحداً واسمع جوابه! فلما شرع الكشي في الجواب كان العميدي يزيد على الجواب أيضاً. فلما أظهر القدرة خلاه حتى تممه. وإذا حضر العميدي مدينة حضر جميع الفقهاء عنده واغتنموا حضوره وقرأوا تصانيفه وعزم الذهاب إلى بلاد العراق فقالوا للسلطان: إن هذا رجل عديم المثل زينة لهذه البلاد فمنعه من مفارقة تلك البلاد. فلما وصل إلى نيسابور قالوا له: إن كان لك التماس من السلطان فالتمس ولا تخرج عن مملكته. وحكي أنه كان يباحث أحداً فنقل نقلاً فأنكر المباحث ذلك النقل فقام ودخل البيت حتى يأتي بالكتاب الذي فيه النقل فأبطأ الخروج فدخلوا عليه فإذا هو مفارق. وكان ذلك قريباً من سنة عشر وستمائة.مدينة بأرض الروم مشهورة خصينة كثيرة الأهل والخيرات والثمرات. أهلها مسلمون ونصارى والمسلمون تركمان وعوام طلاب الدنيا وأصحاب التجارات وعلى مذهب الإمام أبي حنيفة وأسباب الفسق والبطالة عندهم ظاهرة. وحكى بعض الغرباء قال: دخلت سيواس فسألت عن مسجد آوي إليه فدلوني على بعضها فدخلته فإذا فيه دنان فيها خمور فحولقت وأردت أن أريقها فقلت: أنا رجل غريب هذا على يد المحتسب أولى. فسألت عن دار المحتسب وسألت عنه قالوا: إنه سكران نائم! فعجبت من هذا أيضاً أن المحتسب يكون سكران فصبرت حتى استيقظ وقلت له ما رأيت في المسجد فقال: هذا مسجد لا وقف له وأثر فيه الخراب فأكريناه من بعض الخمارين وأخذنا الأجرة سلفاً وعمرنا المسجد بها! فقلت: ما أنت رجل مسلم قال: بلى. قلت له: اراقة الخمر واجب عليك فكيف تركت الواجب فقال: يا هذا أريق خمور النصارى حتى يضمنوني قيمتها قلت: قالوا لي انك سكران نائم فكيف يكون المحتسب سكران فقال: إن القوم لقلة ديانتهم يمزجون الماء بالنبيذ ويبيعونه وأنا أذوق منه وأزجر من يفعل ذلك. وحكي أن بسيواس وقفاً على علف الطيور شتاء وذلك عند وقوع الثلج عم جميع وجه الأرض فعند ذلك ينتقل صغار الطيور من الصحراء إلى العمران فتشترى الحبوب بحاصل شاش ناحية من وراء نهر سيحون متاخمة لبلاد الترك. كانت أكبر ثغر في وجه الترك وكانت من أنزه بلاد الله وأكثرها خيراً. وكانت عامة دورهم يجري فيها الماء وكلها مستترة بالضرة فخربت في زمن السلطان محمد خوارزمشاه بسبب اختلاف عساكره وعساكر خطا فقتل ملوكها وجلا أهلها عنها لعجزه عن ضبطها فبقيت تلك الديار والأنهار والأشجار والأزهار خاوية على عروشها وذلك قبل ورود التتر. ينسب إليها أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال الشاشي. كان عالماً فقيهاً ذا تصانيف كثيرة. درس على أبي العباس بن سريج وهو الذي أنشأ علم المناظرة وأظهر مذهب الشافعي ببلاد ما وراء النهر. وكان أول أمره قفالاً عمل قفلاً وزنه دانق مع الفراشة والمفتاح فتعجب الناس من حذقه. واختار مذهب الشافعي وعاد إلى ما وراء النهر وانتشر فقه الشافعي بما وراء النهر مع غلبة الحنفية هناك. وكان علامة في التفسير والفقه والأدب والجدل والأصول. وبها جبل اسبرة قال الاصطخري: هي جبال يخرج منها النفط وانها معدن الفيروزج والحديد والصفر والانك والذهب. ومنها جبل حجارته سود يحترق مثل الفحم يباع منه وقر أو وقران بدرهم فإذا احترق اشتد بياض رماده فيستعمل في تبييض الثياب ولا يعرف مثله في شيء من البلاد وفي الطبيعة عجائب لا يعلم سرها إلا الله. |
إذا ما هجاني ناقص لا أجيبه= فإني إذا جاوبته فلي الذنب أنزه نفسي عن مساواة سفلة= ومن ذا يعض الكلب إن عضه الكلب
|
|
|
#26 |
|
محمد العريفي
المؤسس المشرف العام لملتقى القبائل العربية ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
شاطبة مدينة كبيرة قديمة في شرقي الأندلس يذكر أهلها بالشر والظلم والتعدي قال صفوان بن ادريس المرسي في وصف شاطبة: شاطبة الشّرق شرّ دارٍ ليس بسكّانها فلاح الظّلم عند الورى حرامٌ وإنّه عندهم مباح! ينسب إليها المقريء الشاطبي عمل قصيدة طويلة لأمية وذكر القراءات فيها وأسماء القراء بالحروف المرموزة ولم يقصر في جميع ذلك ونظمه. شاشين جزيرة توازي حد الأندلس طولها مسيرة عشرين يوماً. وهي كثيرة الخيرات آهلة كثيرة المواشي جداً وغنمها بيض كلها لا يكاد يوجد بها شاة سوداء. وأهلها أكثر الناس تحلياً بالذهب فيكون الوضيع والشريف يطوق بالذهب. ولأشرافهم أسورة الذهب في زنودهم وملوكهم بها نوع من الصوف في غاية الحسن لا يوجد مثلها في شيء من البلاد قالوا سبب ذلك أن نساءها يدهن الصوف بشحم الخنزير فيجود عملها ولونها أبيض أو فيروزجي وانها في غاية الحسن. وبها عجب ليس في جميع الدنيا وهو أن على شاطيء بحرهم شجراً فربما انهارت الأجراف ووقعت الشجرة في البحر فيضطرب من الأمواج حتى يصير عليه طخاء أبيض فلا يزال كذلك ويصير الطخاء زائداً حتى يصير في خلقه بيضة ثم تخطط البيضة على خلقة طائر فلا يحتبس إلا رجلاه ومنقاره فإذا أراد الله نفخ الروح فيه يخلق ريشه وينفصل الرجلان والمنقار من العود فيصير طائراً يسعى في البحر على سطح الماء ولا يوجد حياً أبداً فإذا مد البحر حمله الماء إلى السواحل فيوجد ميتاً. وهو طائر أسود يشبه الطائر الذي يقال له الغطاسة. وحكى أحمد بن عمر العذري أن بعض الناس أتى بعود وقد تخلق فيه حمل من البيض إلى بعض الملوك فأمر الملك أن يبنى عليه قبة شبه قفص ويترك في الماء فلم يزل على الضفة حتى تبرأت الطيور من العود داخل القبة. شبلية قرية من كور أسروشنة بما وراء النهر من أعمال بخارى ينسب إليها أبو بكر دلف بن جعفر الشبلي الزاهد العارف أعجوبة الدهر وصاحب الحالات العجيبة كان أبوه حاجب الموفق فورث منه ستين ألف دينار فحضر مجلس جبر النساج وأنفق ذلك المال على الفقراء وذهب إلى ناحية دماوند وقال لأهلها: اجعلوني في حل فإني كنت والي بلدكم وقد فرطت مني فرطات. وحكى أبو علي الدقاق انه كان للشبلي في بدء أمره مجاهدات شديدة حتى انه كان يكتحل بالثلج والملح حتى لا ينام وكان في آخره يقول: وكم من موضعٍ لوّمت فيه لكنت به نكالاً في العشيره وحكي أن الشبلي سئل عن العارف والمحب فقال: العارف إن تكلم هلك والمحب إن سكت هلك. ثم أنشد: يا أيّها السّيّد الكريم ** حبّك بين الحشا مقيم يا دافع النّوم عن جفوني ** أنت بما حلّ بي عليم! وكان بين يديه مرآة ينظر فيها كل ساعة ويقول: بيني وبين الله عهد ان ملت عنه عاقبني وأنا أنظر كل ساعة في المرآة لأعرف هل اسود وجهي أم لا. وكان إذا اشتد به الوجد يقول: قد تعشّقت وافتضح ت وقامت قيامتي! محنتي فيك أنّني لا أبالي بمحنتي يا شفائي من السّقام وإن كنت علّتي تعبي فيك دائمٌ فمتى وقت راحتي وحكي انه كان محبوساً في المارستان فدخل عليه جماعة فقال: من أنتم فقالوا: أحبابك جئناك زائرين! فأخذ يرميهم بالحجارة فأخذوا يهربون فقال: لو كنتم أحبابي لصبرتم على بلائي ! توفي الشبلي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة عن سبع وثمانين سنة. شغنسة مدينة بالأندلس بقرب وادي الحجارة قال العذري: من عجائبها الجبل الذي هو مطل عليها إذا كسر حجره يخرج من كسره زفت أسود شبه القار ومن أراد يجمع منه ما شاء. وليس للهوام بها كثير فعل. شلب مدينة بالأندل بقرب باجة قال العذري: لها بسيط يتسع وبطائح تنفسح وبها جبل عظيم من عجائبها ما ذكره خلق لا يحصى عددهم أنه قل أن يرى من أهل شلب من لا يقول شعراً ولا يتعانى الأدب ولو مررت بالحراث خلف فدانه وسألته الشعر لقرض في ساعته أي معنى اقترحت عليه وأي معنى طلبت منه صحيحاً! شنترة مدينة بالأندلس بقرب الأشبونة على ساحل البحر وعليها ضبابة دائمة لا تنقشع. من عجائبها تفاحها فإن بها تفاحاً دورة واحدة منها ثلاثة أشبار. وهي الآن بيد الفرنج. ملكوها سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. شنترين مدينة بالأندلس بقرب باجة على ساحل البحر. أرضها في غاية الكرم. مبنية على نهر باجة وللنهر فيض في بطائحها كفيض النيل بمصر. زرع أهلها على نداوته في مواضع فيضه بعد فوات أوان الزرع في غيرها من البلاد فيدرك بالعاجل. وبها يوجد العنبر الجيد الذي يقذفه البحر إلى ساحله في بعض الأوقات يحمل منها إلى سائر البلاد.ومن عجائبها ما ذكر أن دابة تخرج من البحر هناك وتحتك بحجارة على ساحل البحر فيسقط منها وبرة على لون الذهب ولين الخز وهي قليلة عزيزة جداً فيجمعها الناس وينسج منها الثياب فيحجر عليها ملوكهم ولا تنقل من بلادهم إلا باخفية وتزيد قيمة الثوب منها على ألف دينار لحسنه وعزته. شنت مرية مدينة قديمة بالأندلس.ومعنى شنت مرية بلغة الفرنج مدينة مريم. وبها كنيسة قال أحمد بن عمر العذري: انها بناء رفيع وسوار عظيمة من فضة لم ير الراؤون مثلها في طول مفرط وعرض لم يحزم الإنسان بذراعه واحدة منها. وبها عين ماء إذا رآها الناظر من البعد لا يشك في أنها جارية فإذا قرب منها ووقع البصر على منبعها لم يرها جارية أصلاً فإذا تباعد عنها رآها جارية! وهذا أمر مشهور عنها لا يكاد يخفى على أحد من تلك البلاد أو على من دخلها قال عبد الله البطليوسي النحوي يهجوها: أناخت بنا في أرض شنت مريّةٍ هواجس ظنّ خان والظّنّ خوّان شنقنيرة أرض بالأندلس من أعمال لورقة. خصها الله تعالى بالبركة وقوة لم توجد في غيرها من الأراضي. وهي ما ذكره الغرناطي الأنصاري أنها حسنة المنظر والمخبر كثيرة الريع طيبة المرتع الحبة من زرعها تتفرع إلى ثلاثمائة قصبة ومسافة هذه الأرض أربعون ميلاً من قرطاجنة إلى لورقة يرتفع من المكوك من بذره مائة مكوك. ليست هذه الخاصية لشيء من أراضي غيرها. صغد كورة بين بخارى وسمرقند إحدى جنان الدنيا قالوا: جنان الدنيا أربع: صغد سمرقند وغوطة دمشق وشعب بوان وأبلة البصرة. أما صغد سمرقند فإنها قرى متصلة خلال الأشجار والبساتين من سمرقند إلى قريب من بخارى لا يتبين القرية حتى يأتيها لالتحاف الأشجار بها. وهي أطيب أرض الله كثيرة الأشجار متجاوبة الأطيار غزيرة الأنهار وزادت على غيرها من الجنان بلطافة الهواء وعذوبة الماء. وليس بصغد سمرقند مكان إذا علاه الناظر يقع بصره على صحراء غبراء أو جبال خالية غير شجراء. وإنها على واد يميناً وشمالاً ومقدارها في المسافة خمسة أيام تشتبك الخضرة والبساتين والرياض وقد حفت بالأنهار الدائم جريها والحياض في صدور رياضها وخضرة الأشجار والزروع ممتدة على حافتي واديها من وراء الخضرة من الجوانب المزارع تكتنفها ومن وراء المزارع مراعي سوائمها. وفي كل مدينة قرية قصورها وقهندزها تلوح في أوساطها كالثوب الديباج الأخضر وقد طرز بمجاري مياهها وزينت بتبييض قصورها. وهي أزكى بلاد الله وأحسنها أشجاراً وأثماراً وفي عامة مساكن أهلها البساتين والمياه الجارية. ومساحة الصغد ستة وثلاثون فرسخاً في ستة وأربعين فرسخاً. قصبتها سمرقند. طراز مدينة في أقصى بلاد الشاش مما يلي تركستان.وهي حد بلاد الإسلام لأنك إذا جزتها دخلت في خرقاهات الخرلخية. وطراز مدينة طيبة التربة عذبة الماء لطيفة الهواء كثيرة الخيرات أشبه شيء بالجنة لأن أهلها في غاية حسن الصورة ليس في تلك النواحي أحسن منهم صورة رجالهم ونساؤهم إلى حد يضرب بحسن صورتهم المثل قال أبو الحسن بن زيد البيهقي: ظبيٌ أباح دمي وأسهر ناظري من نسل تركٍ من ظباء طراز للحسن ديباجٌ على وجناته وعذاره المسكيّ مثل طراز طرطوشة مدينة قديمة بالأندلس بقرب مدينة بلنسية مشتركة على نهر ابره. وهي برية وبحرية وهي مدينة داخلة في مدينة من عجائب المدينة الداخلة ما حكاه العذري أنها لا يدخلها جيش أصلاً. وذكر ايضاً أن البعوض ما كان يدخلها فيما مضى من الزمان حتى ان الواقع على سورها إذا أخرج يده عن السور وقع عليها البعوض وإذا ضمها سقط البعوض عنها. وبها موضع يعرف بمغراوة به نار مستكنة في الأرض غير بادية للعيون لكنه يبدو على الموضع اواد فمن أراد أن يحققه أدخل في الموضع عوداً فإنه يحترق في ساعة ويصير جمرة. وبها جبل كثير الخير والبركة وهو جبل منيف به جميع أنواع الثمار وفي أعلاه مروج كثيرة المياه والمراعي وبه شجر يشبه خشبه خشب الساج تتخذ منه الآلات والظروف. وبها معدن الكحل الطيب الذي هو غاية ومعدن الزجاج. وفي واديها الحوت الطيب من البوري والشوري الذي يكون في الواحد قنطار ويخرج منه السمور وفيه أرحاء في الغوارب يكون بيت الرحا في الغارب والدولاب يدور خارج الغارب بالماء فإن شاء صاحبها ينقل الغارب من موضع إلى موضع. ومثل هذا بالموصل كثير في دجلة وهم يسمونه الغربة.مدينة عظيمة قديمة بالأندلس على شاطيء البحر الشامي بقرب طرطوشة قال العذري: تحت مدينة طركونة سراديب واسعة وفيها بنيان كثيرة قال: حدثني شيخ مسن يقال له ابن زيدان انه نزل في هذه البنيان فضل فيها هو وأصحابه ثلاثة أيام فوجد فيها بيوتاً مملوءة قمحاً وشعيراً من الزمان الأول وقد تغير لونها ولولا ضوء رأوه في اليوم الثالث ما خرجوا أبداً والمدينة الآن مع الافرنج. طلبيرة مدينة قديمة بقرب طليطلة مبنية على قلة جبل عظيم من عجائبها عين ينبع منها ماء كثير يدور عليه عشرون رحاً. طليطلة مدينة كبيرة بالأندلس من أجل مدنها قدراً وأكثرها خيراً تسمى مدينة الملوك. ومن طيب تربتها ولطافة هوائها تبقى الغلات في مطاميرها سبعين سنة لا تتغير. وبها القنطرة العجيبة التي وصفها الواصفون أنها قوس واحد من أحد طرفي الوادي إلى الطرف الآخر لم ير على وجه الأرض قوس قنطرة أعظم منها إلا قنطرة صور قال محمد بن عبد الرحيم الغرناطي: بقرب طليطلة نهر عظيم بنت الجن على ذلك قنطرة من الصخر عالية من الجبل إلى الجبل كأنها قوس قزح كل صخرة منها مثل بيت كبير وقد شدت تلك الحجارة بجذوع من حديد وأذيب عليه الرصاص الأسود وهي أزج واحد يتعجب الناظرون منها لجودة بنائها وماء ذلك النهر لا ينقطع أبداً. وبها حجر المطر وهو ما أخبر به بعض المغاربة أن بقرب طليطلة حجراً إذا أراد القوم المطر أقاموه فلا يزال يأتي المطر إلى أن يلقوه. وكلما أرادوا المطر فعلوا ذلك. وبها صورة ثورين من حجر صلد قال العذري: ان طارقاً لما غزا طليطلة ركب على الثيران وكان ذلك الموضع معسكره فلعل ذلك شيء من الطلسمات. وكان بها بيت الملوك كل من مات من ملوكها ترك تاجه في ذلك البيت وكتب عليه عمر صاحبه ومدة ولايته وكان بها بيت آخر من ملك من ملوكها قفل عليه قفلاً ووصى لمن يكون بعده أن لا يفتح ذلك البيت حتى انتهى الملك إلى رجل اسمه لذريق دخل البيت الأول فوجد فيه أربعة وعشرين تاجاً على عدد ملوكهم ووجد على باب البيت الآخر أربعة وعشرين قفلاً ظن أن فيه مالاً فأراد فتحه فاجتمعت الأساقفة والشمامسة وعظموا ذلك وسالوه أن يسلك مسلك الملوك الذين كانوا قبله فأبى إلا فتحه فقالوا له: أيها الملك انظر فيما يخطر ببالك من مال تراه فيه لندفعه إليك ولا تفتحه.فأبى إلا فتحه.فلما فتحه إذا في البيت صور العرب على خيولهم بعمائمهم ونعالهم وإذا فيه مكتوب: الملك فينا ما دام هذا البيت مقفلاً فإذا فتح فقد ذهب الملك! فندم لذريق على فتح الباب فدخلت العرب بلدهم في السنة التي فتح فيها الباب في أيام الوليد بن عبد الملك. ولما فتحوها وجدوا بها مائدة سليمان بن داود عليه السلام من ذهب فلم يمكن نقلها لعظمها. فأمر الوليد أن يضرب منها حلي الكعبة وميزابها ففعل وما زالت بيد المسلمين إلى أن استولى عليها الفرنج في شهور سنة سبع وسبعين وأربعمائة وإلى الآن بيدهم. غرناطة مدينة بالأندلس قديمة بقرب البيرة من أحسن مدن بلاد الأندلس وأحصنها ومعناها الرمانة بلغة الأندلسيين يشقها نهر يعرف بنهر قلوم وهو النهر المشهور الذي يلفظ من مجراه برادة الذهب الخالص. بها جبل الثلج مطل عليها على ذروته توجد أيام الصيف صنوف الرياحين والرياض المونقة وأجناس الأفاويه وضروب العقاقير. وبها شجرة الزيتون التي هي من عجائب الدنيا قال أبو حامد الأندلسي: بقرب غرناطة بالأندلس كنيسة عندها عين ماء وشجرة زيتون والناس يقصدونها في يوم معلوم من السنة فإذا طلعت الشمس ذلك اليوم أخذت تلك العين بإفاضة الماء ففاضت ماء كثيراً ويظهر على الشجرة زهر الزيتون ثم ينعقد زيتوناً ويكبر ويسود في يومه ذلك اليوم فيأخذ من ذلك الزيتون من قدر على أخذه ومن ذلك الماء للتداوي. وقال محمد بن عبد الرحيم الغرناطي إنها بغرناطة. وحدثني الفقيه سعيد بن عبد الرحمن الأندلسي انها بسقورة. وقال العذري: انها بلورقة. والقائلون كلهم أندلسيون والمواضع المذكورة كلها من أرض الأندلس فجاز ان كل واحد منهم اضافه إلى موضع قريب منه. غنجرة مدينة في داخل الروم.بها نهر يسمى المقلوب لأنه آخذ من الجنوب إلى الشمال بخلاف سائر الأنهار. حكي عنها انه وقعت بها في سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة ليلة الاثنين الخامس من آب زلزلة هائلة وتتابعت إلى اليوم. سقط منها أبنية كثيرة وخسف هناك حصن وكنيسة حتى لم يبق لهما أثر وتبع من ذلك الخسف ماء حار كثير شديد الحرارة حتى غرق منه سبعون ضيعة وهرب خلق كثير من أهل تلك الضياع إلى رؤوس الجبال وبقي ذلك الماء على وجه فاراب مدينة من بلاد ما وراء النهر. ينسب إليها الحكيم الأفضل أبو نصر بن طرخان الفارابي وهو أول حكيم نشأ في الإسلام. فهم كلام أرسطاطاليس ونقله إلى اللغة العربية وقد خصه الله تعالى بمزيد فطانة حتى أحكم أنواع الحكمة حتى علم الموسيقى والكيمياء فكان يمشي في البلاد متنكراً من خوف الملوك فإنهم كانوا يطلبونهن فإذا وصل إلى مدينة وأعجبته تلك المدينة سكنها مدة ويشتري بها داراً وبستاناً وجواري وعبيداً فإذا مل عنها زوج الجواري من العبيد ووهب الأملاك لهم وفارقها ولا يرجع إليها أبداً. وكان معاصراً للصاحب بن عباد وزير مجد الدولة بن بويه وكان الصاحب شديد الطلب له حكي أن الصاحب أو غيره ظفر به ذات مرة وقد عرفوه واحترموا جانبه وأبو نصر انبسط معهم وكان حاذقاً بعلم الموسيقى فأخذ في بعض مجالسهم شيئاً من الملاهي وضرب ضرباً فضحك القوم كلهم ثم ضرب ضرباً فبكى القوم كلهم ثم ضرب ضرباً فنام القوم كلهم ثم قام وفارقهم وهرب. وقيل: ان الصاحب بن عباد كان بالري فدخل عليه أبو نصر متنكراً فما عرفه. وحكي أن أبا نصر. كان في قفل يمشي في بلاد الشام فوقع عليهم اللصوص فسلم إليهم ماله وخيله فأبوا إلا قتله فنزل عن الدابة وتستر بالمجن وكان حاذقاً في الرمي فقاتل حتى قتل في سنة أربعين وثلاثمائة. فبرة مدينة قديمة بأرض الأندلس بقرب قرطبة قال العذري: بها مغارة عجيبة لا يعرف قدرها البتة يقال لها باب الرياح إذا وقفت عليه وعلقت فيه ثوباً رفعته الريح في الجو. وقال أيضاً: إن بعض ملوك بني أمية أمر أن يردم ذلك الغار بالتبن فحشدوا أهل الناحية وأمروهم بذلك حتى استوى الردم إلى أعلى الغار وقعد الناس على فم الغار فتحرك بهم الردم وساخ من ساعته ونجا الناس. ولم يعلم أين ذهب ذلك التبن إلا أنهم رأوا بعض منابع ذلك الجبل أخرج منه بعض ذلك التبن. فراغة مدينة بالأندلس بقرب لاردة.وهي مدينة حسنة البنيان ذات مياه وبساتين كثيرة. وإنها حسنة المنظر طيبة المخبر. بها سراديب تحت الأرض كثيرة وهي عندهم ملجأ من العدو إذا طرقهم.وصفتها أنها بئر ضيقة الرأس واسعة الأسفل وفي أسفلها أزقة كثيرة مختلفة كنافقاء اليربوع فلا يوصل إليها من أعلى الأرض ولا يجسر الطالب على دخولها وإن انتشر فيها الدخان دخوا في الأزقة وسدوا أبوابها حتى يرجع الدخان عنهم وإن طموها يكون لها باب آخر خرجوا منه وتسمى هذه السراديب عندهم الفجوج ويخرج في عملها الأموال بالوصية وغيرها. وإن ذلك عندهم من أبواب البر. فرمنتيرة جزيرة في البحر المحيط طولها عشرون ميلاً وعرضها ثلاثة أميال وانها في وسط البحر. وهواؤها طيب وتربتها كريمة ومياه آبارها عذبة. وبها عمارات ومزارع. ولطيب هوائها وتربتها لا يوجد فيها شيء من الهوام أصلاً لأن الهوام والحشرات تولدها من العفونات ولا عفونة بها وحكي أن بها منبت الزعفران الجيد الغاية الذي لا يوجد في موضع خير منه. فهمين قلعة بأرض الأندلس بقرب طليطلة حصينة جداً.بها بئر شرب أهل القلعة منها ولم يعرف فيها علق أصلاً فكثر فيها الطين بطول زمان. فاحتاجوا إلى كسحها فأخرجوا منها طيناً كثيراً فكثر ماؤها إلا انه تولد فيها علق كثير تعذر معه شرب مائها لأن العلق كان ينشب بحلق شارب الماء فوجدوا في وسط الطين المخرج منها علقاً من النحاس فرموه في البئر فانقطع العلق منها. قادس جزيرة بقرب الأندلس طولها اثنا عشر ميلاً.بها آبار مياهها عذبة وفيها آثار قديمة غيرها الزمان: منها الطلسم المشهور الذي عمل لدفع البربر عن جزيرة الأندلس وهو ما حكي أن صاحب هذه الجزيرة كان من ملوك الروم قبل الإسلام وكانت له بنت ذات جمال فخطبها ملوك تلك النواحي فقالت البنت: لا أتزوج إلا بمن يعمل في جزيرتي طلسماً يمنع البربر من دخولها أو يسوق الماء إليها من البر بحيث يدور الرحا عليها! فشرع ملكان أحدهما في عمل الطلسم والآخر في سوق الماء إليها من البر فقيل لها: بمن تتزوجين فقالت: أتزوج بالسابق منهما! أما صاحب الماء فقد اتخذ في وسط البحر بناء محكماً وثقه بالحجارة والرصاص بحيث لا يشرب شيئاً من ماء البحر وسرح الماء إليه من نهر من البر حتى وصل إلى جزيرة قادس وأثره في البحر إلى الآن ظاهر لكنه مهدوم بطول المدة.وأما صاحب الطلسم فقد اتخذ تمثالاً من الحديد مخلوطاً بالصفر على صورة رجل بربري له لحية متلحف بوشاح ورداء مذهب قد تعلق من منكبه إلى أنصاف ساقيه وقد جمع فضلتيه بيده اليسرى منضمة إلى صدره ويده اليمنى ممدودة بمفتاح قفل في يده قابض عليه مشيراً إلى البحر كأنه يقول: لا عبور! وهو قائم على رأس بناء عال طوله نيف وستون ذراعاً وطول الصورة قدر ستة أذرع وذكر أن البحر الذي تجاه الصورة ويسمى الابلاية لم ير ساكناً ولا تجري فيه السفن بعد ذلك. وحكي أن صاحب سوق الماء سبق صاحب الطلسم فقال صاحب الجزيرة: لا تظهروا سبقه حتى لا يبطل علينا عمل الطلسم. فلما فرغ الصانع من الطلسم قيل له: قد سبقت! فالقى نفسه من أعلى الموضع الذي عليه الطلسم فمات. فحصل لصاحب الجزيرة الماء والطلسم فما زال الأمر على ذلك. كان البحر مضطرباً والجزيرة محفوظة إلى سنة أربعمائة فوقع المفتاح من يد الصورة فحمل إلى صاحب مدينة سبتة فوزنه فكان فيه ثلاثة أرطال فسكن البحر حينئذ وعبرت السفن فيه. وذكر أيضاً أن الطلسم هدم في سنة أربعين وخمسمائة هدموه رجاء أن يوجد تحته شيء من المال فلم يوجد شيء فيه.مدينة بأرمينية تنسب إلى امرأة اسمها قالي فكأنه قال قالي بنت كما يقال دارابجرد وصورت صورة نفسها على باب المدينة. يجلب منها البسط والزلالي التي يقال لها قالي. ولأهلها يد باسطة في صنعتها ومنها تحمل إلى سائر البلاد. بها بيعة الشعانين قال ابن الفقيه: انها بيعة للنصارى فيها بيت كبير مخزن مصاحفهم وصلبانهم فإذا كانت ليلة الشعانين يفتح باب في ذلك الموضع معروف يخرج منه تراب أبيض فلا يزال يخرج ليلته إلى الصباح فينقطع حينئذ فيأخذه الراهب ويدفعه إلى الناس. وخاصيته دفع السموم ولدغ العقارب والحيات يداف منه وزن دانق في ماء فيشربه الملسوع فيسكن في الوقت ألمه. وفيه أعجوبة أخرى وذلك انه ان بيع منه شيء لم ينتفع به صاحبه ويبطل عمله. قرطبة مدينة عظيمة في وسط بلاد الأندلس.كانت سرير ملك بني أمية دورتها أربعة عشر ميلاً وعرضها ميلان على النهر الأكبر الذي يعرف بوادي الكبير وعليه جسران.ومسجدها الجامع من أكبر مساجد الإسلام وأجمعها لمحاسن العمد والبنيان طوله أربعمائة ذراع وعرضه ثلاثمائة وعمده ورخام بنيانه بفسيفساء وذهب وبحذائه سقايات وحياض فيها من الماء الرضراض. وبها كنيسة الأسرى وهي مقصودة معتبرة عند النصارى قال العذري: إن المسلمين هموا بفتح قرطبة فأسروا راعياً من رعاتها وسألوه عنها فذكر أنها حصينة جداً إلا أن فيها ثغرة فوق باب القنطرة. فلما جنهم الليل ذهبوا إلى تلك الثغرة ودخلوا منها وجاؤوا إلى باب المدينة الذي يقال له باب القنطرة وقتلوا الحراس وفتحوا الباب ودخلوا المدينة. فلما علم صاحب قرطبة أن المسلمين دخلوا خرج مع وجوه المدينة وتحصن بهذه الكنيسة فحاصرهم المسلمون ثلاثة أيام. فبينا هم كذلك إذ خرج العلج على فرس أصفر هارباً حتى أتى خندق المدينة فتبعه أمير المسلمين واسمه مغيث. فلما رأى مغيثاً حرك فرسه فسقط واندقت رقبته فأسره مغيث ورجع إلى بقية العلوج فأسرهم وقتلهم فسميت الكنيسة كنيسة الأسرى. وبها جبال معدن الفضة ومعدن الشادنج وهو حجر يقطع الدم ومعدن حجر التوتيا ومعدن الشبوب وتجلب من قرطبة بغال قيمة واحد منها تبلغ خمسمائة دينار لحسن شكلها وألوانها وعلوها وصحة قوائمها.مدينة قديمة بالأندلس بقرب بسطة. بها جبل فيه غار يتقاطر الماء من أعلاه في حفيرة تحته لطيفة نقطة نقطة ويجتمع في تلك الحفيرة بذوبانها ولا يغيض فإن شرب من ماء تلك الحفيرة عدد كثير لم ينقص قال العذري: أخبرني بهذا جماعة شاهدوها وهذا أمر شائع مستفيض في ذلك الموضع قال: وفي هذا الغار ميت لا يغيره طول الأزمنة ولم يعرف له خبر. قلعة اللان إنها قلعة في غاية الحصانة بأرض اللان على قلة جبل. وهي من القلاع الموصوفة بالحصانة تسمى باب اللان قالوا: لو أن رجلاً واحداً يمنع جميع ملوك الأرض عنها يصح له ذلك لتعلقها بالجو وعسر الطريق. ولها قنطرة عجيبة البناء عظيمة وعجبها مما يبصر لا مما يذكر فإن اللفظ لا يعطي معنى. عجبها بناها سندباذ بن كشتاسف بن لهراسف والقلعة على صخرة صماء بها عين ينبع الماء العذب من الصخرة الصماء. بها عجيبان: القنطرة والعين في وسط القلعة من الصخرة الصماء. قيصرية مدينة عظيمة في بلاد الروم بناها ملك الروم من الحجارة وهي كثيرة الأهل عظيمة العمارة والآن هي كرسي ملك بني سلجوق وهم ملوك مسلمون. بها آثار قديمة يزورها الناس. وبها موضع يقولون انه حبيس محمد بن الحنفية. وبها جامع أبي محمد البطال وكان بها حمام بناه بليناس الحكيم لقيصر ملك الروم من عجائب الدنيا. كان يحمى بسراج. وبها موضع بين قيصرية واقصرا يشبه بيدراً مسخ حجراً فصبرة الحنطة انقلبت حجراً أحمر وصبرة التبن انقلبت حجراً أبيض اللون. وحولها تماثيل حجرية تشبه تماثيل الحيوانات من الإنسان والبهائم لكنها تغيرت وفنيت بطول الوقت وبقرب قيصرية جبل فيه من الحيات ما لا يحصى إلا أنها لا تخرج منه لطلسم عمله الحكماء فلا يخرج منه شيء البتة. كش مدينة بقرب سمرقند حصينة.لها قهندز وربض قال الاصطخري: مدينة كش ثلاثة فراسخ في مثلها جرومية تدرك بها الثمار أسرع من سائر بلاد ما وراء النهر غير أنها وبيئة وعماراتها حسنة جداً. وفي عامة دورها الماء الجاري والبستان. بها شوك الترنجبين يحمل منها إلى البلاد كلها. وفي جبالها العقاقير الكثيرة. ومنها يرتفع الملح المستحجر.ومن مفاخرها أبو إسحق الكشي المشهور بالجود والكرم. ومن العجائب ما حكي عنه أن بعض أصدقائه شكا إليه سوء حاله وكثرة ديونه فسأله أبو إسحق عن مقدار دينه ووزن في الحال وقال: اصرف هذا في دينك! ثم وزن مثلها وقال: اصرف هذا في مصالحة شأنك! وجعل يعتذر إليه اعتذار المذنب. فلما ذهب الرجل بكى بكاء شديداً فسئل عن بكائه فقال: بكائي على غفلتي عن حال صديقي حتى افتقر إلى رفع الحال إلي والوقوف موقف السؤال. كند من قرى خجند بما وراء النهر يقال لها كند باذام وباذام هو اللوز لأن بها لوزاً كثيراً. بها اللوز الفريك وهو لوز عجيب ينقشر إذا فرك باليد. لبلة مدينة بالأندلس قديمة بقرب اشبيلية كثيرة الحيرات فائضة البركات بها آثار قديمة بها نهر لهشر وبهذا النهر ثلاث عيون: إحداها عين لهشر وهي أغزرها ماء وأعذبها والثانية عين الشب فإنها تنبعث بالشب والثالثة عين الزاج فإنها تنبعث بالزاج فإذا غلبت عين ماء لهشر قال العذري: سور المدينة قد عقد بناؤه على تصاوير أربعة: صنم يسمى درديا وعليه صنم آخر وصنم يسمى مكيخا وعليه صنم آخر. والمدينة مبنية على هذه الأصنام وما علا من البناء موضوع على أعناقها. ومدينة لبلة انفردت بهذه البنية على سائر المدن. وبها صيد البر والبحر جميعاً. ويجلب منها العصفر الجيد والعناب الذي لا نظير له في الآفاق ويعمل بها الأديم الجيد الذي يحاكي الطائفي. لشبونة مدينة بالأندلس قديمة في غربي قرطبة قريبة إلى البحر. بها جبال فيها أوكار البزاة الخلص ولا تكون في غيرها. ولعسلها فضل على كل عسل بالأندلس يشبه السكر إذا لف في خرقة لا يلوثها. وبها معدن التبر الخالص ويوجد بساحلها العنبر الفائق ملكها الفرنج سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة وهي إلى الآن بيدهم. لورقة مدينة كبيرة بالأندلس قاعدة كورة تدمير. هي أكرم بقاع الأندلس وأكثرها خيراً سيما الفواكه فإن بها من أصناف الفواكه ما لا يوجد في غيرها حسناً وكثرة سيما الكمثرى والرمان والسفرجل. ومن قوة أرضها ما ذكره العذري أن بها عنباً وزن العنقود منه خمسون رطلاً بالبغدادي وان الحبة من الحنطة تصيب هناك مائة حبة. وبأرض لورقة يسقي نهر كنيل مصر يبسط على الأرض فإذا غاض يزرع عليه ويبقى طعامها في المطامير خمسين سنة وأكثر ولا يتغير وكثيراً ما تصيبها آفة الجراد. وحكي انه كانت في بعض كنائسها جرادة من ذهب وكانت لورقة آمنة من جائحة الجراد فسرقت تلك الجرادة فظهر الجراد في ذلك العام ولم يفقد بعد ذلك. وأيضاً لم توجد بها علة البقر التي تسمى اللقيس إلى أن وجد في بعض الأساس ثوران من صفر أحدهما قدام الآخر يلتفت إليه. فلما أخذ من ذلك الموضع وقعت اللقيس في ذلك العام. ومن عجائبها شجرة زيتونة في كنيسة في حومة جبل في كل سنة في وقت معلوم تنور وتعقد وتسود وتطيب في يوم آخر وهي مشهورة عرفها الناس حكى العذري أن هذه الشجرة قطعها أصحابها وهم نصارى وإنما فعلوا ذلك لكثرة الواردة عليهم بسببها وتزاحم الناس فبقيت مقطوعة زماناً ثم لقحت بعد ذلك وهي الآن باقية كذا ذكره العذري في شهور سنة خمسين وأربعمائة. وقال أيضاً: أخبرني إبراهيم بن أحمد الطرطوشي قال: سمعت ملك الروم يقول إني أريد أن أرسل إلى أمير المؤمنين بالأندلس هدية فإن من أعظم حوائجي عنده انه صح عندي أن في الفاتحة الكريمة كنيسة وفي الدار منها زيتونة إذا كانت ليلة الميلاد تورقت وعقدت وأطعمت من نهارها. اعلم أن لشهيدها محلاً عظيماً عند الله فأتضرع إلى معاليه في تسلية أهل تلك الكنيسة ومداراتهم حتى يسمحوا بعظام ذلك الشهيد فإن حصل لي هذا كان أجل من كل نعمة. وبها وادي الثمرات ذكر العذري أن هناك أرضاً تعرف بوادي الثمرات يرد إليه ماء واد هناك يسقيه فينبت التفاح والكمثرى والتين والزيتون ونحوها سوى شجر التوت من غير غرس أصل لقد حدث بذلك جماعة من ثقات الناس. |
إذا ما هجاني ناقص لا أجيبه= فإني إذا جاوبته فلي الذنب أنزه نفسي عن مساواة سفلة= ومن ذا يعض الكلب إن عضه الكلب
|
|
|
#27 |
|
محمد العريفي
المؤسس المشرف العام لملتقى القبائل العربية ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
مالطة جزيرة بقرب جزيرة الأندلس عظيمة الخيرات كثيرة البركات طولها نحو ثلاثين ميلاً وهي آهلة وبها مدن وقرى وأشجار وأثمار غزاها الروم بعد الأربعين والأربعمائة. حاربوهم وطلبوا منهم الأموال والنساء فاجتمع المسلمون وعدوا أنفسهم وكان عدد عبيدهم أكثر من عدد الأحرار فقالوا لعبيدهم: حاربوا معنا فإن ظفرتم فأنتم أحرار وما لنا لكم وإن توانيتم قتلنا وقتلتم! فلما وافى الروم حملوا عليهم حملة رجل واحد ونصرهم الله فهزموهم وقتلوا من الروم خلقاً كثيراً ولحق العبيد بالأحرار واشتدت شوكتهم فلم تغزهم الروم بعد ذلك أبداً. ينسب إليها ابن السمنطي الشاعر المالطي. كان آية في نظم الشعر على البديهة قال أبو القاسم بن رمضان المالطي: اتخذ بعض المهندسين بمالطة لملكها صورة تعرف بها أوقات ساعات النهار وكانت ترمي بنادق على الصناج فقلت لعبد الله ابن السمنطي: اجز هذا المصراع: جارية ترمي الضنج فقال: بها القلوب تبتهج كأن من أحكمها إلى السّماء قد عرج وطالع الأفلاك عن سرّ البروج والدّرج كأنه يقرأها من حفظه. ما وراء النهر يراد به ما وراء نهر جيحون. من أنزه النواحي وأخصبها وأكثرها خيراً. وليس بها موضع خال عن العمارة من مدينة أو قرى أو مزارع أو مراع. هواؤها أصح الأهوية ومياهها أعذب المياه وأخفها والمياه العذبة عمت جميع جبالها وضواحيها وترابها أطيب الأتربة وبلادها بخارى وسمرقند وجند وخجند. وأهلها أهل الخير والصلاح في الدين والعلم والسماحة فإن الناس في أكثر ما وراء النهر كأنهم في دار واحدة وما ينزل أحد بأحد إلا كأنه نزل بدار نفسه من غريب وبلدي. وهمة كل امريء منهم على الجود والسماح فيما ملكت يده من غير سابقة معرفة أو توقع مكافأة. حكى الاصطخري انه نزل منزلاً بالصغد فرأى داراً ضربت الأوتاد على بابها فقالوا: إن ذلك الباب لم يغلق منذ زيادة على مائة سنة ولم يمنع من دخوله واصل ليلاً ولا نهاراً! والغالب عليهم بناء الرباطات وعمارة الطرق والوقف على سبيل الجهاد وأهل العلم وليس بها قرية ولا منهل ولا مفازة إلا وبها من الرباطات ما يفضل عن نزول من طرقه. وقال: بلغني أن بما وراء النهر أكثر من عشرة آلاف رباط في أكثرها إذا نزل الناس به طعام لهم وعلف لدوابهم إن احتاجوا. وجميع ما وراء النهر ثغر من حدود خوارزم إلى اسبيجاب وهناك الترك الغزية من اسبيجاب إلى فرغانة الترك الخلخية ولم يزل ما وراء النهر على هذه الصفة إلى أن ملكها خوارزم شاه محمد بن تكش سنة ستمائة وطرد الخطاة عنها وقتل ملوك ما وراء النهر المعروفين بالخانية وكان في كل قطر ملك يحفظ جانبه فلما استولى على جميع النواحي عجز عن ضبطها فسلط عليها عساكره حتى نهبوها وأجلى الناس عنها فبقيت تلك الديار التي وصفت بالجنان لحسنها خاوية على عروشها ومياهها مندفقة معطلة وقد ورد عقيب ذلك عساكر التتر في سنة سبع عشرة وستمائة وخربوا بقاياها. والآن بقي بعض ما كان عليها. فسبحان من لا يعتريه التغير والزوال وكل شيء سواه يتغير من حال إلى حال! مدينة النحاس ويقال لها أيضاً مدينة الصفر. لها قصة عجيبة مخالفة للعادة جداً ولكني رأيت جماعة كتبوها في كتب معدودة كتبتها أيضاً ومع ذلك فإنها مدينة مشهورة الذكر. قال ابن الفقيه: ذهب العلماء الأقدمون إلى أن مدينة النحاس بناها ذو القرنين وأودعها كنوزه وطلسمها فلا يقف عليها أحد وجعل في داخلها حجر البهتة وهو مغناطيس الناس فإن الإنسان إذا وقف حذاءه جذبه كما يجذب المغناطيس الحديد ولا ينفصل عنه حتى يموت وانه في مفاوز الأندلس. ولما بلغ عبد الملك بن مروان خبر مدينة النحاس وخبر ما فيها من الكنوز وان إلى جانبها بحيرة فيها كنوز كثيرة وأموال عظيمة كتب إلى موسى بن نصير عامل المغرب وأمره بالمصير إليه والحرص على دخولها وان يعرفه حالها ودفع الكتاب إلى طالب بن مدرك فحمله إلى موسى وهو بالقيروان فلما قرأه تجهز وسار في ألف فارس نحوها فلما رجع كتب إلى عبد الملك: بسم الله الرحمن الرحيم. أصلح الله الأمير صلاحاً يبلغ به خير الدنيا والآخرة. أخبرك يا أمير المؤمنين أني تجهزت لأربعة أشهر وسرت في مفاوز الأندلس ومعي ألف رجل حتى أوغلت في طرق قد انطمست ومناهل قد اندرست وعفت فيها الآثار وانقطعت عنها الأخبار فسرت ثلاثة وأربعين يوماً أحاول مدينة لم ير الراؤون مثلها ولم يسمع السامعون بنظيرها. فلاح لنا بريق شرفها من مسيرة ثلاثة أيام فأفزعنا منظرها الهائل وامتلأت قلوبنا رعباً من عظمها وبعد أقطارها. فلما قربنا منها إذا أمرها عجيب ومنظرها هائل فنزلنا عند ركنها الشرقي ثم وجهت رجلاً من أصحابي في مائة فارس وأمرته أن يدور حول سورها ليعرف بابها فغاب عنا يومين ثم وافى اليوم الثالث فأخبرني انه ما وجد لها باباً ولا أرى إليها مسلكاً فجمعت أمتعة أصحابي إلى جانب سورها وجعلت بعضها على بعض لأنظر من يصعد إليها فيأتيني بخبر ما فيها فلم تبلغ أمتعتنا ربع الحائط لارتفاعه فأمرت عند ذلك باتخاذ السلالم وشد بعضها إلى بعض بالحبال ونصبتها إلى الحائط وجعلت لمن يصعد إليها ويأتيني بخبر ما فيها عشرة آلاف درهم فانتدب لذلك رجل من أصحابي يتسنم ويقرأ ويتعوذ. فلما صار على سورها وأشرف على ما فيها قهقه ضاحكاً ونزل إليها فناديناه أن أخبرنا بما فيها وبما رأيته فلم يجبنا. فجعلت لمن يصعد ويأتيني بخبر ما فيها وخبر الرجل ألف دينار فانتدب رجل من حمير وأخذ الدنانير ثم صعد. فلما استوى على السور قهقه ضاحكاً ثم نزل إليها فناديناه أن أخبرنا بما ترى فلم يجبنا. فصعد ثالث وكان حاله مثل حال الرجلين فامتنع أصحابي بعد ذلك من الصعود فلما أيست عنها رحلت نحو البحيرة وسرت مع سور المدينة فانتهيت إلى مكان من السور فيه كتابة بالحميرية فأمرت بانتساخها فكانت: ليعلم المرء ذو العزّ المنيع ومن يرجو الخلود وما حيٌّ بمخلود! لو انّ حيّاً ينال الخلد في مهلٍ لنال ذاك سليمان بن داود سالت له العين عين القطر فائضةً فيه عطاءٌ جزيلٌ غير مصرود وقال للجنّ أنشوا فيه لي أثراً يبقى إلى الحشر لا يبلى ولا يودي فصيّروه صفاحاً ثمّ ميل به إلى البناء بإحكامٍ وتجويد وأفرغوا القطر فوق السّور منحدراً فصار صلباً شديداً مثل صيخود وصبّ فيه كنوز الأرض قاطبةً وسوف تظهر يوماً غير محدود لم يبق من بعدها في الأرض سابغةً حتى تضمّن رمساً بطن أخدود هذا ليعلم أنّ الملك منقطعٌ إلاّ من الله ذي التقوى وذي الجود قال: ثم سرت حتى وافيت البحيرة عند غروب الشمس فإذا هي مقدار ميل في ميل كثيرة الأموج فإذا رجل قائم فوق الماء فناديناه: من أنت فقال: أنا رجل من الجن! كان سليمان بن داود حبسه والذي في هذه البحيرة. فأتيته لأنظر ما حاله قلنا له: فما بالك قائماً فوق الماء قال: سمعت صوتاً فظننته صوت رجل يأتي هذه البحيرة في كل عام مرةً وهذا أوان مجيئه فيصلي على شاطئها أياماً ويهلل الله ويمجده. قلنا: من تظنه قال: أظنه الخضر عليه السلام. فغاب عنا فلم ندر كيف أخذ. قال: وكنت أخرجت معي عدة من الغواصين فغاصوا في الماء فرأوا حباً من صفر مطبقاً رأسه مختوماً برصاص فأمرت به ففتح فخرج منه رحل من صفر على فرس بيده رمح مطرد من صفر فطار في الهواء وهو يقول: يا نبي الله لا أعود! ثم غاصوا ثانية وثالثة فأخرجوا مثل هذا فضجوا خوفاً من قطع الزاد. فأخذت الطريق التي سلكتها أولاً حتى عدت إلى قيروان والحمد لله الذي حفظ لأمير المؤمنين أموره وسلم له جنوده والسلام. قال: فلما قرأ عبد الملك كتاب موسى وكان عنده الزهري قال له: ما تظن بأولئك الذين صعدوا السور قال الزهري: يا أمير المؤمنين لأن لتلك المدينة جناً قد وكلوا بها! قال: فمن أولئك الذين يخرجون من الحباب ويطيرون قال: أولئك مردة الجن الذين حبسهم سليمان بن داود عليه السلام في البحار هذا ما رواه ابن الفقيه. وقال أبو حامد الأندلسي: دور مدينة النحاس أربعون فرسخاً وعلو سورها خمسمائة ذراع فيما يقال. ولها كتاب مشهور في كتابها أن ذا القرنين بناها والصحيح أن سليمان بن داود عليه السلام بناها. وليس لها باب ظاهر وأساسها راسخ وان موسى بن نصير وصل إليها في جنوده وبنى إلى جانب السور بناء عالياً متصلاً به وجعل عليه سلماً من الخشب متصلاً بأعلى السور وندب إليه من أعطاه مالاً كثيراً. وأن ذلك الرجل لما رأى داخل المدينة ضحك وألقى نفسه في داخل المدينة وسمعوا من داخل المدينة أصواتاً هائلة ثم ندب إليه آخر وأعطاه مالاً كثيراً وأخذ عليه العهد أن لا يدخل المدينة ويخبرهم بما يرى فلما صعد وعاين المدينة ضحك وألقى نفسه فيها وسمعوا من داخلها أصواتاً هائلة أيضاً ثم ندب إليه رجلاً شجاعاً وشد في وسطه حبلاً قويا فلما عاين المدينة ألقى نفسه فيها فجذبوه حتى انقطع الرجل من وسطه. فعلم أن في المدينة جناً يجرون من علا على السور فأيسوا منها وتركوها. وذكر أبو حامد الأندلسي في وصف مدينة النحاس قصيدة منها: وتقبّل الملكوت ربعي حيث ما فلك البروج يجرّ في سجداته والرّيح يحمله الرّخاء فإنّما شهرين مطلعها إلى روحاته كالطّود مبهمةً بأسٍّ راسخٍ أعيا البريّة من جميع جهاته والقطر سال بها فصاغ مدينةً عجباً يحار الوهم دون صفاته حصن النّحاس أحاط من جنباتها وعلى غلوّ السّهم في غلواته فيها ذخائره وجلّ كنوزه والله يكلأها إلى ميقاته في الأرض آياتٌ فلا تك منكراً فعجائب الأشياء من آياته مراغة مدينة كبيرة مشهورة من بلاد آذربيجان قصبتها. وهي كثيرة الأهل عظيمة القدر غزيرة الأنهار كثيرة الأشجار وافرة الثمار. بها آثار قديمة للمجوس ومدارس وخانقاهات حسنة. حدثني بعض أهلها أن بها بستاناً يسمى قيامتاباذ فرسخ في فرسخ وأن أربابه لا يقدرون على تحصيل ثمرتها من الكثرة فتتناثر من الأشجار. وبقرب قيامتاباذ جمة يفور الماء الحار عنها يأتيها أصحاب العاهات يستحمون بها وتنفعهم. وهي عيون عدة أكثر ما يأتيها الزمنى والجربى. فإذا انفصل هذا الماء عن الجمة ويجري على وجه الأرض يصير حجراً صلداً.وخارج المدينة غار يدخله الإنسان يرى فيه شبه البيوت والغرف فإذا أمعن يرى فيه شيئاً صليباً لا يقرب منه أحد إلا هلك يزعمون أنه طلسم على كنز والله أعلم. وبها جبل زنجقان وهو جبل بقرب مراغة به عين ماء عذب يعجن به الدقيق فيربو كثيراً ويحسن خبزه والخبازون يخمرون أدقتهم به ويصير هذا الماء حجراً ينعقد منه صخور ضخام يستعملها الناس في أبنيتهم. ومن مفاخرها القاضي صدر الدين المعروف بالجود والكرم وفنون الخيرات وصنوف المبرات من خيراته سور مدينة قزوين الذي عجز عن مثله أعظم ملوك زماننا فإنه بنى أبواب المدينة بالآجر في غاية العلو وبقية السور بالطين وشرفاتها بالآجر والمدينة في غاية السعة. وحكي أنه أراد أن يتخذ لنفسه قبراً بقرب حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إلى أمير المدينة وأعلمه ذلك فشرط أن يبعث إليه ملء جراب ذهباً. فقال القاضي: ابعث إلي الجراب حتى أملأه ذهباً! فلما رأى أمير المدينة كبر همته وسماحة نفسه بعث إليه اذن عناق ومكنه من ذلك. فلما توفي دفن في المدينة وموضع رأسه قريب من قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحكى الشيخ نور الدين محمد بن خالد الجيلي وكان من الابدال في كتاب صنفه في كراماته وعجائب حالاته قال: رأيت فوجاً من الملائكة لا يدرك عددهم ومعهم تحف وهدايا فسألت: إلى من هذه الهدايا قالوا: إلى قاضي مراغة. قلت: ما هو إلا عبد مكرم! قالوا: ان هذه له لكرامته رسول الله صلى الله عليه وسلم. مربيطر مدينة بالأندلس بقرب بلنسية قال صاحب معجم البلدان: إن فيها الملعب ذا العجائب لست أعرف كيف يكون ذلك وذاك أن الإنسان إذا نزل فيه صعد وإذا صعد عليه نزل إن صح ذلك فإنه ذو العجائب جداً. المستطيلة قال أبو القاسم الجهاني: إنها بلاد بأرض الروم على ساحل البحر. المطر بها دائم صيفاً وشتاء بحيث أهلها لا يقدرون على دياس بيادرهم وإنما يجمعونها في السنابل ويفركونها في بيوتهم. بها بزاة كثيرة عدد الغربان عند غيرهم لكنها ضعيفة رخوة لا تقدر على أخذ الدجاج وأمثالها. المصيصة مدينة بأرض الروم على ساحل جيحان. كانت من ثغور الإسلام وهي الآن بيد أولاد ليون سميت بالمصيصة بن الروم بن اليقن بن سام بن نوح عليه السلام قال المهلبي: من خاصية هذه المدينة الفراء المصيصية التي لا يتولد فيها القمل وإذا غسلتها لم تتغير عن حالها وتحمل إلى سائر البلدان وربما بلغت قيمة الفروة منها ثلاثين ديناراً. ملطية مدينة بأرض الروم مشهورة.بها جبل فيه عين حدثني بعض التجار أن هذه العين يخرج منها ماء عذب ضارب إلى البياض يشربه الإنسان لا يضره شيئاً فإذا جرى مسافة يسيرة يصير حجراً صلداً. موغان ولاية واسعة بها قرى ومروج بآذربيجان على يمين القاصد من اردبيل إلى تبريز وهي جروم وآذربيجان كلها صرود كانت منازل التركمان لسعة رفغها وكثرة عشبها والآن اتخذها التتر مشتاة وجلا عنها تركمانها قال أبو حامد الأندلسي: رأيت بها قلعة عظيمة لها رساتيق كثيرة وقد هرب عنها أهلها لكثرة ما بها من الثعابين والحيات وقال: رأيت عند اجتيازي بها شجاعاً عظيماً ففزعت منه.مدينة مشهورة بديار بكر كانت بها بيعة من عهد المسيح عليه السلام وبقي حائطها إلى وقتنا هذا. حكي أن ولاية هذه البلاد كانت لرجل حكيم اسمه مروثا من قبل قسطنطين الملك صاحب رومية الكبرى فمرضت لشابور ذي الأكتاف بنت وعجز أطباء الفرس عن علاجها فأشار بعض أصحابه باستدعاء مروثا لعلاجها. فبعث إلى قسطنطين يسأله فبعثه إليه فعالجها مروثا ففرح بذلك شابور وقال له: سل حاجتك! فسأل مروثا الهدنة بينه وبين قسطنطين فأجابه إلى لك وكان يجري بينهما محاربات شديدة ولما أراد الانصراف قال له شابور: سل حاجة أخرى! فقال: إنك قتلت خلقاً كثيراً من النصارى فأسألك أن تأمر بجمع عظامهم لي! فأمر له بذلك فجمعوا من عظام النصارى شيئاً كثيراً فأخذها معه إلى بلاده وأخبر قسطنطين بالهدنة وجمع العظام فسر بذلك وقال له: سل حاجتك! فقال: أريد أن يساعدني الملك على بناء موضع في بلادي. فكتب قسطنطين إلى كل من يجاوره المساعدة بالمال والرجال فعاد إلى مكانه وبنى مدينة عظيمة وجعل في وسط حائط سورها عظام شهداء النصارى التي جمعها من بلاد الفرس وسمى المدينة مدور صالا معناه مدينة الشهداء واختار لبنائها وقتاً صالحاً لا تؤخذ عنوة وجعل لها ثمانية أبواب: منها باب يسمى باب الشهوة له خاصية في هيجان الشهوة أو إزالتها لم يتحقق عند الناقل ولا ان هذه الخاصية للدخول أو الخروج. وباب آخر يسمى باب الفرح والغم بصورتين منقوشتين على الحجر. أما صورة الفرح فرجل يلعب بيده وأما صورة الغم فرجل قائم على رأسه صخرة فلا يرى بميافارقين مغموم إلا نادراً. وفي برج يعرف ببرج علي بن وهب في الركن الغربي القبلي في أعلاه صليب منقور كبير يقال إنه يقابل البيت المقدس وعلى بيعة قمامة بالبيت المقدس صليب مثله قيل إن صانعهما واحد وبنى بيعة في وسط البلد على اسم بطرس وبولس وهي باقية إلى زماننا في المحلة المعروفة بزقاق اليهود فيها جرن من رخام أسود فيه منطقة الزجاج فيها دم يوشع بن نون عليه السلام وهو شفاء من كل داء وإذا طلي به البرص أزاله قيل: ان مروثا جاء به من رومية الكبرى أعطاه إياه قسطنطين عند عوده. هرقلة مدينة عظيمة بالروم كرسي ملك القياصرة بناها هرقل أحد القياصرة. غزاها الرشيد سنة إحدى وتسعين ومائة. نزل عليها يحاصرها فإذا رجل خرج من أهلها شاكي السلاح ونادى: يا معشر العرب ليخرج منكم العشرة والعشرون مبارزة! فلم يخرج إليه أحد لأنهم انتظروا إذن الرشيد وكان الرشيد نائماً فعاد الرومي إلى حصنه فلما أخبر الرشيد بذلك تأسف ولام فلما كان الغد خرج الفارس وأعاد القول فقال الرشيد: من له فابتدر جلة القواد وكان عند الرشيد مخلد بن الحسين وإبراهيم الفزاري قالا: يا أمير المؤمنين إن قوادك مشهورون بالبأس والنجدة ومن قتل منهم هذا العلج لم يكن فعلاً كبيراً وإن قتله العلج كانت وصمة على العسكر كبيرة فإن رأى الأمير أن يأذن لنا حتى نختار له رجلاً فعل. فاستصوب الرشيد ذلك فأشاروا إلى رجل يعرف بابن الجزري وكان من المتطوعة معروف بالتجارب مشهور في الثغور بالنجدة فقال له الرشيد: أتخرج إليه فقال: نعم وأستعين بالله عليه. فأدناه الرشيد وودعه واتبه وخرج معه عشرون من المتطوعة. فقال لهم العلج وهو يعدهم واحداً واحداً: كان الشرط عشرين وقد ازددتم رجلاً ولكن لا بأس! فنادوه: ليس يخرج إليك إلا واحد. فلما فصل منهم ابن الجزري تأمله العلج وقال له: أتصدقني فيما أسألك قال: نعم. قال: بالله أنت ابن الجزري قال: نعم. فقال: ملأ كفؤ! ثم أخذا في شأنهما حتى طال الأمر بينهما وكاد الفرسان ينفقان تحتهما وزجا برمحيهما وانتضيا بسيفيهما وقد اشتد الحر فلما أيس كل واحد منهما عن الظفر بصاحبه ولى ابن الجزري فدخل المسلمين كآبة وغطغط الكفار فاتبعه العلج فتمكن ابن الجزري منه فرماه بوهق واستلبه عن ظهر فرسه ثم عطف عليه فما وصل إلى الأرض حتى فارقه رأسه فكبر المسلمون تكبيراً وانخذل المشركون وبادروا إلى الحصن وأغلقوا الأبواب فصبت الأموال على ابن الجزري فلم يقبل منها شيئاً وسأل أن يعفى ويترك بمكانه. وأقام الرشيد عليها حتى استخلصها وسبى أهلها وخربها وبعث فيسقوس الجزية عن رأسه أربعة دنانير وعن كل واحد من البطارقة دينارين. |
إذا ما هجاني ناقص لا أجيبه= فإني إذا جاوبته فلي الذنب أنزه نفسي عن مساواة سفلة= ومن ذا يعض الكلب إن عضه الكلب
|
|
|
#28 |
|
محمد العريفي
المؤسس المشرف العام لملتقى القبائل العربية ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
هزاراسب مدينة كبيرة وقلعة حصينة بأرض خوارزم.الماء محيط بها وهي كالجزيرة ليس إليها إلا طريق واحد. تنسب إليها رحمة بنت إبراهيم الهزاراسبية المشهورة بأنها ما تناولت ثلاثين سنة طعاماً. وحكى أبو العباس عيسى المروزي أنها إذا شمت رائحة الطعام تأذت وذكرت أن بطنها لاصق بظهرها فأخذت كيساً فيه حب القطن وشدته على بطنها لئلا يقصف ظهرها. وبقيت إلى سنة ثمان وستين ومائتين. وادي الحجارة ناحية بقرب طليطلة قال العذري: لا يدخلها أحد من غير أهلها بصبي ابناً له ويعيش فيها هذا قول العذري. وجاز أن يكون مراده أن الصبي لا يعيش وجاز أن يكون مراده أن الأب لا وشلة قرية بآذربيجان من قرى خوي. بها عين من شرب من مائها يسهل في الحال جميع ما في بطنه حتى لو تناول شيئاً من الحبوب وشرب من ذلك الماء عليه يخرج في الحال. والوطة مدينة بجزيرة ميورقة كبيرة حصينة طيبة الأرض رخيصة الأسعار. بها مياه غزيرة وأشجار كثيرة قال العذري: بها أرحية عجيبة وذاك أن المياه إذا قلت لا تدير الرحا فعمدوا إلى عود غلظ دورته نحو عشرة أشبار وطوله سبعة أذرع وشقوه بنصفين ويحفرون وسط الشقين إلا نصف ذراع من آخره ويضمون أحدهما إلى الآخر ويفتحون في آخره كوة مقدار حافر حمار ثم ينصبونه على الساقية ويقومونه على الدولاب فيخرج الماء من الثقبة التي في العود بالقوة ويضرب أمشاط الدولاب ويدور الرحا. وبقرب والوطة فتق كأنه بئر ينزل الناس فيه بالمصابيح إلى أسفله فيجدون فيه ساقية ماء وبعدها ظلمة تأخذ بالنفس ولا يبقى فيها المصباح وإذا ألي في تلك الساقية شيء يخرج إلى البحر ويوجد فيه.موضع بين خلاط وارزن الروم. به عين يفور منها الماء فوراناً شديداً يسمع صوته من بعيد وإذا دنا منه شيء من الحيوان يموت في الحال فيرى حولها من الطيور والوحوش الموتى ما شاء الله. وقد وكلوا بها من يمنع الغريب من الدنو منها. يونان موضع كان بأرض الروم.به مدن وقرى كثيرة وإنها منشأ الحكماء اليونانيين والآن استولى عليها الماء. من عجائبها أن من حفظ شيئاً في تلك الأرض لا ينساه أو يبقى معه زماناً طويلاً. وحكى التجار أنهم إذا ركبوا البحر ووصلوا إلى ذلك الموضع يذكرون ما غاب عنهم. ولهذا نشأ بهذه الأرض الحكماء الفضلاء الذين لم يوجد أمثالهم في أرض أخرى إلا نادراً. ينسب إليها سقراط أستاذ أفلاطون وكان حكيماً زاهداً في الدنيا ونعيمها راغباً في الآخرة وسعادتها. دعا الناس إلى ذلك فأجابه جمع من أولاد الملوك وأكابر الناس فاجتمعوا عليه يأخذون منه غرائب حكمته ونوادر كلامه. فحسده جمع فاتهموه بمحبة الصبيان وذكروا أنه يتهاون بعبادة الأصنام ويدعو الناس إلى ذلك وسعوا به إلى الملك وشهد عليه جمع بالزور عند قاضيهم وحكم قاضيهم عليه بالقتل فحبس وعنده في الحبس سبعون فيلسوفاً من موافق ومخالف يناظرونه في بقاء النفس بعد مفارقة البدن فصحح رأيه في بقاء النفس. فقالوا له: هل لك أن نخلصك عن القتل بفداء أو هرب فقال: أخاف أن يقال لي لم هربت من حكمنا يا سقراط فقالوا: تقول لأني كنت مظلوماً! فقال: أرأيتم أن يقال ان ظلمك القاضي والعدول فكان من الواجب أن تظلمنا وتفر من حكمنا فماذا يكون جوابي وذاك أن القوم كان في شريعتهم أنه إذا حكم عدلان على واحد يجب عليه الانقياد وان كان مظلوماً فلذلك انقاد سقراط للقتل فازمعوا على قتله بالسم. فلما تناول السم ليشربه بكى من حوله من الحكماء حزناً على مفارقته. قال: إني وإن كنت أفارقكم إخواناً فضلاء فها أنا ذاهب إلى إخوان كرام حكماء فضلاء! وشرب السم وقضى نحبه. وينسب إليها أفلاطون أستاذ أرسطاطاليس فكان حكيماً زاهداً في الدنيا ويقول بالتناسخ. فوقع في زمانه وباء أهلك من الناس خلقاً كثيراً فتضرعوا إلى الله تعالى من كثرة الموت وسألوا نبيهم وكان من أنبياء بني إسرائيل عن سبب ذلك فأوحى الله تعالى إليه أنهم متى ضعفوا مذبحاً لهم على شكل المكعب ارتفع عنهم الوباء فأظهروا مذبحاً آخر بجنبه وأضافوه إلى المذبح الأول فزاد الوباء. فعادوا إلى النبي عليه السلام فأوحى الله تعالى إليه أنهم ما ضعفوا بل قرنوا به مثله وليس هذا تضعيف المكعب. فاستعانوا بأفلاطون فقال: إنكم كنتم تردون الحكمة وتمتنعون عن الحكمة والهندسة فأبلاكم الله تعالى بالوباء عقوبة لتعلموا أن العلوم الحكمية والهندسية عند الله بمكانة. ثم لقن أصحابه انكم متى أمكنكم استخراج خطين من خطين على نسبة متوالية توصلتم إلى تضعيف المذبح فإنه لا حيلة فيه دون استخراج ذلك فتعلموا استخراج ذلك فارتفع الوباء عنهم. فلما تبين للناس من أمر الحكمة هذه الأعجوبة تلمذ لأفلاطون خلق كثير منهم أرسطاطاليس واستخلفه على كرسي الحكمة بعده وكان أفلاطون تاركاً للدنيا لا يحتمل منه أحد ولا يعلم الحكمة إلا من كان ذا فطانة ونفس خيرة والتلميذ يأخذ منه الحكمة قائماً لاحترام الحكمة. وحكي أن الإسكندر ذهب إليه وكان أفلاطون أستاذ أستاذه فوقف إليه وهو في مشرقة قد أسند ظهره إلى جدار يأوي إليه فقال له الإسكندر: هل من حاجة فقال: حاجتي أن تزيل عني ظلك فقد منعتني الوقوف في الشمس! فدعا له بذهب وكسوة فاخرة من الديباج والقصب فقال: ليس بأفلاطون حاجة إلى حجارة الأرض وهشيم النبات ولعاب الدود وإنما حاجته إلى شيء يكون معه أينما توجه. وينسب إليها أرسطاطاليس ويقال له المعلم الأول لأنه نقح علم الحكمة وأسقط سخيفها وقرر إثبات المدعى وطريق التوجيه وكانوا قبله يأخذون الحكمة تقليداً. ووضع علم المنطق وخالف أستاذه أفلاطون وأبطل التناسخ قيل له: كيف خالفت الأستاذ فقال: الأستاذ صديقي والحق أيضاً صديقي لكن الحق أحب إلي من الأستاذ. وكان أستاذ الإسكندر ووزيره فأخذ الإسكندر برأيه الأرض كلها. حكي أن أرسطاطاليس سئل: لم حركة الإقبال بطيئة وحركة الإدبار سريعة فقال: لأن المقبل مصعد والصعود يكون من مرقاة إلى مرقاة والمدبر كالمقذوف من علو إلى أسفل. وحكى الحكيم الفاضل أبو الفتح يحيى السهروردي الملقب بشهاب الدين في بعض تصانيفه: بينا أنا بين النائم واليقظان رأيت في نور شعشعاني بمثل إنساني فإذا هو المعلم فسألته عن فلان وفلان من الحكماء فأعرض عني فسألته عن سهل بن عبد الله التستري وأمثاله فقال: أولئك هم الفلاسفة حقاً نطقوا بما نطقنا فلهم زلفى وحسن مآب! وحكي أن الإسكندر قال لأرسطاطاليس: قد ورد الخبر بفتح المدينة التي أنت منها فماذا ترى قال أرسطاطاليس: أرى أن لا يبقى على واحد منهم كيلا يرجع أحد يخالفك! فقال الإسكندر: أمرت أن لا يؤذى أحد فيها احتراماً لجانبك. فكلام الوزير عجب وكلام الملك أعجب منه. وينسب إليها ديوجانس وكان حكيماً تاركاً للدنيا مفارقاً لشهواتها ولذاتها مختاراً للعزلة ولا يرضى باحتمال منه من أحد حكي أنه كان نائماً في بستان في ظل شجرة فدخل عليه بعض الملوك فركله برجله وقال له: قد ورد الخبر بفتح بلدتك! فقال: أيها الملك فتح البلاد عادة الملوك لكن الركل من طباع الدواب! وحكي أنه رأى صياداً يكلم امرأة حسناء فقال له: أيها الصياد احذر أن تصاد! وحكي أنه رأى امرأة حسناء خرجت للنظارة يوم عيد فقال: هذه ما خرجت لترى إنما خرجت لترى! وحكي انه رأى رجلاً مع ابنه والابن شديد الشبه بأبيه فقال للصبي: نعم الشاهد أنت لأمك! وحكي انه نظر إلى شاب حسن الصورة قبيح السيرة فقال: يت حسن فيه ساكن قبيح! وينسب إليها بطليموس صاحب العلم المجسطي الذي عرف حركات الأفلاك وسير الكواكب بالبراهين الهندسية فذكر أن بعض الأفلاك يتحرك من المغرب إلى المشرق وبعضها من المشرق إلى المغرب وبعضها سريع الحركة وبعضها بطيء الحركة وبعضها يدور رحوية وبعضها يدو دولابية وبعضها يدور حمائلية. وان حركات الكواكب تابعة لحركات أفلاكها ومن الأفلاك بعضها محيطة بكرة الأرض وبعضها غير ميطة وبعضها مركزها مركز الأرض وبعضها مركز خارج من مركز الأرض. وأقام على ذلك كله البراهين الهندسية ومسح الأفلاك برجاً برجاً ودرجة درجة وثانية ثانية حتى يقول: في يوم كذا وفي ساعة كذا يكون الكسوف أو الخسوف ويقع كما قال. وأعجب من هذا أنه يبين بالبراهين الهندسية أن ما بين المساء والأرض من المسافة كم يكون ميلاً وأن كل فلك من الأفلاك تحتها كم يكون ميلاً ودورتها كم تكون ميلاً وقطرها كم يكون ميلاً. ومن أعجب الأشياء وضع الاصطرلاب والتقويم. فسبحان من علم الإنسان ما لم يعلم! وينسب إليها بطلميوس صاحب الأحكام النجومية. يزعم أنه حصل له بالتجربة مرة بعد أخرى وقوع الحوادث بحركات الأفلاك وسير الكواكب وليس على ذلك برهان كما في المجسطي لكن هو يزعم غلبة الظن وأنه موقوف على مقدمات وشرائط كثيرة قلما تحصل لأحد في زماننا. ومن أراد شيئاً من ذلك فلينظر في أحكام جاماسب وزير كشتاسف ملك الفرس فإنه كان قبل مبعث موسى عليه السلام وحكم بمبعث موسى وعيسى ونبينا عليه السلام وبإزالة الملة المجوسية وخروج الترك وأمثال ذلك من الحوادث الكثيرة. وينسب إليها بليناس صاحب الطلسمات. وإنها مأخوذة من أجرام سماوية وأجرام أرضية في أوقات مخصوصة وكتابنا هذا كثير فيه من ذكر الطلسمات. وينسب إليها فيثاغورس صاحب علم الموسيقى. زعموا أنه وضع الألحان على أصوات حركات الفلك بذكائه وصفاء جوهر نفسه. استخرج أصول النغمات وهو أول من تكلم في هذا العلم وفائدته أن المريض الذي عدم نومه أو قراره يلهى بهذه الأصوات فربما يأتيه النوم أو يخف عنه بعض ما به بسبب اشتغاله بسماع تلك الأصوات وكذلك الحزين الذي يغلب عليه الحزن يشغل بشيء من هذه الألحان فيخف عليه بعض ما به. وينسب إليها اقليمون وهو صاحب الفراسة والفراسة هي الاستدلال بالأمور الظاهرة على الأمور الخفية. وإنها كثيرة تظهر للإنسان على قدر ذكائه كما قال تعالى: إن في ذلك لآيات للمتوسمين. فإنك إذا رأيت إنساناً مصفر اللون ترى أنه مريض فإن لم تجد آثار المرض تعلم انه خائف. وإذا رأيت رجلاً كبير الرأس تعلم انه بليد تشبيهاً بالحمار وإذا رأيت رجلاً عريض الصدر دقيق الخصر تعلم أنه شجاع لأنه شبيه بالأسد. ومن هذا الطريق وهذا علم منسوب إلى الحكيم اقليمون. وينسب إليها أوقليدس واضع الأشكال الهندسية والبراهين اليقينية والمقالات العجيبة والأشكال الموقوفة. بعضها على بعض على وجه لا يفهم الثاني ما لم يفهم الأول ولا الثالث ما لم يفهم الثاني وعلى هذا الترتيب فلا يستعد لهذا الفن من العلوم إلا كل ذي فطانة وذكاء فإنه من العلوم الدقيقة. وينسب إليها أرشميدس واضع علم أعداد الوفق على وجه عجيب وهو أن يخرج شكلاً جميع أضلاعه متساوية طولاً وعرضاً وأقطاره كذلك ويكون جميع سطوره متساوية بالعدد. زعموا أن لهذه الأشكال خواص إذا ضربت في أوقات معينة. وأما شكل ثلاثة في ثلاثة فمجرب لسهولة الولادة وهو أول الأشكال وآخرها ألف في ألف. قال أيضاً مجرب لظفر العسكر إذا كان ذلك على رايتهم. وينسب إليها بقراط صاحب الأقوال الكلية في قوانين الطب لأن تجربته دلت على ذلك والذي اختاره من القواعد في غاية الحسن قلما ينتقض شيء منه. وكان خبيراً بعلم الطب بكلياته وجزئياته. وينسب إليها جالينوس صاحب علم الطب والمعالجات العجيبة بذكاء نفسه وألقي إليه في نومه. حكي أنه رأى طيراً سقط من الجو يضرب بجناحيه ثم أخذ شيئاً من الماء في منقاره وصب لك في منف ذرقه فانفصل منه ذرقه وطار فوضع الحقنة على ذلك عندما يكون الاحتباس في الامعاء. وحكي انه كان على إصبعه جرح بقي مدة لم يقبل المعالجة فرأى في نومه أن علاجه فصد عرق تحت كتفه من الجانب المخالف ففعل ذلك فعوفي. وحكي أنه قيل لجالينوس: كيف خرجت على أقرانك بوفور العلم فقال: لأن ما أنفق أولئك في الخمر أنا أنفقت في الزيت.وحكي أنه أصابه في آخر عمره إسهال شديد فقيل له: كيف عجزت عن حبس هذه وأنت أنت فدعا طشت ملأه ماء فرمى فيه دواء انعقد الماء فيه فقال: أقدر على حبس الماء في الطشت وما أقدر على حبس بطني لتعلموا أن العلم والتجربة لا ينفعان مع قضاء الله تعالى ! قال الشاعر: أرسطو مات مدفوقاً ضئيلاً وأفلاطون مفلوجاً ضعيفا مضى بقراط مسلولاً ضعيفا وجالينوس مبطوناً نحيفا هؤلاء فضلاء الناس ماتوا أسوأ ميتة لتعلموا أنه هو القاهر فوق عباده. والله الموفق. |
إذا ما هجاني ناقص لا أجيبه= فإني إذا جاوبته فلي الذنب أنزه نفسي عن مساواة سفلة= ومن ذا يعض الكلب إن عضه الكلب
|
|
|
#29 |
|
محمد العريفي
المؤسس المشرف العام لملتقى القبائل العربية ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
الاقليم السادس أوله حيث يكون الظل نصف النهار عند الاستواء سبعة أقدام وستة أعشار وسدس عشر قدم ويفضل ظل آخره على أوله بقدم واحد فقط. ويبتديء من مساكن ترك المشرق من قانى وتون وخرخيز وكيماك والتغزغز وأرض التركمان وبلاد الخزر واللان والسرير يمر على القسطنطينية والرومية الكبرى وبلاد المان وافرنجة وشمال الأندلس حتى ينتهي إلى بحر المغرب وأطول نهار هؤلاء في أول الإقليم خمس عشرة ساعة ونصف وآخره خمس عشرة ساعة ونصف وربع. وطوله في وسطه من المشرق إلى المغرب سبعة آلاف ميل ومائة وخمسة وسبعون ميلاً وثلاث وستون دقيقة. وعرضه مائتا ميل وخمسة عشر ميلاً وتسع وثلاثون دقيقة. وتكسيره ألف ألف ميل وستة وأربعون ألف ميل وعشرون ميلاً وكذا دقائق. ولنذكر شيئاً من أحوال المدن الواقعة فيه مرتبة على حروف المعجم. والله الموفق. أبولدة مدينة بأرض الفرنج عظيمة مبنية بالحجارة.لا يسكنها إلا الرهبان ولا تدخلها امرأة لأنه أوصى شهيدها بذلك واسم شهيدها باج الب زعموا أنه كان أسقفاً بافرنجة فتشاجر أهلها وأتى هذا الموضع وبنى هذه المدينة. وهي كنيسة عظيمة معتبرة عند النصارى حكى الطرطوشي قال: ما رأيت في جميع بلاد النصارى أعظم منها ولا أكثر ذهباً وفضة. وأكثر أوانيها كالمجامر والكؤوس والأباريق والقصاع من الذهب والفضة. وبها صنم من فضة على صورة شهيدها وجهه إلى المغرب وبها صنم آخر من ذهب وزنه ثلاثمائة رطل ملصق ظهره بلوح واسع عريض جداً قد كلل بالياقوت والزمرد وهو مفتوح اليدين على شكل المصلوب وهو صورة المسيح عليه السلام. وبها من صلبان الذهب والفضة وألواح الآثار كلها من الذهب والفضة قد كلل بالياقوت. اشت مدينة بأرض الإفرنج حكى العذري أن بهذه المدينة عادة عجيبة وهي أن أهلها إذا اشتروا متاعاً كتبوا ثمنه عليه وتركوه في دكانهم فمن وافقه بذلك الثمن أخذه وترك ثمنه مكانه. ولحوانيتهم حراس فمن ضاع منه شيء غرموا الحارس قيمته. أفرنجة أرض واسعة في آخر غربي الإقليم السادس.ذكر المسعودي أن بها نحو مائة وخمسين مدينة.قاعدتها باريس. وإن طولها مسيرة شهر وعرضها أكثر وإنها غير خصبة لكونها رديئة المحرث قليلة الكرم معدومة الشجر. وأهلها الإفرنج وهم نصارى أهل حرب في البر والبحر ولهم صبر وشدة في حروبهم لا يرون الفرار أصلاً لأن القتل عندهم أسهل من الهزيمة ومعاشهم على التجارات والصناعات. افش مدينة في بلاد الإفرنج مبنية بالصخور المهندمة على طرف نهر يسمى نهر افش. بها جمة غزيرة الماء جداً. عليها بيت واسع الفضاء يستحم فيه أهلها على بعد من الجمة خوفاً من شدة سخونة الماء الذي يفور من الجمة. انطرحت مدينة بأرض الفرنج عظيمة واسعة الرقعة. أرضها سبخة لا يصلح فيها شيء من الزروع والغراس ومعاشهم من المواشي ودرها وأصوافها. وليس ببلادهم حطب يشعلونه بحاجاتهم وإنما عندهم طين يقوم مقام الحطب وذاك أنهم يعمدون في الصيف إذا خفت المياه إلى مروجهم ويقطعون فيها الطين بالفؤوس على شكل الطوب فيقطع كل رجل منها مقدار حاجته ويبسطه في الشمس ينشف فيكون خفيفاً جداً فإذا عرض على النار يشتعل وتأخذ فيه النار كما تأخذ في الحطب. وله نار عظيمة ذات وهج عظيم كنار كير الزجاجين وإذا احترقت قطاعة لا جمر لها بل لها رماد. ايرلاندة جزيرة في شمالي الإقليم السادس وغربيه قال العذري: ليس للمجوس قاعدة إلا هذه الجزيرة في جميع الدنيا ودورها ألف ميل وأهلها على رسم المجوس وزيهم يلبسون برانس قيمة الواحد منها مائة دينار. وأما أشرافهم فيلبسون برانس مكللة باللآليء. وحكي أن في سواحلها يصيدون فراخ الأبلينة وهو نون عظيم جداً يصيدون أجراءها يتأدمون بها. وذكروا أن هذه الأجراء تتولد في شهر أيلول فتصاد في تشرين الأول والثاني وكانون الأول والثاني في هذه الأشهر الأربعة وبعد ذلك يصلب لحمها فلا يصلح للأكل. أما كيفية صيدها فقد ذكر العذري أن الصيادين يجتمعون في مراكب ومعهم نشيل كبير من حديد ذو أضراس حداد وفي النشيل حلقة عظيمة قوية وفي الحلقة حبل قوي فإذا ظفروا بالجرو صفقوا بأيديهم وصوتوا فيتلهى الجرو بالتصفيق ويقرب من المراكب مستأنساً بها فينضم أحد الملاحين إليها ويحك جبهته حكاً شديداً فيستلذ الجرو بذلك ثم يضع النشيل وسط رأسه ويأخذ مطرقة من حديد قوية ويضرب بها على النشيل بأتم قوة ثلاث ضربات فلا يحس بالضربة الأولى وبالثانية والثالثة يضطرب اضطراباً شديداً فربما صادف بذنبه شيئاً من المراكب فيعطبها ولا يزال مضطرب حتى يأخذه اللغوب. ثم يتعاون ركاب المراكب على جذبه حتى يصير إلى الساحل. وربما أحست أمر الجرو باضطرابه فتتبعهم فيستعدون بالثوم الكثير المدقوق ويخوضون به الماء فإذا شمت رائحة الثوم استبعثتها ورجعت القهقرى إلى خلف ثم يقطعون لحم الجرو ويملحونه. ولحمه أبيض كالثلج وجلده أسود كالنقس. باكويه مدينة بنواحي دربند بقرب شروان.بها عين نفط عظيمة تبلغ قبالتها في كل يوم ألف درهم وإلى جانبها عين أخرى تسيل بنفط أبيض كدهن الزئبق لا تنقطع نهاراً ولا ليلاً تبلغ قبالتها مثل الأولى. من عجائبها ما ذكر أبو حامد الأندلسي أن بها أرضاً ليس في ترابها حرارة كثيرة يجدها الإنسان والناس يصيدون الغزلان وغيرها ويقطعون لحمها ويجعلونه في جلودها مع الملح وما شاؤوا من الأبازير ويأخذون أنبوبة من القصب الغليظ النافذ ويشدون القصب على جلد الصيد ويدفنونه تحت ذلك التراب ويتركون القصب جارجاً فتخرج مائية اللحم كلها من القصبة فإذا نفدت المائية علموا أن اللحم قد نضج فيخرجونه وقد تهرأ. وحكى بعض التجار انه رأى بها ناراً لا تزال تضطرم ولا تنطفيء لأن موضعها معدن الكبريت. وحكى أبو حامد الأندلسي أن بقر باكويه جبلاً أسود في سنامه شق طويل يخرج منه الماء ويخرج مع ذلك الماء مثل صناج الدانق من النحاس وأكبر أو أصغر يحملها الناس إلى الآفاق للتعجب. باني وأريشة مدينتان بأرض الفرنج سميتا باسم بانيهما: أما باني فاسم ملك تلك الناحية في قديم الدهر وأريشة اسم زوجته. أما مدينة الباني فمدينة شريفة في وسطها سارية من رخام وعلى تلك السارية صورة باني كأنه ينظر إلى البحر إلى إقبال مراكبه من إفريقية. وعلى ميل من مدينة باني مدينة أريشة وفي وسط المدينة سارية من رخام عليها صورة أريشة صور جميعاً من برذيل مدينة بناحية افرنجة كثيرة المياه والأشجار والفواكه والحبوب. أكثر أهلها نصارى. بها بنيان منيفة على سوار عظيمة وفي سواحل هذه المدينة يوجد العنبر الجيد. وحكي أنهم إذا أصابهم كلب الشتاء وامتنع عليهم ركوب البحر مشوا إلى جزيرة بقربهم يقال لها انواطى بها نوع من الشجر يسمى مادقة فإذا أصابهم الجوع قشروا هذه الشجرة فوجدوا بين لحائها وخشبها شيئاً أبيض فاقتاتوا بها الشهر والشهرين وأكثر حتى يطيب الهواء. بها جبل مشرف عليها وعلى البحر المحيط وعليه صنم وذلك كأنه يخبر الناس بترك التعرض لسلوك البحر المحيط لئلا يطمع أحد ممن خرج من برذيل بركوب البحر الذي عنده طمع في سلوكه. برطاس ولاية واسعة بالخزر مفترشة على نهر اتل أهلها مسلمون لهم لغة مغايرة لجميع اللغات أبنينهم من الخشب يأوون إليها في الشتاء وأما في الصيف فيفرشون في الخرقاهات. بها نوع من الثعالب في غاية الحسن كثير الوبر أحمر اللون جلودها الفراء البرطاسية. والليل عندهم قليل في الصيف يكون مقدار ساعة لأن السائر لا يتهيأ له أن يسير فيه أكثر من فرسخ. بلاد بجناك هم قوم من الترك في الإقليم السادس في شماليه قرب الصقالبة.وهم قوم طوال اللحى اولو اسبلة طويلة. عندهم كثرة وقوة ومنعة لا يؤدون الخراج إلى أحد أصلاً ويغير بعضهم على بعض كالسباع ويفترشون نساءهم بمرأى الناس لا يستقبحون ذلك كالبهائم ومأكولهم الدخن. وبلادهم مسيرة اثني عشر يوماً. بلاد بجا هم قوم من الترك بلادهم مسيرة شهر وهم مشركون يسجدون لملكهم ويؤدون الاتاوة إلى الطحطاح ويعظمون البقر ولا يأكلونها تعظيماً لها. وبلادهم كثيرة العنب والتين والزعرور الأسود وفيها ضرب من الشجر لا تأكله النار ولهم أصنام من ذلك الخشب يأخذ الطرقيون من النصارى ذلك الخشب ويزعمون أنه من الجذع الذي صلب عليه عيسى عليه السلام. بلاد بغراج قوم من الترك لهم اسبلة بغير لحى وبلادهم مسيرة شهر لهم ملك عظيم الشأن يذكر أنه علوي من ولد يحيى بن زيد وعندهم مصحف مذهب على ظهره أبيات في مرثية زيد وهم يعبدون ذلك المصحف وزيد عندهم ملك العرب وعلي بن أبي طالب إله العرب ولا يملكون أحداً إلا من نسل ذلك العلوي. وإذا استقبلوا السماء فتحوا أفواههم وشخصوا أبصارهم ويقولون: إن إله العرب ينزل منها ويصعد إليها. ومعجزة هؤلاء الملوك الذين هم من نسل زيد طول اللحية وقيام الأنف وسعة العين. ولهؤلاء القوم عساكر فرسان ورجالهم كثيرة وصنعتهم عمل السلاح يعملون منه آلات حسنة جداً. وغذاؤهم دخن ولحوم الضأن الذكر وليس في بلادهم بقر ولا معز أصلاً. ولباسهم اللبود لا يلبسون غيرها. ولهم عادة أن من اجتاز بهم يأخذون عشر ماله. بلاد تاتار هم جيل عظيم من الترك سكان شرقي الإقليم السادس أشبه شيء بالسباع في قساوة القلب وفظاظة الخلق وصلابة البدن وغلظ الطبع وحبهم الخصومات وسفك الدماء وتعذيب الحيوان وخروجهم من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما رواه أبو بردة عن أبيه قال: كنت جالساً عند رسول الله عليه السلام فسمعته يقول: إن أمتي يسوقها قوم عراض الوجوه صغار الأعين كأن وجوههم المجان المطرقة ثلاث مرات حتى يلحقوهم بجزيرة العرب أما السابقة فينجو من هرب منهم وأما الثانية فيهلك بعض وينجو بعض وأما الثالثة فيهلك كلهم. قالوا: من هم يا رسول الله قال: هم الترك أما والذي نفسي بيده لتربطن خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين! وعنه صلى الله عليه وسلم: ان لله جنوداً بالمشرق اسمهم الترك ينتقم بهم ممن عصاه فكم من حافيات حاسرات يسترحمن فلا يرحمن فإذا رأيتم ذلك فاستعدوا للقيامة وأما الديانات فليسوا منها في شيء وليس عندهم حل ولا حرمة يأكلون كل شيء وجدوه ويسجدون للشمس ويسمونها إلهاً ولهم لغة مخالفة لسائر الأتراك وقلم يكتبون به مخالف لسائر الأقلام. حكت امرأة قالت: كنت في أسرهم مدة فاتفق أن الرجل الذي سباني مرض فقال أقاربه فيما قالوا: لعل هذه المرأة أطعمته شيئاً. فهموا بقتلي والمريض كان يمنعهم من قتلي فاجتمعوا يوماً اجتماعاً عظيماً وأحضروا معزاً أركبوني عليها وجاءت امرأة ساحرة بمنجل في يدها تديره وتقرأ شيئاً والجمع قيام عندي بالسيوف المسلولة فإذا المعز تحتي صاحت صيحة فرجع القوم وخلوا سبيلي وقالوا: ليس هذا كما ظننا.هم قوم من الترك بلادهم مسيرة عشرين يوماً وليس لهم بيت عبادة. يعظمون الخيل ويحسنون القيام عليها ويأكلون المذكى وغير المذكى ويلبسون القطن واللبود ولهم عيد عند ظهور قوس قزح. ولهم ملك عظيم الشأن له خيمة على أعلى قصره من ذهب تتسع لألف إنسان ترى من خمسة فراسخ. وبها حجر الدم وهو حجر إذا علق على إنسان كصاحب الرعاف أو غيره ينقطع دمه. |
إذا ما هجاني ناقص لا أجيبه= فإني إذا جاوبته فلي الذنب أنزه نفسي عن مساواة سفلة= ومن ذا يعض الكلب إن عضه الكلب
|
|
|
#30 |
|
محمد العريفي
المؤسس المشرف العام لملتقى القبائل العربية ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بلاد جكل هم قوم من الترك مسيرة بلادهم أربعون يوماً وبلادهم آمنة ساكنة وفيهم نصارى. وهم صباح الوجوه يتزوج الرجل منهم بابنته وأخته وسائر محارمه وليسوا مجوساً لكن هذا مذهبهم ويعبدون سهيلاً والجوزاء وبنات نعش ويسمون الشعرى اليمانية رب الأرباب. وعندهم دعة لا يرون الشر وجميع قبائل الترك يطمع فيهم للينهم ودعتهم. ومأكولهم الشعير والجلبان ولحوم الغنم وليس في بلادهم الإبل ولا البقر ولباسهم الصوف والفراء لا يلبسون غيرها. وبها حجر الفادزهر ولا ملك لهم وبيوتهم من الخشب والعظام. بلاد الختيان هم قوم من الترك بلادهم مسيرة عشرين يوماً وهم قوم أصحاب عقول وآراء صحيحة بخلاف سائر الترك. يتزوجون تزويجاً صحيحاً ولا ملك لهم بل كل جمع لهم شيخ ذو عقل ورأي يتحاكمون إليه. وليس لهم جور على من يجتاز بهم ولا اغتيال عندهم. ولهم بيت عبادة يعتكفون فيه الشهر والأكثر والأقل. ومأكولهم الشعير والجلبان ولا يأكلون اللحم إلا مذكى ولا يلبسون مصبوغاً. وبها مسك ذكي الرائحة جداً ما دام ي أرضهم فإذا حمل عنها تغير واستحال. وبها جبل فيه حيات من نظر إليها مات إلا أنها في ذلك الجبل لا تخرج عنه البتة. وبها حجر يسكن الحمى لكنه لا يعمل إلا في أرضهم وعندهم فادزهر جيد وعلامته أن فيه عروقاً خضراء وعندهم بقول كثيرة لها منافع. بلاد خرخيز هم قوم من الترك بلادهم مسيرة شهر. لهم ملك مطاع عالم بمصالحهم لا يجلس بين يديه إلا من جاوز الأربعين. ولهم كلام موزون يتكلمون به في صلاتهم ويصلون إلى جانب الجنوب. ولهم في السنة ثلاثة أعياد. ولهم أعلام خضر ينشرونها في الأعياد. ويعظمون زحل والزهرة ومأكولهم الدخن والأرز ولحوم البقر والغنم وغيرها إلا لحم الجمال. ولهم بيت عبادة وقلم يكتبون به. ولهم رأي ونظر في الأمور ولا يطفئون السراج بل يخلونه حتى ينطفيء بنفسه. بها حجر يسرج بالليل يستغنون به عن المصابيح. بلاد الخرلخ قوم من الترك بلادهم مسيرة خمسة وعشرين يوماً. وهم أهل البغي والظلم يغير بعضهم على بعض والزنا عندهم ظاهر. وهم أصحاب قمار يقامر أحدهم صاحبه في زوجته وأخته وأمه وابنته فما داموا في مجلس القمار فللمقمور أن يفادي فإذا انفصلا عن مجلس القمار فقد حصل له ما قمر يبيعها من التجار كما يريد. ونساؤهم ذوات الجمال والفساد ورجالهم قليلو الغيرة: تأتي امرأة الرئيس وأخته إلى القوافل وتختار أحداً منهم وتمشي به إلى بيتها وتنزله عندها وتحسن إليه وزوجها وأقاربها يساعدونها ويتحركون في حوائجها وما دام الضيف عندها فان الزوج لا يدخل عليها. ومأكولهم الحمص والعدس ويتخذون من الدخن الخمر ولا يأكلون اللحم إلا مغمساً بالملح ولباسهم الصوف. ولهم بيت عبادة في حيطانه صور متقدمي ملوكهم والبيت من خشب لا تأكله النار ومن هذا الخشب في بلادهم كثير. بها معدن الفضة يستخرجونها بالزئبق وعندهم شجر يقوم مقام الاهليلج قائم الساق إذا طليت عصارته على الاورام الحارة أبرأها لوقتها. ولهم حجر أخضر يعظمونه ويذبحون له الذبائح تقرباً إليه. بها نهر فيه حيات إذا وقع عليها عين شيء من الحيوان غشي عليه. بلاد الخزر هم جيل عظيم من الترك بلادهم خلف باب الأبواب الذي يقال له الدربند وهم صنفان: صنف بيض أصحاب الجمال الفائق وصنف سمر يقال لهم قرا خزر. وأبنيتهم خرقاهات إلا شيء يسير من الطين. ولهم أسواق وحمامات. ونزولهم على شط نهر آتل ولهم ملك عظيم يسمى بلك. وفيهم خلق كثير من المسلمين والنصارى واليهود وعبدة الأوثان. وإذا عرض لقوم منهم حكومة يبعثهم إلى حاكمهم والملك لا يدخل بينهم. ولكل قوم من الأقوام حاكم. ولملكهم قصر من الآجر بعيد من نهر آتل وليس لأحد بناء من الآجر إلا له. وحكي أن ملكهم لا يركب إلا في أربعة أشهر مرة وإذا ركب يكون بينه وبين الأجناد قدر ميل وإذا رآه أحد يخر ساجداً ولا يزال كذلك حتى يعبر الملك. وإذا بعث سرية فانهزمت قتل الهاربين كلهم ويحضر نساءهم وأولادهم وقماشهم يهبها لغيرهم ويقتلهم. وحكي ان ملكهم إذا جاوز الأربعين عزله أو قتله خاصته وقالوا: هذا قد نقص عقله لا يصلح لتدبير الملك! بلاد خطلخ هم قوم من الترك مسيرة بلادهم عشرة أيام وهم أشد شوكة من جميع قبائل الترك يغيرون على من حولهم ولهم رأى وتدبير في الأمور وينكحون الأخوات. والمرأة لا تتزوج إلا زوجاً واحداً فإن مات عنها لا تتزوج باقي عمرها. ومن زنى عندهم أحرقوا الزاني والمزني بها ولا طلاق لهم ومهر المرأة جميع ما يملكه الزوج ويأكلون الشعير والجلبان والبر وسائر اللحوم غير المذكاة. وإذا تزوج رجل امرأة لا مال لها فمهرها خدمة الولي سنة. والقصاص عندهم مشروع والجروح مضمونة بالارش فإن أخذ الارش ومات بالجراحة هدر دمه. وملكهم ينكر الشر أشد الانكار ولا يرضى به ومن شرط ملكهم أن لا يتزوج فإن تزوج قتل! هم أمة عظيمة من الترك بلادهم متاخمة لبلاد الصقالبة حكى المقدسي أنهم في جزيرة وبيئة تحيط بها بحيرة هي حصنهم وتمنع عنهم عدوهم. قال أحمد بن فضلان في رسالته: رأيت الروسية وقد وافوا بتجاراتهم على نهر آتل فلم أر أتم بدناً منهم كأنهم النخل شقر بيض لهم شريعة ولغة مخالفة لسائر الترك لكنهم أندر خلق الله لا يتنظفون ولا يحترزون عن النجاسات. ومن عادة ملكهم أن يكون في قصر رفيع كبير ومعه أربعمائة رجل من خواصه أهل الثقة عنده يجلسون تحت سريره. وله سري عظيم مرصع بالجواهر يجلس معه عليه أربعون جارية لفراشه وربما يطأ واحدة بحضور أصحابه ولا ينزل عن سريره البتة. فإن أراد قضاء الحاجة يقرب إليه الطشت وإن أراد الركوب تقرب الدابة إلى جنب السرير وله خليفة يسوس الجيوش ويدبر أمر الرعية ويواقع الأعداء. ومن عاداتهم أن من ملك عشرة آلاف درهم اتخذ لزوجته طوقاً من ذهب وإن ملك عشرين ألفاً اتخذ طوقين وعلى هذا فربما كان في رقبة واحدة أطواق كثيرة وإذا وجدوا سارقاً علقوه في شجرة طويلة وتركوه حتى يتفتت! بلاد الروم هم أمة عظيمة وهم سكان غربي الإقليم الخامس والسادس قالوا: هم من نسل عيصو بن إسحق بن إبراهيم عليه السلام. بلادهم واسعة ومملكتهم عظيمة منها الرومية والقسطنطينية. بلادهم بلاد برد لدخولها في الشمال وهي كثيرة الخيرات وافرة الثمرات كيرة البهائم من الدواب والمواشي. وكانوا في قديم الزمان على دين الفلاسفة إلى أن ظهر فيهم دين النصارى. ومن عاداتهم الخروج في أعيادهم بالشعانين والسباسب والدنح بالزينة للهو والطرب والمأكول والمشروب صغيرهم وكبيرهم وفقيرهم وغنيهم على قدر مكنته وقدرته. ومن عاداتهم إخصاء أولادهم ليكونوا من سدنة بيوت عبادتهم لكنهم لا يتعرضون للقضيب ويحدثون الخصي بالأنثيين لأنهم كرهوا لرهبانهم احبال نسائهم. وأما قضاء الوطر فلا يكرهونه وقيل: ان الخصي يبلغ في ذلك مبلغاً لا يبلغه الفحول لأنه يستحلب لفرط المداومة جميع ما عند المرأة ولا يفتر فإذا تزوج أحدهم وأراد الزفاف تحمل المرأة إلى القس حتى يكون القس مفترعها وينالها بركته والزوج أيضاً يمشي معها ليعلم أن الاقتضاض حصل بفعل القس! وملوك الروم وهم القياصرة كانوا من أوفر الملوك علماً وعقلاً وأتمهم رأياً وأكثرهم عدداً وعدداً وأوسعهم مملكة وأكثرهم مالاً ومن عاداتهم أن لا يأخذوا عدوهم مغافصة بل إذا أرادوا غزو بلاد كتبوا إلى صاحبها: نحن قاصدون بلادك في السنة الآتية فاستعد وتأهب لالتقائنا! أمة عظيمة من الترك وهم نصارى كانوا في طاعة سلاطين بني سلجوق إلى زمن سنجر بن ملكشاه فبعث إليهم من يستوفي الخراج منهم فتجاوز الجابي للخراج في الرسم والعادة فضربه ملكهم وكان اسمه طوطى بك فمات الجابي فبعث إلى السلطان يتعذر والسلطان وافق على قبول عذره لكن الحواشي أرادوا النهب والسبي وتحصيل المال قالوا: هؤلاء لا يقبل عذرهم فإنه إهانة بالسلطان وجرأة عليه فلنوقع بهم حتى لا يقدم غيرهم على مثل هذا الفعل القبيح! فذهب السلطان بعساكره إليهم فتضرعوا وتذللوا وقالوا للسلطان: ارحم عوراتنا وذرياتنا وخذ منا دية المقتول أضعافاً مضاعفة وضاعف علينا الخراج فلان السلطان وأبى أصحابه. فلما أيسوا من أمنهم تأهبوا للقتال وقالوا: نحن كلنا مقتولون فلا نقتل إلا في المعركة بعدما قتل كل منا بدله! فركبوا برجالهم ونسائهم وحملوا على المسلمين حملة رجل واحد وكشفوهم كشفاً قبيحاً وهزموهم وأخذوا السلطان ودخلوا بلاد خراسان وخربوها ونهبوا وسبوا. وكان ذلك سنة ثمان وأربعين وخمسمائة والسلطان بقي في أسرهم سنة ثم هرب. وحكى مسعر بن مهلهل أن لهم مدينة من الحجارة والخشب والقصب ولهم بيت عبادة ولهم تجارات إلى الهند والصين. ومأكولهم البر ولحم الغنم وملبوسهم الكتان والفراء. بها حجر أبيض ينفع من القولنج وحجر أحمر إذا أمر على النصل لم يقطع شيئاً. وبلادهم بلاد كيماك هم قوم من الترك بلادهم مسيرة خمسة وثلاثين يوماً وبيوتهم من جلود الحيوان. مأكولهم الحمص والباقلى ولحم الذكران من الضأن والمعز ولا يأكلون الاناث. بها عنب نصف الحبة أبيض ونصفها أسود وبها حجارة يستمطر بها متى شاؤوا. وعندهم معادن الذهب في سهل من الأرض يجدونه قطاعاً. وعندهم الماس يكشف عنه السيل. وعندهم نبات ينوم ويخدر. وليس لهم ملك ولا بيت عبادة. ولهم قلم يكتبون به. ومن يجاوز منهم ثمانين سنة عبدوه إلا أن يكون به عاهة. بها جبل يسمى منكور به عين في حفرة قال أبو الريحان الخوارزمي في كتابه الآثار الباقية: إن هذه الحفرة مقدار ترس كبير وقد استوى الماء على حافاتها فربما يشرب منه عسكر كثير لا ينقص مقدار إصبع وعند هذه العين صخرة عليها أثر رجل إنسان وأثر كفيه بأصابعهما وأثر ركبتيه كأنه كان ساجداً وأثر قدم صبي وحوافر حمار. والأتراك الغزية يسجدون لها إذا رأوها لأنهم نصارى ينسبونه إلى عيسى عليه السلام. بلدة بهى هي بلدة من بلاد الترك آهلة غناء أهلها مسلمون ونصارى ويهود ومجوس وعبدة الأصنام ولهم أعياد كثيرة لأن لكل قوم عيداً مخالفاً للآخرين. ومسيرة مملكة بهى أربعون يوماً. ولهم ملك عظيم ذو قوة وسياسة يسمى بهى. بها حجارة تنفع من الرمد وحجارة تنفع من الطحال وعندهم نيل جيد أخبر بهذه كلها أعني بلاد الترك وقبائلها مسعر بن مهلهل فإنه كان سياحاً رآها كلها. بيقر قلعة حصينة من أعمال شروان. على هذه القلعة صور وتماثيل من الحجر لم تعرف فائدتها لتقادم عهدها. وبها دار الإمارة مكتوب على بابها: في هذه الدار أحد عشر بيتاً والداخل لا يرى إلا عشرة بيوت وإن بذل جهده والحادي عشر وضع على وجه لا يعرفه أحد لأن فيه خزانة الملك. تركستان قد ذكرنا أن كل إقليم من الأقاليم السبعة شرقية مساكن الترك وبلادهم ممتدة من الإقليم الأول إلى السابع عرضاً في شرقي الأقاليم وقد بينا أنهم أمة عظيمة ممتازة عن سائر الأمم بالجلادة والشجاعة وقساوة القلب ومشابهة السباع والغالب على طباعهم الظلم والعسف والقهر ولا يرون إلا ما كان غصباً لطبع السباع وهمهم شن غارة أو طلب ظبي أو صيد طير. وعندهم من كبر انه لو سبي أحدهم وتربى في العبودية فإذا بلغ أشده يريد أن يكون زعيم عسكر سيده بل يريد أن يخالفه ويقوم مقامه وينسى حق التربية والانعام السابق. ونفوس الترك نفوس مائلة إلى الشر والفساد الذي هو طاعة الشيطان فترى أكثرهم عبدة الأصنام أو الكواكب أو النيران أو نصارى وما فيهم عجيب يذكر إلا سحرهم واستمطارهم المطر بالحجر الذي يرمونه في الماء وذكر انه من خاصية الحجر وقد مر ذكره مبسوطاً. حكى صاحب تحفة الغرائب أن بأرض الترك جبلاً لقوم يقال لهم زانك وهم ناس ليس لهم زرع ولا ضرع وفي جبالهم ذهب وفضة كثيرة وربما توجد قطعة كرأس شاة فمن أخذ القطاع الصغار ينتفع بها ومن أخذ القطاع الكبار يموت الآخذ وأهل كل بيت تلك القطعة فيه فإن ردها إلى مكانها انقطع الموت عنهم ولو أخذه الغريب لا يضره شيء. وحكي أن بتركستان جبلاً يقال له جبل النار فيه غار مثل بيت كبير كل دابة تدخله تموت في الحال.مدينة بأرض الفرنج مبنية بالحجارة المهندمة على نهر شعنة. لا تفلح بها الكروم والشجر أصلاً لكن يكثر بها القمح والسلت يخرج من نهرها حوت يسمونه سلمون وحوت آخر صغير طعمه ورائحته كطعم القثاء وذكر أن هذا الحوت يوجد في نيل مصر أيضاً ويسمى العير. وحكى الطرطوشي أنه رأى برذوم حدثاً بلغت لحيته ركبتيه فمشطها فهبطت عن ركبتيه بأربع أصابع وكان خفيف العارضين فحلف انه لم يكن على وجهه شعر قبل ذلك بستة أعوام ! وحكي انه يخرج في الشتاء برذوم عند البرد الشديد نوع من الاوز أبيض أحمر الأرجل والمناقير يسمى عايش وهذا النوع لا يتفرخ إلا في جزيرة عاهق وهي غير مسكونة فربما انكسرت المراكب في البحر فمن تعلق بهذه الجزيرة يقتات ببيض هذا الطير وفراخه الشهر والشهرين. رومية مدينة رئاسة الروم وعلمهم. وهي في شمالي غربي القسطنطينية وبينهما مسيرة خمسين يوماً وهي في يد الفرنج ويقال لملكهم ملك المان. وبها يسكن البابا الذي تطيعه الفرنج وهو عندهم ومدينة رومية من عجائب الدنيا لعظم عمارتها وكثرة خلقها خارج عن العادة إلى حد لا يصدقه السامع ذكر الوليد بن مسلم الدمشقي أن استدارة رومية أربعون ميلاً في كل ميل منها باب مفتوح فمن دخل من الباب الأول يرى سوق البياطرة ثم يصعد درجاً فيرى سوق الصيارفة والبزازين ثم يدخل المدينة فيرى في وسطها برجاً عظيماً واسعاً في أحد جانبيه كنيسة قد استقبل بمحرابها المغرب وببابها المشرق وفي وسط البرج بركة مبطنة بالنحاس يخرج منها ماء المدينة كله. حكي أن في وسطها عموداً من حجارة عليه صورة راكب على بعير يقول أهل المدينة: إن الذي بنى هذه المدينة يقول لا تخافوا على مدينتكم حتى يأتيكم قوم على هذه الصفة فهم الذين يفتحونها! وثلاثة جوانب المدينة في البحر والرابع في البر ولها سوران من رخام وبين السورين فضاء طوله مائتا ذراع وعرض السور ثمانية عشر ذراعاً وارتفاعه اثنان وستون ذراعاً. بها نهر بين السورين يدور ماؤه في جميع المدينة وهو ماء عذب يدور على بيوتهم ويدخلها وعلى النهر قنطرة بدفوف النحاس كل دفة منها ستة وأربعون ذراعاً. إذا قصدهم عدو رفعوا تلك الدفوف فيصير بين السورين بحر لا يرام وعمود النهر ثلاثة وتسعون ذراعاً في عرض ثلاثة وأربعين ذراعاً وبين باب الملك إلى باب الذهب اثنا عشر ميلاً وسوق ممتد من شرقيها إلى غربيها بأساطين النحاس وسقفه أيضاً نحاس وفوقه سوق آخر في الجميع التجار وأصحاب الأمتعة. وذكر أن بين يدي هذا السوق سوقاً آخر على أعمدة نحاس كل عمود منها ثلاثون ذراعاً. وبين هذه الأعمدة نقير من نحاس في طول السوق من أوله إلى آخره فيه لسان من البحر تجري فيه السفن فتجيء السفينة في هذه النقرة وفيه الأمتعة حتى تجتاز على السوق بين يدي التجار فتقف على تاجر تاجر فيختار منها ما يريد ثم ترجع إلى البحر. وبها كنيسة داخل المدينة بنيت على اسم مار بطرس ومار بولس وهما مدفونان فيها يقصدهما الروم ولهم فيهما اعتقاد عظيم ويذكرون عنهما أشياء عجيبة. وطول هذه الكنيسة ألف ذراع في خمسمائة ذراع في سمك مائتي ذراع. وبها كنيسة أخرى بنيت باسم اصطافنوس رأس الشهداء. طولها ستمائة ذراع في عرض ثلاثمائة ذراع في سمك مائة وخمسين ذراعاً. وسقوف هذه الكنيسة وحيطانها وأرضها وبيوتها وكواها كلها حجر واحد. وفي المدينة كنائس كثيرة. وفيها عشرة آلاف دير للرجال والنساء وحول سورها ثلاثون ألف عمود للرهبان. وفيها اثنا عشر ألف زقاق يجري في كل زقاق منها نهران: أحدهما للشرب والآخر للحشوش. وفيها اثنا عشر ألف سوق في كل سوق قبانان وأسواقها كلها مفروشة بالرخام الأبيض منصوبة على أعمدة النحاس مطبقة بدفوف النحاس. وفيها ستمائة وستون ألف حمام. وإذا كان وقت الزوال يوم السبت ترك جميع الناس أشغالهم في جميع الأسواق إلى غروب الشمس يوم الأحد وهو عيد النصارى. وبها مجامع لمن يلتمس صنوف العلم من الطب والنجوم والحكمة والهندسة وغير ذلك قالوا: انها مائة وعشرون موضعاً. وبها كنيسة صهيون. شبهت بصهيون بيت المقدس طولها فرسخ في عرض فرسخ في سمك مائتي ذراع ومساحة هيكلها ستة أجربة. والمذبح الذي يقدس عليه القربان من زبرجد أخضر طوله عشرون ذراعاً في عرض عشرة أذرع يحمله عشرون تمثالاً من ذهب طول كل تمثال ثلاثة أذرع أعينها يواقيت حمر وفي الكنيسة ألف ومائتا أطسوانة من المرمر الملمع ومثلها من النحاس المذهب طول كل أسطوانة خمسون ذراعاً لكل أسطوانة رجل معروف من الأساقفة. ولها ألف ومائتا باب كبار من النحاس الأصفر المفرغ وأربعون باباً من الذهب وأما الأبواب من الآبنوس والعاج فكثيرة. وفيها مائتا ألف وثلاثون ألف سلسلة من ذهب معلق من السقف ببكر تعلق منها القناديل سوى القناديل التي تسرج يوم الأحد. وبها من الأساقفة والشمامسة وغيرهم ممن يجري عليه الرزق من الكنيسة خمسون ألفاً كلما مات واحد قام مقامه آخر. وفيها عشرة آلاف جرة وعشرة آلاف خوان من ذهب وعشرة آلاف كاس وعشرة آلاف مسرجة من ذهب. والمنائر التي تدار حول المذبح سبعمائة منارة كلها ذهب وفيها من الصلبان التي تقوم يوم الشعانين ثلاثون ألف صليب وأما صلبان الحديد والنحاس المنقوشة والمموهة فمما لا يحصى ومن المصاحف الذهبية والفضية عشرة آلاف مصحف. وقد مثل في هذه الكنيسة صورة كل نبي بعث من وقت آدم إلى عيسى عليه السلام وصورة مريم عليها السلام كان الناظر إذا نظر إليهم يحسبهم أحياء. وفيها مجلس الملك حوله مائة عمود على كل عمود صنم في يد كل صنم جرس عليه اسم أمة من الأمم جميعاً. زعموا أنها طلسمات إذا تحرك صنم عرفوا ان ملك تلك الأمة يريدهم فيأخذون حذرهم. وبها طلسم الزيتون بين يدي هذه الكنيسة صحن يكون خمسة أميال في مثلها في وسطه عمود من نحاس ارتفاعه خمسون ذراعاً وهو كله قطعة واحدة وفوقه تمثال طائر يقال له السوداني من ذهب على صدره نقش وفي منقاره شبه زيتونة وفي كل واحدة من رجليه مثل ذلك. فإذا كان أوان الزيتون لم يبق طائر في تلك الأرض إلا أتى وفي منقاره زيتونة وفي رجليه زيتونتان يلقيها على ذلك الطلسم فزيت أهل رومية وزيتونهم من ذلك قالوا: هذا من عمل بليناس صاحب الطلسمات. وعلى هذا الطلسم أمناء وحفظة من قبل الملك وأبواب مختومة فإذا ذهب أوان الزيتون وامتلأ الصحن من الزيتون يجتمع الأمناء ويعطي الملك البطارقة منه ومن يجري مجراهم على قدرهم ويجعل الباقي لقناديل الكنيسة. وهذه القصة أعني طلسم الزيتون رأيتها في كتب كثيرة قلما تترك في شيء من عجائب البلاد. وقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: من عجائب الدنيا شجرة برومية من نحاس عليها صورة سودانية في منقارها زيتونة فإذا كان أوان الزيتون صفرت فوق الشجرة فيوافي كل طير في تلك الأرض من جنسها ثلاث زيتونات في منقاره ورجليه ويلقيها على تلك الشجرة فيعصرها أهل رومية فتكفيهم لقناديل بيعهم وأكلهم جميع الحول. وبها طلسم آخر وهو أنه في بعض كنائسهم نهر يدخل من خارج المدينة وفيه من الضفادع والسلاحف والسرطانات شيء كثير وعلى الموضع الذي يدخله الماء من الكنيسة صورة صنم من حجارة في يده حديدة معتقة كأنه يريد أن يتناول بها شيئاً من الماء فإذا انتهت إليه هذه الحيوانات المؤذية رجعت ولم يدخل الكنيسة شيء منها البتة. وهذه كلها منقولة من كتاب ابن الفقيه وهو محمد بن أحمد الهمذاني وأعجب من هذه كلها أن مدينة هذه صفتها من العظم ينبغي أن تكون مزارعها وضياعها إلى مسيرة أشهر وإلا لا يقوم بميرة أهلها. وذكر قوم من بغداد أنهم شاهدوا هذه المدينة قالوا: انها في العظم والسعة وكثرة الخلق مما يقارب هذا والذي لم يرها يشكل عليه. وحكي أن أهل رومية يحلقون لحاهم ووسط هاماتهم فسئلوا عن ذلك فقالوا: لما جاءهم شمعون الصفا والحواريون دعوهم إلى النصرانية فكذبوهم وحلقوا لحاهم ورؤوسهم فلما ظهر لهم صدق قولهم ندموا على ما فعلوا وحلقوا لحى أنفسهم ورؤوسهم كفارة لذلك. زره كران معناه صناع الدرع: قريتان فوق باب الأبواب على تل عال وحواليه قرى ومزارع ورساتيق وجبال وآجام. أهلها طوال القدود شقر الوجوه خزر العيون ليس لهم صنعة سوى عمل الدروع والجواشن. وهم أغنياء أسخياء يحبون الغرباء لا سيما من يعرف شيئاً من العلوم أو الخط أو يعرف شيئاً من الصناعات ولا يقبلون الخراج لأحد لحصانة موضعهم. وليس لهم ملة ولا مذهب. وفي كل قرية من تلك القرى بيتان كبيران تحت الأرض مثل السراديب: أحدهما للرجال والآخر للنساء.وفي كل بيت عدة رجال معهم سكاكين فإذا مات أحدهم فإن كان رجلاً حملوه إلى بيت الرجال وإن كانت امرأة إلى بيت النساء فيأخذه أولئك الرجال ويقطعون أعضاءه ويعرقون ما عليها من اللحم ويخرجون ما فيها من النقي ثم يجمعون تلك العظام وما فيها من بلل ولا درن في كيس إن كان من الأغنياء في كيس ديباج وإن كان من الفقراء في كيس خام ويكتبون على الكيس اسم صاحب العظام واسم أبويه وتاريخ ولادته ووقت موته ويعلقون الكيس في تلك البيوت ويأخذون لحم الرجال إلى تل خارج القرية وعليه الغربان السود فيطعمونها ذلك اللحم ولا يخلون طيراً آخر يأكله فإن جاء طير آخر ليأكله رموه بالنشاب ويأخذون لحم النساء إلى مكان آخر ويطعمون الحدأة ويمنعون غيرها من الطيور. وحكى أبو حامد الأندلسي أنه سمع أهل دربند أنهم جهزوا ذات مرة العساكر وذهبوا إلى زره كران فذهبوا حتى دخلوا القرية فخرج من تحت الأرض رجال دخلوا تلك البيوت فهبت ريح عاصف وجاء ثلج كثير حتى لم يعرف أحد من تلك العساكر صاحبه فجعل بعضهم يقتل بعضاً وضلوا عن الطريق وهلك منهم خلق كثير ونجا بعضهم بعدما عاينوا الهلاك. وذكروا أن صاحب شروان وكان ملكاً جباراً صاحب شوكة وقوة قصدهم ذات يوم طمعاً فيهم فأصابه مثل ما أصاب أصحاب دربند فامتنع الملوك عن غزوهم.قيل: يأجوج ومأجوج ابنا يافث بن نوح عليه السلام. وهما ولدا خلقاً كثيراً فصاروا قبيلتين لا يعلم عددهم إلا الله. روى الشعبي أن ذا القرنين سار إلى ناحية يأجوج ومأجوج فاجتمع إليه خلق كثير وقالوا: أيها الملك المظفر إن خلف هذا الجبل خلقاً لا يعلم عددهم إلا الله يخربون علينا بلادنا وياكلون ثمارنا وزروعنا! قال: وما صفتهم قالوا: قصار ضلع عراض الوجوه. قال: وكم صنفاً قالوا: أمم كثيرة لا يحصيهم إلا الله! ثم قالوا: هل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً معناه تجمع من عندنا مالاً تصرفه في حاجز بيننا وبينهم ليندفع عنا أذاهم. فقال الملك: لا حاجة إلى مالكم فإن الله أعطاني من المكنة ما لا حاجة معها إلى مالكم لكن ساعدوني بالآلة والرجال وأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً. فأمر بالحديد فأذيب واتخذ منه لبناً عظاماً وأذاب النحاس واتخذه ملاطاً لذلك اللبن وبنى به الفج الذي كانوا يدخلون منه فسواه مع قلتي الجبل فصار شبيهاً بالمصمت. وروي أن ذا القرنين إنما عمر السد بعد رجوعه عنهم فتوسط أرضهم ثم انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما وهو مقطع أرض الترك فوجد ما بينهما مائة فرسخ فحفر له أساساً بلغ به الماء وجعل عرضه خمسين فرسخاً وجعل حشوه الصخور وطينه بالنحاس المذاب فصب عليه وصار عرقاً من جبل تحت الأرض ثم علاه وشرفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقاً من نحاس ومن الأخبار المشهورة حديث سلام الترجمان قال: إن الواثق بالله رأى في المنام أن السد الذي بناه ذو القرنين بيننا وبين يأجوج ومأجوج مفتوح فأرعبه هذا المنام فأحضرني وأمرني بالمشي إلى السد والنظر إليه والرجوع إليه بالخبر وضم إلي خمسين رجلاً ووصلني بخمسة آلاف درهم وأعطاني ديتي عشرة آلاف درهم ومائتي بغل تحمل الزاد والماء. قال: فخرجنا من سر من رأى بكتاب إلى صاحب أرمينية إسحق بن إسماعيل وكان إسحق بمدينة تفليس فأمره بإنفاذنا وقضاء حوائجنا فكتب إسحق إلى صاحب السرير وصاحب السرير كتب إلى طرخان صاحب اللان وصاحب اللان إلى فيلانشاه وفيلانشاه كتب إلى ملك الخزر وملك الخزر بعث معنا خمسة نفر من الأدلاء. فسرنا ستة وعشرين يوماً فوصلنا إلى أرض سوداء منتنة الرائحة وكنا حملنا معنا خلاً لنشمه لدفع غائلة رائحتها بإشارة الادلاء وسرنا في تلك الأرض عشرة ايام ثم صرنا في بلاد خراب مدنها. فسرنا فيها سبعة وعشرين يوماً فسألنا الادلاء سبب خرابها فقالوا: خربها يأجوج ومأجوج. ثم صرنا إلى حصن قريب من الجبل الذي يقوم السد في بعض شعابه ومنه جزنا إلى حصن آخر وبلاد ومدن فيها قوم مسلمون يتكلمون بالعربية والفارسية ويقرأون القرآن ولهم مساجد فسألونا: من أين أقبلتم وأين تريدون فأخبرناهم أنا رسل الأمير. فأقبلوا يتعجبون ويقولون: أشيخ أم شاب قلنا: شاب. فقالوا: أين يسكن قلنا: بأرض العراق في مدينة يقال لها سر من رأى. فقالوا: ما سمعنا بهذا قط. ثم ساروا معنا إلى جبل أملس ليس عليه شيء من النبات وإذا هو مقطوع بواد عرضه مائة وخمسون ذراعاً فإذا عضادتان مبنيتان مما يلي الجبل من جنبتي الوادي عرض كل عضادة خمسة وعشرون ذراعاً الظاهر من ثخنها عشرة أذرع خارج الباب كله مبني بلبن حديد مغيب في نحاس في سمك خمسين ذراعاً وإذا دروند حديد طرفاه في العضادتين طوله مائة وعشرون ذراعاً قد ركب على العضادتين على كل واحد مقدار عشرة أذرع في عرض خمسة أذرع. وفوق الدربند بناء باللبن الحديد والنحاس إلى رأس الجبل. وارتفاعه مد البصر وفوق ذلك شرف حديد في طرف كل شرف قرنان ينثني كل واحد منهما إلى صاحبه وإذا باب حديد مصراعان مغلقان عرض كل مصراع ستون ذراعاً في ارتفاع سبعين ذراعاً في ثخن خمسة أذرع وقائمتان في دوارة على قدر الدربند وعلى الباب قفل طوله سبعة أذرع في غلظ باع وارتفاع القفل من الأرض خمسة وعشرون ذراعاً وفوق القفل نحو خمسة أذرع غلق طوله أكثر من طول القفل وعلى الغلق مفتاح مغلق طوله سبعة أذرع له أربعة عشر دندانكاً كل دندانك أكبر من دستج الهاون مغلق في سلسلة طولها ثمانية أذرع في استدارة أربعة أشبار والحلقة التي فيها السلسلة مثل حلقة المنجنيق وارتفاع عتبة الباب عشرة أذرع في بسط مائة ذراع سوى ما تحت العضادتين والظاهر منها خمسة أذرع وهذا الذرع كله ذراع السواد. ورئيس تلك الحصون يركب كل يوم جمعة في عشرة فوارس مع كل فارس مرزبة حديد يدقون الباب ويضرب كل واحد منهم القفل والباب ضرباً قوياً مراراً ليسمع من وراء الباب ذلك فيعلمون أن هناك حفظة ويعلم هؤلاء أن أولئك لم يحدثوا في الباب حدثاً. وإذا ضربوا الباب وضعوا آذانهم فيسمعون وراء الباب دوياً عظيماً. وبالقرب من السد حصن كبير يكون فرسخاً في مثله يقال انه كان يأوي إليه الصناع زمان العمل. ومع الباب حصنان يكون كل واحد منهما مائتي ذراع في مثلها وعلى باب هذين الحصنين شجر كبير لا يدرى ما هو وبين الحصنين عين عذبة وفي أحد الحصنين آلة البناء الذي بني به السد من قدر الحديد والمغارف وهناك بقية اللبن الحديد وقد التصق بعضه ببعض من الصدإ واللبنة ذراع ونصف في سمك شبر. قال: فسألنا أهل تلك البلاد هل رأيتم أحداً من يأجوج ومأجوج فذكروا أنهم رأوا منهم عدداً فوق الشرف ذات مرة فهبت ريح سوداء فألقتهم إلينا فكان مقدار الواحد منهم في رأي العين شبراً ونصفاً. فهممنا بالانصراف فأخذنا الادلاء نحو جهة خراسان فسرنا حتى خرجنا خلف سمرقند بسبعة فراسخ وأخذنا طريق العراق حتى وصلنا. وكان من خروجنا سقسين بلدة من بلاد الخزر عظيمة آهلة ذات أنهار وأشجار وخيرات كثيرة. ذكروا أن أهلها أربعون قبيلة من الغز. وفي المدينة من الغرباء والتجار ما لا يحصى عددهم والبرد عندهم شديد جداً ولكل واحد دار فيحاء كبيرة وفي الدار خرقاه مغطاة باللبود من البرد. وأهلها مسلمون أكثرهم على مذهب الإمام أبي حنيفة ومنهم من هو على مذهب الإمام الشافعي. وفيها جوامع لكل قوم جامع يصلون فيه ويوم العيد تخرج منابر لكل قوم منبر يخطبون عليه ويصلون مع إمامهم. والشتاء عندهم شديد جداً. وسقوف أبنيتهم كلها من خشب الصنوبر. بها نهر عظيم أكبر من دجلة وفيه من أنواع السمك ما لم يشاهده أحد في غيره يكون السمك حمل جمل وفيها صغار لا شوك فيها كأنها الية الحمل محشوة بلحم الدجاج بل أطيب ويشترى من هذا السمك مائة من بنصف دانق يخرج من بطنها دهن يكفي للسراج شهراً ويحصل منها الغراء نصف من وأكثر. وإن قدد يكون من أحسن قديد. ومعاملات أهل سقسين على الرصاص كل ثلاثة أمنان بالبغدادي بدينار ويشترون بها ما شاؤوا كالفضة في بلادنا. والخبز واللحم عندهم رخيص تباع الشاة بنصف دانق والحمل حكى الغرناطي أن نهرهم قد جمد عند الشتاء وأنا مشيت عليه فكان عرضه ألف خطوة وثمانمائة ونيفاً وأربعين. شابر بليدة بناحية باب الأبواب.بها جب بيجن وإنها جب عميقة. لما ظفر افراسياب ملك الترك ببيجن مقدم الفرس كره أن يقتله لكثرة ما نال منه في الوقائع وأراد تعذيبه فكبله وحبسه في هذه الجب وألقى على رأسها صخرة عظيمة فذهب رستم الشديد إليها خفية وسرقه ورفع الصخرة من رأس الجب ورمى بها وأتى به إلى بلاد الفرس وعاد بيجن إلى ما كان يأخذ العساكر ويوقع بالترك ويبليهم بالبلاء. والصخرة التي كانت على رأس الجب ملقاة هناك يتعجب الناس من كبرها ورفع رستم إياها. وبها دجلة الخنازير التي جرى ذكرها في كتاب شاه نامه في قصة بيجن. شروان ناحية قرب باب الأبواب قالوا: عمرها أنوشروان كسرى الخير فسميت باسمه وأسقط شطرها تخفيفاً. وهي ناحية مستقلة بنفسها يقال لملكها اخستان. ذهب بعضهم إلى أن قصة موسى والخضر عليهما السلام كانت بها وان الصخرة التي نسي يوشع عليه السلام الحوت عندها بشروان والبحر بحر الخزر والقرية التي لقيا فيها غلاماً فقتله قرية جيران والقرية التي استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه باجروان وهذه كلها من نواحي أرمينية قرب الدربند ومن الناس من يقول انها كانت بأرض افريقية. وبها أرض مقدار شوط فرس يخرج منها بالنهار دخان وبالليل نار إذا غرزت في هذه الأرض خشبة احترقت والناس يحفرون فيها حفراً ويتركون قدورهم فيها باللحم والأبازير فيستوي نضجها حدثني بهذا بعض فقهاء شروان. وبها نبات عجيب يسمى خصى الثعلب حكى الشيخ الرئيس أنه رآه بها وهو يشبه خصيتين إحداهما ذابلة والأخرى طرية ذكر أن من عرضه عليه قال: الذابلة تضعف قوة الباه والطرية تعين عليها. ينسب إليها الحكيم الفاضل أفضل الدين الخاقاني كان رجلاً حكيماً شاعراً. اخترع صنفاً من الكلام انفرد به وكان قادراً على نظم القريض جداً محترزاً عن الرذائل التي تركبها الشعراء محافظاً على المروءة والديانة حتى ان صاحب شروان أراد رجلاً يستعمله في بعض أشغاله فقال له وزيره: ما لهذا الشغل مثل الخاقاني! فطلبه وعرضه عليه فأبى وقال: إني لست من رجال هذا الشغل! فقال الوزير: الزمه به إلزاماً! فحبسه على ذلك فبقي في الحبس أياماً لم يقبل فقال الملك للوزير: حبسته وما جاء منه شيء! فقال الوزير: ما عملت شيئاً حبسته في دار خالية وحده وهو ما يريد إلا هذا احبسه في حبس الجناة! فحبسه مع السراق والعيارين فيأتيه أحدهم يقول: على أي ذنب حبست ويأتيه الآخر يقول: انشدني قصيدة! فلما رأى شدة الحال ومقاساة الأغيار يوماً واحداً بعث إلى الملك: إني رضيت بكل ما أردت كل شيء ولا هذا! فأخرجه وولاه ذلك الشغل. شلشويق مدينة عظيمة جداً على طرف البحر المحيط.وفي داخلها عيون ماء عذب. أهلها عبدة الشعرى إلا قليلاً وهم نصارى لهم بها كنيسة. حكى الطرطوشي: لهم عيد اجتمعوا فيه كلهم لتعظيم المعبود والأكل والشرب ومن ذبح شيئاً من القرابين ينصب على باب داره خشباً ويجعل القربان عليه بقراً كان أو كبشاً أو تيساً أو خنزيراً حتى يعلم الناس انه يقرب به تعظيماً لمعبوده. والمدينة قليلة الخير والبركة. أكثر مأكولهم السمك فإنه كثير بها. وإذا ولد لأحدهم أولاد يلقيهم في البحر ليخف عليه نفقتهم.وبها كحل مصنوع إذا اكتحلوا به لا يزول أبداً ويزيد الحسن في الرجال والنساء وقال: لم أسمع غناء أقبح من غناء أهل شلشويق. وهي دندنة تخرج من حلوقهم كنباح الكلاب وأوحش منه. شناس بليدة من بلاد لكزان على طرف جبل شاهق جداً لا طريق إليها إلا من أعلى الجبل فمن أراد أن يأتيها أخذ بيده عصا وينزل يسيراً يسيراً من شدة هبوب الريح لئلا تسفره الريح. والبرد عندهم في غاية الشدة سبعة أشهر. فيها كلبة وينبت عندهم نوع من الحب يقال له السلت وشيء من التفاح الجبلي. وأهلها أهل الخير والصلاح والضيافة للفقراء والإحسان إلى الغرباء وصنعتهم عمل الأسلحة كالدروع والجواشن وغيرها من أنواع الأسلحة. ظاخر مدينة كبيرة آهلة على ست مراحل من جنزة وهي قصبة بلاد لكزان. البرد بها شديد جداً. حدثني الفقيه يوسف بن محمد الجنزي أن ماءها من نهر يسمى ثمور يكون جامداً في الشتاء والصيف يكسرون الجمد ويسقون الماء من تحته فإذا اسقوا وجعلوه في جرة تركوها في غطاء من جلد الغنم لئلا يجمد في الحال. وقوتهم من حب يقال له السلت يشبه الشعير في صورته وطبعه طبع الحنطة ولا تجارة عندهم ولا معاملة بل كل واحد يزرع من هذا الحب قدر كفايته ويتقوت به وبدر غنيمات له ورسلها ويلبس من صوفها. ولا رئيس بل عندهم خطيب يصلي بهم وقاض يفصل الخصومات بينهم على مذهب الإمام الشافعي وأهل المدينة كلهم شافعية بها مدرسة بناها الوزير نظام الملك الحسن بن علي بن إسحق وفيها مدرس وفقهاء وشرط لكل فقيه فيها كل شهر رأس غنم وقدر من السلت وذكر أنهم نقلوا مختصر المزني إلى لغة اللكزية وكذلك كتاب الإمام الشافعي ويشتغلون بهما. فاراب ولاية في تخوم الترك بقرب بلاد ساغو مقدارها في الطول والعرض أقل من يوم إلا أن بها منعة وبأساً. وهي أرض سبخة ذات غياض. ينسب إليها الأديب الفاضل إسماعيل بن حماد الجوهري صاحب كتاب صحاح اللغة وكذلك خاله إسحق بن إبراهيم صاحب ديوان الأدب ومن العجب أنهما كانا من أقصى بلاد الترك وصارا من أئمة العربية! فرغانة ناحية بما وراء النهر متاخمة لبلاد الترك كثيرة الخيرات وافرة الغلات قال ابن الفقيه: بناها أنوشروان كسرى الخير. نقل إليها من كل أهل بيت وسماها هرخانه بها جبال ممتدة إلى بلاد الترك وفيها من الأعناب والتفاح والجوز وسائر الفواكه ومن الرياحين الورد والبنفسج وغيرهما كلها مباح لا مالك لها وفيها وفي أكثر جبال ما وراء النهر الفستق المباح. وبها من المعادن معدن الذهب والفضة والزئبق والحديد والنحاس والفيروزج والزاج والنوشاذر والنفط والقير والزفت وبها جبل تحترق حجارته مثل الفحم يباع وإذا احترق يستعمل رماده في تبييض الثياب قال الاصطخري: لا أعرف مثل هذا الحجر في جميع الأرض. وبها عيون ماؤها يجمد في الصيف عند شدة الحر وفي الشتاء يكون حاراً جداً حتى يأوي إليها السوام لدفء موضعها. |
إذا ما هجاني ناقص لا أجيبه= فإني إذا جاوبته فلي الذنب أنزه نفسي عن مساواة سفلة= ومن ذا يعض الكلب إن عضه الكلب
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| أدوات الموضوع | |
|
|